القضاء الفرنسي يثبت مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوري

ردّ طلب الادعاء العام الداعي لاحترام مبدأ الحصانة لرؤساء الدول

رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
TT

القضاء الفرنسي يثبت مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوري

رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)

في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أصدر قاضيا تحقيق في محكمة باريس مذكرة توقيف بحقّ الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه العميد ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، والجنرالين غسان عباس وبسام الحسن، بتهمة التخطيط والتواطؤ في ارتكاب جرائم حرب إبان الحرب الأهلية التي هزّت سوريا بدءاً من عام 2011. وبحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، فإن الجنرال غسان عباس كان مسؤولاً عن «الوحدة 450» في مركز الدراسات والأبحاث العلمية، فيما الجنرال بسام الحسن كان يشغل وظيفة مستشار للرئيس الأسد، وضابط الاتصال بينه وبين مركز الأبحاث العلمية.

وجاء القرار القضائي استجابة لدعوة قدّمتها جمعيات سورية وأجنبية، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ومبادرة العدالة في المجتمع المفتوح، ومبادرة الأرشيف السوري، ومدافعون عن الحقوق المدنية. ومن بين المدنيين في القضية، ضحايا (أو أهاليهم) يحملون جنسية مزدوجة فرنسية - سورية. وقدّمت تلك الأطراف الدعوى ضد المسؤولين الأربعة عام 2021.

وبعد عامين من التحقيقات والاستقصاءات، أصدر قاضيا التحقيق مذكرات التوقيف بحق المسؤولين الأربعة، من غير استثناء أي منهم. ومن دون الأخذ بعين الاعتبار الحصانة التي يتمتع بها رؤساء الدول، وتمنع ملاحقتهم في أي قضية تندرج في إطار وظائفهم الرسمية.

حصانة أو لا حصانة

تقوم الدعوة المقدمة بحقّ الأسد ورفاقه على اتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وبالمسؤولية عن الهجمات الكيماوية التي استهدفت، في شهر أغسطس (آب) من عام 2013، الغوطة الشرقية لدمشق. ولخّص ستيف كوستاس، مسؤول القضايا في منظمة «l'Open Society Justice Initiative»، الوضع بقوله: «(نظام) بشار الأسد لجأ عدة مرات إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، لكنه يرفض الاستجابة لمجريات التحقيقات الدولية، رغم أن مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنظمة منع استخدام الأسلحة الكيماوية، عدّت الحكومة (السورية) مسؤولة عنها».

مبنى مدمر بجدارية في إدلب شمال سوريا تحيي الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة (د.ب.أ)

وسارع مكتب المدعي العام الفرنسي، المتخصص في شؤون الإرهاب، الذي تمتد صلاحياته إلى الجرائم ضد الإنسانية، بعد 40 يوماً، إلى المطالبة بإلغاء مذكرة التوقيف بحقّ الرئيس السوري وحده، استناداً إلى مبدأ الحصانة المشار إليه، الذي يحمي رؤساء الدول من الملاحقة أمام المحاكم الأجنبية.

وجزم الادعاء العام بأن أمراً كهذا يعود للمحاكم الدولية وحدها، وتحديداً المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورؤساء أفارقة سابقين. وطلب الادعاء نقل القضية برمّتها إلى محكمة الاستئناف، التي كان عليها أن تفصّل، تحديداً، في موضوع مذكرة التوقيف بحقّ الأسد، ولهذا الغرض، التأمت المحكمة يوم 15 مايو (أيار) الماضي للاستماع إلى مرافعات محامي الضحايا والمنظمات غير الحكومية، وإلى ممثلي الادعاء العام.

محامون فرنسيون يدخلون محكمة الاستئناف في باريس الأربعاء قبل النظر في إمكانية محاكمة الرئيس السوري بالتواطؤ في جرائم الهجمات الكيماوية القاتلة التي وقعت في أغسطس 2013 (إ.ب.أ)

واليوم (الأربعاء)، وبعد التئامها ليومين، أصدرت محكمة الاستئناف حكمها، الذي قضى باعتبار أن الجرائم التي يتم النظر بها «تتفوق على الحصانة العائدة لرئيس دولة»، وبالتالي فإن مذكرة التوقيف الصادرة عن قاضيين فرنسيين لا تزال سارية المفعول، رغم أن الأسد لا يزال رئيساً للدولة السورية.

ونقل عن محامي الضحايا إشارته إلى أن الادعاء العام «لم ينفِ وجود عناصر (في الدعوى) تظهر تواطؤ الأسد في الهجمات الكيماوية في أغسطس (آب) 2013»، ما يعني أنه يرفض قرار المحكمة في الشكل، وليس في المضمون.

وكانت 60 جمعية ومنظمة غير حكومية قد اعترضت على التماس الادعاء العام، وأصدرت بياناً اعتبرت فيه أنه «حان الوقت لإعادة النظر بمبدأ الحصانة، التي من شأنها أن تنسف الجهود الاستثنائية التي بذلها الضحايا والناجون، وهم يبحثون عن العدالة والتعويض عما لحق بهم لدى القضاء الفرنسي».

استقبال جندي روسي للرئيس بشار الأسد خلال زيارته قاعدة حميميم العسكرية في اللاذقية 27 يونيو 2017 (أ.ف.ب)

كذلك عدّ محامون آخرون أن مذكرة التوقيف ضرورية، لأن المحكمة الجنائية الدولية عاجزة عن إصدارها، كون سوريا غير موقعة على شرعة إطلاقها، ولأن أي محاولة قد تحصل في مجلس الأمن ستواجه باستخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو)، ما يفضي إلى إجهاضها. وفي أي حال، عدّ المحاميان جان سولزر وكليمنس ويت، اللذان يمثلان المدعين والمنظمات غير الحكومية، حكم الاستئناف «تاريخياً».

يجدر التذكير بأن استخدام الأسلحة الكيماوية، كاد يدفع إلى أزمة دولية بعد تهديدات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، ونظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (وزير الخارجية الحالي)، بمعاقبة النظام السوري. إلا أن أوباما تراجع لاحقاً، وقبل عرضاً روسياً بنزع سلاح سوريا الكيماوي مقابل الامتناع عن مهاجمة النظام.

قراءة في تبعات قرار القضاء الفرنسي

رغم ما سبق، فإن المسألة المذكورة لم تتكامل بعد فصولها من الناحية القضائية، إذ باستطاعة الادعاء العام نقل الملف إلى محكمة التمييز، التي تعد الأعلى في السلم القضائي الفرنسي. وبما أن جلسة الأربعاء كانت مغلقة، لم يعرف بعد ما إذا كان الادعاء سيستخدم حقّه المشار إليه، أم أنه سيعدّ أن حكم محكمة التمييز قد لا يختلف عن حكم الأربعاء، وبالتالي لا داعي لمواصلة المسار القانوني.

وفي أي حال، فإن حكم يوم الأربعاء، بعد 11 عاماً من استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية (ريف دمشق)، ما أسفر عن مقتل 1000 شخص، وجرح 450 آخرين، يعد انتصاراً قضائياً للضحايا وذويهم، ولتطبيق مبدأ المساءلة عن الجرائم المرتكبة بغضّ النظر عن شخصية مرتكبها أو وظيفته الرسمية.

الدرك الفرنسي يؤمّن مدخل قاعة محكمة الاستئناف حيث إمكانية محاكمة الرئيس السوري بشار الأسد يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

كذلك، يمكن النظر إليه باعتباره «سابقة بالغة الأهمية» قد تفتح الباب أمام الأجهزة القضائية في دول أخرى، خصوصاً الأوروبية، للاحتذاء بما قررته محكمة الاستئناف الفرنسية. فضلاً عن ذلك، قد يرى فيه آخرون إنجازاً للعدالة الدولية شرط أن يتم تعميمه، ولا يتم اللجوء إليه استنسابياً.

وبينما يشكك كثيرون في احتمال أن تجد مذكرة التوقيف الصادرة عن محكمة الاستئناف طريقها إلى التنفيذ، قال مصدر في باريس لـ«الشرق الأوسط»، إنه في حال ثبّتت محكمة التمييز قرار محكمة الاستئناف، فإن النتيجة الأولى أنه سيمنع أي تواصل رسمي بين باريس ودمشق مهما تكن التطورات التي قد تستجد في سوريا أو التحولات السياسية والدبلوماسية لدى هذا الطرف أو ذاك.

كذلك، فإن العدوى مرجحة لأن تنتقل إلى الدول الأوروبية الأخرى التي ستجد نفسها رهينة لقرار المحكمة الفرنسية. وفي أي حال، وعلى المستوى السياسي، فإن فرنسا ما زالت ملتزمة بموقف متشدد إزاء النظام السوري، بل إن دبلوماسيين لا يترددون في انتقاد عملية التطبيع العربية المتواصلة مع دمشق، باعتبار أنها «تتم بلا مقابل». وهذا ينسحب أيضاً على موقف برلين ودول أوروبية أخرى متشددة حيال موضوع إعادة النازحين السوريين في لبنان إلى بلادهم، حيث تريد أن تكون هذه العودة «طوعية وكريمة وآمنة»، وهو ما ترفضه السلطات اللبنانية.

يبقى أن تثبيت مذكرة التوقيف شيء، والتنفيذ شيء آخر. القضاء الفرنسي استند إلى مبدأ «الولاية القضائية العالمية لفرنسا» التي تتيح لعدالتها النظر، وفق شروط، في جرائم ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية. وإذا امتنعت محكمة التمييز عن نقض حكم الاستئناف، فإن ذلك سيفتح الباب أمام مواصلة التحقيق الذي قد يفضي إلى محاكمة على الأرجح ستكون غيابية.

والشهر الماضي، حكمت محكمة في باريس على 3 مسؤولين سوريين رفيعي المستوى، غيابياً، بالسجن مدى الحياة بتهمة التواطؤ في جرائم حرب في قضية تاريخية ضد حكومة الأسد، وهي الأولى من نوعها في أوروبا.


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

خبراء يفجرون قنبلة من الحرب العالمية الثانية قرب باريس بعد تعذر تعطيلها

عناصر الشرطة ورجال إطفاء في موقع العثور على قنبلة تعود إلى الحرب العالمية الثانية في ضاحية كولومب شمال غرب باريس (ا.ف.ب)
عناصر الشرطة ورجال إطفاء في موقع العثور على قنبلة تعود إلى الحرب العالمية الثانية في ضاحية كولومب شمال غرب باريس (ا.ف.ب)
TT

خبراء يفجرون قنبلة من الحرب العالمية الثانية قرب باريس بعد تعذر تعطيلها

عناصر الشرطة ورجال إطفاء في موقع العثور على قنبلة تعود إلى الحرب العالمية الثانية في ضاحية كولومب شمال غرب باريس (ا.ف.ب)
عناصر الشرطة ورجال إطفاء في موقع العثور على قنبلة تعود إلى الحرب العالمية الثانية في ضاحية كولومب شمال غرب باريس (ا.ف.ب)

نفذ خبراء متفجرات تفجيرا تحت الأرض لقنبلة من الحرب العالمية الثانية بالقرب من باريس، الأحد، بعد أن قامت السلطات بإجلاء أكثر من ألف ساكن.

وقام نحو 800 شرطي بتطويق الموقع في ضاحية كولومب الشمالية الغربية، حيث تم اكتشاف القنبلة للمرة الأولى في 10 أبريل (نيسان).

وصدر الأمر بالتفجير بعد فشل الخبراء في محاولة إزالة صاعق القنبلة التي يزيد طولها عن متر واحد باستثناء قسم الذيل. وأظهرت لقطات شظايا معدنية صدئة في قاع حفرة.

وفي وقت مبكر الأحد، طُلب قبل التفجير من السكان في دائرة شعاعها 450 مترا الانتقال إلى مراكز استقبال محلية.

كما أغلقت بعض الطرق المحلية أمام حركة المرور ووسائل النقل العام.

ولا تزال ذخائر الحرب العالمية الثانية غير المنفجرة منتشرة في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة في ألمانيا حيث يتم اكتشاف القنابل بانتظام في مواقع البناء، رغم مرور 80 عاما على انتهاء الحرب.

وفي عام 2025، أدى اكتشاف قنبلة تزن 500 كيلوغرام إلى إغلاق محطة قطار غار دو نورد في باريس، أكثر محطات السكك الحديدية ازدحاما في فرنسا.


الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
TT

الخارجية البريطانية تندد بعمليات إطلاق الصواريخ الكورية الشمالية

جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)
جانب من عملية اختبار صاروخ باليستي مطور في موقع غير محدد في كوريا الشمالية (رويترز)

نددت وزارة الخارجية ​البريطانية بإطلاق كوريا الشمالية لصواريخ باليستية مطلع الأسبوع، وحثت الدولة المنعزلة على ‌الانخراط في ‌دبلوماسية ​بناءة.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون برفقة ابنته كيم جو آي يشرف على اختبار صواريخ باليستية مطورة (رويترز)

وقالت ‌وزارة ⁠الخارجية ​وشؤون الكومنولث ⁠والتنمية البريطانية في بيان صدر يوم الأحد «إطلاق الصواريخ الباليستية ⁠في 19 ‌أبريل ‌يمثل انتهاكا ​آخر ‌لقرارات مجلس ‌الأمن الدولي، مما يزعزع استقرار السلام والأمن الإقليميين».

وأفادت ‌وكالة الأنباء المركزية الكورية يوم ⁠الاثنين ⁠بأن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، أشرف يوم الأحد على تجارب إطلاق صواريخ باليستية ​قصيرة ​المدى مطورة.


تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

تقارب متسارع بين بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي»

رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني ونظيرته الإيطالية والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني خلال اجتماع في «الإليزيه» بباريس يوم 17 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

من المقرر أن تعلن الحكومة البريطانية الشهر المقبل عن تشريع يهدف إلى التقارب مع «الاتحاد الأوروبي»، في ظل تدهور ما تسمى «العلاقة الخاصة» بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط.

وتكتسب جهود رئيس الوزراء، كير ستارمر، زخماً في ظل عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وسيل الإهانات الذي يوجهه إلى الحليف التاريخي لأميركا.

وتعِدّ حكومة ستارمر مشروع قانون «إعادة الضبط»، الذي سيمنح الوزراء صلاحيات لمواءمة معايير المملكة المتحدة مع قواعد السوق الموحدة لـ«الاتحاد الأوروبي» مع تطورها، وهو أمر يسمى «المواءمة النشطة». وأفاد مسؤول حكومي، طالباً عدم الكشف عن هويته، بأن الملك تشارلز الثالث سيعلن عن التشريع في 13 مايو (أيار) المقبل عندما يقرأ خطط ستارمر التشريعية للأشهر المقبلة.

وقد دعا ستارمر مراراً إلى علاقة اقتصادية وأمنية أعمق بأوروبا منذ فوز حزبه «العمالي» في انتخابات عام 2024، وإطاحته حزب «المحافظين» الذي نظّم استفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» عام 2016 (بريكست). وكثّف رئيس الوزراء دعواته في الأيام الأخيرة؛ إذ قال للزعيم الهولندي، روب يتن، الثلاثاء، إنه «يعتقد أن الشراكة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي) ضرورية للاستعداد للتحديات التي نواجهها اليوم». ويعدّ «الاتحاد الأوروبي» أكبر شريك تجاري لبريطانيا، وقد حذّر «صندوق النقد الدولي» هذا الأسبوع بأن المملكة المتحدة ستكون الاقتصاد المتقدم الأكبر تضرراً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

«فرصة»

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن إيفي أسبينال، مديرة مركز الأبحاث «مجموعة السياسة الخارجية البريطانية» قولها: «لدينا حكومة حريصة بالفعل على التقارب مع (الاتحاد الأوروبي)، والأحداث في إيران توفر فرصة لتسريع هذه العملية».

وقال المسؤول البريطاني: «بالتأكيد جعلت إيران الأمر (مشروع قانون إعادة الضبط) أهم للمستقبل». وأضاف: «نحن بحاجة إلى بناء قدرة صمود اقتصادية في جميع أنحاء القارة».

ورفض ستارمر إشراك بريطانيا في الضربات الأولية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي ضد إيران؛ مما أثار غضب ترمب، رغم سماح لندن لاحقاً للقوات الأميركية باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدود». وتحت الضغط الداخلي بسبب قراره الكارثي تعيين بيتر ماندلسون، الشريك السابق لجيفري إبستين، سفيراً في واشنطن، تلقى ستارمر إشادة لوقوفه في وجه استفزازات ترمب المتكررة.

دونالد ترمب في المكتب البيضاوي السبت (أ.ف.ب)

وقبل أيام، هدد ترمب، في مقابلة عبر الهاتف مع قناة «سكاي نيوز»، بإلغاء اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة حدّت من تأثير التعريفات الجمركية الجديدة على بريطانيا. ويقول ديفيد هينيغ، الخبير في السياسة التجارية البريطانية بعد «بريكست»: «لا شك في أن هناك زخماً الآن في العلاقة بين المملكة المتحدة و(الاتحاد الأوروبي)، ويعود ذلك جزئياً إلى سلوك ترمب غير الموثوق به». ويضيف: «تبدو صياغة سياسة تجارية مستقلة للمملكة المتحدة أصعب، بينما تبدو آفاق العمل مع (الاتحاد الأوروبي) أفضل إشراقاً».

ندم على «بريكست»

وتأمل إدارة ستارمر طرح التشريع بشأن التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» في الأشهر القليلة المقبلة؛ مما يعني أنه قد يصدر في وقت قريب من الذكرى العاشرة لاستفتاء خروج بريطانيا من «الاتحاد الأوروبي» الذي أجري في يونيو (حزيران) 2016.

وسينظر أعضاء البرلمان في الموافقة على منح الحكومة آلية لتبني «قواعد الاتحاد الأوروبي»؛ أحياناً من دون تصويت برلماني كامل، في المجالات التي تغطيها اتفاقيات سارية مع التكتل المشكل من 27 دولة. وتهدف إحدى الاتفاقيات إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بصادرات الأغذية والنباتات، فيما توجد خطط لاتفاقية من شأنها دمج المملكة المتحدة في سوق الكهرباء الداخلية لـ«الاتحاد الأوروبي». وتسعى بريطانيا و«الاتحاد الأوروبي» أيضاً إلى وضع اللمسات الأخيرة على المفاوضات بشأن «برنامج لتنقل الشباب» في الوقت المناسب لعقد قمة مشتركة في «بروكسل» أواخر يونيو أو مطلع يوليو (تموز) المقبلين.

وفي المقابل، استبعد ستارمر الانضمام مجدداً إلى «السوق الموحدة» أو العودة إلى «حرية التنقل». ويطالبه الحزب «الليبرالي الديمقراطي»؛ «الحزب الثالث» في بريطانيا، بأن يتجاوز أحد خطوطه الحمر الأخرى من خلال التفاوض على «اتحاد جمركي مع التكتل الأوروبي». وقال كالوم ميلر، المتحدث باسم الشؤون الخارجية في الحزب «الليبرالي الديمقراطي»: «يجب أن نضاعف جهودنا في العلاقات بالشركاء الموثوق بهم الذين يشاركوننا مصالحنا وقيمنا».

لكن «بريكست» لا يزال قضية شائكة، وقد وصف حزب «الإصلاح» البريطاني اليميني المتشدد، الذي يتصدر استطلاعات الرأي ويرأسه نايجل فاراج، التشريع بأنه «خيانة» لنتيجة الاستفتاء. غير أن الاستطلاعات تُظهر بانتظام أن معظم البريطانيين يندمون على التصويت للخروج من «الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر يأمل ستارمر استغلاله. ومن أسباب التقارب مع «الاتحاد الأوروبي» أيضاً ارتفاع ضغوط تكاليف المعيشة على الأسر، وهو أمر ألقت وزيرة المالية البريطانية، راشيل ريفز، مسؤوليته على ترمب الذي بدأ الحرب على إيران «دون خطة واضحة لإنهائها».

وتقول أسبينال: «عندما تتصدع العلاقة بالولايات المتحدة، ينعكس ذلك في تراجع المعارضة لعلاقة أوثق بالاتحاد الأوروبي بين عامة الناس».