ماكرون في مواجهة تحديات داخلية وخارجية في 2025

أبرزها غياب الاستقرار السياسي في الداخل والحمائية الأميركية وحروب الخارج

شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في مواجهة تحديات داخلية وخارجية في 2025

شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)
شاشات تنقل خطاب ماكرون بمناسبة السنة الجديدة في باريس (أ.ف.ب)

في كلمته التقليدية للفرنسيين عشية رأس السنة الجديدة، سعى الرئيس الفرنسي لاستنهاض مواطنيه بعد عام تميز بانعدام الاستقرار السياسي، وخسارته المدوية للانتخابات الأوروبية والتشريعية، وصعود نجم اليمين المتطرف الذي يقترب بشكل خطير من الاستحواذ على السلطة، وتفاقم أزمة المديونية التي بلغت أرقاماً قياسية «3300 مليار يورو»، وتعاقب أربعة رؤساء حكومات في عام واحد، وسقوط ثالث حكوماته في البرلمان، وتصاعد المطالبة باستقالته، والعجز عن إقرار الميزانية في البرلمان. وخارجياً، تواصلت المطالبة بانسحاب القوات الفرنسية من أفريقيا، فانضمت تشاد والسنغال إلى دول الساحل الثلاث التي أُغلقت القواعد الفرنسية على أراضيها «مالي وبوركينا فاسو والنيجر». فضلاً عن ذلك، تضاءل نفوذ فرنسا، العضو المؤسس للمشروع الأوروبي بالشراكة مع ألمانيا، داخل الاتحاد؛ بسبب ضعف إيمانويل ماكرون في الداخل، ومشاكل بلاده الاقتصادية.

الرئيس إيمانويل ماكرون متحدثاً خلال مؤتمر صحافي ببروكسل 17 أكتوبر (د.ب.أ)

وباختصار، فإن باريس تجد نفسها، فجر عام 2025، بمواجهة تحديات استثنائية في الداخل والخارج.

من هنا، فإن كلمة ماكرون التي تابعها عشرة ملايين شخص، كانت مرتقبة ليعرف الفرنسيون طبيعة المسار الذي ستسلكه بلادهم، ليس فقط في العام الذي انطلق، بل، على الأقل، للأشهر الثلاثين المتبقية من ولاية ماكرون الثانية، التي تنتهي في ربيع عام 2027.

بالنظر لما سبق، كان على الرئيس الفرنسي أن يحارب موجة التشاؤم التي لها الغلبة حالياً، ولذا لم يتردد في تأكيد أن «المستحيل ليس فرنسياً»، مُذكّراً بنجاح الألعاب الأولمبية والبارالمبية التي استضافتها بلاده، الصيف الماضي، والتي «دخلت التاريخ». كما ذكّر بالنّجاح السريع في ترميم كاتدرائية نوتردام، ضحية حريق كبير التهم أجزاء كبيرة منها.

وفي الحالتين، برزت فرنسا، وعاصمتها باريس، في أبهى حلّة لهما. ولم تفُته الإشارة إلى الاحتفالات الدولية الواسعة التي استضافتها فرنسا بمناسبة ثمانين عاماً على إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي «شمال غربي البلاد»، وإنهاء الاحتلال النازي الألماني. وخلاصته دعوة مواطنيه للبقاء «متحدين ومتضامنين وحازمين» لمواجهة التحديات المقبلة.

تحديات بالجملة

يتمثّل التحدي الأول، وفق ماكرون نفسه، في «مواجهة انعدام الاستقرار السياسي». وللمرّة الأولى، اعترف بمسؤوليته بسبب قراره في يونيو (حزيران) الماضي حلّ المجلس النيابي. وقال في كلمته للفرنسيين: «يتعيّن عليّ أن أعترف هذا المساء بأن حلّ البرلمان أفضى، حتى اليوم، لمزيد من الانقسامات في الجمعية الوطنية، أكثر مما وفر من حلول»، مضيفاً: «آمل أن يكون العام المقبل عام التعافي الجماعي، عام الاستقرار، عام (التوصل) إلى تسويات سليمة، واتخاذ القرارات الصحيحة لخدمة الفرنسيين».

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة الجديدة فرنسوا بايرو في عام 2017 (أ.ب)

بيد أن ما بين التمني والواقع مسافات شاسعة؛ إذ إن حكومة فرنسوا بايرو الجديدة، التي وُلدت في عملية قيصرية، تبقى رهينة توافق المصالح بين اليمين المتطرف، وتحالف أحزاب اليسار والخضر، الذي أسقط حكومة سلفه ميشال بارنييه. واليوم، يبدو ماكرون الطرف السياسي الأضعف، حيث إن القرارات راحت تؤخذ في البرلمان، وليس في القصر الرئاسي.

وثمّة ورقة يستطيع الأخير اللجوء إليها، وهي حل البرلمان مرة ثانية بدءاً من شهر يوليو (تموز) المقبل. إلا أن خطوة كهذه التي يتيحها الدستور، ستكون محفوفة بالمخاطر؛ لأن خسارة الانتخابات مجدداً تعني أن ماكرون لن يجد مخرجاً منها سوى الاستقالة؛ لأنها لن تعني وجود أزمة سياسية فحسب، بل أزمة نظام.

جموع من الناس تقف مصطفة للدخول إلى كاتدرائية «نوتردام» التي أُعيد ترميمها بعد خمس سنوات من الحريق (أ.ب)

من هنا، فإن الرئيس الفرنسي، الساعي لاستعادة المبادرة السياسية ولهامش من التحرك، لوّح باللجوء إلى الاستفتاء الشعبي بقوله: «سيكون علينا أن نُحدّد خياراتنا بالنسبة للاقتصاد والديمقراطية والأمن ومستقبل أبنائنا؛ إذ إن الازدهار والسلام لربع القرن المقبل مرهونان بما نقرره اليوم. لذا، سأطلب منكم في عام 2025 أن تعمدوا إلى الحسم في عدد من هذه المواضيع».

لكن ماكرون اكتفى بالعموميات، والخوف الأكبر أن يتحول الاستفتاء، بالنسبة لمعارضيه، إلى فرصة لوضع حد لولايته. والجمهورية الفرنسية تعرف سابقة من هذا النوع؛ فالجنرال ديغول خرج من السلطة عام 1969؛ لأنه خسر الاستفتاء الذي أقره حول تحديث السلطات في فرنسا. ويبقى هذا الخطر جاثماً رغم أن الدستور لا يلزم رئيس الجمهورية بالاستقالة. إلا أن خسارة الاستفتاء ستعني مزيداً من الضعف السياسي، وتكبيل يديه، وحرمانه من أي مبادرة جدية.

فجوة الميزانية

سينعقد، صباح الثلاثاء، أول اجتماع للحكومة في قصر الإليزيه. وسيكون الملف الأول والحارق، اتّخاذ قرار بخصوص ميزانية عام 2025 التي تأخر إقرارها بسبب استقالة الحكومة السابقة. والحال، أن مشكلة بايرو أنه يتعين عليه العثور على مبلغ 60 مليار يورو، الذي يُجسّد الفارق بين مداخيل الدولة ومصاريفها.

وثمة انقسامات عامودية بين الكتل حول كيفية ردم الفجوة، بين من يطالب بفرض ضرائب على الشركات والأثرياء، ومن يدفع باتجاه خفض النفقات العامة. وتنظر المفوضية الأوروبية، ومعها مؤسسات التصنيف الدولية، بكثير من القلق إلى ما ستقرره الحكومة الفرنسية. ومشكلة باريس أن تراجع تصنيف الديون الفرنسية سيعني ارتفاع كلفة المديونية التي تلتهم حالياً ما يزيد على خمسين مليار يورو من الميزانية. إلا أن ماكرون يعارض فرض ضرائب جديدة؛ لأنه حريص على ما يسميه «قدرة جذب الاقتصاد الفرنسي» للاستثمارات الخارجية.

ترمب وماكرون يتصافحان في اجتماع ثنائي بباريس 7 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وقال في كلمته إنه «سيسهر على ذلك». بيد أن التحدي، في نظره، ليس فرنسياً فحسب، بل هو أوروبي. ولا شك أنه سيستفحل مع عودة الرئيس الأميركي المعاد انتخابه، دونالد ترمب، إلى البيت الأبيض. وما تخشاه فرنسا من قيام حرب تجارية مع الولايات المتحدة؛ إذ أكّد ترمب أنه سيفرض 10 إلى 20 في المائة من الرسوم الإضافية على البضائع الخارجية الداخلة إلى بلاده، ومنها الفرنسية والأوروبية.

وقال ماكرون بهذا الخصوص: «يتعين على الأوروبيين أن يتخلّوا عن سذاجتهم. لذا، يجب أن نقول لا لقوانين التجارة التي سنّها الآخرون، والتي ما زلنا نحترمها نحن فقط. ويجب أن نقول (لا) لكل ما يجعلنا معتمدين على الآخرين، دون مقابل ودون التحضير لمستقبلنا». وفي هذا السياق، أشارت الباحثة الاقتصادية، بياتريس ماتيو، إلى أن صادرات فرنسا إلى الولايات المتحدة بلغت، العام الماضي، 45.2 مليار يورو، وأن السياسة الحمائية الأميركية ستضر كثيراً بالصادرات الفرنسية، فضلاً عن أن قيام حرب تجارية بين الولايات المتحدة والصين ستكون أوروبا ضحيتها.

الدفاع عن المصالح الفرنسية

يريد ماكرون أن تتوقّف القارة الأوروبية عن «إيكال المحافظة على أمنها والدفاع عنه إلى قوى خارجية». كذلك، يريد لبلاده أن «تكون أقوى وأكثر استقلالية إزاء فوضى العالم»، مُذكّراً بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتحولات في سوريا، والإرهاب «في محيطنا»، فضلاً عن التدخلات الروسية المباشرة في الانتخابات الأوروبية، كما في جورجيا ومولدوفا ورومانيا، ما يهدد، في نظره أمن ومسار الديمقراطيات الأوروبية.

لذا، فإنه يدعو لأن تواصل فرنسا «الاستثمار في دفاعها وتسليحها من أجل المحافظة على سيادتها وحماية مصالحها وأمن مواطنيها». وما يريده لفرنسا يطالب بمثله الاتحاد الأوروبي، الذي يتعين عليه أن «يسارع الخطى لتولي مسؤولية دفاعه وأمنه وحدوده. وهذا ما ناضلت من أجله لسنوات عديدة، وما بدأنا في بنائه مع شركائنا الأوروبيين، وما سنواصل القيام به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيله 21 ديسمبر (أ.ف.ب)

بيد أن الدعوة شيء، والتنفيذ العملي شيء آخر. ومشكلة ماكرون، وفرنسا، اليوم أن صوته لم يعد مسموعاً في أوروبا. إلا أن عودة ترمب إلى البيت الأبيض وعلاقته الإشكالية بالأوروبيين، وبالحلف الأطلسي، والضبابية التي تحيط بالسياسة التي ينوي السير بها إزاء روسيا، ومدى التزامه بالدفاع عن الأوروبيين، تعطي دعوات ماكرون قوة ومعنى إضافيين. لكن أوروبا منقسمة على نفسها؛ بين من هو متمسك بالمظلة الأطلسية ولا يريد التخلي عنها بأي ثمن، ومن يستشعر حاجة أوروبا لتعزيز دفاعاتها الخاصة.

ما سبق غيض من فيض؛ فتحديات الداخل لها عناوين إضافية، مثل الارتقاء بالخدمات؛ كالمدرسة، والصحة، والقوة الشرائية للشرائح الأكثر هشاشة، ومواجهة نتائج الإعصار الذي ضرب مقاطعة مايوت، وتعزيز الأمن، ومحاربة التهريب والمخدرات. ومن عناوين تحديات الخارج، المحافظة على النفوذ الفرنسي في أفريقيا، واستعادة قدرة التأثير على القرار الأوروبي التي برزت محدوديته مؤخراً، عندما لم تتردد رئيسة المفوضية الأوروبية في التوقيع على اتفاقية «ماركو سور» للتبادل التجاري الحر بين أوروبا ودول أميركا اللاتينية، رغم المعارضة الفرنسية.


مقالات ذات صلة

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
أوروبا البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)

بابا الفاتيكان: لا تعتادوا الحروب... واحذروا «جنة الآلات»

حرص البابا في أول نشاطاته الرسمية بعد وصوله إلى باريس على دعوة العالم إلى عدم التعامل بلا مبالاة ​مع المعاناة التي تسببها «آفة الحرب».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي طفلان فلسطينيان يقفان وسط أنقاض منزل هدمته القوات الإسرائيلية في قرية «جنبا» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle

زخم أممي لقضية فلسطين... والسُلطة تراه «صفعة» لمحاولات التغييب

قدمت كلمات المسؤولين الدوليين أمام الدورة 81 للجمعية العامة للأم المتحدة في نيويورك زخماً متواصلاً للقضية الفلسطينية، استقبلته السلطة الوطنية بالاحتفاء.

«الشرق الأوسط» (الرياض - نيويورك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة في نيويورك 22 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون: المشهد في غزة «يُخجلنا جميعاً»

دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن حلّ الدولتين للفلسطينيين والإسرائيليين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

يعتزم الرئيس الفرنسي خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، التحدث معه «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما في شأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
TT

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، دخلت القارة مرحلة أمنية جديدة تتداخل فيها المواجهة العسكرية مع الهجمات السيبرانية والتخريب وانتهاكات المجال الجوي وحملات التضليل والضغط على البنية التحتية. والمقلق أن أوروبا تتحدث على نحو متزايد عن الاستعداد لحرب محتملة مع روسيا في نهاية العقد، مع أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) يواصل التأكيد أن لا مؤشرات تُنبئ بهجوم وشيك.

المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير خلال زيارة لقاعدة فورفنيخ الجوية في غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

المشهد الأوروبي يحمل إذاً رسالتين متوازيتين: الأولى أن خطر المواجهة الأوسع أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة، والثانية أن الحرب الشاملة ليست، راهناً، السيناريو المتوقع غداً أو بعد غد. فالمخاوف الحالية ترتبط بصورة أساسية بتراكم أحداث «الحرب الهجينة»، وباحتمال أن تستخدم موسكو عمليات محدودة أو خفيّة لاختبار مدى استعداد الحلف للرد.

وتتزايد الدلائل على ذلك. فقد شهدت الأشهر الأخيرة حوادث مرتبطة بالمجال الجوي، بينها إسقاط مقاتلات تابعة للناتو طائرة مسيّرة روسية فوق ليتوانيا، وحوادث أخرى شملت طائرة عسكرية روسية وسفينة روسية ومروحية عسكرية دنماركية. وفي ألمانيا، رُبطت محاولة هجوم بطائرة مسيّرة في مطار لايبزيغ بشخص يُشتبه في ارتباطه بروسيا. وفي الوقت نفسه، تتحدث حكومات أوروبية عن تصاعد عمليات التخريب والهجمات الإلكترونية واستهداف البنية التحتية.

*استعدادات ميدانية

ولم يعد الأمر مقتصراً على التحذيرات السياسية، فألمانيا تستعد لاحتمال استقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات، فيما حدّثت ليتوانيا خطط إجلاء المدنيين، وتكثفت المناورات العسكرية في منطقة بحر البلطيق والدول الإسكندنافية. وأجرت القوات الألمانية والسويدية تدريبات مشتركة قرب جزيرة غوتلاند الاستراتيجية، في وقت تجري فيه قوات «الناتو» تدريبات أخرى بالقرب من جيب كالينينغراد الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا والبعيد عن الحدود الروسية نحو 360 كيلومتراً.

علم حلف شمال الأطلسي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لا يتعلق فقط بما يحدث الآن، بل بموعد الحرب الذي يتردد في أوروبا سراً وعلناً: 2029 – 2030.

لماذا تحديداً نهاية العقد؟

التفسير الرسمي الأوروبي والأطلسي لا يقول إن الحرب ستندلع بحلول عام 2030. بل إن التقديرات تتحدث عن الفترة التي يمكن أن تكون فيها روسيا قد أعادت بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب في أوكرانيا، وأعادت تجهيز قواتها بما يكفي لتهديد الجناح الشرقي لـ«الناتو». ويوضح الجنرال كارستن بروير، المفتش العام للجيش الألماني (أعلى رتبة عسكرية في ألمانيا)، أن الكلام عن تاريخ معيّن ليس نبوءة، بل تقدير زمني لقدرة الجيش الروسي المحتملة على استعادة قوته. وحسب التقديرات المنسوبة إلى الناتو، يمكن أن تكون موسكو، بحلول نهاية العقد، قد راكمت الموارد والقدرات اللازمة لشن هجوم محتمل.

وهنا تظهر معضلة أوروبا السياسية. فكلما تكررت التحذيرات من حرب محتملة في 2029 أو 2030، أصبح التاريخ نفسه جزءاً من الوعي العام. والأهم أن المسؤولين الأوروبيين يدعون إلى رفع الإنفاق الدفاعي، والحكومات تعيد بناء قدراتها العسكرية، و«الناتو» يكثّف تدريباته، بينما تتحول فكرة الاستعداد لحرب مستقبلية إلى سياسة دائمة.

آثار قصف روسي بالصواريخ في العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

وقد عبّر الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، عن هذا المنطق بالقول إن أوروبا «آمنة الآن»، لكنها قد لا تكون كذلك بعد ثلاث إلى خمس سنوات، مستخدماً هذا الإطار الزمني لدفع خيار زيادة الإنفاق الدفاعي. وفي المقابل، تحدث مسؤولون أوروبيون عن ضرورة الاستعداد للرد على «العدوان الروسي»، لا عن قرار أوروبي بخوض حرب مع روسيا.

*بين الوقاية والعلاج

انطلاقاً من هذا، يمكن فهم أحد أكثر جوانب المشهد إثارة للاهتمام: هل تعمل أوروبا على منع الحرب، أم أنها بدأت تتعامل معها باعتبارها نتيجة محتملة لا بد من الاستعداد لها؟

الفرق ليس لغوياً فقط. فالاستعداد العسكري يمكن أن يكون أداة ردع، وقد يكون الهدف منه إقناع الخصم بأن كلفة الهجوم ستكون مرتفعة. لكن كثافة الخطاب حول الحرب يمكن، في المقابل، أن تجعل سيناريو كان يبدو مستبعداً قبل سنوات جزءاً من النقاش السياسي اليومي.

طائرتان مقاتلتان روسيتان من طراز «سوخوي 35» (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا السياق، بدأت بعض الأصوات الأوروبية تدعو في الوقت نفسه إلى العودة إلى الحوار مع موسكو. وقال الرئيس الفنلندي، ألكسندر ستوب، إن الوقت حان لكي يبدأ الاتحاد الأوروبي فتح قنوات اتصال مع روسيا، فيما تحدث رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا عن استعداد أوروبا لاحتمال إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا. ويناقش الاتحاد الأوروبي تحديد جهة اتصال لإجراء هذه المحادثات.

يعكس هذا التناقض بين الاستعداد العسكري والحاجة إلى الحوار المأزق الأوروبي الحقيقي. فمن جهة، تتزايد الضغوط الشعبية لإنهاء الحرب وتقليص الأموال التي تُنفَق على الأسلحة. ومن جهة أخرى، ترى الحكومات الأوروبية أن إنهاء الحرب بشروط قد يسمح لروسيا بإعادة بناء قوتها العسكرية سريعاً، فيما تكون أوروبا نفسها في مرحلة انتقالية لإعادة تسليح جيوشها.

أما أوكرانيا، فتجد نفسها في قلب هذه المعادلة. فاستمرار الدعم العسكري الأوروبي يعني استمرار تدفق الأسلحة إلى كييف، لكنه يعني أيضاً استمرار الحرب. وهكذا يصبح الدعم العسكري في الوقت نفسه وسيلة لمساعدة أوكرانيا ووسيلة لإبقاء الضغط العسكري على روسيا، في انتظار أن تستعيد أوروبا قدراتها الدفاعية.

*حملة نفسية؟

لكن كل هذه الحسابات لا تعني أن حرباً بين روسيا والناتو باتت حتمية. على العكس، فقد أكدت مصادر في الناتو أنه لا يوجد في الوقت الحالي تهديد وشيك بهجوم. كما لم يتغير التقييم الرسمي للحلف، ولم يتلق الحلفاء إحاطة رسمية بشأن معلومات استخباراتية جديدة تشير إلى هجوم وشيك.

رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يصافح رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال زيارته روما في 15 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وكان لافتاً أن يقول وزير الخارجية الليتواني كستوتيس بودريس إن التصريحات السياسية يمكن أن تكون حملة منسقة لتحذير موسكو من اختبار المادة الخامسة الخاصة بالدفاع الجماعي للناتو.

لكن الأرقام تعكس في الوقت نفسه سبب القلق. فبين يناير (كانون الثاني) وأغسطس (آب) 2026، سُجلت 100 واقعة حرب هجينة مسجلة رسمياً في أوروبا، مقابل 60 خلال الفترة نفسها من العام السابق، وفق «مركز ساهايداشني للأمن» في أوكرانيا. وقال مصدر في الناتو إن العدد الحقيقي قد يتجاوز 200 حادث إذا استُبعدت الهجمات الإلكترونية، التي قال إنها تصل إلى آلاف الهجمات شهرياً ضد مؤسسات الحلف.

ولعل أكثر ما يكشف حجم القلق الأوروبي هو ما فعله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 18 سبتمبر (أيلول)، عندما جمع في قصر الإليزيه قادة الأحزاب والمرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة في اجتماع أمني سري. وقد تلقى المشاركون إحاطة من مسؤولين استخباراتيين كبار حول تطور التهديد. وقال ماكرون إن طبيعة التهديد الروسي في أوروبا تتغير، وإن التخريب الذي كان يستهدف أساساً منشآت حكومية أو عسكرية قد يتجه نحو أهداف يمكن أن توقع ضحايا مدنيين.

هكذا تبدو أوروبا اليوم عالقة بين حربين: حرب قائمة في أوكرانيا، وحرب محتملة يجري الاستعداد لها في نهاية العقد. وبينهما مساحة واسعة من الردع والتخريب والحرب السيبرانية والمناورات والتحذيرات.

قد يكون الحديث عن 2029 أو 2030 مجرد إطار تخطيطي لإعادة بناء القدرات العسكرية الأوروبية، وقد يكون جزءاً من استراتيجية ردع تهدف تحديداً إلى منع موسكو من التفكير في اختبار «الناتو». لكن الخطر يكمن في أن يتحول الاستعداد للحرب إلى حالة دائمة، وأن يصبح سيناريو الحرب نفسه أكثر اعتياداً من سيناريو السلام.

دباية روسية من طراز «ت 72» (أرشيفية - رويترز)

في النهاية، لا تقول المعطيات الحالية إن أوروبا ذاهبة حتماً إلى حرب مع روسيا. لكنها تقول شيئاً أكثر تعقيداً: أوروبا بدأت تتصرف على أساس أن عليها أن تكون مستعدة لها، فيما لا تزال في الوقت نفسه تبحث عن الطريق الذي يمكن أن يمنع وقوعها، والخيار الثاني هو مسؤولية الطرفين.


فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
TT

فرنسا تعمل على إصدار قرار أممي بشأن مضيق هرمز

سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز، كما تظهر من مسندم، عمان (رويترز)

تعمل فرنسا على إعداد مشروع قرار بمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة يدعم حرية الملاحة في مضيق هرمز، حسبما أفاد دبلوماسي بالأمم المتحدة يوم الجمعة.

وقال الدبلوماسي، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إن القرار سيؤكد مجددا ضرورة احترام حرية الملاحة في المضيق وهو نقطة توتر في الحرب في إيران، مشيرا إلى أهميته بالنسبة للشحنات العالمية الحيوية لأمن الغذاء والطاقة.

وأضاف الدبلوماسي إن قرار الأمم المتحدة المقترح سيذكر بضرورة احترام قانون البحار ودعم المبادرات السلمية الرامية إلى ضمان المرور الآمن في المضيق.


5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
TT

5 قتلى في كييف بُعيد إعلان أوكرانيا السماح لها بإنتاج صواريخ «باتريوت»

عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)
عناصر الإنقاذ يعملون على إخماد حريق اندلع في سطح مبنى تضرر جراء هجوم روسي على كييف (أ.ب)

أسفرت ضربات مسيّرات روسية عن مقتل 5 أشخاص، الجمعة، في وضح النهار في كييف، بينهم فتى في الرابعة عشرة، بعدما أعلنت أوكرانيا حصولها على موافقة نهائية من دونالد ترمب لإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوّي محلياً.

وأكّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، أن نظيره الأميركي حسم قراره لجهة السماح لكييف بإنتاج صواريخ «باتريوت» للدفاع الجوي، بعد أخذ ورد استمر طويلاً بشأن هذه المسألة.

وبُعيد الإعلان، أسفرت ضربة في وضح النهار بمسيّرة على مبنى يضمّ مكاتب في كييف عن مقتل 4 أشخاص وإصابة سبعة على الأقلّ، بينهم طفل، على ما قال رئيس البلدية فيتالي كليتشكو.

وشاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» مارة يهرعون للاحتماء في الشارع على وقع هدير مسيّرة نفّاثة.

وبينما كان الناس في طريقهم إلى أعمالهم صباحاً، أصابت مسيّرة مبنى سكنياً في المدينة، ما أسفر عن مقتل فتى يبلغ 14 عاماً، بحسب البلدية.

وأفادت وزارة الخارجية الإسرائيلية بأن الفتى كان يحمل الجنسية الإسرائيلية، وبأن والدته في عداد المصابين.

وأسفرت هذه الضربات عن إصابة أكثر من 30 شخصاً، وفق فيتالي كليتشكو.

«سباق تكنولوجي»

وشاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» في موقع الهجوم الصباحي سكاناً يتجمعون حول مبنى متعدد الطبقات، مع تضرر شقق في الطابقين التاسع والعاشر جراء الهجوم.

وقال ميكيتا سيسوييف (23 عاماً) خارج المبنى المتضرر الذي يقطنه، إنه استيقظ على دوي انفجار، لكنه لم يدرك أن الضربة استهدفت المبنى إلا بعد أن اطلع على الأخبار.

وأضاف: «اندهشت كثيراً. إنه أمر غريب. من جهة، اعتدت على الضربات، لكن من جهة أخرى يتواصل وقوع قتلى».

ورداً على سؤال عن تزايد الضربات بالطائرات المسيّرة، قال: «إنّه سباق تكنولوجي وحرب تكنولوجية... للأسف، سيعاني الناس بينما يتم البحث عن حلول».

وندد زيلينسكي بالهجوم، واصفاً إياه بأنه «ضربة وحشية ومروعة، ولا تمتّ إلى أي منطق عسكري بصلة». وأشار لاحقاً إلى أن مستودعاً تابعاً لسلسلة «ماكدونالدز» للوجبات السريعة أصيب بالقرب من كييف.

رجال الإطفاء يعملون في موقع مستودع تابع لشركة «ماكدونالدز» تعرض لضربة بمسيّرة روسية (رويترز)

هجمات في وضح النهار

وفي منطقة أوديسا (جنوب)، قُتل شخص في ضربة جديدة استهدفت منشأة بريدية سبق أن تعرضت للاستهداف، وفق السلطات.

واضطر عناصر الإسعاف إلى إجلاء سبعة مرضى من مستشفى في زابوريجيا إثر غارة روسية ألحقت أضراراً بالمبنى وتسبّبت باندلاع حريق، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وتستهدف روسيا العاصمة الأوكرانية بطائرات مسيّرة نفاثة طوّرتها حديثاً ونجحت في تجاوز بعض الأنظمة الاعتراضية الأوكرانية. وبعدما كانت موسكو تستهدف كييف بشكل رئيسي خلال ساعات الليل، باتت تشنّ هجمات كثيرة في وضح النهار.

وكثّفت أوكرانيا من جهتها ضرباتها على روسيا في الأشهر الأخيرة، مستهدفة خصوصاً منشآت للجيش وأخرى للطاقة.

وليل الخميس إلى الجمعة، أصابت ضربات أوكرانية مصفاتين للنفط ومصنعاً عسكرياً وراداراً للجيش في عدّة مناطق روسية، بحسب ما كشف زيلينسكي عبر «تلغرام».

واتّهمت موسكو كييف، الجمعة، بقصف مركبة مدنية كانت تنقل مساعدات إنسانية في منطقة تحت الاحتلال الروسي في جنوب أوكرانيا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة متطوّعين.

لا أثر فورياً

وقال زيلينسكي في تسجيل صوتي للصحافيين بعد أيّام من لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة: «في اجتماعنا الأخير، أكد الرئيس لي أنه اتخذ قراراً نهائياً. ستحصل أوكرانيا على تراخيص لإنتاج صواريخ باتريوت».

ومن شأن هذا المشروع في حال تحوّل إلى واقع ملموس أن يشكّل تقدّماً كبيراً لأوكرانيا التي تجهد للحصول على صواريخ «باك - 3» الاعتراضية لأنظمة «باتريوت» الوحيدة القادرة على إسقاط المقذوفات الباليستية.

لكنه مشروع يستغرق وقتاً طويلاً، ولن يكون له أيّ أثر فوري على الوضع الميداني في الوقت الراهن.

وكان الرئيس الأوكراني قد قال في فترة سابقة من هذا الأسبوع إن بدء إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا قد يستغرق «سنة أو سنة ونصف سنة».

وأشار في يوليو (تموز) إلى أن البلد بحاجة إلى 30 صاروخ «باتريوت» على الأقلّ خلال الشتاء عندما تكثّف روسيا عادة ضرباتها على نظام الطاقة، ما يغرق ملايين الأوكرانيين في الظلمة والبرد.

ومنذ بدء الغزو الروسي في 2022، حدّثت أوكرانيا أنظمتها للدفاعات الجوية، وطوّرت مجموعة واسعة من المسيّرات الاعتراضية التي تسمح لها بتحييد الجزء الأكبر من المسيّرات الانقضاضية الروسية.