ألمانيا: الولايات الشرقية تعيد اليمين المتطرف إلى الطليعة للمرة الأولى منذ هزيمة النازيين

المستشار الألماني يحذّر من التحالف مع «البديل من أجل ألمانيا»... والحزب المتطرف يتحدث عن «فوز تاريخي»

زعيما حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل وتينو شروبولا في مؤتمر صحافي في برلين غداة فوز حزبهما بانتخابات في الولايات الشرقية (رويترز)
زعيما حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل وتينو شروبولا في مؤتمر صحافي في برلين غداة فوز حزبهما بانتخابات في الولايات الشرقية (رويترز)
TT

ألمانيا: الولايات الشرقية تعيد اليمين المتطرف إلى الطليعة للمرة الأولى منذ هزيمة النازيين

زعيما حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل وتينو شروبولا في مؤتمر صحافي في برلين غداة فوز حزبهما بانتخابات في الولايات الشرقية (رويترز)
زعيما حزب «البديل من أجل ألمانيا» أليس فايدل وتينو شروبولا في مؤتمر صحافي في برلين غداة فوز حزبهما بانتخابات في الولايات الشرقية (رويترز)

استفاقت ألمانيا على آثار الزلال السياسي الآتي من ولاياتها الشرقية، التي أعادت أول حزب يميني متطرف منذ النازيين، إلى الطليعة. وفيما بدا صدى للماضي، فاز حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف بالانتخابات المحلية في ولاية تورينغن، التي كانت أول ولاية ألمانية أوصلت الحزب النازي إلى السلطة عام 1932.

وأصبح بيورن هوكيه، زعيم «البديل» في تورينغن والذي يعدّ من أكثر المتشددين داخل حزبه وأدين لاستخدامه شعارات نازية محظورة، هو الرجل المفضل لدى الناخبين في الولاية لتشكيل الحكومة. وفاز حزبه بقرابة 33 في المائة من الأصوات، بزيادة بنحو 10 في المائة عن الانتخابات السابقة عام 2019. لكن النتيجة تعني أنه إذا أراد الحكم، فسيتعين عليه التحالف مع أحزاب أخرى؛ وهو ما ترفضه كل الأحزاب، على الأقل حتى الآن.

زعيم «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية تورينغن بيورن هوكيه الفائز في الانتخابات المحلية (رويترز)

وكرّر المستشار الألماني دعوته لكل الأحزاب لرفض التحالف مع «البديل من أجل ألمانيا» غداة صدور النتائج، التي وصفها بأنها «مقلقة» قائلاً: «على بلادنا ألا تعتاد على ذلك، ويجب ألا تعتاد عليه، فهو يضعف الاقتصاد ويقسم المجتمع ويدمر سمعة بلادنا».

وحل ثانياً في ولاية تورينغن الحزب «المسيحي الديمقراطي» اليميني الوسط الذي تنتمي إليه المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، وحصل على قرابة 24 في المائة من الأصوات.

وانهارت أصوات الحزب اليساري المتطرف «دي لينكا»، وريث الحزب الشيوعي عندما كانت الولاية تحت الحكم السوفياتي، والذي يقود الولاية منذ سنوات. وانخفضت نسبة أصواته من 31 في المائة في الانتخابات الماضية إلى 13 في المائة، وذلك بعد أن انقسم الحزب على نفسه مطلع العام. وانشقت عنه زعيمته السابقة، زارا فاغينشت، التي تتمتع بكاريزما وشعبية كبيرة في الولايات الشرقية، لتؤسس حزبها الذي يحمل اسمها، وتحصل على 16 في المائة من الأصوات.

واختلفت فاغينشت المقربة من روسيا، مع «دي لينكا» حول دعم أوكرانيا، وحول سياسته المتعلقة باللاجئين. ويعتمد حزبها اليوم سياسة محافظة تجاه اللاجئين ويدعو إلى تخفيض أعدادهم، كما يدعو إلى إنهاء وقف دعم كييف والتصالح مع موسكو.

وإذا أرادت الأحزاب إبقاء «البديل من أجل ألمانيا» خارج السلطة في تورينغن، سيتعين على ثلاثة منها، «المسيحي الديمقراطي» و«دي لينكا» و«تحالف زارا فاغينشت»، التحالف معاً لتشكيل حكومة رغم كل الخلافات الجوهرية بين الأحزاب الثلاثة، خصوصاً فيما يتعلق بروسيا. ويجد حزب ميركل نفسه في وضع صعب للغاية؛ إذ يتعين عليه مراجعة تعهداته السابقة بعدم التحالف مع حزب فاغينشت، وتخطي مطالباته له بالتعهد بوقف دعم الحرب في أوكرانيا، ومعارضة إرسال الولايات المتحدة صواريخ بعيدة المدى إلى ألمانيا العام المقبل. وبدت فاغينشت نفسها متحمسة لمشاركة حزبها في الحكومة، وقالت في مؤتمر صحافي عقدته في برلين غداة النتائج إنه «سيتعين على الحزب المسيحي الديمقراطي أن يخطو خطوات تقرّبه لنا لكي نتمكن من الوفاء بوعودنا للناخبين».

ورغم أن الحزبين يتفقان في مسألة الهجرة فهما يختلفان بشكل أساسي حول روسيا. ولكن المرشح الرئيس للحزب اليميني الوسطي في تورينغن، ماريو فويت، رأى أن «السياسة الدولية لا يتم اتخاذ قرارات فيها في تورينغن»، في إشارة إلى مطالب فاغينشت حول روسيا والصواريخ الأميركية، مضيفاً أن الحزب يجري مشاورات في كيفية المضي قدماً.

المستشار الألماني أولاف شولتس في زولينغن يشارك بتجمع في ذكرى ضحايا الاعتداء الإرهابي قبل أسبوع (رويترز)

وبكل الأحوال، وحتى مع بقاء «البديل لأجل ألمانيا» خارج السلطة في تورينغن، فهو بات يتمتع بأغلبية معارضة تمنحه قوى لرفض تسيير قوانين تتطلب ثلثي الأصوات، مثل تعيين القضاة ومناصب أخرى مدنية.

وفي ولاية ساكسونيا، ورغم عدم فوز «البديل لأجل ألمانيا» بالمرتبة الأولى، فإنه حصل على نسبة غير مسبوقة من الأصوات؛ إذ حصل على قرابة الـ31 في المائة في حين حل «المسيحي الديمقراطي» في الطليعة بفارق ضئيل وحصل على 32 في المائة من نسبة الأصوات. ونجحت فاغينشت كذلك بالحصول على 12 في المائة من نسبة الأصوات، في حين انخفضت نسبة حزبها السابق «دي لينكا» إلى قرابة 4 في المائة بانخفاض 6 نقاط عن الانتخابات الماضية.

ورغم تحقيق «البديل من أجل ألمانيا» نتائج غير مسبوقة في هذه الولاية كذلك، فمن غير المرجح أن يتغير الكثير فيها. ويحكم الولاية منذ سنوات الحزب المسيحي الديمقراطي بتحالفات مع حزب الخضر والحزب الاشتراكي، ويمكن أن يستمر هذه المرة بالمثل. ولا يتمتع «البديل من أجل ألمانيا» بأغلبية معارضة معطلة كما في ولاية تورينغن.

زارا فاغينشت زعيمة حزب يساري باسمها مؤيد لروسيا (إ.ب.أ)

وإذا كانت نتائج الانتخابات أظهرت تقدماً لم يعد مشكوكاً به لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، وكذلك أكدت شعبية الحزب اليساري الجديد المؤيد لروسيا، فإن الأحزاب المشاركة في الحكومة كانت الخاسر الأكبر. ورغم أن الحزب الاشتراكي نجح بالبقاء في البرلمانين، فهو خسر أصواتاً مقارنة بالانتخابات الماضية، ولم يتمكن حزبا الخضر والليبراليين حتى من دخول برلمان تورينغن لأنهما حققا نسباً أقل من 5 في المائة، وهي النسبة التي يجب على الأحزاب الحصول عليها لدخول البرلمان.

واستغل «البديل من أجل ألمانيا» النتائج لدعوة الحكومة الألمانية للاستقالة، وقالت زعيمة الحزب، أليس فايدل، في مؤتمر صحافي ببرلين: «بعد النتائج التاريخية، يتعين على المستشار أولاف شولتس أن يستخلص العبر ويحزم حقائبه ويفرغ المقاعد مع شركائه في الحكومة». وأضافت أن «الناخبين يريدون حكومة مختلفة»، محذرة من «تجاهل الناخبين في تورينغن وساكسونيا». لا يتجاوز عدد الناخبين في تورينغن مليوناً و300 ألف ناخب، في حين يبلغ عدد الناخبين في ساكسونيا قرابة 3 ملايين من أصل 60 مليون ناخب من أنحاء البلاد.

واتهم زعيم الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، ماركوس رودر، الحكومة الفيدرالية في برلين بالمسؤولية عن صعود «البديل من أجل ألمانيا»، ووصف الانتخابات في الولايتين الشرقيتين بأنها «نقطة تحول في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب».

وما زال الكثير من سكان الولايات الشرقية يحملون أفكاراً معادية للولايات المتحدة وحلف «ناتو»، ومؤيد لروسيا. وقد زادت الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار نتيجة الحرب في أوكرانيا، من نقمة الكثيرين منهم على سياسات الحكومة المؤيدة لكييف. ويحمّل الكثير منهم كذلك اللاجئين والمهاجرين مسؤولية غياب الوظائف والضغوط على الخدمات العامة، علماً أن الولايات الشرقية التي كانت جزءاً من «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» من عام 1949 وحتى عام 1990، ما زالت تعاني تبعات الوحدة اقتصادياً وما زالت أضعف وأفقر من الولايات الغربية.

ولم يثر فوز «البديل من أجل ألمانيا» قلق السياسيين فقط، بل عبّرت كذلك مجموعات دينية عن قلق من صعود اليمين المتطرف. وأصدر المجلس اليهودي المركزي بياناً قال: «هل يمكن أن نتعافى من هذه الضربة؟». ووصفت الرابطة المركزية للألمان الكاثوليك فوز «البديل» بأنه «مخيف» ويشكل «ضربة للديمقراطية».

وخرجت مظاهرات فور بدء صدور النتائج في ولاية تورينغن تدعو لرفض العودة إلى عام 1933 وإلى «حظر النازية» وحظر «البديل من أجل ألمانيا».

وتراقب المخابرات الألمانية الحزب المصنف يمينياً متطرفاً والذي تأسس عام 2013 وكسب تأييداً بشكل أساسي بسبب سياساته المعادية للمهاجرين واللاجئين. وخرجت فضائح كثيرة مؤخراً لأعضاء في الحزب، من بينها مشاركتهم في اجتماع سري ناقش ترحيل الملايين من المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة. ومع ذلك، لم تؤثر أي من الفضائح على شعبيته، بل زادتها، على الأقل من الولايات الشرقية.


مقالات ذات صلة

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

أوروبا زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبن خلال مؤتمر صحافي في بروكسل ببلجيكا يوم 14 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

«التجمع الوطني» بزعامة لوبن يراهن على خطاب الأمن لتعزيز حظوظه لرئاسة فرنسا

يهاجم حزب «التجمع الوطني» الحكومة واليسار بعد عنف الاحتجاجات، مقدّماً نفسه ضامناً للنظام قبيل انتخابات الرئاسة الفرنسية، وسط تحذيرات من استفادته انتخابياً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)
أوروبا تيمو خروبالا وليف - إريك هولم يحتفلان بتصدّر «البديل من أجل ألمانيا» انتخابات إقليم مكلنبورغ - فوربومرن 20 سبتمبر الحالي (أ.ف.ب)

«أقصى اليمين» الأوروبي... مكاسب انتخابية واتساع للحضور السياسي

يعزّز اليمين المتطرف والقومي حضوره في دول أوروبية عدة خلال السنوات الأخيرة عبر مكاسب انتخابية ومشاركة في الحكم، رغم تراجعه في بعض الاستحقاقات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شارل ديغول (أرشيفية) p-circle

فرنسا: نسيبة للجنرال ديغول تترشح لـ«الشيوخ» على لائحة اليمين المتطرف

تخوض ابنة أحد أحفاد أقارب مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة الجنرال شارل ديغول الانتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ على إحدى لوائح حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف.

«الشرق الأوسط» (لومان (فرنسا))
شمال افريقيا عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة في يوليو الماضي (إ.ب.أ)

البرلمان الأوروبي يحض إسبانيا والمغرب على تسريع ترحيل مهاجري سبتة

أقرّ البرلمان الأوروبي، اليوم الخميس، نصّاً تقدّمت به قوى اليمين بدعم من اليمين المتطرف، يدعو إسبانيا والمغرب إلى تسريع إجراءات ترحيل المهاجرين الذين دخلوا سبتة

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ (فرنسا))

رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
TT

رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)

قال رئيس بلدية موسكو، اليوم (الخميس)، إن 630 طائرة مسيرة أُطلقت باتجاه منطقة العاصمة الروسية ليلا، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وكتب سيرغي سوبيانين على وسائل التواصل الاجتماعي «بين الساعة 8,30 مساء يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) والساعة الرابعة من فجر يوم 22 أكتوبر، كانت هناك 630 طائرة مسيرة تتجه نحو منطقة موسكو، لكن منظومات الدفاع الجوي دمرت معظمها»، مضيفا أن شخصين أُصيبا.


محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

بينما التقى ⁠الروسي ⁠فلاديمير بوتين مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، في موسكو، أمس (الأربعاء)، لإنقاذ جهود السلام الأوكراني، أفاد مسؤول ‌أميركي بأن موسكو ​وافقت ‌على ⁠اقتراح من واشطن بعقد ⁠اجتماع ثلاثي على ⁠المستوى الفني ‌مع كييف.

ومع أن الطرفين، الروسي والأميركي، لم يُفصحا عن تفاصيل الأفكار التي طُرحت خلف أبواب مغلقة، فإن ما تسرب من معطيات حمل إشارات إلى تطور مهم في إطار الحديث عن «وثائق محددة» تم تسليمها للكرملين لدراستها، تحدد أطراً للتسوية تمت مناقشتها في اليومين الماضيين مع الجانبين الأوروبي والأوكراني في أوسلو.

وقال ويتكوف: «أحضرنا بعض الوثائق، وهي في الواقع بعض الأفكار بشأن العناصر المختلفة لنوع من اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، ويمكنكم قراءتها حين يناسبكم ذلك».

وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين، إن المبعوث الأميركي أطلع الرئيس بوتين على مضمون المحادثات التي أجراها في أوسلو، الثلاثاء، مع مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين. وأضاف: «تحدّث عن بعض الجوانب الجديدة في مقاربة الأوروبيين وكييف، لكنها في الواقع تفتقر إلى المضمون».

في غضون ذلك، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، إلى تجميد خطوط القتال في الحرب مع روسيا، معتبراً ذلك خطوة أولى نحو محادثات وقف إطلاق النار.


السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

ثمة قاعدة يعمل بوحيها الرؤساء الفرنسيون وتقوم على الامتناع عن تناول الشؤون الفرنسية الداخلية في المؤتمرات الصحافية التي يعقدونها خارج أراضي بلادهم. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن احترمها في أكثر من مناسبة. غير أنه تجاوز هذا العرف خلال مؤتمر صحافي بالدوحة، في ختام زيارة دولة قام بها إلى قطر، إذ تحدّث طويلاً عن الاضطرابات وأعمال العنف والنهب التي عانت منها المدن الرئيسية في فرنسا يوم السبت الماضي، والتي تكرّر بعضها كما في باريس في اليوم التالي.

ولأن الصورة التي عكستها فرنسا للعالم عن وضعها كانت كارثية، ولأن ماكرون أراد أن يوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن الوضع لن يخرج مجدداً عن السيطرة، وأن يداً من حديد ستضرب الخارجين عن القانون، فقد أجاب عن الأسئلة كافة التي طُرحت عليه وأكّد أنه سلم الحكومة، قبل بدء رحلته إلى الخليج، «خريطة طريق» وهي تعمل على تنفيذها.

الرد على انتقادات الخارج

بيد أن الرئيس الفرنسي لم يكتفِ بذلك، إذ إنه حرص على الرد بقوة على التعليقات الخارجية التي استهدفت بلاده. ووجّه كلامه، من دون تسميتهم، إلى الرئيسين الأميركي والروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كما هاجم الذين يستغلون الأحداث لبث أخبار كاذبة وإشاعات ومقاطع فيديو يستولدها الذكاء الاصطناعي. واتهم ماكرون هؤلاء بأنهم يطلقون «تعليقات لا يمكن قبولها، كما أنها غبية»، مضيفاً: «ثمة أشخاص يشنّون حملاتهم على حساب فرنسا، وقادة يعيشون أجواء الحملات الانتخابية في المنطقة أو على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ويرددون أحياناً، بدافع من السذاجة، ما يركّبه الذكاء الاصطناعي، أو ينقلون ما تسعى بعض الجهات، بطبيعة الحال، إلى إيهام الناس به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

وعاد الهدوء إلى شوارع وساحات المدن الفرنسية منذ الاثنين، بعد أن لجأت السلطات إلى فرض منع التجول في الأحياء «الحساسة». كما تعمل المنظومة القضائية، على كامل الأراضي الفرنسية، بكامل قدراتها لمعاقبة المتورطين في أعمال الشغب والنهب واستهداف الأعيان العامة والممتلكات الخاصة، مستجيبةً لدعوة جيرالد دارمانان، وزير العدل، للضرب بيد من حديد على المخرّبين.

غير أن هذا الهدوء لا يعني أن الأمور عادت إلى مجاريها، فالنار ما زالت تحت الرماد. ودعت حركة «السترات الصفراء» إلى «الفصل الثاني» من الحراك من خلال مسيرة كبيرة يوم السبت المقبل والذي يليه في باريس، للتعبير عن احتجاجها على أسعار المشتقات النفطية بالغة الارتفاع، وغلاء المعيشة، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الأكثر هشاشة.

وانضمّت إليها، حتى الآن، مجموعات طلابية مستعيدةً الشعارات التي رُفعت منذ أن بدأ حراكها قبل ما يزيد على الشهر، وعلى رأسها المطالبة بمزيد من الاستثمارات في قطاع التعليم الثانوي، وتوفير الأساتذة البدلاء عن الأساتذة المتغيبين، وإصلاح الحالة المادية للمدراس، فضلاً عن إلغاء آلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات المتوافرة في المرحلة الجامعية.

كذلك، أطلقت صوفي بينيه، الأمينة العامة لنقابة «كونفيدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، دعوة لإضرابات مفتوحة بدءاً من الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني). وقالت بينيه، عقب اجتماع للنقابات مع سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، إن الأخير لم «يطرح أي مبادرة ملموسة» استجابةً لمطالب العمال والطلاب، وبالتالي يتعين التوجه نحو «مسار» جديد؛ أي الإضراب المفتوح.

السلطات تسعى لتلافي التقصير

بناءً على ما سبق، يُعدّ يوم السبت المقبل «اختباراً» جديداً لقدرة الحكومة على السيطرة على الوضع الأمني الذي تفلَّت من بين يديها طيلة يومي السبت والأحد الماضيين.

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

ونبّه ماكرون الأربعاء، من الدوحة، إلى أن «من يسعون لإثارة الفوضى في الاحتجاجات المقبلة لن يتمكنوا من فعل ذلك»، مُضيفاً أنه «ينبغي ألا يكون هناك أي تردد على أعلى مستوى في الدولة» في فرض الأمن بالوسائل الضرورية. وينُمّ كلامه عن ثقته بفاعلية التدابير الأمنية الجديدة. ولا شكّ أن الرئيس الفرنسي الذي سيغادر قصر الإليزيه بعد أقل من مائتي يوم لا يرغب في أن يؤحذ عليه أنه ترك منصبه فيما الفوضى تعم البلاد.

وفي الأيام الأخيرة، تكاثرت الانتقادات الموجهة إلى كيفية تعاطيه مع المطالب؛ أكانت تلك الصادرة عن طلاب التعليم الثانوي أو الجامعي أو من نقابات الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص. وفيما تجهد الحكومة في تمرير ميزانية تقشفية للعام 2027، وتصل ديون الدولة إلى مستويات غير مسبوقة (3600 مليار يورو) ونسبة فوائد مرتفعة للغاية (أكثر من 5 في المائة)، فإن التجاوب مع المطالب المرفوعة يحتاج إلى مليارات غير متوافرة. كما يؤخذ على ماكرون أنه لم يكشف عن أي تدبير ملموس حول كيفية الاستجابة للمطالب وسط أزمة الغلاء المستشري في السلع والخدمات.

لم يعرف حتى اليوم ما إذا كانت مديرية الشرطة ستتجاوب مع حركة «السترات الصفراء» للتظاهر السبت، بين ساحة «لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، أي في قلب العاصمة، علماً بأن أعمال الشغب انطلقت تحديداً من ساحة «لا ريبوبليك».

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو خلال جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

والأربعاء، أصدرت مديرية الشرطة في باريس قراراً بمنع التجول وأي تجمع غير مصرح به من الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً في المناطق الحساسة؛ التي تشمل مقرات رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ومجلس الشيوخ وجادَّة الشانزليزيه والساحة المركزية المسماة «لي هال»، ومحطات القطارات والساحات الساخنة التي شهدت أعمال العنف.

ويُرجّح مواصلة العمل بهذا المنع طيلة أيام الأسبوع ونهايته. وثمة إجراءات مشابهة في مدن أخرى مثل ليون ومارسيليا وبوردو. واستباقاً لمظاهرات السبت، قررت وزارة الداخلية تشديد انتشارها الأمني لتجنب اتهامها بـ«التقصير». وبإمكانها الاستعانة بطوافات الدرك، والمسيَّرات، وبفرق الجيش التي تم اللجوء إليها بعد العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عام 2015 وما تلاه.

ولا جدل في أن لوران نونيز، وزير الداخلية الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية يوم الأحد الماضي بسبب ما عُدَّ «تقصيراً» منه في فرض الأمن والسيطرة على الأوضاع، لن يدخر جهداً لتجنّب تكرار «الفشل الأمني» الذي يُعدّ إحدى النقاط النادرة من توافق التشخيص بين اليمين واليسار، لا بل أيضاً مع رئاسة الجمهورية والحكومة.

انهيار في الداخل والخارج

في افتتاحيتها المعنونة «صورة ماكرون تنهار في الخارج»، كتبت صحيفة «لوموند» أن التعبئة الشعبية وأعمال الشغب التي واكبتها «ضربت صورة ماكرون، ووفَّرت مادةً لأعداء فرنسا».

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

وأضافت الصحيفة أن محصلة السنوات العشر التي قضاها ماكرون في رئاسة الجمهورية آخذة في الانهيار. وفي الداخل، انهارت شعبية ماكرون إلى حد لم يعرفه في السابق، وذلك إلى درجة أن المرشحَين الرئيسيَّين عن «الكتلة المركزية» الداعمة له؛ وهما إدوارد فيليب عن حزب «هوريزون»، وغابريال أتال عن حزب «النهضة»، وكلاهما شغل رئاسة الحكومة، يمتنعان عن تبني محصلة الحكم التي كانا جزءاً منها، لا بل إنهما لا يترددان في انتقاد الرئيس الحالي.

ويؤخذ على ماكرون أمران رئيسيان: الأول، أنه لم يعرف كيف يتعامل مع المطالب التي ترفعها فئات مجتمعية كثيرة؛ بمن فيهم التلامذة الذين عوملوا بقسوة خلال مظاهراتهم التي لم تشهد العنف إلا على الهامش. والآخر، تدهور مالية الدولة بشكل يهدد النظام المالي الفرنسي، وبعضهم يُحذر من تبعاته على العملة الأوروبية الموحدة وعلى النظام المالي الأوروبي بكليته. ويبقى، أخيراً، أن ماكرون وعدَ الفرنسيين بأن حُكمه سينزع البساط من تحت رجلَي الأحزاب اليمينية المتطرفة وعلى رأسها حزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والحال أن جميع استطلاعات الرأي ترجح وصول لوبن إلى قصر الإليزيه، وهو ما يشكل إخفاقاً كبيراً وإضافياً لماكرون.