انقسامات اليسار الفرنسي تتعمق وتخدم مصالح ماكرون

قبول استقالة حكومة أتال وتكليفها إدارة الشؤون اليومية

غابرييل أتال رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل (إ.ب.أ)
غابرييل أتال رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل (إ.ب.أ)
TT

انقسامات اليسار الفرنسي تتعمق وتخدم مصالح ماكرون

غابرييل أتال رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل (إ.ب.أ)
غابرييل أتال رئيس الحكومة الفرنسية المستقيل (إ.ب.أ)

سابقاً، كان يقال إن اليمين الفرنسي هو «الأغبى في العالم». لكن اليوم، انقلبت الآية إلى حد قول البعض إن «اليسار هو الأغبى»، وإنه تجاوز بأشواط اليمين. والدليل على ذلك أن مكوناته الأربعة (فرنسا الأبية، والحزبان الاشتراكي والشيوعي، والخضر) نجحت، في وقت قياسي، في التفاهم فيما بينها على تشكيل «الجبهة الشعبية الجديدة» وتبني برنامج انتخابي يساري، مُكذّبة بذلك رهان الرئيس إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن من الصعوبة بمكان ذهاب أطرافها إلى معركة الانتخابات البرلمانية متضامنين متحدين.

ورغم الخلافات العميقة الآيديولوجية والسياسية التي تفصل بينها، غلّبت أطرافها رغبتها في منع اليمين المتطرف من تحقيق نصر انتخابي على غرار فوزه في الانتخابات الأوروبية.

وتجدر الإشارة إلى أن «التجمع الوطني» اليميني المتطرف حلّ في المرتبة الأولى في جولة الانتخابات الأولى، بحصوله على 10.4 مليون صوت، إلا أن التفاهم بين «ائتلاف الوسط» المنضوي تحت راية الرئيس ماكرون والجبهة الشعبية الجديدة على سحب 220 من مرشحيهما لقطع الطريق على اليمين المتطرف كانت له نتائج حاسمة.

متظاهر يحمل العَلم الفرنسي أثناء تجمع الناس في ساحة الجمهورية بعد الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية المبكرة (رويترز)

فجبهة اليسار حلّت في المرتبة الأولى بحصولها، مع من انضم إليها لاحقاً على 196 مقعداً في «الجمعية الوطنية» بحيث أصبحت أكبر مجموعة، يليها ائتلاف الوسط (163 نائباً)، ثم التجمع الوطني الذي حصل مع حلفائه من نواب اليمين على 123 مقعداً. وبذلك تكون جبهة اليسار قد حققت إنجازين رئيسيين: الأول، إبعاد كابوس وصول اليمين المتطرف إلى السلطة وتربع رئيس لائحته، جوردان بارديلا، على مقعد رئيس الحكومة. والآخر، التقدم على لائحة ماكرون وبالتالي أحقيته في أن يسمي الرئيس الفرنسي، من بين صفوفه، رئيس الحكومة الجديد استناداً إلى الأعراف المعمول بها في فرنسا.

المؤسسات والطموحات

كان المنطق يتطلب أن يُسارع قادة الأحزاب الأربعة إلى التفاهم سريعاً على اسم رئيس الحكومة العتيدة المناط به العمل على تنفيذ برنامج الحكم المشترك إلى رئاسة الجمهورية. ومنذ مساء الأحد 7 يوليو (تموز)، أي مباشرة بعد إعلان النتائج النهائية، كثّفت الأطراف الأربعة اجتماعاتها.

والحال، أنه رغم مرور تسعة أيام على إعلان النتائج، فإنها لم تتوصل بعد إلى اتفاق. كثيرة الأسماء التي طرحت. بيد أن أياً منها لم يحصل على إجماع الأحزاب الأربعة. وفي اليومين الأخيرين، طرحت ثلاثة أحزاب (فرنسا الأبية المتمترسة على أقصى اليسار والشيوعيون والخضر) اسم رئيسة منطقة جزيرة «لا ريونيون» الفرنسية الواقعة في المحيط الهندي هوغيت بيلو التي شغلت منصباً نيابياً لسنوات كما أنها تتمتع باحترام واسع في أوساط اليسار.

إلا أن الحزب الاشتراكي أطاح ترشيحها كونها قريبة من زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون. ثم طرح اسم الدبلوماسية لورانس توبيانا، المعروفة بالتزامها بمعركة محاربة التغير البيئي وترأس تنظيماً متخصصاً في هذا القطاع.

لورانس توبيانا مرشحة الاشتراكيين والشيوعيين والخضر لرئاسة الحكومة الفرنسية (أ.ف.ب)

وكما هوغيت بيلو، حظيت توبيانا بدعم من الاشتراكيين والشيوعيين والخضر. بيد أن مانويل بومبار، منسق حزب فرنسا الأبية رفض ترشيحها، معتبراً أنها «قريبة من ماكرون» الذي سبق أن عرض عليها الانضمام إلى إحدى حكوماته.

الواضح اليوم أن حرباً داخلية تدور حول تزعّم «الجبهة الشعبية»، والاتهامات تذهب في أكثر من اتجاه. بومبار وصف ترشيح توبيانا بأنه «غير جدي»؛ لأنه يعني «إعادة الماكرونيين إلى السلطة من النافذة بعد أن أخرجهم الناخبون والناخبات من الباب».

وسارع أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي إلى الرد عليه، صباح الثلاثاء بقوله: «ثمة أكثرية من ثلاثة أحزاب (من أصل أربعة) تدعم ترشيح توبيانا. ولا أرى لماذا لزاماً علينا أن نخضع لرأي جهة واحدة (فرنسا الأبية)».

وأضاف فور: «السؤال الحقيقي هو: ما الذي يريده حزب فرنسا الأبية؟ أليس الاستجابة لتطلعات الفرنسيين أم البقاء في صفوف المعارضة لأنه أكثر راحة؟».

أوليفيه فور أمين عام الحزب الاشتراكي (الثاني من اليمين) يتهم اليسار المتشدد بأنه يرغب في البقاء بالمعارضة (إ.ب.أ)

وجاء الرد على الاثنين من النائب فرنسوا روفان، المنتمي سابقاً إلى «فرنسا الأبية» الذي هجره للالتحاق بمجموعة الخضر في البرلمان، حيث قال: «بطبيعة الحال، يستطيع ماكرون أن يتذرع بأن هؤلاء المسؤولين (من جبهة اليسار) عاجزين عن طرح اسم لرئيس الحكومة (القادمة)، وبالتالي كيف سيتمكنون من ممارسة الحكم في البلاد؟».

وحذّر أمين عام الحزب الشيوعي، فابيان روسيل، من تواصل مهزلة المشاورات قائلاً: «إذا لم نتمكن من إيجاد حل في الساعات والأيام المقبلة، فستغرق السفينة».

لمن الأولوية؟

ليست المرة الأولى التي تبرز فيها انقسامات اليسار. فقد سبق لمكوناته أن تراشقت بالتهم فيما بينها وتفوقت على ما «قاله مالك في الخمر». «فرنسا الأبية» يتخوف من أن يكون الاشتراكيون والخضر ساعين للاستجابة لرغبة ماكرون الذي دعا، في الأيام الأخيرة وأكثر من مرة، إلى تشكيل «جبهة جمهورية» تنبثق عنها حكومة ائتلافية تضم اليمين التقليدي ومجموعة نوابه ومن يلتحق بهم من جبهة اليسار باستثناء «فرنسا الأبية» من جهة، واليمين المتطرف من جهة ثانية.

وليس سراً أن ماكرون لا يريد إعطاء مفاتيح السلطة لجبهة اليسار. لذا؛ فإن رهانه الجديد هو على تفككها من الداخل بفعل الطموحات الشخصية لجان لوك ميلونشون وأوليفيه فور. الأول، يطمح منذ عام 2022 للحلول في مقعد رئيس الحكومة في حين الآخر طرح ترشيحه منتصف الأسبوع الماضي قبل أن يتراجع عنه بسبب رفض اليسار المتشدد.

يرى المراقبون أن انقسامات جبهة اليسار تريح ماكرون الذي كان من المفترض به أن يقبل استقالة حكومة غابرييل أتال مساء الثلاثاء، وأن يطلب منه تسيير الشؤون العادية للدولة بانتظار تعيين رئيس حكومة جديد.

ونقلت عنه المحطة الإخبارية «بي إف إم»، الثلاثاء، أنه طلب من «المعسكر الرئاسي» العمل على إقامة «تحالف جمهوري مع القوى الأخرى» وفق ما هو مبين سابقاً.

وثمة وزراء من الصف الأول مثل وزير الداخلية ديرالد درامانان والاقتصاد برونو لومير يدفعون ماكرون للتحالف مع اليمين.

والحال، أن تحالفاً كهذا لن يكون كافياً لتوفير الأكثرية المطلقة في البرلمان المكونة من 289 نائباً. وإحدى الذرائع الرئاسية، أن جبهة اليسار، بالإضافة إلى عجزها عن التوافق على اسم رئيس للحكومة، لا تمتلك الأكثرية المطلقة ولذا؛ فإنه يحاول أن يكوّن مجموعة تتفوق عليها عددياً؛ ما يذكرنا بالمناورات التقليدية التي عودنا عليها البرلمان العراقي.

يوم الخميس، سيجتمع البرلمان الجديد للمرة الأولى وينتظر أن تدور معركة حامية حول رئاسته ورئاسة اللجان الأساسية، ومنها الخارجية والدفاع والمال... والأهم من ذلك أنه يفترض بالاجتماع أن يبيّن توزع المجموعات بين الأكثرية والمعارضة. والحال، أن لا أحد يعرف مسبقاً من سينطبق عليه وصف الأكثرية أو المعارضة لطالما أن حكومة في الأفق القريب.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغمز بعينه خلال فعالية في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى ضبط النفس مع استمرار احتجاجات المدارس في فرنسا

دعا ماكرون لضبط النفس مع استمرار الاحتجاجات الطلابية وإغلاق 528 مدرسة كلياً أو جزئياً، بينما علّقت السلطات استخدام القنابل الصوتية ودعت النقابات لمظاهرات جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم «الكرملين» (د.ب.أ)

روسيا تدين «عسكرة» الاتحاد الأوروبي بعد اختبار صاروخي فرنسي

ندّدت روسيا، الأربعاء، بـ«عسكرة» الاتحاد الأوروبي، غداة اختبار فرنسا صاروخاً جديداً عابراً للقارات قادراً على حمل رأس نووي ويطلق من غواصة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.