ماكرون يتجاهل مرشحة جبهة اليسار لرئاسة الحكومة الجديدة

الرئيس الفرنسي أعرب عن تمسكه بـ«هدنة سياسية وأولمبية»

ماكرون خلال مقابلة صحافية وتبدو في الشاشة صورة لوسي كاستيت، مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)
ماكرون خلال مقابلة صحافية وتبدو في الشاشة صورة لوسي كاستيت، مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يتجاهل مرشحة جبهة اليسار لرئاسة الحكومة الجديدة

ماكرون خلال مقابلة صحافية وتبدو في الشاشة صورة لوسي كاستيت، مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)
ماكرون خلال مقابلة صحافية وتبدو في الشاشة صورة لوسي كاستيت، مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)

بعد 16 يوماً من المناقشات والمساومات، نجحت «الجبهة الشعبية الجديدة» التي تضم أحزاب اليسار الثلاثة (الاشتراكي والشيوعي وفرنسا الأبية) والخضر، في الاتفاق على اسم مرشحتها لمنصب رئاسة الحكومة. واحتلت جبهة اليسار المرتبة الأولى في البرلمان الجديد، بحصولها على 193 نائباً، متقدمة على المجموعتين الرئيسيتين الأخريين: ائتلاف «معاً من أجل الجمهورية»، الداعم للرئيس إيمانويل ماكرون بـ166 نائباً، ومجموعة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بـ143 نائباً.

جاء الإعلان عن الاتفاق بمثابة مفاجأة مزدوجة؛ فمن جهة، تغلَّب تحالف اليسار على خلافاته العميقة، خصوصاً على الحساسية الزائدة التي تُدمِغ العلاقة المتوترة بين أمين عام الحزب الاشتراكي، أوليفيه فور، وزعيم «فرنسا الأبية»، المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون. ومن جهة ثانية، ظهور اسم المرشحة لوسي كاستيت، التي لم تسمع باسمها سوى قلة قليلة من الناس، باعتبار أنها لم يُسبق لها أن انتُخبت نائبة أو شغلت منصباً وزارياً. وينطبق على كاستيت وصفان؛ أنها «تقنية»، بمعنى أنها لا تأتي من عالم السياسة، كما أنها قادمة من صفوف المجتمع المدني.

وثمة مفاجأة ثالثة تمثلت في أن الإعلان عن اسمها جاء قبل ساعة واحدة من الحوار الصحافي الذي كان سيتم مع الرئيس ماكرون، ليل الثلاثاء إلى الأربعاء، لتناول الحدث الرئيسي الذي هو الأولمبياد الذي تستضيفه فرنسا بعد مائة عام من الانتظار، فضلاً عن استخلاص العِبَر من الانتخابات البرلمانية، وتشظي الجمعية الوطنية، والشلل المترتب على غياب أكثرية مطلقة في البرلمان.

والغرض من التوقيت، كما هو واضح، ممارسة الضغوط على ماكرون، وحرمانه من ذريعة أن «الجبهة الشعبية» منقسمة على نفسها وعاجزة عن تسمية مرشح باسمها، فضلاً عن افتقارها للأكثرية في البرلمان.

لوسي كاستيت رئيسة الحكومة الجديدة؟

لوسي كاستيت الوجه الجديد الذي اقترحته الجبهة الشعبية اليسارية لرئاسة الحكومة الفرنسية الجديدة (أ.ف.ب)

في بيانها، ذكَّرت الجبهة الشعبية بأنها تشكل «القوة الأكبر» في البرلمان. وبهذه الصفة، فإنه تقترح على الرئيس ماكرون تسمية لوسي كاستيت، البالغة من العمر 37 عاماً، أي أنها تكبر بعامين رئيس الحكومة المستقيل غبرييل أتال، رئيسة للحكومة الجديدة. ووصفها البيان بأنها «ناشطة في عمل الجمعيات من أجل الدفاع والترويج للخدمات العامة، ومنخرطة في معركة سحب قانون التقاعد الذي أُقر العام الماضي. كما أنها عملت سابقاً، بصفتها موظفة رفيعة المستوى في وزارة الاقتصاد، على محاربة الغش الضريبي والجرائم المالية. ولأنها تجمع كل هذه الصفات، فإنها ستكون (أقوى)، بفضل انخراط الجبهة الشعبية إلى جانبها، ومن أجل تطبيق البرنامج الحكومي لغرض الاستجابة لتطلعات المواطنين لحياة أفضل ولمواجهة الأزمة البيئوية».

صحيح أن لوسي كاستيت غير مقبلة من عالم السياسة، إلا أنها بالمقابل تتمتع بالمؤهلات الأكاديمية والإدارية لممارسة أعلى الوظائف؛ فهي خريجة المعهد الوطني للإدارة الذي تخرج فيه كبار مسؤولي الدولة منذ عقود، ومنهم الرئيس ماكرون، بعد حصولها على شهاداتها الجامعية. وباستثناء انتمائها إلى الحزب الاشتراكي لفترة قصيرة، فإنها، فكرياً وسياسياً، تنتمي إلى اليسار، ولم يُعرَف عنها أي طموحات سياسية، ما يعني أنها تريح جميع أطراف «الجبهة الشعبية الجديدة» التي رشحتها.

ووصفها أوليفيه فور بأنها «امرأة حرة، ونحن بحاجة إلى هذا النوع من الأشخاص الذين يقدمون وجهاً مختلفاً للسياسة، ويفاجئوننا بصدق وقوة قناعاتهم، دون أي دوافع خفية». وسارعت كاستيت، في أول حديث لها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى تأكيد قبولها الترشيح «بكل تواضع وبكثير من القناعة»، مضيفة أنها تعتبر نفسها «مرشحة جدية ومتمتعة بالصدقية» لترؤس الحكومة المقبلة.

ضغوط على ماكرون

ترافق هذا التطور مع حملة ضغط ممنهجة تستهدف ماكرون، لحمله على انتداب كاستيت، وتكليفها تشكيل الحكومة، بينما يعطي ماكرون الانطباع، منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات البرلمانية، بأنه يسعى لكسب الوقت، وأنه «غير مستعجل».

وفي حديثه التلفزيوني الأخير، كرَّر ماكرون تمسكه بـ«هدنة سياسية وأولمبية» تمتد حتى منتصف أغسطس (آب)، أي لما بعد انتهاء الأولمبياد، مؤكداً أنه لن يسمي رئيس أو رئيسة الحكومة الجديدة، إلا بعد انتهاء الأولمبياد التي ستحصل في ظل حكومة مستقيلة، ولكنها تصرف الأعمال اليومية للدولة. وبكلام آخر، يريد ماكرون «التركيز على إنجاح الحدث العالمي» الذي هو الأولمبياد، وليس على شيء آخر.

وعندما سُئل عما إذا كان سيستجيب لطلب الجبهة الشعبية، ويسمي كاستيت، أجاب بما حرفيَّته: «المسألة ليست الاسم الذي تعرضه مجموعة سياسية. فالمسألة، تتناول الأكثرية التي يمكن إيجادها في الجمعية الوطنية حتى تتمكن الحكومة الفرنسية (العتيدة) من تمرير الإصلاحات، وإقرار الميزانية، والمضي قُدماً بالبلاد إلى الأمام».

إيمانويل ماكرون لدى زيارته «ستاد برج إيفل» المنشَأ لاستقبال بعض رياضات الأولمبياد في باريس - الأربعاء (أ.ف.ب)

ماكرون الذي أكد بقاءه في منصبه حتى نهاية ولايته في عام 2027 لم يذكر لوسي كاستيت بالاسم مرة واحدة. بل تجاهلها تماماً، معتبراً ضمناً أن طرح اسمها لا يقدم ولا يؤخر ما دام مَن يطرحه لا يتمتع بالأكثرية في البرلمان «من أي نوع كان». لذا، أغلق ماكرون الباب مؤقتاً، وربط ما سيقوم به لاحقاً بـ«التقدم» الذي قد تحرزه المجموعات السياسية للتوافق فيما بينها.

وذكر ماكرون مُجدداً بأن أياً منها لم تفز في الانتخابات، وبذلك يكون قد نزع شرعية المطالبة بالحكومة عن الجبهة الشعبية التي ميزتها الأولى أنها الأكبر حجماً، والأكثر استحقاقاً لتشكيل الحكومة. وذكر ماكرون بما يمنحه إياه الدستور من حق تسمية رئيس الحكومة، الذي ستقع على عاتقه مسؤولية «تشكيل الحكومة متمتعة بأوسع دعم، ما يوفر الاستقرار والقدرة على العمل».

يقوم المنطق الرئاسي، كما شرحه، على التالي: بما أنه ليس مقدراً لأي مجموعة أن تطبق برنامجها، لذا عليها أن تسعى للتوافق فيما بينها. وأضاف ماكرون: «أنتظر من القوى السياسية اليوم أن تكون على مستوى ما قامت به بين الدورتين الانتخابيتين»، وأن تتوصل إلى «تسويات»؛ الأمر الذي يحصل في كبريات الديمقراطيات.

بيد أن الصعوبة الكبرى أن المجموعات الثلاث الكبرى غير مستعدة للعمل مع بعضها. والأمر الأكثر احتمالاً أن يتكرر بشأن الحكومة، ما حصل بخصوص انتخاب رئيس البرلمان، حيث تحالفت الكتلة الوسطية الماكرونية مع حزب «اليمين الجمهوري» وحزب «الجمهوريون اليميني التقليدي» لحرمان الجبهة الشعبية من الرئاسة، ولتسهيل إعادة انتخاب يائيل براون - بيفيه، رئيسة البرلمان السابقة المنتمية لتجمع ماكرون، لولاية ثانية.

المناورات متواصلة

كانت عبارات ماكرون كافية لفتح النار عليه واتهامه بالانقلاب على الديمقراطية، بسب «إنكاره» لما جاءت به نتائج الانتخابات البرلمانية. ولأن ماكرون يرى أن أياً من المجموعات السياسية الثلاث بما فيها «الكتلة الوسطية» الداعمة له، لا تتمتع بالأكثرية، فإنه مستمر في المناورة آملاً أن ينفرط عقد «الجبهة الشعبية»، وأن ينفصل عنها الاشتراكيون، وربما أيضاً الخضر، لتشكيل حكومة تذهب من اليمين التقليدي وحتى اليسار الحكومي.

لذا، سارع ميلونشون، مساء الثلاثاء، إلى التنبيه إلى أن ماكرون «يريد أن يفرض علينا بالقوة جبهة جمهورية جديدة، وأن يجبرنا على التخلي عن برنامجنا (الحكومي) للتحالف معه، وهذا لن يحصل أبداً».

صورة شاملة للملعب الجديد المستحدث في أحد أشهر الأماكن بالعاصمة الفرنسية (رويترز)

من جانبه، اعتبر سكرتير عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور أن «الإنكار أسوأ أنواع السياسة»، لأن الدعوة لقيام «جبهة جمهورية ليست برنامجاً للحكم». وبرأيه، فإن ماكرون «يحاول تضليل» الفرنسيين.

وكتب مانويل بومبار، منسق حزب «فرنسا الأبية» على منصة «إكس» أن ماكرون، بسبب رفضه تكليف الجبهة الشعبية الجديدة «يمحو نتائج الانتخابات التشريعية، وهذا إنكار للديمقراطية لا يمكن تحمُّله».

وخلص بومبار إلى القول إن «لا سبيل للجوء إلى استخدام (الفيتو) الرئاسي بعد أن يصدر الشعب حكمه عبر الانتخابات».

بدورها، لم تتأخر كاستيت، صباح الأربعاء، في حديث لإذاعة «فرانس أنتير» في دحض دعوات ماكرون، بتأكيدها أن التحالف بين اليسار والمعسكر الرئاسي «مستحيل»، نظراً لتضارب البرامج، مُعبِّرة عن الأسف لاستمرار الأخير في «نهج الإنكار» و«عدم الاتساق»، داعيةً إياه لـ«تحمل مسؤولياته». ولأنها تعي صعوبة المهمة التي قد تُدعى لتحملها، فإنها دعت إلى «تغيير نهج العمل»، والبحث عن شركاء بِناءً على مشاريع القوانين التي ستعرضها الحكومة في الجمعية الوطنية.

واضح اليوم، مع تسمية كاستيت أو من دونها، أن الوضع السياسي في فرنسا يدور في فراغ، وأن ثمة أزمة سياسية حقيقية تسبب بها حل البرلمان ونتائج الانتخابات. وما يدعو إليه ماكرون من تعاون بين المكونات الرئيسية يبدو بعيد المنال، إلا أنه يريحه إلى حد ما، لأنه يجعل منه الشخص المركزي، بفضل دستور الجمهورية الخامسة، للدفع بالأزمة في هذا الاتجاه أو ذاك.


مقالات ذات صلة

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

خاص صورة لعربة مصفحة فرنسية أثناء عبورها جسر القاسمية في الجنوب اللبناني في إطار عملها في قوة «اليونيفيل» (أ.ف.ب)

فرنسا تجدد دعمها غير المحدود للبنان... حتى بعد رحيل «اليونيفيل»

دعم فرنسي غير محدود للبنان وسعي جدي للتعامل مع رحيل «اليونيفيل» ونواف سلام من قصر الإليزيه: «لن نسمح لـ(حزب الله) بترهيبنا».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي صورة نشرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في صفحته على «إكس» للجندي الفرنسي أنيسيه جيراردان الذي توفي الأربعاء متأثراً بجراحه بعد إصابته بكمين استهدف قوات حفظ السلام «يونيفيل» خلال مهمة بجنوب لبنان (إكس)

ماكرون يعلن وفاة جندي فرنسي ثانٍ من قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن وفاة جندي فرنسي ثانٍ، الأربعاء، «متأثراً بجراحه» التي أصيب بها في كمين نُصب لقوات «يونيفيل» جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في نهاية مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في قصر الإليزيه الرئاسي في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن «أطماعها التوسعية» في لبنان

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، إسرائيل إلى «التخلي عن أطماعها» التوسعية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.


ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».