في صراعها لكبح التطرف... طاجيكستان تطارد اللحى والحجاب

تورط 4 من مواطنيها بهجوم موسكو ضمن شبكة «داعش خراسان»

أكبر مسجد بطاجيكستان في دوشنبه... غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة المارة من النوع الذي حظرته الحكومة الآن (نيويورك تايمز)
أكبر مسجد بطاجيكستان في دوشنبه... غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة المارة من النوع الذي حظرته الحكومة الآن (نيويورك تايمز)
TT

في صراعها لكبح التطرف... طاجيكستان تطارد اللحى والحجاب

أكبر مسجد بطاجيكستان في دوشنبه... غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة المارة من النوع الذي حظرته الحكومة الآن (نيويورك تايمز)
أكبر مسجد بطاجيكستان في دوشنبه... غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة المارة من النوع الذي حظرته الحكومة الآن (نيويورك تايمز)

بعد اتهام طاجيك بشن هجوم مميت في موسكو، شددت الدولة قبضتها على المظاهر الإسلامية، لكن الخبراء يرون أن هذا لن يعالج أسباب الإرهاب. وتوقع الناس في طاجيكستان حملة قمعية من الحكومة بعد اعتقال رجال من الطاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي ضد قاعة حفلات في موسكو خلال مارس (آذار) الماضي.

من جهتها، ترى نيلوفر، المدرسة البالغة 27 عاماً، أنه بدا من المبالغ فيه أن ترى مسؤولين من السلطات المحلية خارج مطعم «كنتاكي فرايد تشيكن» بالعاصمة الطاجيكية دوشنبه، يقصون لحى المارة التي عدّوها طويلة.

في حين كانت المحال تبيع سابقاً أغطية الرأس والحجاب أصبحت الآن تعرض بشكل أساسي الملابس الطاجيكية التقليدية بعد اتهام الطاجيك بالهجوم المميت في موسكو (نيويورك تايمز)

ورغم أن هذا بدا إجراءً مبالغاً فيه، فإنه لم يشكل مفاجأة، ففي غضون شهر، جرى توقيف نيلوفر نفسها 3 مرات من قبل السلطات لارتدائها الحجاب في الأماكن العامة. وفي مقابلة أُجريت معها حديثاً في دوشنبه، قالت نيلوفر، مستخدمة اسمها الأول فقط خشية الملاحقة: «في الوقت الحاضر، بمجرد أن تخرج من بيتك، فإنه يمكنك فعلياً أن تشعر بمدى كثافة المداهمات».

حاضنة للتطرف

وتواجه طاجيكستان، التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة غالبيتهم العظمى مسلمون، كثيراً من التحديات، التي يعتقد خبراء مكافحة الإرهاب أنها تجعلها حاضنة للتطرف؛ وتتمثل في الفقر، ورداءة مستوى التعليم، وارتفاع البطالة، ومظالم جراء حكومة استبدادية تقيد بشدة ممارسة شعائر الدين.

قررت نيلوفر الفتاة التي تبلغ من العمر 27 عاماً وتعمل في مجال التعليم بالعاصمة الطاجيكية دوشنبه التخلي عن ارتداء الحجاب بعد أن أوقفتها السلطات 3 مرات (نيويورك تايمز)

في مواجهة تحديات كهذه، يقول نقاد إن طاجيكستان استمرت في تقييد تدريس الإسلام وممارسته، وفرضت بشكل متصاعد سياسات سطحية تنظم الحجاب وطول اللحى.

وتركزت الأنظار على طاجيكستان على المستوى الدولي، بعد اتهام 4 طاجيك بتنفيذ أسوأ هجوم إرهابي في روسيا منذ عقدين، أسفر عن مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500 آخرين في قاعة حفلات بموسكو. وأُلقي القبض على طاجيك آخرين لاحقاً على خلفية الهجوم ذاته.

مستشفى في دوشنبه يحمل ملصقاً للرئيس إمام علي رحمن... وهو رجل غير محبوب ظل بالسلطة لمدة 3 عقود (نيويورك تايمز)

«داعش خراسان»

وقال مسؤولون أميركيون إن «ولاية خراسان الإسلامية»؛ فرع «داعش» المعروف باسم «داعش خراسان»، تقف وراء الهجوم، وإن الطاجيك المتطرفين جذبوا انتباه الحكومات وخبراء مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم خلال الأشهر الأخيرة.

كما تورط أتباع تنظيم «داعش» من الطاجيك بهجمات إرهابية في إيران وتركيا، وكذلك في مؤامرات أُحبطت في ألمانيا والنمسا وأماكن أخرى. والشهر الماضي، ساعد اثنان من أبناء طاجيكستان في تنظيم تمرد بسجن روسي، وفقاً لما ذكرته وكالة أنباء «تاس»، مضيفة أن التطرف كان الدافع وراء التمرد.

أكبر مسجد بطاجيكستان في دوشنبه... غطاء الرأس الذي ترتديه المرأة المارة من النوع الذي حظرته الحكومة الآن (نيويورك تايمز)

وأساءت الهجمات إلى صورة البلاد في الخارج، خصوصاً في روسيا، حيث يعمل نحو مليون طاجيكي (نحو 10 في المائة من سكان طاجيكستان) في وظائف منخفضة المهارة لإرسال الأموال إلى بلدهم.

في هذا الصدد، قال لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لموقع «ميليتانت واير»، الذي يركز بحثه على تنظيم «داعش» في طاجيكستان: «يشعر المسؤولون بالإحباط من وصم بلادهم بالإرهاب عالمياً، ومن اللوم الذي يوجه إليهم جراء كل تلك الهجمات. لذلك، فهم يضاعفون جهودهم مستخدمين العنف».

رجال من مختلف أنحاء طاجيكستان يتجمعون في كوزيموبود سعياً للحصول على عمل في دوشنبه... وكان أغلبهم يعمل في روسيا قبل حملة القمع هناك (نيويورك تايمز)

لطالما اعتاد الطاجيك القيود التي تفاجئ كثيراً من الغربيين، المتمثلة في وجود تشريعات تحكم السلوك في حفلات الزفاف وأعياد الميلاد وحتى الجنازات، فقد جرى حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007، وفي المؤسسات العامة منذ عام 2009.

إلا إنه في يونيو (حزيران) الماضي، أقر البرلمان قانوناً يحظر «الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية»، وهو مصطلح تستخدمه الحكومة غالباً للإشارة إلى الملابس التي تعدّها إسلامية، والحجاب هنا هو المستهدف.

وينص القانون على فرض غرامات تتراوح بين 7 آلاف و15 ألف ساماني، أو ما يعادل نحو 660 و1.400 دولار، في بلد يبلغ متوسط الراتب الشهري فيه ما يزيد قليلاً على 200 دولار.

جولراكات ميرزوييفا والدة دالريجون ميرزوييف أحد المتهمين في هجوم موسكو الإرهابي (نيويورك تايمز)

ويبدو مبررهم في ذلك أن القضاء على السمات المميزة للإسلام المحافظ، سيساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ نفسه؛ وربما تخفيف حدة التطرف.

إلا إن ويبر يرى أن رد فعل الحكومة زاد الوضع سوءاً؛ فقد أفاد بأن «الإرهابيين الذين خططوا للهجوم على موسكو لم يتمنوا ردود فعل أفضل من تلك التي صدرت بالفعل من الحكومة الطاجيكية؛ لأنهم يريدون تأجيج التوترات... يريدون ردود فعل عنيفة».

وقد رفضت هيئات حكومية طاجيكية عدة مسؤولة عن تنفيذ القوانين، عقد لقاءات مع مراسلين من صحيفة «نيويورك تايمز» في دوشنبه، أو الاستجابة للطلبات التي أُرسلت عبر البريد الإلكتروني للتعليق.

ومن المعلوم أن طاجيكستان بلد جبلي يقع في آسيا الوسطى، وتحدّها أفغانستان والصين وقيرغيزستان وأوزبكستان، وتعتمد بشكل كبير على روسيا اقتصادياً، ويحافظ قادتها على علاقة وثيقة للغاية بموسكو.

حلق لحى المارة

خارج مطعم «كنتاكي فرايد تشيكن»، اقتربت نساء؛ كن بصحبة الرجال الذين يقومون بحلق لحى المارة، من نيلوفر وصديقتها، وأفدن بأنهن من «لجنة المرأة والشؤون الأسرية»، وهي هيئة حكومية تقدم المشورة بشأن السياسات الحكومية وتنفذها، وطالبن المرأتين بخلع حجابيهما.

حاولت نيلوفر إيضاح أنها عادة لا ترتدي غطاء رأس، لكنها كانت في فترة الحداد بسبب وفاة والدتها، فأخبرنها أن كثيراً من الطاجيك تورطوا في هجمات إرهابية، كما أخبرنها بأن متطرفين من أفغانستان قد جاءوا إلى البلاد، وأنهم ذوو لحى طويلة وزوجاتهم يضعن أغطية الرأس، وأنه بات من الصعب على السلطات القبض عليهم هم وزوجاتهم؛ نظراً إلى «أننا نرتدي مثل ملابسهم، ومن الصعب التمييز بيننا».

أراد هؤلاء النساء تغريم نيلوفر، لكنها اتصلت بجهة عمل عمّها الذي يتمتع باتصالات حكومية قوية، فطالبتهن جهة العمل هذه بتركها وشأنها. إلا إنه عندما جرى توقيفها في يونيو لثالث مرة، كما قالت، هذه المرة من قبل الشرطة، كان عليها قضاء الليل في زنزانة؛ لأنها رفضت التوقيع على وثيقة تقر فيها بأنها انتهكت القانون.

واستطردت نيلوفر: «عندما وصلتُ إلى قسم الشرطة، كانت هناك بالفعل نحو 15 أو ربما 17 امرأة يرتدين حجاباً محتجزات في الزنزانة، بمن فيهن امرأة مسنة كانت في الخمسين من عمرها على أقل تقدير».

استراحة من الحصاد خارج قرية كوزيموبود في طاجيكستان مسقط رأس أحد المشتبه فيهم بهجوم موسكو... تقول والدته إنه لم يُظهر أي علامة على التدين (نيويورك تايمز)

في الصباح، وصل مأمور القسم، وهو زميلها السابق في دورة دراسية جامعية، وأطلق سراحها. وأضافت نيلوفر: «كان زوجي غاضباً مني، وقلقاً عليّ أيضاً، لكنه استوعب ما مررت به، فقد قضى هو الآخر 5 ليالٍ في السجن قبل الموافقة على تقصير لحيته».

بعد هذه التجربة، قررت نيلوفر أخيراً خلع الحجاب؛ لأنها كانت تخشى أن تشكل فترة احتجازها وصمة عار في سجلها؛ مما يعرقل قدرتها على العمل.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

المشرق العربي صورة نشرتها وكالة «سانا» السورية الرسمية للجيش عند تسلّمه القاعدة (سانا)

دمشق تؤكد تسلّمها كل القواعد التي شغلها الجيش الأميركي في سوريا

أكدت الحكومة السورية، الخميس، أنها تسلّمت كل القواعد العسكرية التي كانت تشغلها قوات أميركية انتشرت في البلاد منذ أعوام في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
أفريقيا رجال شرطة وسط الأضرار التي لحقت بسوق مدينة مايدوغوري جراء التفجيرات الانتحارية (أ.ب)

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية والجيش قال الضربة دقيقة وليست عشوائية والسوق مركز لوجيستي لـ«داعش» و«بوكو حرام»

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية يوم 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

مسلحون يهاجمون قاعدة للجيش النيجيري... ويقتلون قائدها و6 جنود

اقتحم مسلحون متطرفون في وقت متأخر من مساء أمس (الأحد) قاعدة للجيش النيجيري، قرب الحدود الشمالية الشرقية للبلاد مع تشاد، ما أسفر عن مقتل قائد القاعدة و6 جنود.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
أوروبا صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها في سوريا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)
TT

واشنطن توافق على بيع معدات عسكرية إلى ألمانيا بقيمة 11.9 مليار دولار

أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد  (رويترز)
أرشيفية لجنود من الجيش الألماني يشاركون في مناورات عسكرية في بابراد (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، الجمعة إن الولايات المتحدة وافقت على بيع محتمل لمعدات عسكرية لألمانيا تقدر قيمتها بنحو 11.9 مليار دولار.

وجاء في بيان الخارجية الأميركية، إن «هذا البيع المقترح سيدعم أهداف السياسة الخارجية وأهداف الأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تحسين أمن دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)».

وأضاف البيان أن ألمانيا كانت قوة للاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي في أوروبا.

ووفقا للبيان، تسعى ألمانيا للحصول على ثمانية أنظمة قتالية متكاملة وأنظمة رادار حديثة وأنظمة إطلاق للصواريخ الموجهة، من بين معدات أخرى.

وستسمح هذه التكنولوجيا للسفن الحربية باكتشاف التهديدات مبكرا والتصدي لها والاتصال بوحدات الناتو الأخرى.

وقالت وزارة الخارجية إن «البيع المقترح سيعزز قدرة القوات البحرية الألمانية على مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية من خلال تحسين الدفاع الوطني والإقليمي بالإضافة إلى إمكانية التشغيل البيني مع القوات الأميركية وقوات حلف الناتو».

وتم تقديم الصفقة إلى الكونغرس الأميركي، الذي لا يزال بإمكانه الاعتراض عليها.


زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنّها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق.

وقال زيلينسكي: «إن طبيعة ما جرى مؤخراً في فنزويلا، وتداعيات الأحداث هناك، ينبغي أن تمنع قيادة بيلاروسيا من ارتكاب أخطاء مماثلة»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نفّذ الجيش الأميركي عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك، حيث لا يزالان محتجَزين حتى الآن، ويواجهان تُهماً؛ من بينها التآمر لتهريب المخدّرات.

وكشف زيلينسكي أن الاستخبارات الأوكرانية رصدت قيام بيلاروسيا بتوسيع شبكة طرقها وبناء مواقع مدفعية في مناطق قريبة من الحدود مع أوكرانيا.

ولم يقدّم الرئيس الأوكراني أدلة ملموسة على تلك الأنشطة داخل بيلاروسيا.

كانت روسيا قد استخدمت الأراضي البيلاروسية منطلقاً في غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

وأضاف زيلينسكي: «نحن نفترض أن روسيا ستحاول مجدداً جرّ بيلاروسيا إلى حربها» ضد أوكرانيا.

وأوضح أنه كلف «الجهات المعنية» بتوجيه تحذير إلى مينسك من العواقب المحتملة، مؤكداً أن أوكرانيا مستعدة للدفاع عن أراضيها واستقلالها.


40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
TT

40 دولة تجتمع في برشلونة تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» في مواجهة «اليمين العالمي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في صورة مركبة (أ.ف.ب)

تحت عنوان «التعبئة التقدمية العالمية» تجتمع، الجمعة، ولمدة يومين نحو 40 دولة في عاصمة إقليم كاتالونيا برشلونة، يشارك فيها رئيس البرازيل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، إلى جانب رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانتشيث، وهو منتقد آخر للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب، وينتمي إلى التيار اليساري ‌مثل لولا.

وقال رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني لارس كلينغبايل، الذي يشارك هو الآخر في هذا اللقاء إن هذا «أول اجتماع عالمي من نوعه ولحظة تاريخية».

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال خطابه المُتَلفز (إ.ب.أ)

وينتمي كلينغبايل إلى هيئة رئاسة «التحالف التقدمي» الذي أُسس عام 2013 في مدينة لايبزيغ الألمانية، وتضم أكثر من 130 حزباً ديمقراطياً اجتماعياً واشتراكياً.

دعا كلينغبايل، الذي يشغل أيضاً منصبي نائب المستشار الألماني ووزير المالية، إلى إقامة شبكة عالمية للقوى التقدمية كقوة موازنة لما وصفه بـ«اليمين العالمي». وقال في تصريحات لـ«وكالة الأنباء الألمانية» في برلين: «اليمين العالمي بات منذ مدة طويلة مترابطاً بشكل جيد على مستوى العالم... لذلك من المهم الآن أن نجتمع نحن كقوى تقدمية، بما يتجاوز أوروبا بكثير.

الرئيس البرازيلي ناقش وضع نيمار مع مدرب المنتخب كارلو أنشيلوتي (رويترز)

وقال كلينغبايل: «للأسف انحرفت المعايير لدى الرئيس ترمب»، مضيفاً أن سياساته أصبحت نموذجاً لعالم يفرض فيه الأكثر استعراضاً للقوة نفسه، مؤكداً أن المطلوب الآن هو بناء الجسور، وتعزيز مؤسسات قوية مثل الأمم المتحدة، وأضاف: «لا نريد مجتمعات منقسمة ومستمرة في الاستقطاب»، مشيراً إلى أن ما حدث في المجر يمنح بعض الأمل، حيث تم إقصاء فيكتور أوربان - أحد أبرز ممثلي الأحزاب الشعبوية اليمينية - من السلطة.

وأضاف: «الأمر لا يتعلق فقط بالتبادل، بل أكثر من ذلك، بجعل هذا الترابط السياسي فعالاً»، موضحاً أن الهدف هو تقديم نموذج مقابل «لبوتين وترمب ومن هم على شاكلتهما» يقوم على قواعد واضحة، وقانون دولي قوي.

وقال الرئيس البرازيلي: «لا يحق لأحد أن يخيف الآخرين. يجب ⁠أن ⁠يتحمل أصحاب النفوذ مسؤولية أكبر في الحفاظ على السلام»، واصفاً نفسه بأنه زعيم يفضل الاحترام على الخوف.

ووجّه لولا انتقاداً لاذعاً للرئيس الأميركي دونالد ​ترمب في مقابلة مع صحيفة «ألباييس» الإسبانية نُشرت، الخميس، قائلاً إن على قادة العالم السعي إلى كسب الاحترام بدلاً من الحكم بالترهيب. وأضاف: «لم يُنتخب من أجل ذلك، ودستوره لا يسمح بذلك». ووصف لولا نهج الرئيس الأميركي في ⁠السياسة الخارجية بأنه «لعبة مغلوطة للغاية» ‌يقودها افتراض ‌أن القوة العسكرية والاقتصادية لواشنطن ​تخولها بوضع ‌القواعد.

الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز خلال اجتماع في كراكاس بفنزويلا 13 مارس 2026 (رويترز)

وتأتي تصريحات لولا بعدما حذّر ترمب، هذا الشهر، من أن «حضارة بكاملها ستموت» في إيران ما لم تفتح طهران مضيق هرمز. وقال لولا للصحيفة: «لا يحق لترمب أن يستيقظ صباحاً، ويهدد دولة»، لافتاً إلى أن الدستور الأميركي يقسّم السلطة في ما يتعلّق بالحرب والسياسة الخارجية بين الكونغرس والرئيس. وأضاف الرئيس اليساري البالغ 80 عاماً أن «من الضروري أن يتولى قادة الدول القوية مسؤولية أكبر في المحافظة على السلام».

أعضاء اللجنة التوجيهية لأسطول الصمود العالمي ومنظمة «أوبن آرمز» يحضرون مؤتمراً صحافياً بينما يستعد الأسطول الإنساني للمغادرة إلى غزة من برشلونة (رويترز)

ودعا إلى إجراء انتخابات حرة في فنزويلا دون تدخل من واشنطن، وذلك عقب العملية المفاجئة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية في الثالث من يناير (كانون الثاني)، ​وألقت فيها ​القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كراكاس.

ويفترض رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أن تصدر عن المؤتمر رسالة مفادها أن «التعاون يجعلنا أقوى لا أضعف». وفي إشارة إلى الرئيس الأميركي، قال كلينجبايل: «هذا التحالف ليس موجهاً في المقام الأول كحركة مضادة لترمب»، موضحاً في المقابل أن النظام العالمي يشهد تحولاً عميقاً، ويعمل باستمرار بصورة أقل وفق قوة القانون، وبصورة أكثر وفق قانون الأقوى، وأضاف: «هذا بالتحديد ما نتصدى له».

وما زالت العلاقة بين واشنطن وبرازيليا متوترة رغم عقد اجتماع بين ترمب ولولا، العام الماضي، أسهم في تخفيف حدّة التوتر، وأدى إلى خفض الرسوم التجارية. وجدد لولا دعوته لإصلاح مجلس الأمن الدولي بحيث يشمل إلغاء حق النقض (الفيتو) الذي تتمتّع به الدول الخمس دائمة العضوية، وضم مزيد من البلدان الأفريقية ومن أميركا اللاتينية. وأضاف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»: «حان الوقت لإعادة تشكيل الأمم المتحدة ومنحها مصداقية، وإلا فإن ترمب سيكون محقّاً»، في إشارة إلى انتقادات الرئيس الأميركي للهيئة الدولية، وقوله إنها فقدت فاعليتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في كلمته أمام نواب البرلمان (أ.ف.ب)

وأشار كلينغبايل إلى أنه من المتوقع أيضاً حضور قوى تقدمية من الولايات المتحدة، وقال: «نحن في الحزب الاشتراكي الديمقراطي نحافظ تقليدياً على علاقات وثيقة جداً مع الديمقراطيين في الولايات المتحدة، ونعمل حالياً على توسيع هذه الاتصالات»، موضحاً أن ذلك يشمل حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس، وأضاف: «يجب أن نظل في حوار يتجاوز الإدارات». وقد تسفر انتخابات التجديد النصفي في الخريف المقبل عن تغيير في المشهد السياسي الأميركي».

وقال: «أنا لست مع الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكن يجب أن نوضح أن العلاقات عبر الأطلسي تعرضت لضرر حقيقي»، مضيفاً أن «هذا قد يتغير مجدداً، لكننا في المرحلة الحالية نمرُّ بمرحلة انفصال للإدارة تحت قيادة ترمب»، مشدداً على أن أوروبا يجب أن تكون قادرة على سلوك طريقها الخاص، وقال: «هذا غير موجَّه ضد الولايات المتحدة، إنما هو التزام واضح بأوروبا مستقلة».

رئيس الوزراء الإسباني والرئيس الفرنسي (إ.ب.أ)

وأشار كلينغبايل إلى أنه سبق أن قال بعد الغزو الروسي لأوكرانيا إن العالم سينظم نفسه في مراكز متعددة، مضيفاً أن أوروبا يجب أن تكون مركزاً جاذباً، مثل أفريقيا أو أميركا اللاتينية، وقال: «على أوروبا أن تدافع عن دورها بثقة أكبر، فالعالم لا ينتظرنا». وفي المقابل، أشار كلينجبايل إلى وجود دول «يجب أن نسعى بنشاط لكسبها».

وبالإشارة إلى زعيم المعارضة في الهند راهول غاندي، أوضح كلينغبايل أن الهدف هو بناء تحالفات، بما في ذلك العمل على ألا تواصل دولة كبيرة مثل الهند التقارب مع روسيا.

ويرافق كلينغبايل في برشلونة وفد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي يضم أيضاً وزيرة التنمية ريم العبلي رادوفان، والأمين العام تيم كلوسندورف.