الفرنسي - المغربي كريم بوعمران مرشّح لرئاسة الحكومة الفرنسية

ماكرون يبحث عن شخصية قادرة على توفير أكثرية «واسعة ومستقرة»

بوعمران لدى إلقائه كلمة في افتتاح «شارع سقراط» في القرية الأولمبية مارس 2024 (غيتي)
بوعمران لدى إلقائه كلمة في افتتاح «شارع سقراط» في القرية الأولمبية مارس 2024 (غيتي)
TT

الفرنسي - المغربي كريم بوعمران مرشّح لرئاسة الحكومة الفرنسية

بوعمران لدى إلقائه كلمة في افتتاح «شارع سقراط» في القرية الأولمبية مارس 2024 (غيتي)
بوعمران لدى إلقائه كلمة في افتتاح «شارع سقراط» في القرية الأولمبية مارس 2024 (غيتي)

إذا رسا خيار الرئيس الفرنسي على كريم بوعمران، المولود في عائلة مغربية الأصل، لتكليفه تشكيل الحكومة الجديدة، فلن يكون السياسي الأول من أصول أجنبية الذي يصل إلى أعلى المراكز في الجمهورية الفرنسية. فالرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، من أصول مجرية. ورئيس الحكومة الأسبق مانويل فالس، في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولند، إسباني الأصل من مقاطعة كاتالونيا وترشح مؤخراً لرئاسة بلدية برشلونة. كذلك جد رئيس الحكومة المستقيلة غبرييل أتال، مولود في تونس. ومن مغربيي الأصول، برزت رشيدة داتي، وزيرة الثقافة في الحكومة المستقيلة وقبلها برز اسم نجاة بلقاسم، التي شغلت لفترات طويلة منصب وزيرة التربية؛ وتطول اللائحة.

أما أن يسمى سياسي مغاربي الأصل، في بلد يتربص اليمين المتطرف الذي حصلت مرشحته لرئاسة الجمهورية على 43 في المائة من الأصوات بالانتخابات الرئاسية عام 2022، بالسلطة وقد حصد أعلى نسبة من الأصوات في الدورة الأولى من الانتخابات البرلمانية التي حصلت قبل أسابيع قليلة، فإن ذلك يٌعدّ بلا شك تطوراً رئيسياً في المجتمع السياسي الفرنسي. ويفترض أن يعمد الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تسمية رئيس الحكومة الجديد بعد جولة المشاورات التي يجريها مع قادة المجموعات السياسية في البرلمان بجناحيه (مجلسي النواب والشيوخ) يومي الجمعة والاثنين. ومن المفترض أن يعمد ماكرون بعدها إلى تسمية رئيس الحكومة الجديد. بيد أن أوساط الإليزيه رفضت، ظهر الخميس، الإشارة إلى مهلة زمنية مهددة لإتمام التسمية، مكررة أن ماكرون «يريد حواراً شريفاً، أميناً ومفيداً»، وأنه يريد الدفع باتجاه ولادة أكثرية «عريضة ومستقرة» بحيث لا تسقط لدى أول اختبار في البرلمان. كذلك، فإنه «حريص على أن يكون ضامناً للدستور والمؤسسات ولمعنى اختيار الناخبين». وبكلام آخر، فإن كل هذه المعايير ستكون حاضرة عند اختيار الشخصية السياسية التي ستعهد إليها مهمة تشكيل الحكومة الجديدة.

مناورة الرئيس

ماكرون متحدثاً يوم 17 بمناسبة تحرير بلدة بورم ليه ميموزا حيث يقع مقر الرئاسة الصيفي (أ.ف.ب)

ليس مؤكداً أن يقع اختيار ماكرون على كريم بوعمران. إلا أن اسمه مطروح بجدية إلى جانب أسماء أخرى من اليمين واليسار، لكن بعضها فقط لغرض المناورة. ومن هذه الأسماء برنار كازنوف، آخر رئيس حكومة اشتراكية في عهد فرنسوا هولند وكزافيه برتراند، الوزير السابق المنتمي إلى حزب «اليمين الجمهوري» وميشال بارنيه، المفوض الأوروبي السابق الذي فاوض، بتكليف من الاتحاد الأوروبي، خروج بريطانيا من الاتحاد، أو حاكم البنك المركزي الفرنسي فرنسوا فيلروا غالهو. كذلك ليس مستبعداً أن يخرِج ماكرون من قبعته اسماً غير مطروح أو غير مرتقب. وفي أي حال، فإن اسم كريم بوعمران موضوع على الطاولة لأسباب تتعلق بالنتائج التي خرجت من صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية التي عُرفت نتائجها النهائية مساء 7 يوليو (تموز) الماضي. ولأن تركيبتها لم تفضِ إلى ولادة أكثرية، بل إلى ثلاث مجموعات سياسية، فإن تسمية ماكرون رئيساً جديداً للحكومة تأخرت وحكومة أتال استقالت في 16 الشهر الماضي، لكنها ما زالت تمارس مهام إدارة الشؤون اليومية للبلاد.

قبل أسابيع قليلة، لم يكن كريم بوعمران معروفاً على المستوى الوطني. لكن صيته ذاع مؤخراً، ليس فقط في فرنسا، بل أيضاً خارجها، حيث اهتمت به وسائل إعلام رئيسية أجنبية، مثل مجلة «دير شبيغل» الألمانية أو «نيويورك تايمز» الأميركية أو«ألباييس» الإسبانية. وأصبح عمران مطلباً ملحاً للإعلام الفرنسي الحائر إزاء خطط ماكرون وإزاء التأخير غير المعهود في تشكيل حكومة جديدة. وبعد «نشوة» الألعاب الأولمبية الناجحة، حان زمن العودة إلى مواجهة المشاكل المطروحة سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً بحيث لم يعد التأجيل ممكناً.

من هو كريم بوعمران

كريم بوعمران، البالغ من العمر 51 عاماً، يرأس حالياً بلدية سان أوان، الواقعة على مدخل باريس الشمالي، في دائرة سين سان دوني. وقد وُلد في عائلة متواضعة مغربية الأصل. والده، الأمي، هاجر مع عائلته إلى فرنسا، عمل، كما الكثيرين من المهاجرين، في ورش البناء. ويقول عنه ابنه كريم: «والدي كان عامل بناء. لقنني قيم العمل والتضامن والتواضع». وباكراً جداً، ظهر ولع كريم بوعمران بالسياسة منتمياً بدايةً إلى الحزب الشيوعي، عندما كان هذا الحزب بالغ القوة ومهيمناً على غالبية المدن والضواحي المحيطة بباريس، وبعدها انتمى إلى الحزب الاشتراكي ولا يزال اشتراكياً. وسبق له أن قال إنه ولع بالسياسة منذ شبابه الأول، وقال في إحدى المقابلات لقناة «فرنس إنفو» الإخبارية الفرنسية: «بدأت بالمشاركة في المظاهرات منذ أن كنت في الـ15 من عمري. نزلت إلى الشارع لمساندة الساندينيين في نيكاراغوا وللمطالبة بإطلاق سراح نيلسون مانديلا...».

بوعمران متقدّماً مسؤولين فرنسيين بينهم الرئيس ماكرون لدى زيارتهم القرية الأولمبية في 29 فبراير (أ.ف.ب)

وانتُخب عمران عضواً في المجلس البلدي لمدينته في سن الثانية والعشرين من عمره على لائحة الحزب الاشتراكي الذي كلفه لاحقاً مهمات داخلية كثيرة؛ إذ عُين مسؤولاً عن قطاع المهن الحرة وبعدها عن قطاع التجديد، ثم ناطقاً باسم الحزب. وباسم الحزب الاشتراكي، ترشح بوعمران لرئاسة بلدية سان أوان في عام 2014 وكانت طيلة 69 عاماً حكرا على الشيوعيين الذين خسروها لصالح اليمين. ويقول عنه وليم دولانوي، الذي سبقه إلى رئاسة بلدية المدينة إنه «شخص محبب، يقتنص الفرص عندما تتوفر له، إلا أنه ليس انتهازياً وقد نجح في بناء نفسه من غير الاعتماد على الآخرين». وتواكب نجاح بوعمران في العمل مع نجاحه المهني، حيث تخصص في الأمن السيبراني وشغل، في القطاع الخاص، مناصب رئيسية أكان في فرنسا أو في الولايات المتحدة التي عاش فيها لسنوات.

أما من الناحية السياسية، فإن دولانوي يقول عنه إنه «تحول، مع مرور الوقت، وسطياً، لا، بل إنه قادر على الانفتاح حتى على اليمين». وتقول عنه كارين فرنسوليه، رئيسة بلدية مدينة أوبرفيليه القريبة من سان أوان، إن بوعمران «يتجلي في فن التواصل والقدرة على جمع الأضداد، فضلاً عن كونه بسيطاً في تعامله مع الأشخاص». ومنذ عام 2020، يرأس بوعمران بلدية سان أوان، وسعى لتغيير صورتها وإنقاذها من التهميش والعنف.

«حاجة سياسية»

في الحديث الذي نشرته صحيفة «لا فوا دو نور» (صوت الشمال) الأربعاء، بين كريم بوعمران عن مهارة سياسية. فهو بداية أكد انتماءه للحزب الاشتراكي. ولأن حزبه جزء من «الجبهة الشعبية الجديدة» التي رشحت المسؤولة المالية في بلدية باريس، لوسي كاستيت، لرئاسة الحكومة، فإنه دعا إلى تكليفها تشكيل الحكومة الجديدة. إلا أنه لم يغلق الباب بوجه اختياره لهذا المنصب؛ إذ قال، في المقابلة المذكورة: «ليست لدي أي طموحات شخصية وقصر الإليزيه (الرئاسة) لم يعرض عليّ شيئاً». لكنه أضاف: «لو شرفني رئيس الجمهورية بتكليفي (رئاسة الحكومة)، فإنني سأرجع لعائلتي السياسية؛ لأننا لا نستطيع أن نقوم بمهمة كهذه من غير وجود دينامية تساعد على السير بإجراءات ضرورية، الرواتب الدنيا ودعم الخدمات العامة والقطاع الصحي والسكني و(تعزيز) الأمن». ويضيف: «إن التوصل إلى تسويات هو الطريق الوحيدة لإنقاذ فرنسا». وإن اعتبر أن المقترحات التي تقدمت بها جبهة اليسار «يجب أن تكون لها الأولوية»، إلا أنه سارع إلى تأكيد أن الحكومة القادمة «يجب أن تكون ممثلة لثقل كل من القوى الجمهورية»، أي من غير اليمين المتطرف. وخلص إلى اعتبار أن دعوة الأطراف إلى التوافق على «تسوية شاملة تتيح تجنب الانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار المؤسساتي».

رهان ماكرون

هذا الطرح من شأنه أن يثلج صدر الرئيس ماكرون الباحث عن تشكيل أكثرية تحكم البلاد بعد أن خسرها معسكره، ويريد أن تضم معسكره واليمين التقليدي وأيضاً الحزب الاشتراكي وربما الشيوعي. ويراهن ماكرون على تفكك تحالف اليسار والطريق إلى ذلك تمر عبر تسمية رئيس للحكومة يسارياً اشتراكياً؛ ما يعني إبعاد حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون عن الحكومة، علماً أن كريم بوعمران لا يؤيد السير وراء ميلونشون كما أن الحزب الاشتراكي منقسم على ذاته بهذا الخصوص. وفي هذا السياق، فإن بوعمران يسدي خدمة للرئيس الفرنسي لأن تعيينه، في حال قبله وقبل الحزب الاشتراكي السير وراءه، يعني عملياً فتح الباب أمام تفكك جبهة اليسار وتجنب تعيين مرشحته الرسمية (لوسي كاستيت)، وربما وضع حداً لهذا الانتظار الطويل الذي لم تعرف فرنسا مثيلاً له منذ بداية الجمهورية الخامسة.


مقالات ذات صلة

هل يسعى الأوروبيون لـ«إحراج» ترمب عبر نشر قوات رمزية في غرينلاند؟

تحليل إخباري ماكرون يصافح جنوداً فرنسيين لدى زيارته قاعدة عسكرية جوية في «إيستر» قرب مارسيليا يوم 15 يناير (أ.ب) play-circle

هل يسعى الأوروبيون لـ«إحراج» ترمب عبر نشر قوات رمزية في غرينلاند؟

رغم رفضهم أطماع واشنطن تجاه غرينلاند، يحرص الأوروبيون على التحرك بحذر وتجنب إغاظة ترمب؛ لحاجتهم الماسة إليه في حرب أوكرانيا والتطورات في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح الجنود خلال زيارته لقاعدة إيستر الجوية العسكرية بجنوب فرنسا 15 يناير 2026 (رويترز)

ماكرون: فرنسا سترسل «وسائل برية وجوية وبحرية» إضافية إلى غرينلاند

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده سترسل «وسائل برية وجوية وبحرية» إضافية إلى جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك والمتمتعة بحكم ذاتي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً أمام السفراء الفرنسيين في قصر الإليزيه بباريس... 8 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ماكرون: يجب المضي قدماً بحزم في حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية

شدَّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على ضرورة المضي قُدماً «بحزم» في حصر السلاح بيد الدولة في لبنان، مؤكداً أن المرحلة الثانية من العملية ستكون «حاسمة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي 
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

الشرع يبحث في اتصالين مع إردوغان وماكرون مستجدات الأوضاع في حلب

ذكرت الرئاسة السورية أن الرئيس أحمد الشرع بحث في اتصالين هاتفيين مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون مستجدات الأوضاع في حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي ملقياً خطابه ظهر الخميس في قصر الإليزيه بمناسبة انعقاد مؤتمر سفراء فرنسا عبر العالم (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماكرون يرفض «الانهزامية» و«الاستعمار الجديد»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هاجم الرئيس دونالد ترمب من غير أن يسميه، واستخدم لغة حادّة ترفض «الانهزامية» و«التبعية» و«الاستعمار الجديد» و«تقاسم العالم».

ميشال أبونجم (باريس)

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية. والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنودا في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي». وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها».

وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض اعتبر الخميس أن هذه الخطوة لن تغيّر شيئا في خطط ترمب.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبدا على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».

وغداة الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أميركيين في البيت الأبيض، أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.

وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها». وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأميركا الشمالية».

وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026. وتلتقي رئيسة الوزراء الدنماركية وفدا من الكونغرس الأميركي يزور كوبنهاغن يومي الجمعة والسبت، وفق ما أكد مكتبها لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس.

لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترمب في ما يتعلق بغرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترمب». وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأميركي.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة». وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».

وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».

في غرينلاند، أعرب رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن عن الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة «ولكن على أساس القيم الأساسية مثل الديموقراطية والاحترام»، مشيرا إلى أنّ «الحوار والدبلوماسية هما الطريق الصحيح للمضي قدما».

والأربعاء، أكّد وزير الخارجية الدنماركي أنّ كوبنهاغن تودّ «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتّحدة، لكن ينبغي بالطبع أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام».

وبعد المحادثات، قال ترمب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ». قبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أميركيّ للدفاع الصاروخي والجوّي.

وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترمب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخيّة الأميركيّ الضخم. لكن راسموسن قال إن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند «غير وارد». وأضاف «لا نريد ذلك في الدنمارك، ولا في غرينلاند، وهو أمر يتعارض مع كل القواعد الدولية. إنه ينتهك سيادتنا».

ويردّد ترمب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة. وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على «إكس» رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة. وأعلن راسموسن للصحافة الدنماركية أنّه ليس هناك سفن ولا استثمارات صينيّة «كبيرة« في غرينلاند.

وقبل الاجتماع في واشنطن، انتشرت أعلام غرينلاند الحمراء والبيضاء على واجهات محلّات العاصمة نوك ونوافذ المنازل وسطوح السيارات والحافلات، وحتى على أسلاك رافعة.


انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

اتّجهت بعثة عسكرية أوروبية أمس (الخميس) إلى غرينلاند، غداة لقاء عقد في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وغرينلانديين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على السيطرة عليها.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج، الأربعاء، أنها ستنشر قوّة عسكريّة على الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج، بحسب مصدر في وزارة الجيوش الفرنسية، في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك.

وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة «إكس» أن «أول العناصر العسكريين في طريقهم، وسيتبعهم آخرون».

كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أن المهمة تقررت بسبب «التهديدات الروسيّة والصينيّة»، من غير أن تأتي على ذكر تهديدات ترمب بالسيطرة على الجزيرة. وتابعت الوزارة أن «ألمانيا سترسل بالتعاون مع شركاء آخرين في الحلف الأطلسي، فريق استطلاع إلى غرينلاند».

وسارعت روسيا للإعراب عن قلقها البالغ حيال الإعلان عن البعثة. وقالت السفارة الروسية في بروكسل: «عوضاً عن القيام بعمل بنّاء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار حلف شمال الأطلسي مسار عسكرة متسارعاً في الشمال».


ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
TT

ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً عن طموحه للسيطرة على غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتساءل عما إذا كان للدنمارك أي حق قانوني في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وأحيا هذا النقاش التدقيق في الطريقة التي أصبحت بها غرينلاند تابعة للدنمارك والحكم الذاتي فيها ومسعاها للاستقلال والوجود العسكري الأميركي هناك.

الرئيس دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن قبل جلسة عامة لقمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي 25 يونيو 2025 وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية من أن أي هجوم أميركي على أحد حلفاء «ناتو» سيكون نهاية «كل شيء» وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي رغبته في ضم غرينلاند (أ.ف.ب)

كيف حصلت الدنمارك على غرينلاند؟

كانت شعوب الإنويت من آسيا وأميركا الشمالية تسكن غرينلاند على فترات متقطعة منذ ​نحو 2500 سنة قبل الميلاد. واستقر الفايكنج بقيادة إريك الأحمر في جنوب الجزيرة عام 985 تقريباً، ومارسوا الزراعة وبنوا الكنائس. ووصل في نفس الوقت تقريباً أسلاف الإنويت الحاليين وعاشوا على الصيد وجمع الثمار وباتت ثقافتهم هي المهيمنة، وطردوا المستوطنين من الفايكنج عام 1400 تقريباً.

واستعمرت الدنمارك غرينلاند في القرن الثامن عشر عندما وصل المبشر هانز أجد في عام 1721 لتبدأ الحقبة الاستعمارية. ولا يزال تمثال المبشر أجد على قمة تل في إحدى مناطق العاصمة نوك، ويعدّه العديد من سكان غرينلاند رمزاً لتقاليد الإنويت المفقودة.

وكان يشار إلى الإنويت في السابق باسم «الإسكيمو».

واشترت الولايات المتحدة في عام 1916 جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت الآن الجزر العذراء الأميركية، مقابل ذهب بقيمة 25 مليون دولار. وفي إطار هذه المعاهدة، قالت واشنطن إنها لن تعترض على قيام الحكومة الدنماركية بتوسيع «مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل غرينلاند بأكملها»، لتعترف بذلك رسمياً بالسيادة الدنماركية.

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وعينه على غرينلاند (إكس)

ما وضع غرينلاند الآن؟

تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم رسمي في عام 1953 بموجب الدستور الدنماركي، رغم أنه لم تتم ‌استشارة سكان الجزيرة. ‌وتتطلب أي عملية بيع تعديلاً دستورياً. وأصبح بإمكان غرينلاند، منذ عام 2009، إعلان الاستقلال من خلال عملية تستلزم ‌استفتاء ⁠وموافقة ​البرلمان الدنماركي، والحكم الذاتي ‌واسع النطاق لكنه يستثني الشؤون الخارجية والدفاع، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

ويبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة، ولديها بنية تحتية محدودة دون طرق تربط بين بلداتها البالغ عددها نحو 17.

العلاقات بين الدنمارك وغرينلاند

توترت العلاقات بسبب الكشف عن سوء سلوك تاريخي؛ إذ قامت السلطات الدنماركية بنقل سكان الإنويت قسراً إلى بلدات أكبر في الخمسينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تهميش ممارسات ولغات السكان الأصليين الذين يشكلون نحو 90 في المائة من السكان. واعتذرت الدنمارك في عام 2022 عن تجربة في خمسينات القرن الماضي بإرسال أطفال غرينلاند إليها.

وتظهر السجلات أنه تم تركيب أجهزة داخل أرحام آلاف من النساء والفتيات في عمر صغير حتى 13 عاماً، دون موافقتهن من 1966 حتى عام 1991 الذي سيطرت فيه غرينلاند على الرعاية الصحية. واعتذرت الدنمارك في عام 2025 عن حملة تحديد النسل التي استمرت لعقود.

وجاء في فيلم وثائقي عام 2025 ⁠أن الدنمارك وشركاتها استفادت من منجم للكريوليت بين عامي 1853 و1987 دون أن يستفيد السكان المحليون من ذلك. واستخرجت الكريوليت، المستخدم في إنتاج الألومنيوم، من غرينلاند التي لديها أكبر المكامن في العالم.

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

ما علاقة ‌غرينلاند بالاتحاد الأوروبي؟

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، لكنها انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي. وتحمل الآن وضع إقليم تابع للاتحاد ‍الأوروبي في الخارج، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

ما الوجود الأميركي؟

يُبقي الجيش الأميركي على وجود دائم في قاعدة بيتوفيك الجوية بشمال غربي غرينلاند بموجب اتفاقية في عام 1951 تتيح حرية بناء القواعد بإخطار للدنمارك والجزيرة.

واستوعبت الدنمارك تاريخياً الوجود الأميركي؛ لأنها لا تستطيع الدفاع عن غرينلاند، وتستفيد من الضمانات الأمنية الأميركية من خلال حلف شمال الأطلسي.

لماذا يريد ترمب غرينلاند؟

قال ترمب إن الاستحواذ على الجزيرة يمثل أولوية للأمن القومي، وإن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها. ويمر أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية عبر غرينلاند، مما يجعلها مهمة لنظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية.

وتقع الجزيرة في مفترق طرق جيوسياسي وسط عسكرة للقطب الشمالي من ​حلف شمال الأطلسي وروسيا والصين. وتريد الولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري بوسائل، من بينها الرادارات لمراقبة المياه التي تستخدمها السفن والغواصات الروسية.

لا توجد أدلة تذكر حالياً على أن عدداً كبيراً من السفن الصينية والروسية تبحر بالقرب من سواحل غرينلاند. وتظهر بيانات شحن ⁠أن معظم الملاحة الصينية في مياه القطب الشمالي تتم في أقصى شمال المحيط الهادئ وطريق بحر الشمال بالقرب من روسيا، أما معظم الملاحة الروسية في مياه القطب الشمالي تتم حول سواحل روسيا نفسها، لكن محللين يقولون إن غواصات روسية كثيراً ما تبحر في المياه الواقعة بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا.

وتقول روسيا إن الحديث عن أن موسكو وبكين تشكلان تهديداً لغرينلاند كذب لإثارة حالة من الهيستيريا.

وبشكل عام، زاد استخدام القطب الشمالي في أغراض عسكرية مع قيام دول حلف شمال الأطلسي والصين وروسيا بتوسيع نشاطها هناك.

وتتمتع الجزيرة، التي تقع عاصمتها نوك على مسافة أقرب إلى نيويورك من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بثروات معدنية ونفطية وغاز طبيعي، لكن التنمية بطيئة ولم يشهد قطاع التعدين إلا استثمارات أميركية محدودة جداً.

طائرة تحمل رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب جونيور تصل إلى نوك في غرينلاند (أ.ف.ب)

ماذا يريد سكان غرينلاند؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان الجزيرة يؤيدون الاستقلال من حيث المبدأ. لكن كثيرين منهم يحذرون من التسرع بسبب الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك، والانكشاف المفرط على الولايات المتحدة في حالة السعي للاستقلال بسرعة كبيرة.

ويمثل صيد الأسماك أكثر من 90 في المائة من صادرات غرينلاند. وتغطي الإعانات الدنماركية نحو نصف الموازنة العامة، وتمول المستشفيات والمدارس وتدعم البنية التحتية للجزيرة الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وقد يسمح الاستقلال بالارتباط مع الولايات المتحدة بموجب اتفاق الارتباط الحر على غرار الاتفاقيات مع ميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال.

ويوفر اتفاق الارتباط الحر عادة الخدمات والحماية العسكرية الأميركية مقابل الدخول لممارسة أنشطة دفاعية، لكن مدى استفادة غرينلاند من ذلك يتوقف على حجم الدعم ووتيرة تنويع ‌الاقتصاد بعيداً عن صيد الأسماك.

ماذا تقول الدنمارك وغرينلاند؟

عندما عرض ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى شراء الجزيرة، وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن العرض بأنه «سخيف».

وشددت فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في ديسمبر (كانون الأول) 2025 على أنه لا يمكن ضم غرينلاند، وأن الأمن الدولي لا يبرر مثل هذا التحرك.