موسكو تؤكد استعدادها لإجراء مفاوضات مع كييف «دون شروط مسبقة»

بوتين يعدّ نتائج محادثات إسطنبول في ربيع 2022 تشكل أساساً لها... وكييف تنفي التوصل لأي اتفاق

الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
TT

موسكو تؤكد استعدادها لإجراء مفاوضات مع كييف «دون شروط مسبقة»

الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)
الرئيس الروسي يلقي كلمة خلال الجلسة العامة للمنتدى الاقتصادي الشرقي في فلاديفوستوك (رويترز)

أبدى «الكرملين»، الخميس، استعداده لبدء محادثات سلام مع أوكرانيا دون شروط. ونقل عن المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، قوله إن روسيا لا ترى أي شروط مسبقة لإجراء محادثات سلام مع أوكرانيا في الوقت الحالي، مضيفاً أن السلطات الروسية لا تناقش إجراء تعبئة جديدة، وفق ما ذكرت وكالة «تاس» للأنباء.

وأكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الخميس، ما جاء على لسان المتحدث باسم «الكرملين»، قائلاً إنه مستعدّ لإجراء مفاوضات مع كييف، على أساس المحادثات التي عُقدت في ربيع عام 2022 في إسطنبول، بينما كانت موسكو تستبعد أي نقاش، على خلفية الهجوم الأوكراني على منطقة كورسك الذي بدأ في أغسطس (آب) الماضي. ونفت كييف أنها توصلت إلى أي اتفاق مع موسكو في إسطنبول.

الرئيس فلاديمير بوتين خلال مشاركته في منتدى اقتصادي بشرق روسيا (رويترز)

وقال بوتين، خلال منتدى اقتصادي في فلاديفوستوك بروسيا: «هل نحن مستعدّون للتفاوض معهم؟ لم نرفض ذلك قط». وأضاف: «إذا ظهرت رغبة في التفاوض (لدى أوكرانيا)، فلن نرفض»، مؤكداً، في الوقت نفسه، أن هذه المحادثات يجب أن تستند إلى نتائج مفاوضات إسطنبول، غير أنّه اشترط أن يجري ذلك بناء على «الوثائق التي جرى الاتفاق عليها وتوقيعها بالأحرف الأولى في إسطنبول».

وقال الرئيس الروسي: «تمكنّا من التوصل إلى اتفاق، هذا هو الهدف، ويشهد على ذلك توقيع رئيس الوفد الأوكراني هذه الوثيقةَ، ما يعني أن الجانب الأوكراني كان راضياً بشكل عام عن الاتفاقات التي جرى التوصل إليها»، لكنه أضاف: «لم يدخل (الاتفاق) حيّز التنفيذ فقط؛ لأنه صدر أمر بعدم القيام بذلك؛ لأن النخب في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أرادت إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا». ولم تُنشر هذه النصوص التي أشار إليها بوتين.

وبدأت القوات الروسية هجوماً عسكرياً واسع النطاق على أوكرانيا، في 24 فبراير (شباط) 2022، لكن بعد أسابيع من المقاومة الأوكرانية، اضطرّ الجيش الروسي للانسحاب، في ربيع العام، من شمال أوكرانيا، قبل أن يواجه انتكاسات في الجنوب، وفي الجزء الشمالي من الجبهة الشرقية.

ودفع ذلك الرئيسَ الروسي إلى تعبئة مئات الآلاف من جنود الاحتياط، في خريف 2022، وإعلان ضمّ أربع مناطق أوكرانية؛ وهي لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا، دون السيطرة عليها بالكامل.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

وقال بوتين، الخميس، إنّ «التحرير» الكامل لدونباس، الذي يضم منطقتي لوغانسك ودونيتسك هو «أولويتنا»، مُبدياً تصميمه على القيام بذلك، رغم الأضرار الإنسانية والاقتصادية. وكان الرئيس الروسي قد وضع شرطاً مسبقاً قبل أي محادثات؛ وهو أن تنسحب كييف بالكامل من هذه المناطق، وهو مطلب غير مقبول لدى أوكرانيا وحلفائها الغربيين.

يأتي إعلان بوتين بعد أسبوعين من تأكيد «الكرملين» أن أي محادثات لإنهاء الصراع مستحيلة «في هذه المرحلة»؛ بسبب الهجوم الأوكراني على منطقة كورسك.

وقبل ذلك، أبدى الرئيس الروسي موقفاً آخر، في يونيو (حزيران) الماضي، عندما أكد أن الصراع لن ينتهي إلا إذا تخلّت أوكرانيا عن طموحها في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وتنازلت عن المناطق الأوكرانية الأربع التي سيطرت عليها قواتها، إضافة إلى شبه جزيرة القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014، ما يعني استسلاماً فعلياً لكييف.

ورغم أنه يبدو من الصعب التوفيق بين موقفيْ موسكو وكييف بصيغتيهما الحاليتين، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في وقت سابق، أنّه يريد وضع خطّة، بحلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل؛ موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تكون بمثابة أساس لقمة سلام مستقبلية يُدعى إليها «الكرملين»، وتكون تمهيداً لنقاشات مستقبلية.

آلية عسكرية أوكرانية عند الحدود الروسية الأوكرانية (أ.ف.ب)

وبينما كان الجيش الروسي يُحرز تقدماً بطيئاً على الجبهة منذ نحو عام، شنّت القوات الأوكرانية، في السادس من أغسطس الماضي هجوماً واسع النطاق في منطقة كورسك الروسية، حيث أعلنت كييف السيطرة على مئات الكيلومترات المربّعة، فيما يشكل أكبر هجوم لجيش أجنبي على الأراضي الروسية منذ الحرب العالمية الثانية.

وبعد أيام، ظهر بوتين على التلفزيون الروسي، وبدا منزعجاً بشكل واضح جراء سهولة سيطرة القوات الأوكرانية على أراضٍ روسية، دون مقاومة تُذكَر.

وقال بوتين، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، إنّ أحد أهداف هذا الهجوم يتمثل في إجبار روسيا على إعادة نشر قواتها من منطقة إلى أخرى، و«وقف هجومنا في المناطق الرئيسية». غير أنه أشار إلى «فشل» هذا الهدف، مضيفاً أن موسكو تُواصل هجومها في دونباس، خصوصاً باتجاه بوكروفسك التي تُعدّ تقاطع طرق وسكك حديدية مهمّاً للخدمات اللوجستية للقوات الأوكرانية بهذه المنطقة الواقعة في شرق البلاد.

وقال بوتين، الخميس: «هل نجح (التكتيك الأوكراني)؟ لا!». وأضاف: «على العكس... أَضعفَ العدو نفسه في مناطق رئيسية، في حين سرّع جيشنا عملياته الهجومية» على الجبهة الشرقية، مؤكداً أن أوكرانيا مُنيت بـ«خسائر كبيرة».

وأضاف بوتين أن التوغل الأوكراني بمنطقة كورسك لم ينجح في إبطاء التقدم الروسي بشرق أوكرانيا، بل أدى إلى إضعاف دفاعات كييف على الجبهة بشكل عزَّز موقف موسكو.

وأوضح بوتين أن كييف أضعفت دفاعاتها في مواقع أخرى، وأتاحت لموسكو تسريع الهجوم في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا، مؤكداً من جديد أن الهدف الأول لموسكو هو السيطرة الكاملة على دونباس.

وقال بوتين، كما نقلت عنه «رويترز»: «كان هدف العدو هو إثارة قلقنا لننقل القوات من قطاع إلى آخر، ونُوقف هجومنا في مناطق رئيسية، وخصوصاً في دونباس... هل نجح في ذلك؟ لا».

وقال قائد الجيش الأوكراني، أولكسندر سيرسكي، إن أحد أهداف عملية كورسك كان تحويل القوات الروسية من مناطق أخرى، وخصوصاً في شرق أوكرانيا بالقرب من مدينتيْ بوكروفسك وكوراخوف. وأشار بوتين إلى أنه «من خلال نقل وحدات كبيرة وجيّدة التدريب لمواجهتنا في هذه المناطق الحدودية، أضعف العدو نفسه في مناطق رئيسية، وسرّعت قواتنا العمليات الهجومية».

وذكر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف تعتزم الاحتفاظ بأراضٍ في كورسك، وأن العملية نقلت الحرب عند الجانب الروسي. وأضاف بوتين: «لا إجراءات تُتخذ لاحتواء هجومنا». وقال إن تقدم روسيا نحو مدينة بوكروفسك المهمة لوجيستياً بشرق أوكرانيا نجح.

وتناول الرئيس الروسي، في كلمته بالمنتدى الاقتصادي، في تعليق ساخر، على ما يبدو، إن روسيا ترغب في فوز كامالا هاريس في الانتخابات الرئاسية الأميركية، مشيراً إلى ما وصفه بضحكتها «المُعدية» على أنها سبب لتفضيل هاريس على مُنافسها دونالد ترمب.

قوات أوكرانية (أ.ف.ب)

جاءت تعليقات بوتين بعد يوم من اتخاذ السلطات الأميركية سلسلة إجراءات، الأربعاء، مِن بينها فرض عقوبات، والقيام بملاحقات قضائية ضد مسؤولين في وسيلة الإعلام الروسية «آر تي»، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تأتي رداً على محاولات تدخُّل من قِبل روسيا في انتخابات عام 2024.

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، لوكالة أنباء «ريا نوفوستي» الرسمية: «إنها عملية واضحة، حملة إعلامية... جرى التحضير لها منذ فترة طويلة، وهي ضرورية قبل المرحلة الأخيرة من الدورة الانتخابية».

وقال بوتين، هذا العام، قبل انسحاب الرئيس الأميركي جو بايدن من السباق الانتخابي، أيضاً بسخرية واضحة، إنه يُفضله على ترمب؛ لأن بايدن سياسيّ من «الطراز القديم» أكثر قابلية لتوقع خطواته.

ورداً على سؤال حول رأيه في الانتخابات، الآن، ذكر بوتين أن الانتخابات خيار الشعب الأميركي، لكنه أضاف بعد ذلك أنه بما أن بايدن أوصى أنصاره بدعم هاريس، «فسوف نفعل الشيء نفسه، سندعمها». وقال بوتين: «إنها تضحك بطريقة معبّرة ومُعدية توحي بأن كل شيء على ما يُرام بالنسبة لها»، مضيفاً أن هذا ربما يعني أنها ستمتنع عن فرض مزيد من العقوبات على روسيا. وتعتقد وكالات المخابرات الأميركية أن موسكو ترغب في فوز ترمب لأنه أقل التزاماً بدعم أوكرانيا في الحرب ضد روسيا. لكن بوتين قال إن ترمب عندما كان رئيساً فرض عقوبات على روسيا أكثر من أي رئيس قبله في البيت الأبيض.


مقالات ذات صلة

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

قمة أوروبية في قبرص بمشاركة زيلينسكي بعد صرف 100 مليار دولار لأوكرانيا

وافق الاتحاد الأوروبي على صرف قرض بقيمة 90 مليار يورو (106 مليارات دولار) لكييف، بعدما تأخر شهوراً بسبب نزاع بين أوكرانيا والمجر على خط أنابيب متضرر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير هاري يصل إلى محطة قطار كييف (رويترز)

الأمير هاري يقوم بزيارة مفاجئة إلى أوكرانيا

زار الأمير البريطاني هاري كييف «لتذكير المواطنين في بلاده والمواطنين في جميع أنحاء العالم» بحرب أوكرانيا مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
رياضة عالمية فلاديمير بوتين خلال استقباله لاعبين ولاعبات في بطولة الملاكمة (أ.ب)

بوتين يهاجم القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية... ويصفها بـ«المخزية والجبانة»

انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس (الأربعاء)، القيادة السابقة للجنة الأولمبية الدولية، واصفاً إياها بأنها «مخزية وجبانة».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا فرق إطفاء تعمل على إخماد حريق شب عقب هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا (رويترز)

مقتل شخصين على الأقل بهجوم روسي على دنيبرو

قُتل شخصان على الأقل وفقد ثالث وأصيب ثمانية في هجوم روسي على دنيبرو في شرق وسط أوكرانيا، وفق ما أعلنت السلطات الإقليمية الخميس.

«الشرق الأوسط» (كييف)

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».


لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
TT

لندن وباريس تبديان تفاؤلاً بإحراز «تقدم حقيقي» في «خطة هرمز»

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي يتفقَّد قدرات إزالة الألغام خلال اجتماع عسكري في نورثوود يوم 23 أبريل (أ.ب)

أعربت بريطانيا وفرنسا، الخميس، عن أملهما في قرب تبلور خطة عسكرية لحماية مضيق «هرمز»، وفي أن تنجح في إعادة تدفقات التجارة عبر هذا الممر الحيوي. وخلال اجتماع استمرَّ يومين في لندن، قدَّم فريق مخصص للتخطيط العملياتي، الأربعاء، عرضاً إلى مُخطِّطي العمليات العسكرية، بشأن مهمة متعددة الجنسيات تقودها المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في هذا الممر الاستراتيجي، بحسب ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤولين دفاعيين كبار.

فرص «تقدم حقيقي»

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، ونظيرته الفرنسية وزيرة القوات المسلحة كاثرين فوتران، في بيان مشترك، الخميس: «نحن واثقون من إمكانية تحقيق تقدم حقيقي». وأضافاً أنه «من خلال البناء على هدفنا المشترك، وتعزيز التنسيق متعدد الجنسيات، وتهيئة الظروف لعمل جماعي فعّال، يمكننا المساعدة في إعادة فتح المضيق، واستقرار الاقتصاد العالمي، وحماية شعوبنا».

وعُقد المؤتمر في مقر القيادة المشتركة الدائمة شمال غربي لندن، وهي مركز القيادة البريطاني للإشراف على العمليات العسكرية المشتركة وإدارتها. وأكد الوزيران ضرورة «تحويل الزخم الدبلوماسي إلى عمل يتطلب تخطيطاً دقيقاً، ونقاشاً صريحاً، والتزامات واضحة من الدول الحليفة والشريكة». وأشارا إلى «العواقب الاقتصادية الخطيرة» لإغلاق المضيق خارج منطقة الخليج، مُحذَّرين من أنَّه «يضرب العاملين، لا سيما الفئات الأكثر ضعفاً في مجتمعاتنا».

غواصون وكاسحات ألغام

وفي سياق الاستعدادات الميدانية، أفادت وزارة الدفاع البريطانية بأنَّ غواصين عسكريين يستعدون لإجراء عمليات إزالة ألغام في حال دعت الحاجة في مضيق «هرمز»، بينما يتم تجهيز خبراء البحرية الملكية المُدرَّبين على تحييد الألغام وتفكيكها لتوفير خيارات إضافية إلى جانب الأنظمة غير المأهولة، وفق ما أورد موقع «بوليتيكو».

ومع مشاركة المخططين العسكريين في اليوم الثاني من المحادثات في لندن، أكّدت بريطانيا أيضاً أنها ستعرض نشر كاسحات ألغام ذاتية التشغيل ضمن مهمة متعددة الجنسيات مقترحة لحماية المضيق، بحسب المصدر نفسه.

وكانت إيران قد تعهَّدت، الأربعاء، بعدم إعادة فتح مضيق «هرمز» ما دامت الولايات المتحدة تواصل فرض حصار على موانئها. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد ترأسا، الأسبوع الماضي، محادثات دولية في باريس حول المضيق الاستراتيجي، بمشاركة أكثر من 50 دولة.

وقال ستارمر إنَّ أكثر من 12 دولة وافقت على المشارَكة في المهمة الرامية إلى تحرير الملاحة في «هرمز». وقد هيمن التوتر في هذا الممر المائي على وقف إطلاق النار في حرب الشرق الأوسط.

ومع اقتراب انتهاء الهدنة في وقت سابق هذا الأسبوع، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب في اللحظة الأخيرة تمديدها إلى أجل غير مسمى، لإتاحة مزيد من الوقت لمحادثات السلام التي تتوسط فيها باكستان.

وقالت إيران إنها ترحِّب بجهود باكستان، لكنها لم تعلّق على إعلان ترمب. ورغم أنَّ الضربات في أنحاء المنطقة توقفت إلى حد كبير منذ بدء الهدنة، فإنَّ الضغوط لم تتراجع حول هذا المسار التجاري الحيوي، إذ يستخدم الطرفان أدواتهما الاقتصادية في محاولة من كل طرف لإجبار الآخر على التراجع. وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس النفط العالمي يُنقَل عبر مضيق «هرمز».