انتخابات الرئاسة في مولدوفا تجدد الثقة بالتقارب مع الغرب

دعم أوروبي… وتشكيك روسي… وسجالات حول التأثير الخارجي على الاستحقاق

رئيسة مولدوفا مايا ساندو تتلقى باقة ورد بمناسبة إعادة انتخابها في تشيسيناو (أ.ب)
رئيسة مولدوفا مايا ساندو تتلقى باقة ورد بمناسبة إعادة انتخابها في تشيسيناو (أ.ب)
TT

انتخابات الرئاسة في مولدوفا تجدد الثقة بالتقارب مع الغرب

رئيسة مولدوفا مايا ساندو تتلقى باقة ورد بمناسبة إعادة انتخابها في تشيسيناو (أ.ب)
رئيسة مولدوفا مايا ساندو تتلقى باقة ورد بمناسبة إعادة انتخابها في تشيسيناو (أ.ب)

لم تحمل نتائج الانتخابات الرئاسية في جمهورية مولدوفا (مولدافيا) السوفياتية السابقة، مفاجآت كبرى بعد نجاح الرئيسة مايا ساندو في تجاوز الجولة الثانية من الاستحقاق الانتخابي، بفارق مقنع عن منافسها الاشتراكي المؤيد للتقارب مع موسكو؛ ألكسندر ستويانوغلو.

وجاءت الأرقام النهائية بعد استكمال فرز البطاقات الانتخابية مطابقة لتوقعات مراكز الاستطلاع؛ إذ حصدت الرئيسة الحالية أكثر بقليل من 55 في المائة من مجموع الأصوات، مقابل نحو 44 في المائة لمنافسها في الاقتراع الذي جرى الأحد.

وشكّلت النتيجة «امتداداً طبيعياً»، كما رأى مراقبون في العاصمة كيشينوا لنتائج الجولة الانتخابية الأولى التي جرت في 20 أكتوبر (تشرين الأول)، ومنحت ساندو 44 في المائة من الأصوات مقابل 25 في المائة لخصمها.

أنصار رئيسة مولدوفا مايا ساندو يحتفلون بإعادة انتخابها في تشيسيناو (إ.ب.أ)

كما أن النتيجة عُدّت «منطقية» كونها تأتي بعد مرور أسبوعين فقط على إجراء استفتاء شعبي طرحته ساندو حول سياسة التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وأسفر عن تصويت زهاء 51 في المائة من المولدافيين لصالح التقارب.

وبهذا المعنى، فإن الجولة الرئاسية الثانية شكلت اختباراً إضافياً لشعبية نهج ساندو القائم على تعزيز الاندماج المولدافي مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي، علماً بأن البلاد حصلت على ترشيح للانضمام إلى الاتحاد في وقت لاحق.

وعلى الرغم من ذلك، أطلقت النتائج العنان لسجالات واسعة حول مسار العملية الانتخابية، التي رافقتها اتهامات كثيرة من جانب الغرب والحكومة المولدافية لموسكو بمحاولة التأثير على الناخبين. وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية أنها واجهت حملة دعائية واسعة تزامنت مع تخصيص موازنات مالية بلغ حجمها نحو 100 مليون دولار لشراء الأصوات في الجمهورية الصغيرة التي تعد الأفقر بأوروبا.

المرشح الرئاسي ألكسندر ستويانوغلو يتحدث في مؤتمر صحافي حول النتائج الأولية في تشيسيناو الأحد (رويترز)

كما اشتكت السلطات المولدافية من تعرض مؤسساتها، خصوصاً الجهاز الانتخابي لهجمات سيبرانية واسعة النطاق اشتدت في يوم الحسم، ما عرقل جزئياً عمليات فرز الأصوات وإغلاق الصناديق. أيضاً، تلقى مئات الألوف من المولدافيين رسائل إلكترونية تحذر من التصويت لساندو، وتتحدث عن تداعيات سيئة بينها أن تدفع مولدوفا ثمناً باهظاً، وفقاً لسيناريو أوكرانيا.

«أصوات مفبركة»

في المقابل، اتهمت أوساط روسية الغرب بالتدخل بشكل مباشر في العملية الانتخابية، وقال مسؤولون في مجلسي «الدوما» (النواب) و«الاتحاد» (الشيوخ)، إن الغرب عمل على مساعدة ساندو في تزوير نتائج انتخابات مئات الألوف من المولدافيين المقيمين خارج البلاد.

وكانت هذه الجولة الانتخابية شهدت أوسع مشاركة للجاليات المهاجرة من مولدوفا. وقال الاشتراكي المنافس لساندو، إنها «فازت بأصوات مفبركة لأبناء الجاليات؛ لكنها خسرت عملياً الاستحقاق الانتخابي داخل البلاد». وبناء عليه، أعلن الحزب الاشتراكي أنه «لا يعترف بنتائج التصويت خارج البلاد، ويطالب بإعادة العملية الانتخابية»، ما عُدّ رفضاً للإقرار بالنتائج المعلنة من جانب لجنة الانتخابات، وتحضيراً لفعاليات جماهيرية ترفض الاعتراف بولاية ساندو الرئاسية الجديدة.

ولقي هذا التوجه تأييداً في موسكو. ووصف سياسيون مقربون من الكرملين، الانتخابات، بأنها «مهزلة»، وفقاً لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ. بينما قال ليونيد سلوتسكي رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي القومي الموالي للكرملين، إن الاستحقاق الانتخابي «عار»، وزاد أن الاتحاد الأوروبي «جر المرشحة الخاسرة إلى مقعد الفوز جراً».

«أنقذتم مولدوفا»

ووسط هذه الأجواء الساخنة، توقع خبراء أن تشهد البلاد هزات داخلية على وقع الانقسام المجتمعي بين الموالين للتقارب مع موسكو، وأنصار سياسة التكامل مع الاتحاد الأوروبي. وهذا المشهد نفسه، الذي كان سيطر في أوكرانيا لسنوات قبل أن تشتعل الحرب في هذا البلد.

وقالت ساندو، في خطاب ألقته بمقر حملتها الانتخابية: «مولدوفا، لقد انتصرتِ! اليوم أيها المولدافيون الأعزاء، لقد أعطيتم درساً في الديمقراطية يستحق أن يُدوّن في كتب التاريخ. اليوم أنقذتم مولدوفا».

«انتصار للديمقراطية»

وهنأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ساندو، على «إعادة انتخابها رئيسة لمولدوفا»، مشيداً بـ«انتصار الديمقراطية» على «كل التدخلات وكل المناورات». وتعهد بأن «فرنسا ستواصل الوقوف إلى جانب مولدوفا في مسارها الأوروبي». وهنّأت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وكتبت: «يتطلب الأمر نوعاً نادراً من القوة للتغلب على التحديات التي واجهتيها في هذه الانتخابات. تسعدني مواصلة العمل معكِ من أجل مستقبل أوروبي لمولدوفا وشعبها».

ويعد هذا ثاني استحقاق انتخابي في المحيط الإقليمي لروسيا خلال أسبوع. وكانت سبقته انتخابات برلمانية في جورجيا أسفرت عن فوز التيار للتقارب مع روسيا، في مقابل تراجع مواقع التيار المؤيد للتقارب مع الغرب. ولم تخفِ موسكو ارتياحها لنتائج الاستحقاق؛ لكن البلاد شهدت موجة احتجاجات واسعة ما زالت متواصلة، رفع خلال المتظاهرون شعارات تندد بشراء الأصوات والتأثير على الاستحقاق.

وعلى غرار الوضع في مولدوفا تحدث خبراء عن حجم التأثير الخارجي على الاستحقاق في جورجيا، خصوصاً على خلفية أن الدعاية الأكثر انتشاراً في البلدين كانت حذرت الجورجيين والمولدافيين في «السيناريو الأوكراني».

وكان لافتاً أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خاطب الأوروبيين، مطالباً بالتحول من الأقوال إلى الأفعال لمواجهة التأثير الروسي. وكتب زيلينسكي: «لقد فازت روسيا اليوم في جورجيا، والغرب يواصل ترديد عباراته حول الخطوط الحمراء لكنه لا يفعل شيئاً (...) إذا لم تتحركوا لوقف الكرملين فقد نخسر مولدوفا قريباً».


مقالات ذات صلة

بن غفير المثير للجدل... من أبرز وجوه اليمين الإسرائيلي المتطرف

شؤون إقليمية إيتمار بن غفير زعيم حزب «القوة اليهودية» خلال فعالية انتخابية في مقر حزبه بالقدس 2 نوفمبر 2022 (رويترز) p-circle

بن غفير المثير للجدل... من أبرز وجوه اليمين الإسرائيلي المتطرف

ينتمي إيتمار بن غفير إلى أقصى اليمين الإسرائيلي، وفي حين كان منبوذاً إلى حدّ بعيد، بات اليوم شخصية لا يمكن تجاوزها في السياسة الإسرائيلية ووزيراً للأمن القومي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا تيتيه وسفراء الاتحاد الأوروبي (البعثة الأممية)

الاتحاد الأوروبي يتمسك بدعم المسار الأممي لحلحلة الأزمة الليبية

جدّد الاتحاد الأوروبي تمسكه بموقفه الداعم لمسار الأمم المتحدة لحلحلة الأزمة الليبية، مؤكداً مساندته للقاءات الجارية بين الفاعلين الرئيسيين في الشرق والغرب.

خالد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية صورة من داخل البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) عقب تصويت على حلّه قبل انتهاء ولايته... في مقر الكنيست بالقدس 20 مايو 2026 (رويترز)

البرلمان الإسرائيلي يتخذ أولى خطواته لإجراء انتخابات مبكرة

صوّت البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، الأربعاء، لصالح حل نفسه في أولى الخطوات نحو إجراء انتخابات مبكرة محتملة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شمال افريقيا رئيس هيئة الانتخابات يتابع إيداع قوائم الترشيحات (إعلام الهيئة)

«غربال النزاهة» يلاحق الأحزاب الجزائرية مع إغلاق قوائم الترشح للبرلمان

أغلقت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» في الجزائر، أمس الاثنين، عند الساعة صفر، باب إيداع ملفات الترشح للانتخابات التشريعية، المقررة يوم 2 يوليو المقبل

أوروبا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مهرجان انتخابي في إشبيلية 15 مايو الحالي (رويترز)

سانشيز... تألق في الخارج وانتكاسات في إسبانيا

مني حزب رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي، بيدرو سانشيز، بهزيمة انتخابية قاسية الأحد في إقليم الأندلس.

شوقي الريّس (مدريد)

الكرملين يرحب بـ«نقاشات أوروبية» لاختيار مفاوض مقبول لإحياء الاتصالات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر احتفال «عيد النصر» في موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر احتفال «عيد النصر» في موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
TT

الكرملين يرحب بـ«نقاشات أوروبية» لاختيار مفاوض مقبول لإحياء الاتصالات

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر احتفال «عيد النصر» في موسكو الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحضر احتفال «عيد النصر» في موسكو الاثنين (إ.ب.أ)

رحّب الكرملين، الخميس، بالنقاشات الدائرة في أوروبا حول اختيار مرشحين محتملين للتفاوض مع روسيا. ومع استعداد الاتحاد الأوروبي لمناقشة هذا الموضوع رسمياً الأسبوع المقبل، بدا أن الرسائل المتبادلة بين الطرفين «الروسي والأوروبي» تمهد لكسر جمود في الاتصالات المباشرة استمر لسنوات، وتفتح الباب أمام إحياء الحوار بينهما، بعدما وصلت العلاقات، كما يقول الكرملين، إلى «أدنى مستوياتها».

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل (إ.ب.أ)

وحملت تعليقات الكرملين على النقاشات الدائرة في أوروبا إشارة إلى انفتاح موسكو على استئناف الحوارات. وقال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، الخميس، إن موسكو «تتابع التعليقات الصادرة في الاتحاد الأوروبي بشأن ضرورة استئناف الحوار» مع روسيا. وأشار إلى أنه لا توجد تفاصيل محددة حول هذه المسألة حتى الآن. لكنه وصف النقاشات الدائرة بأنها «مشجعة».

وأضاف: «إن مجرد إجراء مناقشات بين الخبراء حول هذا الموضوع يُعدّ أمراً إيجابياً. فقبل بضعة أشهر فقط، لم تكن مثل هذه المناقشات تُجرى في أوروبا». ووفقاً له، فقد اطلعت موسكو على تعليقات من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، بضرورة استمرار التواصل مع موسكو. وأكّد بيسكوف: «بالمناسبة، استمعنا أيضاً إلى بيان من برلين مفاده بأنه عاجلاً أم آجلاً، سيكون من الضروري التحدث مع الروس. والروس مستعدون للحوار».

وأوضح المتحدث باسم الرئاسة أنه لا توجد تفاصيل محددة حتى الآن بشأن مرشح محتمل لهذا المنصب. وأضاف أن الحوار أفضل دائماً من المواجهة الشاملة التي يسعى إليها الأوروبيون حالياً.

اللافت أن النقاشات الأوروبية حول الموضوع اتخذت خلال الأسابيع الأخيرة منحى تصاعدياً نشطاً، وبدأت أوساط في أوروبا بترشيح شخصيات محددة للحوار مع موسكو. وبات معلوماً أن اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي، المقرر يومي 27 و28 مايو (أيار)، سوف ينظر في هذا الموضوع وقد يقدم اقتراحات رسمية حوله.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حفّز هذه النقاشات بشكل قوي عندما أعلن خلال احتفالات بلاده بعيد النصر على النازية في 9 مايو أن موسكو منفتحة على حوار شامل مع أوروبا، وأكد أن بلاده لم تغلق أبداً باب الحوار؛ متهماً الطرف الأوروبي بأنه فعل ذلك.

في الوقت نفسه، قال بوتين إن موسكو «لن تتفاوض مع أشخاص سكبوا القاذورات عليها واستفزوا تدهوراً كبيراً في العلاقات معها»، مشيراً إلى أن الحوار المنتظر يجب أن يجري مع أشخاص موثوقين وقادرين على التحدث باسم أوروبا ولم يتفوهوا بتصريحات مسيئة ضد روسيا.

واقترح بوتين المستشار الألماني السابق، غيرهارد شرودر، باعتباره وسيطاً محتملاً في المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي، وقال إنه «يفضله شخصياً».

لكن تصريحات بوتين قوبلت برفض فوري في أوروبا، خصوصاً بسبب ارتباط شرودر الوثيق مع الكرملين، وكونه عمل مستشاراً لدى شركات الطاقة الروسية بعد تنحيه عن منصب «المستشارية» في بلاده.

أضرار جراء قصف روسي على منطقة دونيتسك الأوكرانية (أ.ف.ب)

ورفض المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشدة اقتراح بوتين بتعيين مفاوض أوروبي. ونقلت عنه صحيفة «الغارديان» قوله: «نحن الأوروبيين نقرر بأنفسنا من سيتحدث باسمنا. لا أحد غيرنا».

وأفادت «وكالة الأنباء الألمانية»، نقلاً عن مصادر في الحكومة الألمانية، أن برلين لا ترغب في أن يكون شرودر وسيطاً أوروبياً محتملاً في المفاوضات مع روسيا.

كما صرّح سياسيون من مختلف الأحزاب بأن شرودر لم يعد قادراً على تمثيل مصالح البلاد دولياً. بل إنه جُرّد في «البوندستاغ» من بعض امتيازاته الحكومية، لرفضه قطع العلاقات مع الشركات الروسية.

وفي سياق متصل، اقترح المستشار الألماني فريدريش ميرتس منح أوكرانيا دوراً مباشراً داخل هياكل الاتحاد الأوروبي بوصفه خطوة انتقالية تمهد لانضمامها للتكتل، قائلاً إن هذه الخطوة قد تساعد في تسريع التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الروسية. وفي رسالة إلى قادة الاتحاد، دعا ميرتس إلى استحداث وضع جديد لأوكرانيا باعتبارها «عضواً منتسباً»، يتيح لمسؤوليها المشاركة في قمم الاتحاد والاجتماعات الوزارية دون الحق في التصويت.

وطرح المستشار الألماني اقتراحاً بأن يتعهد أعضاء الاتحاد «بالتزام سياسي» لتطبيق بند المساعدة المتبادلة على أوكرانيا «من أجل توفير ضمان أمني جوهري».

رجلا أمن روسيان بجوار شاحنة صغيرة مزوَّدة بمدفع رشاش بالقرب من الكرملين في وسط موسكو يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

في غضون ذلك، ذكر موقع «بوليتيكو» أن المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء الإيطالي السابق ماريو دراجي، قد يكونون مرشحين لتمثيل أوروبا في المفاوضات المستقبلية المحتملة مع روسيا.

وكما يشير «بوليتيكو»، تتمتع ميركل بخبرة في التواصل المباشر مع كل من الرئيسين الروسي والأوكراني. ومع ذلك، يعتقد العديد من الأوروبيين، وفقاً للمصدر نفسه، أن محاولاتها السابقة الفاشلة في الوساطة «أسباب كافية لاستبعادها». إلا أن رد فعل ميركل كان مؤشراً على المزاج السائد في أوروبا: فخلال منتدى أوروبا الذي نظمته قناة «WDR» في برلين، صرّحت بوضوح بأنها لا تنوي أن تصبح وسيطاً بين الغرب وبوتين.

آثار الدمار الذي سببه قصف أوكراني على بناية سكنية خارج موسكو يوم 17 مايو (إ.ب.أ)

في الوقت نفسه، انتقدت المستشارة السابقة أوروبا لعدم استغلالها الأمثل لخياراتها فيما يتعلق بالحرب الروسية ضد أوكرانيا. ورأت ميركل أن على الاتحاد الأوروبي أن يكون أكثر فاعلية في التواصل الدبلوماسي مع موسكو، بدلاً من الاعتماد كلياً على الولايات المتحدة. ومع ذلك، أكدت أن الدبلوماسية لا ينبغي أن تعني تقديم تنازلات لروسيا أو العودة إلى سياسة الاسترضاء القديمة. وأضافت: «الردع العسكري إلى جانب النشاط الدبلوماسي. هذا ما أراه مهماً».

وبدوره، يتمتع ستوب أيضاً بخبرة في الوساطة في بلده، وقد أعرب سابقاً عن اهتمامه بهذا الأمر. ورغم ذلك، فإن عضوية فنلندا في حلف «الناتو» قد تقلل من «جاذبيتها» لروسيا، كما تشير الصحيفة.

كما يحظى رئيس الوزراء الإيطالي السابق باحترام واسع في أوروبا، ويُعتبر «ليس عدائياً ولا متعاطفاً» بشكل مفرط مع روسيا. ويضيف موقع «بوليتيكو»: «مع ذلك، لا توجد أي مؤشرات على أن (دراجي) يرغب في هذا الدور (كونه وسيطاً)».

ووفقاً للسياسية السابقة، فإن الكرملين لا يعترف إلا برؤساء الدول والحكومات الحاليين، وليس بالمسؤولين السابقين.

ومع تزايد وتيرة النقاشات الأوروبية حول المفاوضات مع روسيا، رغم الحرب والعقوبات والتوترات السياسية التي تُحيط بالكرملين، بدا وفقاً لمعلقين روس أن «أوروبا تنتقل تدريجياً إلى مرحلة جديدة في نقاشها حول الحرب الروسية ضد أوكرانيا».

صورة وزّعها حاكم منطقة موسكو لنيران سببها قصف أوكراني يوم 17 مايو (أ.ب)

وبينما كانت المواضيع الرئيسية في الفترة 2022 - 2024 تتمحور حول إمدادات الأسلحة والعقوبات والدعم المالي لكييف، فإن النقاشات الدائرة الآن في بروكسل وبرلين وباريس تُركز بشكل متزايد على موضوع آخر: كيف سيبدو الأمن في القارة بعد انتهاء الأعمال العدائية، وهل يُمكن إجراء أي حوار مع موسكو؟

ويشير خبراء مقربون من الكرملين إلى تبدل الموقف الأوروبي تدريجياً بسبب عنصرين ضاغطين. أولهما الحرب في الشرق الأوسط، وثانيهما تزايد التساؤلات في أوروبا عن الوضع المحتمل في «اليوم التالي» بعد انتهاء الحرب في أوكرانيا.

وكتب معلق روسي أن بين أسباب انعطافة أوروبا المحتملة نحو الحوار مع موسكو، هو «تزايد قلق العديد من عواصم الاتحاد الأوروبي، ليس فقط بشأن التداعيات الاقتصادية للعقوبات أو تكاليف دعم أوكرانيا، بل أيضاً بشأن حالة عدم اليقين الاستراتيجي».

وفي هذا السياق، صرّح الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب مؤخراً بأن أوروبا «يجب أن تكون مستعدة للتفاوض مع روسيا في مرحلة ما»؛ لأن الأوروبيين هم من سيتحملون المخاطر الأمنية الرئيسية بعد الحرب.

وجاءت إشارات مماثلة من فرنسا؛ حيث صرّح الرئيس إيمانويل ماكرون سابقاً بأن على أوروبا أن تُعيد النظر في نظام الأمن المستقبلي للقارة، حتى وإن بدا ذلك غير ملائم سياسياً في الوقت الراهن.

وتُدافع باريس، على وجه الخصوص، تقليدياً عن الحفاظ على قنوات اتصال محدودة مع موسكو.

ولكن بينما يستمر البحث عن وسيط، أبرزت تعليقات روسية سؤالاً مهماً: ما الذي يرغب الاتحاد الأوروبي في مناقشته مع موسكو تحديداً؟ ووفقاً لتحليلات؛ تشمل هذه القضايا في المقام الأول، الأمن النووي، ومخاطر التصعيد، وتبادل الأسرى، وأمن البحر الأسود، والحد من التسلح، ومنع الصدام المباشر بين حلف «الناتو» وروسيا. كما يعتزم مناقشة الوضع المستقبلي للأراضي التي تسيطر عليها روسيا في أوكرانيا، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، واستقرار الطاقة في أوروبا.

قد تكون هذه النقطة الأخيرة الدافع الرئيسي للأوروبيين حالياً لإحياء الحوار مع بوتين؛ نظراً للوضع الذي خلفته حرب إيران، وفشل الأميركيين في حسم سريع ومقبول يضمن استمرار الإمدادات عبر مضيق هرمز. فضلاً عن ميل واشنطن لتخفيف جزء من العقوبات المفروضة على قطاعي النفط والغاز في روسيا.

رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو (رويترز)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا أجرت مباحثات مع بريطانيا الأربعاء، وأرسلت إشارات حول القضية «الحساسة» المتعلقة بفرض العقوبات على روسيا على أمل مناقشة الموضوع بمزيد من التفصيل لاحقاً.

وقال في خطابه المسائي عبر الفيديو: «هذه القضية حساسة للغاية دائماً... ونقلنا إشاراتنا بشأن هذه المسألة إلى لندن... نتوقع أن تجري مناقشة كل شيء هذا الأسبوع على المستوى الثنائي».

وقالت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، في مؤتمر صحافي دوري الخميس إن الرئيس الأوكراني يريد تصعيد الحرب بين البلدين.

في غضون ذلك، تبدو المناقشات الجارية في أوروبا غامضة بالنسبة لكييف. فمن جهة، تحافظ أوكرانيا على اتصالات دبلوماسية بشأن تبادل الأسرى، والأمن الغذائي، والمخاطر النووية.

ومن جهة أخرى، تعارض الحكومة الأوكرانية بشكل قاطع أي اتفاقيات لا تشارك فيها كييف. وقد أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي مراراً أنه لا يمكن اتخاذ أي قرارات بشأن أوكرانيا دون مشاركتها.

لكن اللافت هنا أن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا قال أخيراً إن كييف تدعم إعادة فتح قنوات الاتصال بين موسكو وبروكسل في إطار دفع الجهود المشتركة للتوصل إلى تسوية مقبولة، مع إشارته إلى أن الدور الأوروبي المطلوب لا يعني أن يكون بديلاً عن الوساطة الأميركية للتسوية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث للصحافيين لدى وصوله للمشاركة بقمة «المجموعة السياسية الأوروبية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

من جانب آخر، قالت وزارة الدفاع الروسية الخميس إن روسيا نقلت ذخائر نووية إلى منشآت تخزين ميدانية في بيلاروسيا في إطار تدريبات ضخمة على الأسلحة النووية.

وتجرى المناورات النووية، التي بدأت الثلاثاء وتختتم الخميس، في وقت تخوض فيه موسكو ما تقول إنه صراع وجودي مع الغرب في أوكرانيا.

وقالت الوزارة: «ضمن تدريبات قوات الأسلحة النووية، تم تسليم ذخائر نووية إلى منشآت التخزين الميدانية في منطقة موقع لواء الصواريخ في جمهورية بيلاروسيا».

وذكرت موسكو أن وحدة الصواريخ في بيلاروسيا تجري تدريبات لتسلم ذخائر خاصة الصواريخ التكتيكية المتنقلة (إسكندر - إم)، بما يشمل تحميل الذخائر على منصات الإطلاق والتحرك خفية إلى منطقة محددة للتحضير للإطلاق.

وأظهرت لقطات نشرتها وزارة الدفاع شاحنة تسير في غابة وسط البرق وتفرغ حمولتها. ولم يتضح بعد ما الذي كانت تنقله.

وأعلنت أوكرانيا، الخميس، أنها باشرت تعزيز إجراءاتها الأمنية في المناطق المتاخمة لبيلاروسا، وذلك بعد أسابيع من التحذير من احتمال شن هجوم جديد من قبل حليفة روسيا الرئيسة في المنطقة.

وحذّرت كييف من أن موسكو قد تستخدم بيلاروسيا، التي انطلقت منها عملية الغزو في عام 2022، باعتبارها نقطة انطلاق لشنّ هجوم جديد من الشمال، قد يشمل العاصمة.

وأعلن جهاز الأمن الأوكراني (إس بي يو) أن وحداته إلى جانب الجيش «باشرت في اتّخاذ مجموعة شاملة من الإجراءات الأمنية المعزّزة في المناطق الشمالية من البلاد».

وأوضح في بيان أن هذه الإجراءات التي تشمل تشديد عمليات التفتيش والرقابة على الأفراد والممتلكات، «ستشكل رادعاً فعّالاً لأي أعمال أو عمليات عدائية من جانب العدو وحليفه».


محكمة سويدية تدين مراهقاً خطّط لقتل باحث إيراني

عناصر من الشرطة السويدية (رويترز- أرشيفية)
عناصر من الشرطة السويدية (رويترز- أرشيفية)
TT

محكمة سويدية تدين مراهقاً خطّط لقتل باحث إيراني

عناصر من الشرطة السويدية (رويترز- أرشيفية)
عناصر من الشرطة السويدية (رويترز- أرشيفية)

أصدرت محكمة أوديفالا السويدية، الخميس، حكماً بالسجن قرابة أربع سنوات في مؤسسة لإصلاح الأحداث، على مراهق كان توجّه حاملاً سكيناً إلى منزل باحث إيراني في جنوب البلاد، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأدين المراهق مع شخصين آخرين بالتخطيط لقتل أرفين خوشنود، وهو أكاديمي بارز يقول إن الحكومة الإيرانية هي التي تقف خلف محاولة الاعتداء عليه.

ورفض المدعي العام التعليق على احتمال ضلوع قوة أجنبية في القضية.

وجُنّد الفتى عبر تطبيقات مراسلة من جانب المتهمين الآخرين، ووُعد بمبلغ مالي لقاء قتل خوشنود.

ووصل المراهق إلى منزل خوشنود في مدينة مالمو في سبتمبر (أيلول) 2025، وتحدّث إلى زوجة الباحث الذي بقي داخل المنزل واتصل بالشرطة.

ومنذ ذلك الحين، يعيش متخفياً في عنوان آخر، وفق ما قال محاميه لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» خلال المحاكمة.

وجاء في حكم محكمة أوديفالا: «ترى المحكمة أنه ثبت أن أ. ن. سلّح نفسه بسكين وتوجه إلى منزل الضحية بنية قتله».

ورأت أن الأدلة غير كافية لتوجيه تهمة الشروع في القتل، وأعادت تصنيف الجرم باعتباره أعمالاً تحضيرية لارتكاب جريمة قتل.

وحُكم على المتهم الرئيسي بالسجن ثلاث سنوات وتسعة أشهر في مركز للأحداث.

ويظهر خوشنود بانتظام في وسائل إعلام سويدية بصفته خبيراً في الشأن الإيراني. وهو يجاهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتأييده لرضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، والمقيم في الولايات المتحدة، والمعارض للنظام الإيراني.


باريس: إسرائيل رحّلت 37 فرنسياً شاركوا في «أسطول الصمود» إلى تركيا

مظاهرة لدعم نشطاء «أسطول الصمود» في سورابايا بإندونيسيا (أ.ف.ب)
مظاهرة لدعم نشطاء «أسطول الصمود» في سورابايا بإندونيسيا (أ.ف.ب)
TT

باريس: إسرائيل رحّلت 37 فرنسياً شاركوا في «أسطول الصمود» إلى تركيا

مظاهرة لدعم نشطاء «أسطول الصمود» في سورابايا بإندونيسيا (أ.ف.ب)
مظاهرة لدعم نشطاء «أسطول الصمود» في سورابايا بإندونيسيا (أ.ف.ب)

قال باسكال كونفافرو، المتحدث ​باسم وزارة الخارجية الفرنسية، اليوم (الخميس)، إنَّ السلطات الإسرائيلية رحَّلت 37 فرنسياً من ‌النشطاء المشاركين ‌في «​أسطول ‌الصمود» إلى تركيا.

وأضاف ​المتحدث، في إفادة صحافية أسبوعية، أنَّ الوزارة استدعت دبلوماسياً إسرائيلياً كبيراً، في وقت سابق من اليوم ‌(الخميس)؛ ‌للتعبير عن غضب ​باريس ‌من مقطع ‌فيديو نشره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، يظهره ‌وهو يستهزئ بالنشطاء المحتجزين.

وأشار كونفافرو إلى أنَّ من السابق لأوانه حالياً التحدُّث عن فرض عقوبات على بن غفير بعد دعوة لذلك من وزير الخارجية ​الإيطالي، وفقاً لوكالة «رويترز».

ونشر بن غفير الفيديو مرفقاً بتعليق «أهلاً بكم في إسرائيل» عبر منصة «إكس». وأظهر المقطع عشرات الناشطين على ظهر سفينة عسكرية، ثم داخل مركز احتجاز، حيث بدا بن غفير أمام أحدهم وهو يلوّح بعلم الدولة العبرية ويردِّد: «تحيا إسرائيل».

كما شكر الوزير القوات الإسرائيلية، بعدما دفع عناصر ناشطة أرضاً بعنف إثر هتافها في أثناء مروره قربها: «فلسطين حرة حرة». وتعرض الناشطون للتنكيل على وقع النشيد الوطني الإسرائيلي.

وكانت تركيا انتقدت المقطع الذي «أظهر مرة أخرى للعالم بشكل علني العقلية العنيفة والهمجية لحكومة نتنياهو».

و«أسطول الصمود» يُمثِّل المبادرة الثالثة من نوعها خلال عام، لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة الذي يعاني نقصاً حاداً في الغذاء والمياه والأدوية والوقود منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «لإسرائيل الحق الكامل في منع أساطيل استفزازية تضم مناصرين للإرهاب من دخول مياهها الإقليمية والوصول إلى غزة»، في إشارة إلى حركة «حماس».