القضاء الفرنسي يثبت مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوري

ردّ طلب الادعاء العام الداعي لاحترام مبدأ الحصانة لرؤساء الدول

رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
TT

القضاء الفرنسي يثبت مذكرة التوقيف بحق الرئيس السوري

رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)
رئيس «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير» مازن درويش يتحدث إلى الإعلاميين بعد قرار محكمة الاستئناف في باريس حيال محاكمة الرئيس السوري على جرائم حرب (إ.ب.أ)

في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أصدر قاضيا تحقيق في محكمة باريس مذكرة توقيف بحقّ الرئيس السوري بشار الأسد، وشقيقه العميد ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة، والجنرالين غسان عباس وبسام الحسن، بتهمة التخطيط والتواطؤ في ارتكاب جرائم حرب إبان الحرب الأهلية التي هزّت سوريا بدءاً من عام 2011. وبحسب المعلومات التي حصل عليها التحقيق، فإن الجنرال غسان عباس كان مسؤولاً عن «الوحدة 450» في مركز الدراسات والأبحاث العلمية، فيما الجنرال بسام الحسن كان يشغل وظيفة مستشار للرئيس الأسد، وضابط الاتصال بينه وبين مركز الأبحاث العلمية.

وجاء القرار القضائي استجابة لدعوة قدّمتها جمعيات سورية وأجنبية، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ومبادرة العدالة في المجتمع المفتوح، ومبادرة الأرشيف السوري، ومدافعون عن الحقوق المدنية. ومن بين المدنيين في القضية، ضحايا (أو أهاليهم) يحملون جنسية مزدوجة فرنسية - سورية. وقدّمت تلك الأطراف الدعوى ضد المسؤولين الأربعة عام 2021.

وبعد عامين من التحقيقات والاستقصاءات، أصدر قاضيا التحقيق مذكرات التوقيف بحق المسؤولين الأربعة، من غير استثناء أي منهم. ومن دون الأخذ بعين الاعتبار الحصانة التي يتمتع بها رؤساء الدول، وتمنع ملاحقتهم في أي قضية تندرج في إطار وظائفهم الرسمية.

حصانة أو لا حصانة

تقوم الدعوة المقدمة بحقّ الأسد ورفاقه على اتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وبالمسؤولية عن الهجمات الكيماوية التي استهدفت، في شهر أغسطس (آب) من عام 2013، الغوطة الشرقية لدمشق. ولخّص ستيف كوستاس، مسؤول القضايا في منظمة «l'Open Society Justice Initiative»، الوضع بقوله: «(نظام) بشار الأسد لجأ عدة مرات إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، لكنه يرفض الاستجابة لمجريات التحقيقات الدولية، رغم أن مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنظمة منع استخدام الأسلحة الكيماوية، عدّت الحكومة (السورية) مسؤولة عنها».

مبنى مدمر بجدارية في إدلب شمال سوريا تحيي الذكرى العاشرة للهجوم الكيماوي على الغوطة (د.ب.أ)

وسارع مكتب المدعي العام الفرنسي، المتخصص في شؤون الإرهاب، الذي تمتد صلاحياته إلى الجرائم ضد الإنسانية، بعد 40 يوماً، إلى المطالبة بإلغاء مذكرة التوقيف بحقّ الرئيس السوري وحده، استناداً إلى مبدأ الحصانة المشار إليه، الذي يحمي رؤساء الدول من الملاحقة أمام المحاكم الأجنبية.

وجزم الادعاء العام بأن أمراً كهذا يعود للمحاكم الدولية وحدها، وتحديداً المحكمة الجنائية الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف بحقّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورؤساء أفارقة سابقين. وطلب الادعاء نقل القضية برمّتها إلى محكمة الاستئناف، التي كان عليها أن تفصّل، تحديداً، في موضوع مذكرة التوقيف بحقّ الأسد، ولهذا الغرض، التأمت المحكمة يوم 15 مايو (أيار) الماضي للاستماع إلى مرافعات محامي الضحايا والمنظمات غير الحكومية، وإلى ممثلي الادعاء العام.

محامون فرنسيون يدخلون محكمة الاستئناف في باريس الأربعاء قبل النظر في إمكانية محاكمة الرئيس السوري بالتواطؤ في جرائم الهجمات الكيماوية القاتلة التي وقعت في أغسطس 2013 (إ.ب.أ)

واليوم (الأربعاء)، وبعد التئامها ليومين، أصدرت محكمة الاستئناف حكمها، الذي قضى باعتبار أن الجرائم التي يتم النظر بها «تتفوق على الحصانة العائدة لرئيس دولة»، وبالتالي فإن مذكرة التوقيف الصادرة عن قاضيين فرنسيين لا تزال سارية المفعول، رغم أن الأسد لا يزال رئيساً للدولة السورية.

ونقل عن محامي الضحايا إشارته إلى أن الادعاء العام «لم ينفِ وجود عناصر (في الدعوى) تظهر تواطؤ الأسد في الهجمات الكيماوية في أغسطس (آب) 2013»، ما يعني أنه يرفض قرار المحكمة في الشكل، وليس في المضمون.

وكانت 60 جمعية ومنظمة غير حكومية قد اعترضت على التماس الادعاء العام، وأصدرت بياناً اعتبرت فيه أنه «حان الوقت لإعادة النظر بمبدأ الحصانة، التي من شأنها أن تنسف الجهود الاستثنائية التي بذلها الضحايا والناجون، وهم يبحثون عن العدالة والتعويض عما لحق بهم لدى القضاء الفرنسي».

استقبال جندي روسي للرئيس بشار الأسد خلال زيارته قاعدة حميميم العسكرية في اللاذقية 27 يونيو 2017 (أ.ف.ب)

كذلك عدّ محامون آخرون أن مذكرة التوقيف ضرورية، لأن المحكمة الجنائية الدولية عاجزة عن إصدارها، كون سوريا غير موقعة على شرعة إطلاقها، ولأن أي محاولة قد تحصل في مجلس الأمن ستواجه باستخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو)، ما يفضي إلى إجهاضها. وفي أي حال، عدّ المحاميان جان سولزر وكليمنس ويت، اللذان يمثلان المدعين والمنظمات غير الحكومية، حكم الاستئناف «تاريخياً».

يجدر التذكير بأن استخدام الأسلحة الكيماوية، كاد يدفع إلى أزمة دولية بعد تهديدات الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، ونظيره الفرنسي فرنسوا هولاند، ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون (وزير الخارجية الحالي)، بمعاقبة النظام السوري. إلا أن أوباما تراجع لاحقاً، وقبل عرضاً روسياً بنزع سلاح سوريا الكيماوي مقابل الامتناع عن مهاجمة النظام.

قراءة في تبعات قرار القضاء الفرنسي

رغم ما سبق، فإن المسألة المذكورة لم تتكامل بعد فصولها من الناحية القضائية، إذ باستطاعة الادعاء العام نقل الملف إلى محكمة التمييز، التي تعد الأعلى في السلم القضائي الفرنسي. وبما أن جلسة الأربعاء كانت مغلقة، لم يعرف بعد ما إذا كان الادعاء سيستخدم حقّه المشار إليه، أم أنه سيعدّ أن حكم محكمة التمييز قد لا يختلف عن حكم الأربعاء، وبالتالي لا داعي لمواصلة المسار القانوني.

وفي أي حال، فإن حكم يوم الأربعاء، بعد 11 عاماً من استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية (ريف دمشق)، ما أسفر عن مقتل 1000 شخص، وجرح 450 آخرين، يعد انتصاراً قضائياً للضحايا وذويهم، ولتطبيق مبدأ المساءلة عن الجرائم المرتكبة بغضّ النظر عن شخصية مرتكبها أو وظيفته الرسمية.

الدرك الفرنسي يؤمّن مدخل قاعة محكمة الاستئناف حيث إمكانية محاكمة الرئيس السوري بشار الأسد يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

كذلك، يمكن النظر إليه باعتباره «سابقة بالغة الأهمية» قد تفتح الباب أمام الأجهزة القضائية في دول أخرى، خصوصاً الأوروبية، للاحتذاء بما قررته محكمة الاستئناف الفرنسية. فضلاً عن ذلك، قد يرى فيه آخرون إنجازاً للعدالة الدولية شرط أن يتم تعميمه، ولا يتم اللجوء إليه استنسابياً.

وبينما يشكك كثيرون في احتمال أن تجد مذكرة التوقيف الصادرة عن محكمة الاستئناف طريقها إلى التنفيذ، قال مصدر في باريس لـ«الشرق الأوسط»، إنه في حال ثبّتت محكمة التمييز قرار محكمة الاستئناف، فإن النتيجة الأولى أنه سيمنع أي تواصل رسمي بين باريس ودمشق مهما تكن التطورات التي قد تستجد في سوريا أو التحولات السياسية والدبلوماسية لدى هذا الطرف أو ذاك.

كذلك، فإن العدوى مرجحة لأن تنتقل إلى الدول الأوروبية الأخرى التي ستجد نفسها رهينة لقرار المحكمة الفرنسية. وفي أي حال، وعلى المستوى السياسي، فإن فرنسا ما زالت ملتزمة بموقف متشدد إزاء النظام السوري، بل إن دبلوماسيين لا يترددون في انتقاد عملية التطبيع العربية المتواصلة مع دمشق، باعتبار أنها «تتم بلا مقابل». وهذا ينسحب أيضاً على موقف برلين ودول أوروبية أخرى متشددة حيال موضوع إعادة النازحين السوريين في لبنان إلى بلادهم، حيث تريد أن تكون هذه العودة «طوعية وكريمة وآمنة»، وهو ما ترفضه السلطات اللبنانية.

يبقى أن تثبيت مذكرة التوقيف شيء، والتنفيذ شيء آخر. القضاء الفرنسي استند إلى مبدأ «الولاية القضائية العالمية لفرنسا» التي تتيح لعدالتها النظر، وفق شروط، في جرائم ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية. وإذا امتنعت محكمة التمييز عن نقض حكم الاستئناف، فإن ذلك سيفتح الباب أمام مواصلة التحقيق الذي قد يفضي إلى محاكمة على الأرجح ستكون غيابية.

والشهر الماضي، حكمت محكمة في باريس على 3 مسؤولين سوريين رفيعي المستوى، غيابياً، بالسجن مدى الحياة بتهمة التواطؤ في جرائم حرب في قضية تاريخية ضد حكومة الأسد، وهي الأولى من نوعها في أوروبا.


مقالات ذات صلة

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
TT

توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة البريطانية، الخميس، توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية محاولة إحراق مكاتب وسيلة إعلام ناطقة بالفارسية في شمال غربي لندن.

وقالت الشرطة، وفق وكالة «رويترز»، إن حاوية مشتعلة أُلقيت مساء الأربعاء باتجاه مقر الوسيلة الإعلامية، التي لم يُكشف عن اسمها، في منطقة ويمبلي، وسقطت في موقف سيارات حيث انطفأت النيران من تلقاء نفسها، من دون تسجيل أضرار أو إصابات. وأضافت أن عناصر الأمن طاردوا لاحقاً سيارة سوداء يُعتقد أن المشتبه بهم فرّوا على متنها من موقع الحادث، قبل أن تتعرض لحادث.

وأوقفت الشرطة شابين يبلغان 19 و21 عاماً، إلى جانب فتى يبلغ 16 عاماً، للاشتباه في ارتكاب جريمة حريق متعمّد مع تعريض حياة الآخرين للخطر، وتم احتجازهم قيد التحقيق. وأوضحت أن الحادث لا يُصنّف عملاً إرهابياً، لكن عناصر من مكافحة الإرهاب يشاركون في التحقيق.

وجاءت هذه الواقعة بعد يوم من توقيف مشتبه بهما على خلفية محاولة إحراق منفصلة استهدفت كنيساً في شمال لندن أيضاً، رغم تأكيد الشرطة أنه لا توجد صلة بين الحادثين حتى الآن.

وفي الشهر الماضي، أُضرمت النيران في عدد من سيارات الإسعاف التابعة لخدمة الطوارئ التطوعية اليهودية «هاتزولا»، أثناء توقفها قرب كنيس في منطقة غولدرز غرين شمال لندن.

وكانت السلطات البريطانية قد حذّرت سابقاً من تهديدات تستهدف صحافيين يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تنتقد الحكومة الإيرانية. ففي عام 2024، تعرّض صحافي يعمل في قناة «إيران إنترناشيونال» للطعن في ساقه قرب منزله في جنوب لندن.

كما كشف رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن أن الجهاز والشرطة أحبطا أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران لخطف أو قتل مواطنين بريطانيين أو أفراد مقيمين في المملكة المتحدة تعتبرهم طهران تهديداً.


«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
TT

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، نداءً جديداً إلى الشركاء لمواصلة الضغط على روسيا وتقديم المساعدة التي تعهدوا بها لبلاده على وجه السرعة، وذلك بعد أحدث الهجمات الروسية التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات في مناطق مختلفة من أوكرانيا، في حين أعلن قائد سلاح الطائرات المسيّرة في أوكرانيا عبر تطبيق «تلغرام» أن الجيش استهدف مستودعي نفط في شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى بنية تحتية في ميناء توابسي بجنوب روسيا.

الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل 26 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون روس، الخميس، إن طائرات مسيّرة أوكرانية أصابت ناقلة ‌نفط ترفع ‌علم ​ليبيريا في ‌البحر ⁠الأسود ​وإن قبطانها، ⁠وهو تركي، نُقل إلى المستشفى مصاباً بجروح. وقالت تقارير ‌إعلامية ​إن ‌هجوماً أوكرانيا ‌كبيراً بطائرات مسيّرة خلال الليل على ميناء ‌توابسي على البحر الأسود أسفر عن ⁠مقتل ⁠شخصين، بينهما فتاة عمرها 14 عاماً، وإصابة سبعة آخرين واشتعال حريق كبير.

وقال الرئيس الأوكراني إنه تبيّن أن روسيا لا تستحق أي رفع للعقوبات مع إصابة 100 شخص إلى جانب القتلى. وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت 207 طائرات مسيّرة أوكرانية خلال الليل ودمرتها.

وكتب زيلينسكي في منشور على «إكس»: «أثبتت ليلة أخرى أن روسيا لا تستحق أي تخفيف في السياسة الدولية أو رفع العقوبات... يجب أن يكون الضغط على روسيا فعالاً. ومن المهم الوفاء بكل وعد بالمساعدة لأوكرانيا في الوقت المحدد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» 21 يناير الماضي (أ.ف.ب)

ميدانياً، أفاد مسؤولون أوكرانيون بأن القوات الروسية شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على العاصمة الأوكرانية كييف ومدن أخرى فجر الخميس؛ ما أسفر عن مقتل 17 شخصاً وإصابة العشرات، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بعدد من المباني.

وسمع صحافيو «وكالة الأنباء الفرنسية» دوي انفجارات قوية ليلاً في العاصمة، وشاهدوا أعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد فوق وسط المدينة عند الفجر. وأعلن رئيس البلدية فيتالي كليتشكو مقتل أربعة أشخاص أحدهم طفل. وفي أوديسا بجنوب البلاد، ذكر مسؤولون أن ثمانية أشخاص قتلوا. وفي مدينة دنيبرو جنوب شرقي البلاد، حيث تسببت الهجمات الروسية في اشتعال النيران بمبانٍ سكنية، قال مسؤولون إن أربعة قتلوا، ولقي شخص آخر حتفه في منطقة مجاورة. وفي خاركيف، بشمال شرقي أوكرانيا، قال مسؤولون إن شخصين أصيبا في غارات جوية بطائرات مسيّرة.

خلال لقاء مع أعضاء مجلسَي الوزراء الألماني والأوكراني في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

سياسياً، أكدت الدول الداعمة لأوكرانيا من جديد التزامها بمواصلة المساعدات العسكرية في اجتماع لمجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا في برلين. وفي كلمة بعد اجتماع في برلين للمجموعة - وهو تحالف من 50 دولة ينسق الدعم العسكري لكييف - شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على استمرار الحاجة إلى المساعدة.

قال بيستوريوس إنه يجب ألا يتم تقليص الدعم لقتال أوكرانيا ضد القوات الروسية، على الرغم من الاهتمام العالمي بالشرق الأوسط. وقال مخاطباً جمهوراً ضم نظيره الأوكراني ميخايلو فيدوروف: «نحن نحافظ على دعمنا القوي. يمكن لأوكرانيا أن تستمر في الاعتماد علينا».

وقال بيستوريوس: «هناك شيء واحد مؤكد وواضح وهو أن روسيا تستفيد من التطورات الحالية في الشرق الأوسط؛ نظراً لأن ارتفاع أسعار النفط يصب الأموال في خزائن بوتين الحربية، على الأقل في الوقت الحالي».

وسلَّط وزير الدفاع البريطاني جون هيلي الضوء على الدور المتزايد للطائرات المسيّرة في ساحة المعركة، قائلاً إن الطائرات المسيّرة مثلت 96 في المائة من الخسائر الروسية في مارس (آذار). وأعلن أن حكومته ستعمل على تزويد أوكرانيا بـ120 ألف طائرة مسيّرة من مختلف الأنواع قبل نهاية العام الحالي. كما أشاد صراحة بعرض كييف دعم دول الخليج في الدفاع ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

حثّ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته الدول الأعضاء، الأربعاء، على «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف. وقال روته: «علينا ضمان قدرتنا على تقديم دعم متواصل لأوكرانيا». ودعا الدول الـ32 الأعضاء في الحلف إلى «الاستثمار بشكل أكبر للوصول إلى هدف 60 مليار دولار في دعم الأمن والدفاع في أوكرانيا هذا العام».

ورداً على سؤال بهذا الشأن، قال روته: «علينا ضمان حصول أوكرانيا على ما تحتاج إليه للدفاع». وأضاف: «هناك إجماع واسع النطاق على هذه النقطة، على ضفتي المحيط الأطلسي».

وقال وزير الدفاع الأوكراني ميخاييلو فيدوروف في برلين، «هذا الشتاء كان من الأصعب في تاريخنا». وأضاف: «بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، أطلق الكرملين 462 صاروخاً بالستياً ونحو 600 صاروخ كروز و27 ألف مسيّرة على أوكرانيا؛ بهدف تدمير البنية التحتية للطاقة لدينا وإغراق سكاننا في الظلام».

وتدارك: «لكن أوكرانيا صمدت»، مشيراً إلى أنّها عزّزت دفاعاتها الجوية بفضل الدعم المقدّم من الحلفاء الأوروبيين لشراء المعدات الأميركية، «بحيث وصل معدّل اعتراض صواريخ كروز إلى نحو 80 في المائة وارتفع معدّل اعتراض الطائرات من دون طيار إلى 90 في المائة».

وجاء اجتماع مجموعة الاتصال في وقت يبدو أنّ عملية التفاوض التي أُطلقت برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع حد للحرب في أوكرانيا، وصلت إلى طريق مسدود بسبب الخلافات العميقة بشأن الأراضي الأوكرانية التي أعلنت روسيا ضمّها وترفض كييف التخلّي عنها.

وفي ظل عدم الإعلان عن أي خطط لمزيد من المحادثات بوساطة أميركية مع روسيا، زار زيلينسكي ثلاث عواصم أوروبية؛ سعياً للحصول على وعود بمزيد من الدعم العسكري والمالي من ألمانيا والنرويج. وزار زيلينسكي برلين قبل روما، واتفق مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس على شراكة استراتيجية تتركز على المجال الدفاعي والطائرات المسيّرة. كذلك زار زيلينسكي النرويج، الثلاثاء، حيث اتفق مجدداً مع رئيس الوزراء يوناس غار ستوره على تعزيز التعاون في مجالي الدفاع والأمن. وكتب في منشور على منصة «إكس»: «نحن في حاجة إلى صواريخ دفاع جوي كل يوم (...) يواصل فيه الروس ضرباتهم على مدننا».

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران مؤتمراً صحافياً في المستشارية ببرلين (إ.ب.أ)

في غضون ذلك، أعلن مسؤولون أوكرانيون أن ألمانيا وأوكرانيا اتفقتا على حزمة مساعدات دفاعية بقيمة 4 مليارات يورو (4.7 مليار دولار)، في حين تعهدت النرويج بتقديم مساعدات بقيمة 9 مليارات يورو. وقال زيلينسكي إنه بصدد الطلب من الدول الأوروبية مواصلة زيادة مساهماتها المالية في صندوق يتيح شراء أسلحة أميركية الصنع من الولايات المتحدة لصالح أوكرانيا، ولا سيما منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» القادرة على اعتراض صواريخ كروز والصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف المناطق المدنية.


الكرملين: روسيا تعلّمت الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها

أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)
TT

الكرملين: روسيا تعلّمت الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها

أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)
أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)

قال الكرملين، الخميس، إن روسيا تعلّمت كيفية الحد من تأثير العقوبات، وذلك بعد أن قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن الولايات المتحدة لن تجدد الإعفاء الذي كان يتيح للدول شراء بعض النفط الروسي دون التعرض لعقوبات أميركية، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وسمحت وزارة الخزانة الأميركية بشراء النفط والمنتجات الروسية العالقة في البحر منذ منتصف مارس (آذار) بموجب إعفاء لمدة 30 يوماً، انتهى في 11 أبريل (نيسان)، في إطار مساعٍ للسيطرة على أسعار الطاقة العالمية خلال حرب أميركا وإسرائيل مع إيران.

وذكر بيسنت، الأربعاء، أن الإعفاء لن يُجدَّد.