فرنسا تجهد لتثبيت وقف النار «الهش» بين «صديقيها» في سوريا

مصادر الإليزيه تؤكد أن باريس لم تدعم يوماً العمليات العسكرية ضد «قسد»

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
TT

فرنسا تجهد لتثبيت وقف النار «الهش» بين «صديقيها» في سوريا

قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)
قوة تابعة للسلطات السورية تقوم بتفتيش سجن الأقطان في الرقة بعد انسحاب «قسد» منه الجمعة 23 يناير (أ.ب)

تتابع باريس بقلق مجريات الأحداث في سوريا، وتنشط دبلوماسيتها على مختلف المستويات والجبهات، في محاولة منها لوضع حد للمعارك وإعادة حكومة دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) إلى طاولة المفاوضات.

ويعي الجانب الفرنسي أن الجهة القادرة على وقف المواجهة هي بالدجة الأولى الولايات المتحدة، وتحديداً توم براك، مبعوث الرئيس دونالد ترمب للملف السوري، الذي كان واضحاً في تصريحاته أخيراً عندما قال إن مهمة «قسد» في مكافحة تنظيم «داعش» قد «انتهت إلى حد كبير»، وإن هذه المهمة انتقلت إلى السلطات الجديدة في سوريا.

ورغم ذلك، ما زالت باريس تحاول أن تلعب دوراً ما. وفي هذا الإطار، يتواصل الرئيس إيمانويل ماكرون مع الرئيس السوري أحد الشرع ومع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، وكذلك مع مظلوم عبدي قائد قوات «قسد» (ذات الأغلبية الكردية)، وذلك للدفع من أجل وقف أي عمليات حربية، واحترام وقف إطلاق النار بين دمشق والمقاتلين الأكراد.

وإزاء العمليات الحربية التي قام بها الجيش السوري، والتي أفضت إلى سقوط المناطق التي كانت تحت سيطرة «قسد»، حرصت مصادر رئاسية فرنسية على التأكيد أن باريس «لم تكن على علم» بالخطط العسكرية لحكومة دمشق، والتي يبدو أنها تحظى بدعم قوي من تركيا، وبتفهم من الإدارة الأميركية، انطلاقاً من سعي حكومة الرئيس الشرع إلى فرض سلطتها على كافة المناطق السورية.

وقالت هذه المصادر إن الرئيس ماكرون «عمل منذ البداية من أجل خفض التصعيد، ومن أجل الحصول على وقف النار» الذي تراه باريس «بالغ الهشاشة». ولذا، فإن هدف فرنسا حالياً هو «صموده» بحيث لا تُعاود الأعمال القتالية بين الطرفين المتحاربين، وكلاهما «صديق» لها.

وحقيقة الأمر أن باريس واقعة في مأزق لعجزها عن المفاضلة بين «قسد» ودمشق؛ فالطرفان حليفان مقربان لها. وكان ماكرون أول رئيس غربي يستقبل الشرع في قصر الإليزيه، فيما تؤكد باريس أن دعمها لـ«قسد» ثابت ويعود على الأقل لعشر سنوات خلت.

وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا عارضت خطط الرئيس دونالد ترمب، خلال ولايته الأولى، عندما عبّر عن عزمه على سحب القوات الأميركية من شمال شرقي سوريا تلبية لرغبة نظيره التركي رجب طيب إردوغان. وقتها، أكدت باريس أنها جاهزة للحلول محل القوات الأميركية المنسحبة. ويقول الإليزيه إن هذه المقاربة «تأتي في إطار رؤيتنا لسوريا، وهي رؤية عنوانها سوريا موحّدة ومستقرة. منذ سقوط بشار الأسد، كانت فرنسا داعمة لمشروع سوريا مستقرة وموحّدة، تحترم جميع مكوّنات شعبها، وذلك في إطار احترام مصالحنا الأمنية، ولا سيما مكافحة الإرهاب، و(قسد) قاتلت إلى جانبنا تنظيم (داعش)، والتزامنا إزاءها راسخ. نحن نكنّ لها الولاء والإخلاص؛ إذ إن تقاليدنا تحثنا على الوفاء بتحالفاتنا».

آثار المعارك لطرد «قسد» من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب يوم 12 يناير 2026 (أ.ب)

ولا ترى فرنسا سبباً لانتقاد هدف الدولة السورية في التوصل إلى استكمال دمج قوات «قسد» في إطار الجيش السوري، وهي تدفع باتجاه تطبيق مضمون اتفاق 10 مارس (آذار) الماضي الذي توصل إليه الطرفان، والذي يتضمن هذا الهدف. وترى باريس أن تحقيق ما سبق يمكن أن «يصبّ في مصلحة سوريا موحدة ومستقرة».

واليوم، بعد جولات القتال الأخيرة، فإن الموقف الفرنسي يشدد على ضرورة العمل بالاتفاق الجديد المبرم في 18 الحالي والذي توصل إليه الشرع مع مظلوم عبدي. وتشدد باريس على ضرورة الإسراع في تطبيقه.

بيد أن للحكومة الفرنسية تحفظاً من الدرجة الأولى. وقالت مصادر الإليزيه إن الرئيس ماكرون «أجرى اتصالات مع كافة الأطراف من أجل التطبيق المشار إليه، ولكن ليس عن طريق القوة بل عن طريق التفاوض، ما سيمكّن من التوصل إلى حلّ دائم».

وتذهب المصادر الرئاسية أبعد من ذلك؛ إذ إنها «تدعو إلى خفض التصعيد فوراً، وإلى وقفٍ دائم لإطلاق النار، وكذلك، وبشكل أكثر تحديداً، إلى وقف العملية الهجومية (للقوات الحكومية) في شمال شرقي سوريا».

وتضيف: «نحن لم ندعم يوماً مقاربة تقوم على استخدام القوة، بل على عكس ذلك، لقد دعمنا مواصلة المفاوضات»، مشيرة إلى أن باريس تعي أن «بعض الأطراف» (في إشارة مبطنة إلى حكومة دمشق) شكت من أن المفاوضات «لا تتقدم بالسرعة الكافية». وتابعت المصادر أنه مهما كانت الحجج والصعوبات والمآخذ، فإن فرنسا تشدد على أن «من الضروري للغاية أن يتم دمج جميع مكوّنات المجتمع السوري عبر الحوار وليس بالقوة».

باريس لم تكن على علم بهجوم القوات الحكومية

قوات سورية في مسكنة بريف حلب الشرقي بعد انحساب قوات «قسد» يوم 17 يناير 2026 (د.ب.أ)

وثمة هدف آخر تتمسك به فرنسا بقوة، وهي التي عانت من الهجمات الإرهابية على أراضيها، خصوصاً في عام 2015، وكانت من تدبير «داعش» في سوريا. ولذا، فإنها تريد أن يحقق الاتفاق بين دمشق والأكراد «مصالحها الأمنية» التي تشمل أيضاً المصالح الأمنية لدول الإقليم ولأوروبا وأيضاً للولايات المتحدة الأميركية.

وفي تناولها لهذه المصالح، تشير باريس بالدرجة الأولى إلى ملف عناصر «داعش» الذين قررت القوات الأميركية في المنطقة نقلهم إلى سجون عراقية بعدما كانوا تحت سيطرة «قسد» طيلة السنوات المنقضية.

وبهذا الخصوص، تريد باريس أن يؤخذ برأيها، وهي تذكّر بأنها «طرف فاعل في التحالف الدولي ضد (داعش)» ولذا، «فمن الضروري على الصعيد الأمني أن تخضع الأوضاع الحالية لتنسيق داخل هذا التحالف، بما يضمن الأمن، واستمرار مكافحة الإرهاب، ونقلاً منظّماً ومنسقاً لمراكز الاحتجاز».

ورغم أن باريس لا توجه الانتقاد المباشر لأي طرف فإن كلامها ينمّ عن «تحفظات» إزاء «تفرّد» الطرف الأميركي بالقرارات الخاصة بعناصر «داعش»، والتي فاجأت أطرافاً عدة، وليس فقط فرنسا.

وكان من المرتقب أن يكون الملف السوري أحد المواضيع التي ناقشها ماكرون مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الذي استقبله في قصر الإليزيه، بعد ظهر الجمعة، باعتبار أن ما يحصل في سوريا يؤثر حكماً على الواقع اللبناني. وتريد فرنسا أن تقدم المساعدة للطرفين اللبناني والسوري، خصوصاً في ملف ترسيم الحدود البرية بينهما، حيث إنها كانت الدولة المنتدبة من قبل منظمة عصبة الأمم، وقد حكمت البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية وهي تمتلك العديد من الوثائق والخرائط التي من شأنها المساعدة في إنجاز هذه المهمة، إذا توافرت الإرادة السياسية للطرفين.


مقالات ذات صلة

دمشق و«قسد» تتبادلان إطلاق معتقلين

المشرق العربي استقبال المعتقلين المفرج عنهم (مديرية إعلام الحسكة)

دمشق و«قسد» تتبادلان إطلاق معتقلين

وصل عدد المفرج عنهم منذ بدء تنفيذ اتفاق 29 يناير إلى 1500 معتقل لدى حكومة دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية».

المشرق العربي انطلاق عملية تسجيل «مكتومي القيد» لمنحهم الجنسية السورية في مدينة الحسكة (المكتب الصحافي في محافظة الحسكة)

بدء استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية لـ«مكتومي القيد» من الأكراد

أعلنت مديرية إعلام الحسكة، الاثنين، افتتاح عدد من مراكز استقبال طلبات الحصول على الجنسية السورية للمشمولين بأحكام المرسوم الرئاسي رقم «13».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي روهلات عفرين وسوزدار حاجي ديرك

​وفد من «وحدات حماية المرأة» يلتقي وزير الدفاع في دمشق

شهدت العاصمة دمشق، الأربعاء، لقاء وفدٍ من «وحدات حماية المرأة» بوزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع اجتمع مع محافظ الحسكة نور الدين أحمد بحضور المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش ومحافظ الرقة عبد الرحمن السلامة في قصر الشعب السبت الماضي (مديرية إعلام الحسكة)

28 ضابطاً من «قسد» يلتحقون بالكلية الحربية السورية لإعداد قادة للألوية والكتائب

يتوجه 28 ضابطاً من «قوات سوريا الديمقراطية»، خلال الأيام الثلاثة المقبلة، إلى دمشق للتدريب، ليتسلموا مناصب قادة الألوية التي يجري تشكيلها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي بدأ أهالي ناحية الشيوخ في منطقة عين العرب بريف حلب بالعودة إلى منازلهم بعد 12 عاماً (سانا)

عقب إزالة الألغام... أهالي «الشيوخ» قرب «عين العرب» ينهون نزوح 12 عاماً

سكان بلدة الشيوخ، الواقعة قرب عين العرب شمال سوريا، يعودون تدريجياً إلى منازلهم عقب اتفاق أمني وإزالة الألغام، رغم الدمار الواسع ونقص مقومات الحياة.


ترقب حذر للمفاوضات الإسرائيلية ــ اللبنانية غداً

مبنى مدمر في بلدة البازورية في جنوب لبنان إثر تعرضه لقصف إسرائيلي (أ ف ب)
مبنى مدمر في بلدة البازورية في جنوب لبنان إثر تعرضه لقصف إسرائيلي (أ ف ب)
TT

ترقب حذر للمفاوضات الإسرائيلية ــ اللبنانية غداً

مبنى مدمر في بلدة البازورية في جنوب لبنان إثر تعرضه لقصف إسرائيلي (أ ف ب)
مبنى مدمر في بلدة البازورية في جنوب لبنان إثر تعرضه لقصف إسرائيلي (أ ف ب)

يسود ترقب حذر للجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي ستنطلق في وزارة الخارجية الأميركية غداً، بين السفير الإسرائيلي يحئيل ليتر، والسفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض.

ففي تل أبيب، عكست المواقف الإسرائيلية تفضيل القيادة الإسرائيلية بقاء الوضع الراهن في لبنان على حاله؛ لئلا تضطر، في حال التوصل إلى اتفاق، إلى الانسحاب من المنطقة التي تسيطر عليها جنوب نهر الليطاني، من دون ضمان حقيقي بنزع سلاح «حزب الله» الذي انسحب إلى شمال النهر.

أما في بيروت فيسود تخوّف من فشل المفاوضات بفعل تمسّك كل طرفٍ بشروطه، وانعكاس أي تسوية محتملة على الداخل اللبناني في حال نجاحها؛ بسبب رفض «حزب الله» المطلق أي اتفاق يرمي إلى نزع سلاحه أو فرض معادلات جديدة على الأرض. وهذا ما ينذر بإفشال المفاوضات قبل بدئها.


حزب بارزاني لن يتعامل مع الرئيس العراقي الجديد

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
TT

حزب بارزاني لن يتعامل مع الرئيس العراقي الجديد

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبِلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية- روداو)

أضفى اعتراض الحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود بارزاني على انتخاب نزار آميدي لرئاسة الجمهورية العراقية، مزيداً من التعقيد والغموض على المشهد السياسي الكردي خصوصاً، والعراقي عموماً، بعد دعوته ممثليه في الحكومة والبرلمان الاتحادي، للعودة إلى كردستان «للتشاور».

وبمجرد انتخاب آميدي داخل البرلمان، أكد «الديمقراطي الكردستاني»، مساء السبت، أنه لن يتعامل مع انتخابه رئيساً، ووجَّه ممثليه في البرلمان والحكومة الاتحادية بالعودة إلى إقليم كردستان للتشاور. وقال في بيان، إن عملية الانتخاب «جرت بطريقة خارجة عن النظام الداخلي المصادق عليه للمجلس».

وصوَّت البرلمان بأغلبية الثلثين على انتخاب مرشح حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني نزار آميدي رئيساً للجمهورية، بعد تعثر طال أكثر من 4 أشهر، نتيجة غياب التوافق بين الحزبين الكرديين الرئيسيين، فضلاً عن فضاء واسع من الخلافات حول تشكيل حكومة إقليم كردستان.


سلام: لبنان يعمل من أجل تأمين انسحاب إسرائيل من كامل أراضيه

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
TT

سلام: لبنان يعمل من أجل تأمين انسحاب إسرائيل من كامل أراضيه

رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام (د.ب.أ)

أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، اليوم (الأحد)، أن لبنان يعمل من أجل وقف الحرب، وتأمين انسحاب إسرائيل الكامل من أراضيه عبر التفاوض، وذلك قبل اجتماع مرتقب لممثلين عن البلدين، الثلاثاء، في واشنطن.

وقال سلام في كلمة بثها التلفزيون عشية ذكرى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية: «سنستمر في العمل من أجل وقف هذه الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من كامل أراضينا»، مضيفاً أن الجهود متواصلة «وفي مقدِّمتها المبادرة التي قدَّمها فخامة الرئيس للتفاوض لوقف الحرب»، وذلك في وقت زار فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قواته المتوغلة في جنوب البلاد.