فرنسا تجهد لتثبيت وقف النار «الهش» بين «صديقيها» في سوريا

مصادر الإليزيه تؤكد أن باريس لم تدعم يوماً العمليات العسكرية ضد «قسد»

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
TT

فرنسا تجهد لتثبيت وقف النار «الهش» بين «صديقيها» في سوريا

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)

تتابع باريس بقلق مجريات الأحداث في سوريا، وتنشط دبلوماسيتها على مختلف المستويات والجبهات، في محاولة منها لوضع حد للمعارك وإعادة حكومة دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى طاولة المفاوضات.

ويعي الجانب الفرنسي أن الجهة القادرة على وقف المواجهة هي بالدجة الأولى الولايات المتحدة، وتحديداً توم براك، مبعوث الرئيس دونالد ترمب للملف السوري، الذي كان واضحاً في تصريحاته أخيراً عندما قال إن مهمة «قسد» في مكافحة تنظيم «داعش» قد «انتهت إلى حد كبير»، وإن هذه المهمة انتقلت إلى السلطات الجديدة في سوريا.

ورغم ذلك، ما زالت باريس تحاول أن تلعب دوراً ما. وفي هذا الإطار، يتواصل الرئيس إيمانويل ماكرون مع الرئيس السوري أحد الشرع ومع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، وكذلك مع مظلوم عبدي قائد قوات «قسد» (ذات الأغلبية الكردية)، وذلك للدفع من أجل وقف أي عمليات حربية، واحترام وقف إطلاق النار بين دمشق والمقاتلين الأكراد.

وإزاء العمليات الحربية التي قام بها الجيش السوري، والتي أفضت إلى سقوط المناطق التي كانت تحت سيطرة «قسد»، حرصت مصادر رئاسية فرنسية على التأكيد أن باريس «لم تكن على علم» بالخطط العسكرية لحكومة دمشق، والتي يبدو أنها تحظى بدعم قوي من تركيا، وبتفهم من الإدارة الأميركية، انطلاقاً من سعي حكومة الرئيس الشرع إلى فرض سلطتها على كافة المناطق السورية.

وقالت هذه المصادر إن الرئيس ماكرون «عمل منذ البداية من أجل خفض التصعيد، ومن أجل الحصول على وقف النار» الذي تراه باريس «بالغ الهشاشة». ولذا، فإن هدف فرنسا حالياً هو «صموده» بحيث لا تُعاود الأعمال القتالية بين الطرفين المتحاربين، وكلاهما «صديق» لها.

وحقيقة الأمر أن باريس واقعة في مأزق لعجزها عن المفاضلة بين «قسد» ودمشق؛ فالطرفان حليفان مقربان لها. وكان ماكرون أول رئيس غربي يستقبل الشرع في قصر الإليزيه، فيما تؤكد باريس أن دعمها لـ«قسد» ثابت ويعود على الأقل لعشر سنوات خلت.

وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا عارضت خطط الرئيس دونالد ترمب، خلال ولايته الأولى، عندما عبّر عن عزمه على سحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا تلبية لرغبة نظيره التركي رجب طيب إردوغان. وقتها، أكدت باريس أنها جاهزة للحلول محل القوات الأميركية المنسحبة. ويقول الإليزيه إن هذه المقاربة «تأتي في إطار رؤيتنا لسوريا، وهي رؤية عنوانها سوريا موحّدة ومستقرة. منذ سقوط بشار الأسد، كانت فرنسا داعمة لمشروع سوريا مستقرة وموحّدة، تحترم جميع مكوّنات شعبها، وذلك في إطار احترام مصالحنا الأمنية، ولا سيما مكافحة الإرهاب، و(قسد) قاتلت إلى جانبنا تنظيم (داعش)، والتزامنا إزاءها راسخ. نحن نكنّ لها الولاء والإخلاص؛ إذ إن تقاليدنا تحثنا على الوفاء بتحالفاتنا».

آثار المعارك لطرد «قسد» من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب يوم 12 يناير 2026 (أ.ب)

ولا ترى فرنسا سبباً لانتقاد هدف الدولة السورية في التوصل إلى استكمال دمج قوات «قسد» في إطار الجيش السوري، وهي تدفع باتجاه تطبيق مضمون اتفاق 10 مارس (آذار) الماضي الذي توصل إليه الطرفان، والذي يتضمن هذا الهدف. وترى باريس أن تحقيق ما سبق يمكن أن «يصبّ في مصلحة سوريا موحدة ومستقرة».

واليوم، بعد جولات القتال الأخيرة، فإن الموقف الفرنسي يشدد على ضرورة العمل بالاتفاق الجديد المبرم في 18 الحالي والذي توصل إليه الشرع مع مظلوم عبدي. وتشدد باريس على ضرورة الإسراع في تطبيقه.

بيد أن للحكومة الفرنسية تحفظاً من الدرجة الأولى. وقالت مصادر الإليزيه إن الرئيس ماكرون «أجرى اتصالات مع كافة الأطراف من أجل التطبيق المشار إليه، ولكن ليس عن طريق القوة بل عن طريق التفاوض، ما سيمكّن من التوصل إلى حلّ دائم».

وتذهب المصادر الرئاسية أبعد من ذلك؛ إذ إنها «تدعو إلى خفض التصعيد فوراً، وإلى وقفٍ دائم لإطلاق النار، وكذلك، وبشكل أكثر تحديداً، إلى وقف العملية الهجومية (للقوات الحكومية) في شمال شرقي سوريا».

وتضيف: «نحن لم ندعم يوماً مقاربة تقوم على استخدام القوة، بل على عكس ذلك، لقد دعمنا مواصلة المفاوضات»، مشيرة إلى أن باريس تعي أن «بعض الأطراف» (في إشارة مبطنة إلى حكومة دمشق) شكت من أن المفاوضات «لا تتقدم بالسرعة الكافية». وتابعت المصادر أنه مهما كانت الحجج والصعوبات والمآخذ، فإن فرنسا تشدد على أن «من الضروري للغاية أن يتم دمج جميع مكوّنات المجتمع السوري عبر الحوار وليس بالقوة».

باريس لم تكن على علم بهجوم القوات الحكومية

قوات سورية في مسكنة بريف حلب الشرقي بعد انحساب قوات «قسد» يوم 17 يناير 2026 (د.ب.أ)

وثمة هدف آخر تتمسك به فرنسا بقوة، وهي التي عانت من الهجمات الإرهابية على أراضيها، خصوصاً في عام 2015، وكانت من تدبير «داعش» في سوريا. ولذا، فإنها تريد أن يحقق الاتفاق بين دمشق والأكراد «مصالحها الأمنية» التي تشمل أيضاً المصالح الأمنية لدول الإقليم ولأوروبا وأيضاً للولايات المتحدة الأميركية.

وفي تناولها لهذه المصالح، تشير باريس بالدرجة الأولى إلى ملف عناصر «داعش» الذين قررت القوات الأميركية في المنطقة نقلهم إلى سجون عراقية بعدما كانوا تحت سيطرة «قسد» طيلة السنوات المنقضية.

وبهذا الخصوص، تريد باريس أن يؤخذ برأيها، وهي تذكّر بأنها «طرف فاعل في التحالف الدولي ضد (داعش)» ولذا، «فمن الضروري على الصعيد الأمني أن تخضع الأوضاع الحالية لتنسيق داخل هذا التحالف، بما يضمن الأمن، واستمرار مكافحة الإرهاب، ونقلاً منظّماً ومنسقاً لمراكز الاحتجاز».

ورغم أن باريس لا توجه الانتقاد المباشر لأي طرف فإن كلامها ينمّ عن «تحفظات» إزاء «تفرّد» الطرف الأميركي بالقرارات الخاصة بعناصر «داعش»، والتي فاجأت أطرافاً عدة، وليس فقط فرنسا.

وكان من المرتقب أن يكون الملف السوري أحد المواضيع التي ناقشها ماكرون مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الذي استقبله في قصر الإليزيه، بعد ظهر الجمعة، باعتبار أن ما يحصل في سوريا يؤثر حكماً على الواقع اللبناني. وتريد فرنسا أن تقدم المساعدة للطرفين اللبناني والسوري، خصوصاً في ملف ترسيم الحدود البرية بينهما، حيث إنها كانت الدولة المنتدبة من قبل منظمة عصبة الأمم، وقد حكمت البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية وهي تمتلك العديد من الوثائق والخرائط التي من شأنها المساعدة في إنجاز هذه المهمة، إذا توافرت الإرادة السياسية للطرفين.


مقالات ذات صلة

بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية لـ«مكتومي القيد» من الأكراد

المشرق العربي انطلاق عملية تسجيل «مكتومي القيد» لمنحهم الجنسية السورية في مدينة الحسكة (المكتب الصحافي في محافظة الحسكة)

بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية لـ«مكتومي القيد» من الأكراد

أعلنت مديرية إعلام الحسكة، الاثنين، افتتاح عدد من مراكز استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية للمشمولين بأحكام المرسوم الرئاسي رقم «13».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي روهلات عفرين وسوزدار حاجي ديرك

​وفد من «وحدات حماية المرأة» يلتقي وزير الدفاع في دمشق

شهدت العاصمة دمشق، الأربعاء، لقاء وفدٍ من «وحدات حماية المرأة» بوزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع اجتمع مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد بحضور المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش ومحافظ الرقة عبد الرحمن السلامة في قصر الشعب السبت الماضي (مديرية إعلام الحسكة)

28 ضابطاً من «قسد» يلتحقون بالكلية الحربية السورية لإعداد قادة للألوية والكتائب

يتوجه 28 ضابطاً من «قوات سوريا الديمقراطية»، خلال الأيام الثلاثة المقبلة، إلى دمشق للتدريب، ليتسلموا مناصب قادة الألوية التي يجري تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي بدأ أهالي ناحية الشيوخ في منطقة عين العرب بريف حلب بالعودة إلى منازلهم بعد 12 عاماً (سانا)

عقب إزالة الألغام... أهالي «الشيوخ» قرب «عين العرب» ينهون نزوح 12 عاماً

سكان بلدة الشيوخ، الواقعة قرب عين العرب شمال سوريا، يعودون تدريجياً إلى منازلهم عقب اتفاق أمني وإزالة الألغام، رغم الدمار الواسع ونقص مقومات الحياة.

شؤون إقليمية لفت تقرير لمفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى ضرورة إنقاذ الأطفال الموجودين في مخيم «روج» (أ.ف.ب)

تركيا تفاوض دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من عوائل «داعش» في «روج»

كشفت مصادر تركية عن مفاوضات مع دمشق لنقل أكثر من 250 امرأة وطفلاً من الجنسية التركية من مخيم «روج» في الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأشهر المقبلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
TT

استباحة إسرائيل لبيروت تُسقط الطمأنة الإيرانية إلى شمول لبنان بالاتفاق

امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)
امرأة لبنانية إلى جانب مبنى دمرته غارة إسرائيلية في منطقة عين المريسة على ساحل بيروت (إ.ب.أ)

سرعان ما استباحت إسرائيل دماء اللبنانيين في يوم دموي غير مسبوق شهده لبنان لإسقاط تعهد إيران بشموله بالاتفاق الذي توصلت إليه مع الولايات المتحدة الأميركية على وقف النار لمدة 15 يوماً، على أن يتلازم مع إعادة فتحها مضيق هرمز أمام ناقلات النفط من دون أن ترد حتى الساعة على العدوان الإسرائيلي، مما شكَّل إحراجاً لها، بخلاف ما كان قد أبلغه وزير خارجيتها عباس عراقجي لرئيس المجلس النيابي نبيه بري ولقيادة «حزب الله» بأن توصلها لاتفاق سينسحب تلقائياً على الداخل اللبناني، وإلا فلن يلقى تأييداً منها.

في المقابل، فإن لبنان الرسمي، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، هو أول من رحب بالاتفاق وطالب بأن تشمل الهدنة لبنان، على أن تتولى الحكومة التفاوض مع إسرائيل، وهذا ما يدعوه للتحرك دولياً وعربياً لأن يكون مشمولاً بها وألا تُعطى الورقة اللبنانية لإيران للإنابة عنه للتفاوض على وقف النار، خصوصاً أنه دفع تكلفة غالية على كل المستويات من جراء فرض سطوتها على القرار اللبناني من خلال «حزب الله».

وعليه فإيران التي تتحضر لبدء التفاوض مع الولايات المتحدة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما للدفاع عن تعهدها بشمول لبنان بالهدنة؛ إما أن تضغط عليها لإلزامها به وإما أن تهدد بالانسحاب من المفاوضات مع إعادة إغلاقها مضيق هرمز، وإلا ماذا ستقول لـ«حزب الله»؟ وكيف ستتعاطى مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن لبنان ليس مشمولاً بوقف النار، ومع تمادي رئيس وزراء إسرائيل في عدوانه بإغراق بيروت في بحر من الدماء لتمرير رسالة بأنه ليس معنياً بشمول لبنان بوقف النار.

البنود خاضعة للتفاوض

في هذا السياق، قال المصدر إنه يخشى أن يكون ترمب قد استدرج إيران إلى ملعبه لضرب مصداقيتها أمام «حزب الله» الذي أخّر رده على الاجتياح الجوي الإسرائيلي لبيروت التزاماً منه بوقف النار، وكشف عن أن القيادة الإيرانية أخطأت في قراءتها للموقف الأميركي من زاوية أن لبنان مشمول بالهدنة بخلاف ما حمله الميدان من رسائل دموية نفّذها الطيران الإسرائيلي.

من مراسم تشييع صحافية لبنانية قُتلت بغارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن إيران توصلت مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، إلى اتفاق إطار هو بمنزلة إعلان نيات لبدء المفاوضات، يقع في بندين متلازمين: وقف النار، وفتح مضيق هرمز. وأكد أنها ذهبت بعيداً في تفسيرها لما تم التفاهم عليه، وربما أخطأت في تقديرها بشموله لبنان.

وأضاف المصدر أن جميع البنود، ما عدا هذين البندين، تبقى خاضعة للتفاوض، ولا أعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة لإيداع الورقة اللبنانية في عهدة إيران، بخلاف إصرارها على إنهاء أذرعها في المنطقة وأولها «حزب الله»، وإلا لماذا تدرج نزع سلاحه كأولوية على جدول أعمال اللقاءات بين واشنطن وبيروت؟ وهذا ما يفسر رفضها التفاوض مع طهران بكل ما يمتّ بصلة إلى الشأن اللبناني بالإنابة عن الحكومة.

انكفاء إيران

وأكد أن طمأنة إيران لمحور الممانعة في الإقليم بأن موقعه محفوظ في حال تم التوصل إلى تسوية مع الولايات المتحدة ليس في محله، وأن ما أبلغته لبري و«حزب الله» يبقى غير قابل للصرف سياسياً، وهو بمنزلة شيك مصرفي بلا رصيد. وقال إن الإدارة الأميركية ليست في وارد القفز فوق الحكومة وإلغاء دورها بتعاطيها مباشرةً مع إيران كأنها تنوب عن اللبنانيين بتقرير مصيرهم، فيما أخذت تتراجع في الإقليم وباتت مضطرة للانكفاء إلى الداخل للدفاع عن نظامها. وتابع بأن واشنطن وإن كانت لديها ملاحظات على أداء الحكومة لجهة ترددها في تطبيق خطة حصرية السلاح بيد الدولة، فهي في المقابل لم تُدِر ظهرها لها ولم تستعِض عنها بتعويم الدور الإيراني في لبنان. مؤكداً أن الأخيرة أخذت تتصرف بشمولها لبنان بالهدنة كأن الاتفاق حاصل، بدلاً من أن تكفّ عن حرق المراحل والتريث ريثما تنطلق مفاوضاتها مع الولايات المتحدة للتأكد مما إذا كانت ستتعثر في منتصف الطريق أم ستبلغ الأهداف المرجوة منها.

ورأى المصدر أن شمول لبنان بالهدنة يعني حكماً أن «حزب الله» استعاد قواعد الاشتباك التي انتزعتها منه إسرائيل بعد الضربات التي أصابته بإسناده لغزة وإيران. وسأل: لنفترض أنه مشمول بالهدنة، فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة توافق على احتفاظه بسلاحه بخلاف إصرار إسرائيل وبغطاء أميركي على نزعه، ما لم يسلّمه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، بدلاً من أن يبقى خاضعاً لمفاوضات تتولاها إيران بتفويض منه بالإنابة عن الحكومة التي قال رئيسها نواف سلام كلمته في هذا الخصوص، رافضاً تفويضها؟

كما سأل: إذا كانت إيران والولايات المتحدة قد توصلتا إلى هدنة مؤقتة فهل يمكن أن تصبح دائمة ما لم يتوصلا إلى اتفاق متكامل ينزع فتيل التفجير ويُدخل البلدين في تطبيع للعلاقات على قاعدة إنهاء الحرب، وهذا ما يفتقر إليه شمول لبنان بالهدنة في غياب أي تفاوض مع إسرائيل للتفاهم على آليتها؟ وبالتالي فإن ما تعهدت به طهران ما هو إلا خطوة دعائية لأن سلاح الحزب سيدرَج على جدول أعمال المفاوضات في إسلام آباد.

إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً

وأكد أن إيران تقدم لـ«حزب الله» موقفاً دعائياً، ما دامت إسرائيل ردت عليها بالنار ووسّعت عدوانها باستهداف المدنيين لتأليبهم على الحزب، فيما لم تتردد الإدارة الأميركية على المستويات كافة، بدءاً بترمب، في إعلان أن لبنان ليس مشمولاً بالهدنة، بخلاف ما تبلَّغه بري والحزب من القيادة الإيرانية. وقال لم يعد من خيار أمام الحزب للخروج من حالة الإرباك التي تسود حاضنته الشعبية ولا تعبّر عن المزاج الشيعي العام، سوى انخراطه في مشروع الدولة وتفويضه الحكومة، بالتفاهم مع بري، للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تأييداً للمبادرة التي كان قد أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، وقوبلت بدعم دولي وعربي باستثناء إسرائيل التي أوكلت إليها الولايات المتحدة اتخاذ ما تراه مناسباً، وهذا يكمن وراء عدم استعدادها للتفاوض، لأن من أولوياتها استئصال جناحه العسكري ونزع سلاحه.

إيرانية تحمل علم «حزب الله» في طهران خلال إحياء ذكرى مرور 40 يوماً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي (أ.ب)

فخيارات الحزب القتالية أخذت تضيق، ومن حق اللبنانيين، حسب المصدر وبعيداً عن الشعبوية، التوجه بسؤال إلى أمينه العام نعيم قاسم: ألم يحن الأوان ليقرر اليوم قبل الغد إسناده للبنان بعد إسناده لغزة وإيران بموقف منفرد من دون التشاور مع الحكومة التي يعود لها وحدها قرار الحرب والسلم، والذي رتّب على البلد تكاليف مادية وبشرية لا تقدّر بثمن، وكان حريّاً به قبل أن يقرر إسناده لإيران، انتقاماً لاغتيال إسرائيل مرشدها الأعلى علي خامنئي، وربطاً لوحدة المسار والمصير بين الحزب وطهران، أن يراجع حساباته لتفادي سوء التقدير لرد فعل إسرائيل الذي أوقعه في حرب كان في غنى عنها؟

ورأى المصدر أن الفرصة متاحة أمام قاسم للتكيف مع المتغيّرات في الإقليم والتحوّلات التي شهدها لبنان ليبادر إلى لبننة مواقفه على نحو يعبّد الطريق أمام إنقاذ البلد بدلاً من إقحامه، كالعادة، في خيارات غير مدروسة آخرها إسناده لإيران.

لذلك فإن موافقة واشنطن، وعبرها إسرائيل، على طلب إيران شمول لبنان بالهدنة، يعني حكماً أنه ينمّ عن رغبتها، ولا يعكس ميزان القوى في الداخل والمنطقة، ويشكل التفافاً على المفاوضات في إسلام آباد قبل أن تبدأ، والتي لن تؤدي، مهما كانت الاعتبارات، إلى منح إيران «جائزة ترضية» تسمح لها بالتفاوض بالإنابة عن لبنان، فيما المطلوب من العهد والحكومة الخروج من حالة التردد وحسم أمرهما بدءاً بالقيام بحملة عربية دولية تأييداً لموقف لبنان لوقف النار وعدم ربط مصيره بإيران تمهيداً لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على أن يبادر «الثنائي الشيعي» إلى تنعيم موقفه بدعمه مبادرة عون.


نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
TT

نتنياهو يعطي «الضوء الأخضر» لمفاوضات مع لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، أنه أعطى توجيهاته للبدء بمفاوضات مباشرة مع لبنان «في أقرب وقت ممكن»، ورحّب بدعوة من رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى نزع السلاح في بيروت.

وبينما ترددت معلومات متناقضة عن موعد المفاوضات ومكانها، قال مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان لم يتبلغ أي شيء في هذا الخصوص، وإن موعد المفاوضات ومكانها لم يُحدَّدا بعد. وأكد المصدر أن الوفد اللبناني سيكون مصغراً برئاسة السفير سيمون كرم، ولن يضم شيعياً بناءً على طلب من رئيس البرلمان نبيه بري الذي رفض في وقت سابق تسمية عضو شيعي للوفد المفاوض.

وقال نتنياهو، كما نقل عنه مكتبه: «إثر طلبات لبنان المتكررة للبدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أعطيت توجيهاتي أمس (الأربعاء) لخوض مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن». وأوضح أن «المفاوضات ستتناول نزع سلاح (حزب الله) وإقامة علاقات سلام بين إسرائيل ولبنان».

وبينما نقلت «جيروزاليم بوست» عن مصدر إسرائيلي قوله إن «سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحئيل لايتر سيقود المفاوضات المتعلقة بلبنان»، نقل «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان وأن المفاوضات ستبدأ في الأيام المقبلة.

كانت قناة «إن بي سي» قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن «ترمب طلب من نتنياهو تخفيف القصف في لبنان للمساعدة في إنجاح المفاوضات مع إيران».

مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون أمام السراي الحكومي ضد قرار رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام نزع السلاح من بيروت (أ.ف.ب)

يأتي تصريح نتنياهو بعد اتصالات جرت الأربعاء، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف. وستبدأ المفاوضات مع الحكومة اللبنانية خلال الأيام المقبلة.


الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يتوغل في بنت جبيل... ويوسع نطاق المجازر بلبنان

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود الشمالية مع لبنان (رويترز)

توغّل الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى، في وسط مدينة بنت جبيل، كبرى مدن جنوب الليطاني، حيث اندلعت اشتباكات «من مسافة صفر» بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي «حزب الله»، على وقع مجازر وقعت في أكثر من موقع في الجنوب وبيروت والبقاع في شرق لبنان، جراء ضربات استهدفت مواقع مدنية.

وتعدّ مدينة بنت جبيل عقدة مواصلات، وتتمتع بأهمية استراتيجية ومعنوية، وكانت القوات الإسرائيلية تتحضر لهذه المعركة منذ أسبوعين على الأقل، حين أحرزت تقدماً من أكثر من محور باتجاه المدينة، قبل أن تتوغل فيها بدءاً من الخميس.

طفلة ناجية من استهداف إسرائيلي لمنطقة حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

وقالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن المعلومات المستقاة من المعركة أن التوغل في المدينة تم على ثلاثة محاور، هي المحور الجنوبي من جهة عين إبل، والمحور الشرقي من جهة مارون الراس ويارون، والمحور الشمالي من جهة عيترون وعيناثا. وأشارت المصادر إلى أن الخط الوحيد إلى المدينة لا يزال من منطقة صف الهوا – كونين التي تتعرض لحصار ناري وقصف جوي ومدفعي كثيف.

وبدأ التوغل بعد وصول القوات الإسرائيلية إلى مثلث عيناتا – عيترون – بنت جبيل يوم الثلاثاء، وتقدمت القوات من جهة مهنية بنت جبيل باتجاه وسطها الخميس. وقالت وسائل إعلام ناطقة باسم «حزب الله» إن «قوات العدو عمدت منذ يوم الأربعاء إلى تحريك جرافات مسيّرة باتجاه المدينة من أجل محاولة كشف أساليب المقاومة القتالية».

وتحدثت المصادر الأمنية عن أن مقاتلي «حزب الله» في المدينة، لا يزالوا يتمركزون في جيوب قتالية ويقاتلون ضمن مجموعات صغيرة، وحاولوا وقف التقدم عبر استهداف الجرافات والدبابات، إلى جانب إسناد ناري بالقذائف الصاروخية من أكثر من محور. وقالت إن المقاتلين في وسط المدينة، «يشتبكون مع القوات الإسرائيلية التي دخلت إلى المدينة». وقالت المصادر إن القوات الإسرائيلية نسفت مبنى يقع فيه فرع لمصرف لبناني على أطراف المدينة.

الدمار الناتج عن استهداف مجمع الزهراء الديني في مدينة صيدا بغارات إسرائيلية الأربعاء (أ.ف.ب)

وذكرت قناة «المنار» الناطقة باسم الحزب أن الاشتباكات تتواصل في محلتي صف الهوا ومحيط مجمع موسى عباس بالأسلحة الرشاشة والصاروخية، لافتة إلى «استهداف نقاط تجمع وتموضع العدو في محيط المدينة بالأسلحة الصاروخية والمدفعية».

وأفاد الحزب في بيان بعد ظهر الخميس بأن مقاتليه «يخوضون اشتباكات من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة والقذائف الصاروخيّة مع قوّة إسرائيليّة مؤلّلة حاولت التقدّم باتجاه سوق مدينة بنت جبيل».

ويُنظر إلى هذه المعركة على أنها «مصيرية» بالنظر إلى أن القوات الإسرائيلية، لم تستطع دخول المدينة في الحرب الماضية في 2024. وجاءت في أعقاب أكثر من 100 غارة إسرائيلية استهدفت بيروت والضاحية الجنوبية، يوم الأربعاء، وأسفرت عن سقوط أكثر من 250 قتيلاً.

وشدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الخميس على أن إسرائيل ستواصل ضرب «حزب الله» المدعوم من إيران «حيثما لزم الأمر»، وقال في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»: «نحن نواصل ضرب (حزب الله) بقوة ودقة وتصميم». وأضاف: «رسالتنا واضحة: أي شخص يتحرك ضد المدنيين الإسرائيليين، سنضربه. سنواصل استهداف (حزب الله) حيثما لزم الأمر، حتى نعيد الأمن بشكل كامل إلى سكان الشمال» في إسرائيل.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه يواصل عملياته البرية في لبنان حيث دخل في مواجهة مع «حزب الله» منذ الثاني من مارس (آذار) المنصرم. وفي بيان منفصل أكد الجيش أنه نفذ ليلاً غارات استهدف فيها «معبرين رئيسيين يستخدمهما عناصر وقادة (حزب الله) للتنقل من شمال نهر الليطاني إلى جنوبه في لبنان لنقل آلاف الأسلحة والصواريخ ومنصات الإطلاق». وأضاف أنه استهدف أيضاً «نحو عشر منشآت لتخزين الأسلحة ومنصات إطلاق ومراكز قيادة» تابعة للتنظيم اللبناني.

من جانبه، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تصريح مصور بثه مكتبه إن «أكثر من 200 إرهابي تمّت تصفيتهم أمس» في لبنان. وأضاف كاتس أن «منظمة (حزب الله) الإرهابية تتوسّل وقفاً لإطلاق النار، فيما يمارس رعاتها الإيرانيون الضغوط ويطلقون التهديدات خوفاً من أن تسحق إسرائيل (حزب الله) تماماً».

إلى ذلك، واصلت فرق الإسعاف والدفاع المدني البحث عن ناجين وسحب المصابين من تحت أنقاض عدة منازل في بيروت والضاحية والجنوب وشرق لبنان. وأفادت وسائل إعلام محلية بأن «عائلات بأكملها» قتلت في الغارات العنيفة يوم الأربعاء، وأن عدة مجازر تم توثيقها في بيروت والضاحية والجنوب، إضافة إلى مقتل العشرات في شمسطار في شرق لبنان، جراء استهداف مراسم دفن.

وفي تصعيد موازٍ، وسّعت إسرائيل أوامر الإخلاء لتشمل مناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت، وأمرت سكان حي الجناح بمغادرة منازلهم فوراً، كذلك سكان الأوزاعي وحي السلم، مما أدى إلى موجة جديدة من نزوح آلاف الأشخاص غصت بها طرقات العاصمة. وشملت الأوامر أيضاً مناطق قرب مطار بيروت وملعب كميل شمعون، أكبر ملاعب لبنان، والذي تحول الآن إلى مأوى نازحين.