تقرير: أوكرانيا مستاءة من الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بجوار بطارية «باتريوت» خلال تدريبات عسكرية في ألمانيا يوم 11 يونيو 2024 (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بجوار بطارية «باتريوت» خلال تدريبات عسكرية في ألمانيا يوم 11 يونيو 2024 (أ.ب)
TT

تقرير: أوكرانيا مستاءة من الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بجوار بطارية «باتريوت» خلال تدريبات عسكرية في ألمانيا يوم 11 يونيو 2024 (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بجوار بطارية «باتريوت» خلال تدريبات عسكرية في ألمانيا يوم 11 يونيو 2024 (أ.ب)

قارنت صحيفة «بوليتيكو» الأميركية بين الدعم الذي تقدمه واشنطن إلى إسرائيل وأوكرانيا، ونقلت عن مصادر قولها إن كييف تشعر بالتفاوت في مستوى المساعدات التي تحصل عليها.

وأضافت الصحيفة أن كييف تريد من الولايات المتحدة إسقاط الصواريخ الروسية مثل إسقاط الصواريخ الإيرانية، لكن توجد «إجابة صعبة» بالنسبة إلى أوكرانيا؛ هي أن موسكو تمتلك أسلحة نووية، بينما لا تمتلكها طهران.

وذكرت أن أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة الأميركية والبريطانية عندما ساعدت في إسقاط مئات الصواريخ الإيرانية في 1 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قالت وزارة الخارجية الأوكرانية: «ندعو حلفاء أوكرانيا إلى الدفاع عن المجال الجوي الأوكراني بالعزم نفسه ودون تردد من هجمات الصواريخ والطائرات من دون طيار الروسية، مع الاعتراف بأن الحياة البشرية ثمينة بالقدر نفسه في أي جزء من العالم».

وقال مساعد كبير في مجلس الشيوخ الأميركي، يعمل على أزمة أوكرانيا، لـ«بوليتيكو»: «الإجابة الصعبة التي قد لا يحب الأوكرانيون سماعها، لكنها للأسف صحيحة، هي أننا نستطيع أن نتحمل مخاطر إسقاط الصواريخ الإيرانية فوق إسرائيل دون إشعال حرب مباشرة مع طهران قد تؤدي إلى حرب نووية، ولكن هناك مخاطر أكبر بكثير في محاولة فعل ذلك مع روسيا».

وكذلك أشار مسؤولان في إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، إلى النقطة نفسها.

وقد يؤدي إرسال قوات أميركية إلى أوكرانيا لإسقاط الصواريخ الروسية إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين القوتين النوويتين الكبريين في العالم، وسط أكبر حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، بينما في الشرق الأوسط، يمكن للولايات المتحدة إسقاط الصواريخ فوق إسرائيل دون إشعال حرب مع خصم مسلح نووياً.

وجهزت إيران المواد النووية إلى مستويات قريبة من صنع أسلحة؛ لكن هناك تقارير تقول إنها لم تحاول صنع قنبلة ذرية.

وقال ميكولا بيليسكوف، الباحث في «المعهد الوطني الأوكراني للدراسات الاستراتيجية»: «من المحزن أن تنظر إلى كل هذا بصفتك مواطناً عادياً في أوكرانيا عندما يُضَحّى ببلدك ومواطنيك في اتفاق لمنع التصعيد من جانب موسكو».

صورة مأخوذة من فيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية تُظهِر إطلاق صاروخ «غراد» باتجاه القوات الأوكرانية في موقع غير محدد (أ.ب)

ماذا تريد كييف؟

هناك بالفعل مساعدة لكييف من الحلفاء، ولكن عن بعد، كلما هاجمت روسيا أوكرانيا.

وقال يوري إهنات، المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية، «عادةً ما يشير الشركاء إلينا بشأن تحركات القاذفات الروسية إلى مواقع إطلاق النار. يخبروننا متى وأين يستعد الروس للهجوم».

وبمجرد التحذير، يتحرك آلاف الجنود من وحدات الاستطلاع والاتصالات والدفاع الجوي المتنقلة إلى تلك المواقع.

كما يشارك طيارو أوكرانيا في حال وقوع هجمات كبيرة جداً، وقد قُتل أحد هؤلاء الطيارين في حادث تحطم طائرة يوم 26 أغسطس (آب) الماضي عندما أطلقت روسيا أكثر من 230 صاروخاً على منشآت الطاقة في أوكرانيا.

كما ضلت طائرات روسية من دون طيار طريقها فوق بولندا ورومانيا، وقد أرسل البَلدان، العضوان في «الاتحاد الأوروبي» و«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، طائرات نفاثة رداً على ذلك، ولكنهما يراقبان الطائرات الروسية دون إسقاطها.

وتريد كييف أن تتدخل بولندا ورومانيا بنشاط؛ سواء في مجالهما الجوي وفوق غرب أوكرانيا.

واتفقت كييف ووارسو على مناقشة هذا الاحتمال في إطار اتفاق أمني متبادل أُبرم مؤخراً، ولكن بولندا لم تغير سياستها حتى الآن.

وأوضحت وارسو أنها لن تتصرف دون الدعم الكامل من «حلف شمال الأطلسي» بأكمله.

وقال وزير الدفاع البولندي، فلاديسلاف كوسينياك كاميش، إن مثل هذا الدعم غير موجود. وأضاف أن واشنطن أشارت أيضاً إلى أنها لا تريد تصعيد الصراع مع روسيا.

جندي أوكراني يطلق طائرة مسيّرة متوسطة المدى للتحليق فوق مواقع القوات الروسية في خاركيف (رويترز)

وتأمل كييف أن يُتفَق في نهاية المطاف على إسقاط الصواريخ والطائرات من دون طيار فوق أوكرانيا، تماماً كما سُلّمت المدفعية والدبابات والصواريخ والطائرات المقاتلة الغربية على الرغم من المخاوف السابقة من أن ذلك قد يؤدي إلى تجاوز الخطوط الحُمر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وقال وزير الخارجية البولندي، رادوسلاف سيكورسكي، لصحيفة «بوليتيكو» في مقابلة أُجريت معه مؤخراً: «هناك نقاش حيوي؛ سواء في بولندا وفي (حلف شمال الأطلسي) في هذا الموضوع».

وفي حين تريد كييف من حلفائها أن يتصرفوا كما يفعلون مع إسرائيل، فقد قال ضابطان في الدفاع الجوي الأوكراني، تحدثا بشرط عدم الكشف عن هويتيهما، إن «تنفيذ ذلك أسهل فوق إسرائيل منه فوق أوكرانيا؛ لأن إسرائيل دولة صغيرة، وهذا يعني أن الولايات المتحدة تستطيع استخدام أنظمة الدفاع الجوي المحمولة».

في حين أن أوكرانيا دولة واسعة، ولا يمكن الوصول إليها من قبل القوات البحرية الغربية: وسوف يحتاج حلفاؤها إلى نشر دفاعات جوية على الحدود الغربية للبلاد.

وقال ماثيو سافيل، مدير العلوم العسكرية في «معهد الخدمات الملكية المتحدة» في لندن إن «أوكرانيا سوف تحتاج إلى تقديم مساعدة أكبر بكثير، على مساحة أوسع، مع وجود خطر أكبر للدخول في الحرب لتحقيق مكاسب غير مؤكدة، كما ستكون التكلفة أيضاً أكبر، فتواتر الهجمات الروسية أسرع بكثير من المحاولات الإيرانية لضرب إسرائيل بشكل مباشر».

وقد تضطر دول «حلف شمال الأطلسي» أيضاً إلى إرسال طائرات مقاتلة فوق أوكرانيا، مما قد يؤدي إلى اشتباكات مباشرة مع روسيا، وهو ما يحاول البيت الأبيض تجنبه بالضبط.

وأضاف: «لتعظيم فاعلية مثل هذا الجهد، ربما ترغب القوات الغربية في توجيه ضربات مباشرة للطائرات الروسية التي تشن ضربات، أو ضرب رادارات الدفاع الجوي والصواريخ الروسية بعيدة المدى، وبالتالي فإن هذا يربط الدفاع ضد الصواريخ بمشاركة أقرب مباشرَة، حتى لو كان ذلك في الجو فقط».

أفضل صديق لأميركا

ويعود الأمر أيضاً بين إسرائيل وأميركا إلى العاطفة والتاريخ، ففي حين يدّعي كثير من الدول أنها أفضل صديق لأميركا أو حليف حاسم، فإن إسرائيل تحتل مكانة فريدة في السياسة الأميركية واستراتيجية الدفاع.

ويشير المسؤولون الأميركيون إلى علاقة بُنيت على مدى عقود من الزمن، وهي العلاقة التي جعلت واشنطن على استعداد لنشر جيشها مباشرة لحماية إسرائيل.

ومع ذلك، تعكس الاتهامات بوجود معايير مزدوجة إحباطاً أوسع نطاقاً في أوكرانيا؛ لأن إدارة بايدن لا تبذل ما يكفي لمساعدة كييف على وقف الهجمات الروسية.

ويشمل ذلك إبطاء مبيعات الأسلحة الأكبر، ومنع أوكرانيا من استخدام الذخائر الأميركية بعيدة المدى لضرب الأراضي الروسية.

وقال شيلبي ماجد، نائب المدير في «المجلس الأطلسي»، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن: «لا يزال هناك المزيد الذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لمساعدة أوكرانيا في حربها ضد روسيا، ولسوء الحظ، هذا هو التمييز الذي اختارته الإدارة مراراً وتكراراً، إلى الحد الذي أصبحنا فيه نراها تعرقل مصالح أمننا القومي في مساعدة أوكرانيا على هزيمة روسيا، وهناك خوف شبه معوق من عدم الرغبة في ضرب الأسلحة التي تقاتل بها روسيا بشكل مباشر؛ لأن الإدارة ترى أنها ستقاتل روسيا بشكل مباشر».

واعترف المسؤولون الأميركيون بأنهم يدركون الإحباطات المتصاعدة في أوكرانيا، لكنهم قالوا إنهم يعملون على شحنات أسلحة جديدة يأملون أن تخفف هذه المخاوف.

وقال أحد المسؤولين في الإدارة: «لقد ركزنا حقاً على تزويد أوكرانيا بكل ما في وسعنا لمساعدتها في الدفاع عن نفسها. كانت أولويتنا القصوى هي المساعدة في تعزيز دفاعاتها الجوية».

منظومة «باتريوت» المضادة للطيران التي زُوِّدت بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيران الروسي (د.ب.أ)

خطر الانتشار النووي

لكن المحلل الأوكراني بيليسكوف حذر بأن التعامل مع روسيا بحذر يرسل رسالة دولية مفادها بأن القوى النووية تحظى بالاحترام الذي لا تحظى به الدول العادية.

وهذا يزيد من خطر أن تقرر دول مثل إيران التحول إلى الأسلحة النووية؛ الأمر الذي من شأنه أن يدمر نظام منع الانتشار الذي يهدف إلى الحد من عدد القوى النووية.

وقال بيليسكوف: «الاستنتاج الذي توصلنا إليه من النهج المختلف تجاه إسرائيل وأوكرانيا هو أن امتلاك سلاح نووي أفضل من عدم امتلاكه».


مقالات ذات صلة

أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين في الحرب الروسية الأوكرانية

أوروبا جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أرشيفية - أ.ف.ب)

أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين في الحرب الروسية الأوكرانية

أظهرت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، الأربعاء، أن الغزو الروسي لأوكرانيا تسبب في أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا فيدان خلال استقباله وفد «الاتحاد الأوروبي» الذي ضم: ممثلة الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ومفوضة شؤون التوسع مارتا كوس ومفوض الشؤون الداخلية ماغنوس برونر بمقر وزارة الخارجية التركية في أنقرة (الخارجية التركية)

تركيا و«الاتحاد الأوروبي» إلى مزيد من التعاون «بعيداً عن العضوية»

أكدت تركيا و«الاتحاد الأوروبي» التزام اتخاذ خطوات مشتركة لتعزيز التعاون في مجالات السياسة الخارجية والأمن والهجرة والاقتصاد والتجارة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة الوزراء يوليا سفيريدنكو يتفقدان كنيسة «دير كييف بيشيرسك لافرا» التي تضررت إثر هجوم روسي على كييف (أ.ف.ب) p-circle

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو

بعد انهيار «روح أنكوراج»: حرب أكثر تكلفة وتسوية أبعد من شروط موسكو... خبراء لـ«الشرق الأوسط»: بوتين بين مواصلة حرب مكلفة والقبول بوساطة أميركية بشروط أصعب

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد صهاريج لتخزين النفط داخل مصفاة تابعة لشركة «إيسار أويل» الهندية في فادنار بالهند (رويترز)

روسيا تشتري البنزين من الهند لمواجهة النقص الحاد

بدأت روسيا استيراد البنزين بحراً من الهند، في محاولة للتخفيف من حدة نقص الوقود الناجم عن الهجمات الأوكرانية على بنيتها التحتية للطاقة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جندي أوكراني على دبابة من طراز «تي-72» من الحقبة السوفياتية خلال مناورات عسكرية قرب خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 21 يوليو 2024 (رويترز)

موجة الحر تثقل كاهل جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية

مع اجتياح موجة حرّ غير مسبوقة أجزاء واسعة من أوروبا وامتدادها إلى أوكرانيا، كانت الحرارة الحارقة أشد قسوة على جنود أوكرانيين داخل دبابة من الحقبة السوفياتية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين في الحرب الروسية الأوكرانية

جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين في الحرب الروسية الأوكرانية

جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أرشيفية - أ.ف.ب)
جنود أوكرانيون يرفعون العلم الوطني فوق نعش جندي يبلغ من العمر 21 عاماً (أرشيفية - أ.ف.ب)

أظهرت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي، الأربعاء، أن الغزو الروسي لأوكرانيا تسبب في أكثر من مليونَي ضحية في صفوف العسكريين.

وأفاد مركز البحوث الأميركي بأن «مجموع الضحايا في صفوف القوات الروسية والأوكرانية تجاوز المليوني ضحية».

وقدّر أن ما بين 400 ألف و450 ألف روسي قتلوا منذ بدأت موسكو غزو أوكرانيا في فبراير(شباط) 2022، من بين مجموع الضحايا البالغ 1,4 مليون بين قتلى وجرحى ومفقودين، في صفوف القوات الروسية».

في المقابل، ذكر المركز في دراسته أنه خلال الفترة نفسها، تكبّدت القوات الأوكرانية خسائر بشرية تراوحت بين 125 ألفا و150 ألف قتيل، إضافة إلى ما بين 525 ألفا و625 ألف جريح.

وأشار إلى أن «عدد القتلى الروس في أوكرانيا يتجاوز بأربع مرات عدد القتلى الأميركيين في كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية» كما أنه يزيد بأكثر من تسع مرات عن عدد القتلى الروس في كل النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية أيضا.


اندلاع حريق في وسط كييف بعد وقوع انفجار

رجال إنقاذ في موقع تعرض لغارة روسية في زابوروجيا (رويترز)
رجال إنقاذ في موقع تعرض لغارة روسية في زابوروجيا (رويترز)
TT

اندلاع حريق في وسط كييف بعد وقوع انفجار

رجال إنقاذ في موقع تعرض لغارة روسية في زابوروجيا (رويترز)
رجال إنقاذ في موقع تعرض لغارة روسية في زابوروجيا (رويترز)

اندلع حريق في وسط كييف مساء الأربعاء عقب انفجار وقع أثناء تفعيل صافرات الإنذار، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

وسمع دوي انفجار وشوهدت سحابة من الدخان وألسنة لهب. وهرعت طواقم الإطفاء وسيارات الإسعاف إلى موقع الحادثة على الفور.

وتشهد العاصمة الأوكرانية غارات جوية بانتظام بعد أكثر من أربع سنوات على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن في وقت سابق الأربعاء أنه سيعود بسرعة إلى بلاده من زيارة لدبلن بعد تلقي تقارير استخباراتية تفيد بأن روسيا على وشك شن «هجوم ضخم».

وقال في مؤتمر صحافي «أدعو أبناء شعبنا إلى توخي الحذر الشديد، وحماية أنفسهم وأطفالهم، وبالطبع عائلاتهم، والاحتماء في الملاجئ».

وأضاف أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «يستعد لهذا الهجوم الضخم ضد أوكرانيا منذ فترة طويلة».

وفشلت جهود السلام الأميركية حتى الآن في التوسط لإنهاء أسوأ صراع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.


بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
TT

بازار الرئاسيات الفرنسية يكشف تشظّي الأحزاب التقليدية

مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)
مارين لوبان خلال جلسة للجمعية الوطنية يوم 30 يونيو (رويترز)

بدأ العدّ العكسي للانتخابات الرئاسية في فرنسا، بعد أن أعلنت الوزيرة مود بريجون، الناطقة باسم الحكومة، رسمياً، موعدها مع نهاية اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه برئاسة إيمانويل ماكرون.

وبحسب بريجون، فإن موعد الجولة الأولى حُدد في 18 أبريل (نيسان) المقبل، فيما الدورة الثانية ستنعقد في 2 مايو (أيار). وعجل برونو روتايو، وزير الداخلية السابق ورئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي ومرشحه للانتخابات المقبلة، إلى توجيه انتقاد لاذع للموعد، خصوصاً أن الدورة الثانية ستوافق يوم الأحد، واليوم التالي لعيد العمل. وتشهد البلاد تقليدياً مسيرات النقابات العمالية وترافقها خطابات ومواقف سياسية، ما لا يتوافق مع «الصمت الانتخابي» المفروض احترامه قبل يوم الانتخابات.

وقال روتايو للقناة الإخبارية «سي نيوز»، إن خيار الحكومة يفيد اليسار؛ «لأن جولة ثانية بعد الأول من مايو من شأنها إسداء خدمة لليسار». وبالنظر للوضع السياسي الراهن في فرنسا، فقد أمل روتايو ألا تشهد الجولة الثانية تنافس مرشحي الحزبين الأكثر راديكالية؛ أي حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، وحزب «فرنسا الأبية» المتشدد الذي يقوده جان لوك ميلونشون.

وردّت الوزيرة بريجون على المرشح روتايو، مؤكدة أن قاعدة الصمت الانتخابي «سوف تحترم»، مضيفة أنها «تثق بحس المسؤولية لدى القوى السياسية التي ستطبق هذه القاعدة».

مارين لوبان أو جوردان باريلا

ثمة شبه إجماع في فرنسا على اعتبار أن الرئاسيات المقبلة لا تشبه ما سبقها من انتخابات من هذا النوع؛ فالعلامة البارزة في المشهد السياسي الراهن عنوانه هيمنة مرشح «أو مرشحي» اليمين المتطرف على كافة استطلاعات الرأي في الأشهر الأخيرة بشكل غير مسبوق. غير أن مشكلة هذا الحزب أنه، حتى اليوم، لم تُعرف هوية من سيخوض باسمه هذه الانتخابات.

جوردان بارديلا رئيس حزب «التجمع الوطني» خلال جلسة في البرلمان الأوروبي يوم 30 يونيو (أ.ف.ب)

ذلك أن مارين لوبان، مرشحته «الطبيعية» وابنة مؤسسه جان ماري لوبان، ليست متأكدة من خوض المنافسة، ومصيرها مرهون بالحكم الذي سيصدر عن محكمة الاستئناف في 7 الشهر الحالي في «قضية المساعدين البرلمانيين» في الاتحاد الأوروبي؛ ففي العام الماضي، صدر بحقها حكم يتضمن عدة عقوبات، أبرزها حرمانها من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات مع التنفيذ الفوري.

وإذا أكدت محكمة الاستئناف هذا الحكم، فإن لوبان التي خاضت الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات ستجد نفسها خارج السباق. وعندها سيحل مكانها رئيس الحزب، جورادن بارديلا، البالغ من العمر 29 عاماً. والحال أن الأخير تدور بشأنه شبهات استخدام أموال الاتحاد الأوروبي في مآرب شخصية. ولكن في كافة الأحوال، فإن الاثنين يتصدران وبشكل غير مسبوق استطلاعات الرأي، إلى درجة أنهما يتصدران بعشرين نقطة المرشح الذي يحتل المرتبة الثانية.

فرنسا تميل يميناً

بيد أن الصعوبة تكمن في تحديد هوية المرشح المنافس القادر على الوصول إلى الجولة الانتخابية الثانية والحاسمة.

فالوضع السياسي متغير، والمرشحون كثر إلى حد لم تعرفه فرنسا في السابق بسبب التشظي السياسي والمنافسات والطموحات داخل الحزب الواحد.

وحتى اليوم، ثمة مرشحان اثنان؛ هما إدوار فيليب رئيس الحكومة الأسبق، وجان لوك ميلونشون. لكن الأول يعاني من تحدٍّ يُدعى غبريال أتال، الذي شغل في السابق منصب رئيس الحكومة ويشغل حالياً رئيس حزب «الانبعاث» «Renaissance»، أي حزب الرئيس ماكرون الذي يمنعه الدستور من الترشح لولاية ثالثة. أما فيليب فيترأس حزب «آفاق» «Horizons» الداعم بدوره لحكم ماكرون، ويُشكّل الحزبان وحزب «الحركة الديمقراطية» «Modem» ما يسمى «الكتلة المركزية» معقودة الولاء للرئيس الفرنسي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بانتظار وصول الرئيس البرتغالي إلى قصر الإليزيه يوم 1 يوليو (إ.ب.أ)

والحال، أن استطلاعات الرأي تقدر أن فيليب يمكن أن يحصل على ما يقارب 16 في المائة شرط أن يمتنع أتال عن الترشح. ونبه فيليب، الأربعاء، في حديث لإذاعة «آر تي إل» من أن تعدد الترشيحات داخل الكتلة المركزية يمكن اعتباره «أمراً خطيراً»؛ لأنه سيفتح باب المواجهة في الدورة الثانية بين بارديلا وميلونشون.

وحتى اليوم، يبدو فيليب متفوقاً على أتال. لكن الوضع متحرك، وأتال مُصرّ أكثر من أي يوم مضى على خوض غمار المنافسة الانتخابية. وفي أي حال، فإن غياب ماكرون الذي فاز بولايتين متعاقبتين فتحت الباب الشهوات الرئاسية على مصراعيه.

وتفيد كافة الدراسات السوسيولوجية أن فرنسا، كغالبية الدول الأوروبية، تميل إلى اليمين واليمين المتطرف. والحال أن هذا «المعسكر» بجناحيه منقسم على ذاته رغم وجود محددات مشتركة بينهما، مثل التشدد في مسائل الهجرات، والأمن، وإزاء الحركات الإسلاموية. وثمة «لعبة» سياسية تقوم على سعي مرشح اليمين المتطرف إلى اجتذاب ناخبي اليمين التقليدي، بينما الأخير يتبنى أكثر فأكثر طروحات ومقترحات اليمين الراديكالي، لا بل إنه يزايد عليه أحياناً. والدليل على ذلك أن روتايو الذي لا تلتف حوله كل تيارات اليمين التقليدي لم يتردد، الأربعاء، في الإعلان عن أنه يدعو إلى إلغاء حق الذين سيولدون على الأراضي الفرنسية من الحصول على الجنسية الفرنسية.

تفتت اليسار

ليست الأمور أفضل حالاً في مقلب اليسار؛ فداخل الحزب الاشتراكي، هناك ما لا يقل عن ثمانية طامحين للترشح، بينهم أمينه العام أولفيه فور، ورئيس مجموعته البرلمانية بوريس فالو، والرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند. يضاف إلى هؤلاء مرشح لا ينتمي إلى الحزب، هو النائب الأوروبي رافاييل غلوكسمان ورئيس حزب «الساحة العامة» الذي يحظى بدعم قوي من قسم من الاشتراكيين ليكون مرشح اليسار المعتدل؛ أي غير الراغب في التحالف مع ميلونشون.

إلا أن حسابات الأخير، الذي سبق له أن خاض ثلاث انتخابات رئاسية، تقوم على اعتبار أنه الأوفر حظاً للوصول إلى الدورة الثانية. وفي انتخابات عام 2022، كاد يبلغ الجولة الحاسمة لو لم يترشح إلى جانبه أوليفيه فور عن الاشتراكيين، وفابيان روسيل عن الحزب الشيوعي، فضلاً عن مرشحة هامشية عن اليسار التروتسكي، ما بدّد أصوات اليسار.

جان لوك ميلونشون مرشح «فرنسا الأبية» لدى وصوله إلى ساحة «لاريبوبليكا» في باريس للمشاركة في حفل موسيقي مساء 21 يونيو (أ.ف.ب)

ولا يبدو حتى اليوم أن الأحزاب اليسارية وحزب الخضر الذي ترشحت باسمه أمينته العامة مارين توندوليه، قادرة على التغلب على انقساماتها العميقة وطموحات قادتها، أو حتى التوافق على نهج من التنافس الداخلي لاختيار الشخصية الأكثر حظاً لخوض المعركة الرئاسية. ويذهب بعض قادة اليسار المعتدل إلى اعتبار ميلونشون «عقبة» بوجه عودته إلى السلطة، بينما الأخير يراهن على شعبيته، وعلى خبرته، وعلى قدراته الخطابية لسحب البساط من تحت أرجل منافسيه.

وثمة من يدعو من داخل اليسار إلى تنظيم انتخابات تمهيدية داخلية لكافة تشكيلات اليسار. إلا أن الاشتراكيين يرفضون هذا المبدأ، ويقبلون بانتخابات داخلية، ولكن بعيداً عن حزب «فرنسا الأبية».

ما سبق غيض من فيض؛ فبازار الترشيحات فتح، والراغبون بها بعضهم خرج إلى العلن، والبعض الآخر يتهيأ لذلك. وكل يوم، تبرز مقترحات جديدة؛ إنْ بالنسبة للاتحاد الأوروبي، أو بالنسبة للسياسات الداخلية، والمديونية، والاقتصاد، وغلاء المعيشة، فضلاً عن أزمة نظام التقاعد والطاقة. وما يعكسه هذا الواقع بالدرجة الأولى، ضمور الأحزاب التقليدية يميناً ويساراً، وتشظّي المشهد السياسي، والذهاب نحو ما يمكن اعتباره تضخم الأطراف الراديكالية على حساب المركز أو الأحزاب المعتدلة.