الرئيس الفرنسي يثير بطروحاته العسكرية انقساماتٍ في صفوف الغربيين تجاه أوكرانيا

باريس تحض على السماح لأوكرانيا باستخدام صواريخها لضرب أهداف عسكرية في روسيا وعلى إرسال مدربين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء إلى جانب المستشار الألماني أولاف شولتس بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لألمانيا (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء إلى جانب المستشار الألماني أولاف شولتس بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لألمانيا (إ.ب.أ)
TT

الرئيس الفرنسي يثير بطروحاته العسكرية انقساماتٍ في صفوف الغربيين تجاه أوكرانيا

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء إلى جانب المستشار الألماني أولاف شولتس بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لألمانيا (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الثلاثاء إلى جانب المستشار الألماني أولاف شولتس بمناسبة زيارة الدولة التي قام بها لألمانيا (إ.ب.أ)

مرة أخرى، يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إبراز نفسه على أنه، في الوقت الراهن، الزعيم الغربي الأكثر اندفاعاً في توفير الدعم العسكري لأوكرانيا، والداعي إلى «الجرأة» في التعاطي مع روسيا، ما يمثل تغييراً كبيراً في مواقفه قياساً لما كانت عليه في الأشهر الأولى التي تلت اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية. وآخر مظاهر اندفاعه تأكيده أنه يتعين السماح للقوات الأوكرانية باستخدام الأسلحة الغربية لضرب الأراضي الروسية التي تنطلق منها الصواريخ والقذائف التي تستهدف أوكرانيا.

شارك ماكرون في فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ75 للدستور الألماني ببرلين (أ.ف.ب)

ففي المؤتمر الصحافي المشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس، بمناسبة انتهاء زيارة الدولة التي قام بها لألمانيا قال ماكرون الثلاثاء: «يتعين علينا السماح (للقوات الأوكرانية) باستهداف المواقع العسكرية التي تطلق منها الصواريخ، والتي منها تتعرض أوكرانيا لهجمات (روسية)». وأضاف ماكرون: «إذا قلنا لهم ليس من حقكم بلوغ النقطة التي تطلق منها الصواريخ، فكأننا نقول لهم: نحن نسلمكم الأسلحة، لكنكم لا تستطيعون الدفاع عن أنفسكم».

بيد أن الرئيس الفرنسي سارع إلى التنبيه من أن الضوء الأخضر لا يجب أن يشمل إلا الأهداف العسكرية، محذراً من التعرض للأهداف المدنية. وحجة ماكرون أن الجانب الروسي لا يستهدف المواقع الأوكرانية من الأراضي التي تسيطر عليها روسيا داخل أوكرانيا، بل من الداخل الروسي. والدليل على ذلك أن قصف مدينة خاركيف ومحيطها، وفق ماكرون، مصدره الأراضي الروسية نفسها.

ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي 25 أبريل (إ.ب.أ)

حتى اليوم، كان استهداف الأراضي الروسية بمثابة «خط أحمر» فرضه الغربيون على استخدام أسلحتهم في مواجهتهم للقوات الروسية. ودأب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، منذ أشهر، على المطالبة بتحرير بلاده من هذا الشرط خصوصاً بعد النجاحات العسكرية التي حققتها القوات الروسية في شرق وشمال البلاد. ومع تصريحاته الأخيرة، يوفر ماكرون دعماً استثنائياً لمطالبة أمين عام الحلف الأطلسي ينس ستولتنبرغ بالتخلي عن «الخط الأحمر» الذي «يكبل أيدي الأوكرانيين».

ووفق خبراء عسكريين، فإن السماح بضربات وراء الحدود الأوكرانية - الروسية حاجة ضرورية لتعطيل الإمدادات والسلاسل اللوجيستية، واستخدام المدفعية المضادة، وتشويش القيادة وممارسة ضغوط عليها، بحيث لا تعود مقيدة بمحرمات تمنعها من التحرك بحرية؛ وفقاً لخططها العسكرية.

الرئيسان البرتغالي مارسيلو ريبو دا سوزا والأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمناسبة زيارة الثاني للبرتغال يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

إرسال مدربين غربيين إلى أوكرانيا نفسها

ما يدعو إليه الرئيس الفرنسي يعد متقدماً، ويعكس انقسامات الغربيين، إن داخل الحلف الأطلسي أو داخل الاتحاد الأوروبي إزاء المدى الذي يتعين عليهم الالتزام به لتجنب نزاع مباشر مع روسيا. وطموح ماكرون يواجه رفضاً غربياً، خصوصاً أميركياً أكده مجدداً جون كيربي، الناطق باسم مجلس الأمن القومي، الذي أعلن الثلاثاء أنه «لا تغيير في سياستنا في هذه المرحلة. وما زال استخدام أسلحة وفّرتها الولايات المتحدة لتوجيه ضربات داخل روسيا أمراً لا نشجّعه ولا نسمح به».

مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل (إ.ب.أ)

وداخل الاتحاد، ثمة دول ترفض دعوة ماكرون. واعترف جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية والأمن داخل الاتحاد بوجود انقسامات. وقال عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد: «لا يوجد موقف مشترك واضح بشأن هذا الموضوع في الوقت الحالي». وقال بوريل إن وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي ناقشوا نقل جزء من برنامج التدريب الخاص بالتكتل إلى الأراضي الأوكرانية. وأضاف بوريل بعد المحادثات «كان هناك نقاش، لكن لا يوجد موقف أوروبي مشترك واضح بشأن ذلك»، مردفاً: «ليس هناك إجماع».

وأشار بوريل إلى أن المؤيدين عدّوا أن إرسال مدربين إلى أوكرانيا سيجعل التدريب أقرب إلى «سيناريو حرب». وفي المقابل، قال المعارضون إن هناك مخاطر كبيرة قد تنجم عن إرسال قوات عسكرية إلى أوكرانيا، وفق ما نقل مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي. أضاف بوريل: «أنتم تعلمون أن هناك وجهات نظر مختلفة في الدول الـ27 (في الاتحاد الأوروبي)»، متابعاً: «لكن الأمور تتغير». لكنّ دولاً مثل ألمانيا عارضت اتخاذ خطوة تخشى أن تجرها إلى نزاع مباشر مع روسيا.

فألمانيا، رغم انفتاحها الجزئي، ما زالت تعارض لا بل إن شولتس يواظب على رفض تسليم كييف صواريخ «توروس» بعيدة المدى رغم ضغوط زيلينسكي وأعضاء من داخل حكومته وعلى رأسهم وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك.

منظومة «باتريوت» المضادة للطيران التي زُوِّدت بها أوكرانيا لتعطيل فاعلية الطيران الروسي (د.ب.أ)

قال متحدث باسم الحكومة الألمانية الأربعاء إن الاتفاقات المتعلقة بكيفية استخدام أوكرانيا للأسلحة التي تزودها بها الدول الغربية سرية. وجاء ذلك ردا على أسئلة بخصوص ما إذا كان بوسع القوات الأوكرانية استخدام هذه الأسلحة لتنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية.

والمعلوم، أن باريس وفرت لكييف عدة عشرات من صواريخ «سكالب» التي تطلق من الطائرات أو من القطع البحرية، والتي يتراوح مداها ما بين 250 إلى 500 كلم. كذلك حصلت أوكرانيا على مجموعة من صواريخ «ستورم شادو» البريطانية، وهو الاسم الآخر لهذا النوع من الصواريخ ثمرة التعاون الفرنسي - البريطاني. لكن الثابت أن العدد القليل نسبياً من هذه الصواريخ التي نقلت إلى كييف لن يغير مسار الحرب ما دام استمرت واشنطن في معارضة استخدام صواريخها لضرب الأراضي الروسية.

وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو ونظيرته البلجيكية لودفين ديدوندر يتحدثان للصحافة 21 مايو بمناسبة التوقيع على اتفاقيات دفاعية ثنائية بباريس (أ.ف.ب)

وكما كان متوقعاً، لم تتأخر ردة الفعل الروسية التي جاءت على لسان الرئيس فلاديمير بوتين الذي حذر الثلاثاء من طشقند من «العواقب الخطيرة» المترتبة على «الضوء الأخضر» الغربي، عدّاً أن هذا النوع من التصعيد «يمكن أن يقود إلى حرب عالمية». وفي تهديد مباشر بالرد، دعا بوتين أوروبا «خاصة في الدول الصغيرة، إلى أن تدرك ما تقوم به، وأن تتذكر أنها دول ذات أراض صغيرة مع كثافة سكانية عالية... لذا، يجب أن تأخذ ذلك في الاعتبار قبل الحديث عن ضرب الأراضي الروسية في العمق».

وانتقد بوتين بصفة خاصة الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتنبرغ، الذي يؤيد ضرب أهداف عسكرية في الأراضي الروسية. وأشار ستولتنبرغ إلى حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها.

وقال الأمين العام لـ«الناتو»، إن الدفاع الجوي يمثل «الحاجة الأكثر إلحاحاً». وأضاف أن دول الاتحاد الأوروبي «تكثف عمليات تسليم الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي، الأكثر تقدماً بوجه خاص، ألا وهي أنظمة باتريوت».

واشنطن زوّدت كييف بصواريخ «أتاكمس» طويلة المدى (رويترز)

الانقسامات الغربية

خلال يومين فقط، برز التميز الفرنسي عن الولايات المتحدة وشركاء باريس الأوروبيين. فمساء الاثنين الماضي، سارع رئيس أركان القوات الأوكرانية إلى إصدار بيان جاء فيه أنه «يرحب بمبادرة فرنسا الهادفة إلى إرسال مدربين (عسكريين) إلى أوكرانيا من أجل تدريب القوات الأوكرانية»، مضيفاً أنه وقع الوثائق التي تتيح لهم زيارة مراكز التدريب والتعرف على البنى التحتية والأشخاص المعنيين.

وجاء ذلك بعد اجتماع عن بُعد ضم وزيري الدفاع الفرنسي والأوكراني، وشارك فيها الجنرال أولكسندر سيرسكي. إلا أن تصريحه أربك باريس التي نفت وزارة دفاعها إبرام اتفاق مع كييف مكتفية بالقول إن «موضوع تدريب القوات الأوكرانية على أراضي أوكرانيا مطروح منذ شهر فبراير (شباط) الماضي وما زال موضع بحث مع الجانب الأوكراني».

وبهذا الصدد أيضاً، أفاد بوريل بأنه لا يوجد إجماع أوروبي بشأنه، علماً أن الرئيس ماكرون أثار جدلاً واسعاً بإعلانه نهاية فبراير أنه «لا يتعين استبعاد إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا»، وكرر ذلك مؤخراً، إلا أنه ربطه بشرطين: أن تتم العملية بطلب من كييف، وأن تكون رداً على اختراق القوات الروسية لخطوط الدفاع الأوكرانية.

رجال شرطة وخبراء أوكرانيون يفحصون جثث المدنيين الذين لقوا حتفهم نتيجة هجوم صاروخي (أ.ف.ب)

تلقى دعوة ماكرون تأييداً من دول بحر البلطيق ومن بولندا... إلا أنها لاقت رفضاً ألمانياً وأميركياً سابقاً ما حمل باريس على التخفيف من مستواها ومن مضمونها، بحيث لا تقوم على إرسال قوات قتالية لمواجهة القوات الروسية، بل تركز على نزع الألغام والتدريب والخدمات الأخرى غير القتالية، مثل إصلاح الأنظمة الدفاعية المقدمة إلى أوكرانيا وتقديم المشورة. لكن الرئيس بوتين سارع الثلاثاء من طشقند إلى التنديد بها، مؤكداً أن هناك مدربين غربيين على الأراضي الأوكرانية، وأن موسكو تعدهم «مرتزقة». وتبين الأرقام المتوافرة أن ما لا يقل عن 50 ألف جندي أوكراني تم تدريبهم في الدول الأوروبية حتى اليوم، خصوصاً في بولندا. بالمقابل، ينفي الغربيون وجود خبراء لهم على الأراضي الأوكرانية، إلا أن هذا النفي لا يتحلى بالصدقية.

الغموض الاستراتيجي

تبين قراءة شريط الأحداث أن الرئيس ماكرون راغب في أن يلعب دوراً رئيسياً في الحرب الروسية - الأوكرانية. فهو أول من طرح إمكانية إرسال قوات إلى أوكرانيا، وأول من دعا إلى اعتماد «الغموض الاستراتيجي» في التعامل مع روسيا في حربها ضد أوكرانيا. ولم يتردد ماكرون في دفع الأوروبيين نحو بناء «الاستقلالية الاستراتيجية»، وإلى وضع قوة الردع النووية الفرنسية في إطار الردع الأوروبي. وفي كل مبادراته، أثار ماكرون جدلاً في الداخل والخارج. ويرى مراقبون أن اندفاع الرئيس الفرنسي مرده إلى أن تهديدات بوتين، بعد كل قرار غربي، باتخاذ إجراءات عقابية بقيت في حيز الكلام ولم تترجم إلى أفعال، ما يدفع باريس إلى الذهاب أبعد فأبعد. ومنذ اليوم، تنظر فرنسا إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، وإلى احتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي سيفتح للرئيس ماكرون الباب واسعاً ليتزعم المعسكر الغربي، وهو يعمل لهذا الغرض.


مقالات ذات صلة

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

أوروبا بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا» المعارض يلوّح بالعَلم الوطني بعد إعلانه الفوز بالانتخابات البرلمانية في بودابست (أ.ب) p-circle

المجر: مَن هو بيتر ماغيار الذي أطاح أوربان بعد 16 عاماً؟

حقق حزب بيتر ماغيار فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت الأحد في المجر. فماذا نعرف عنه؟

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

توجّه الناخبون المجريون بكثافة إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بودابست - لندن)
شمال افريقيا خلال عملية نقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

إزالة 4 آلاف لغم وذخيرة من مقر ميليشياوي في العاصمة الليبية

تحت شعار «استثمروا في السلام... استثمروا في الأعمال المتعلقة بإزالة الألغام»، انتهت جهود شركاء للأمم المتحدة إلى إزالة آلاف الألغام من مناطق ليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، الاثنين، بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له، ما جعل رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في حاجة إلى الموازنة بين علاقات إيطاليا الوثيقة بالفاتيكان وتحالفها مع ترمب، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وأثار ترمب ضجة كبيرة بعد أن وصف البابا ليو بأنه «فظيع»، ما تطلب رداً مباشراً ونادراً من البابا الذي أكد أنه «لا يخشى» الإدارة الأميركية، وسيواصل التنديد بالحرب التي تقودها الولايات المتحدة على إيران، والدفاع عن المهاجرين.

وأصدرت ميلوني، التي وطدت علاقاتها مع ترمب خلال السنوات القليلة الماضية، بياناً تدعم فيه البابا ليو الذي انطلق في جولة لزيارة أربع دول أفريقية، لكنها لم تشر بشكل مباشر إلى انتقادات الرئيس الأميركي.

وقالت: «نسأل الرب أن تساعد خدمة الأب الأقدس في تعزيز حل النزاعات وعودة السلام، داخل الدول وفيما بينها»، موضحة دعمها للبابا دون توجيه انتقادات صريحة لترمب.

واستغل معارضون سياسيون هذا التجاوز، ويعتقد هؤلاء أن قرب ميلوني من ترمب بات يشكل عائقاً انتخابياً في بلد ينظر 66 في المائة من سكانه بشكل سلبي للرئيس الأميركي بسبب سياسته الخارجية العدوانية.

وقال أنجيلو بونيلي، وهو شخصية بارزة في حزب «الخضر» المنتمي لليسار: «بصفتي كاثوليكياً، يتملكني شعور بالغضب من رئيسة وزراء تستحضر القيم المسيحية، لكنها لا تملك القوة والشجاعة للتنديد بإساءة ترمب غير المقبولة بحق البابا والعالم الكاثوليكي». وأشار بونيلي إلى منشور لترمب في وقت لاحق ظهرت فيه صورة له مولدة بالذكاء الاصطناعي تصوره في هيئة السيد المسيح.

غير أن نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني، الذي كان أيضاً مرتبطاً بعلاقات جيدة مع ترمب في السابق، كان أكثر صراحة في انتقاده للرئيس الأميركي، وسلّط الضوء على محاولات اليمين المتطرف في أوروبا النأي بنفسه عن دائرة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» الأميركية الموالية لترمب.

وقال رئيس الوزراء السابق ماتيو رينتسي المنتمي لتيار يسار الوسط: «لم نشهد منذ قرون مثل هذا التصرف العدائي الصارخ ضد بابا الفاتيكان»، مضيفاً أنه من الضروري أن يدافع الكاثوليك وغيرهم على حد سواء عن البابا ليو.


ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

TT

ماغيار يسعى لتولي رئاسة وزراء المجر بحلول 5 مايو

بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)
بيتر ماغيار زعيم حزب «تيسّا»، يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست 13 أبريل 2026 (رويترز)

دعا الفائز في الانتخابات المجرية، بيتر ماغيار، الرئيس المجري إلى دعوة البرلمان للانعقاد من أجل تشكيل حكومة جديدة «في أسرع وقت ممكن»، آملاً في أن يتولى منصب رئيس الوزراء خلفاً لـ فيكتور أوربان ابتداءً من الخامس من مايو (أيار)، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس».

وقال ماغيار خلال مؤتمر صحافي عقده الاثنين عقب الفوز الساحق الذي حققه حزبه في انتخابات الأحد، إن حزبه «تيسّا» حصل على «تفويض غير مسبوق». وأضاف: «لم يصوّت الشعب المجري من أجل مجرد تغيير حكومة، بل من أجل تغيير كامل في النظام». ويتيح هذا التفويض الكبير لحزب «تيسّا» إطلاق برنامج إصلاحي واسع وطموح.

زلزال انتخابي يطيح أوربان

بعد الزلزال الانتخابي الذي رفض فيه الناخبون بأغلبية ساحقة رئيس الوزراء القريب من روسيا فيكتور أوربان، بدأ المجريون يتساءلون عما ينتظرهم في عهد زعيمهم الجديد بيتر ماغيار، الإصلاحي المؤيد لأوروبا الذي تعهّد بإحداث تحوّل جذري في الثقافة السياسية للمجر.

وخلال حملته الانتخابية، وعد ماغيار بإنهاء انجراف المجر نحو روسيا وإعادة توثيق علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين. كما تعهّد للناخبين بأنه بعد 16 عاماً من الحكم السلطوي وتراجع سيادة القانون في عهد أوربان، سيكافح الفساد ويؤسس لـ«مجر مسالمة وفعالة وإنسانية».

إلا أن طبيعة هذه التغييرات ما زالت غير واضحة بالكامل. فخلال سنوات حكمه الطويلة، حكم أوربان بأغلبية برلمانية تبلغ الثلثين؛ ما مكّنه من تمرير دستور جديد، وإعادة صياغة النظام الانتخابي، وإعادة تشكيل السلطة القضائية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في البيت الأبيض 7 نوفمبر 2025 (أ.ب)

أغلبية دستورية تتيح تفكيك إرث أوربان

حصل حزب «تيسّا» على تفويض مماثل، الأحد، بعدما فاز بـ138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان؛ ما يمنحه سلطة واسعة لإلغاء كثير من التشريعات التي سمحت لأوربان بتكديس الموالين له في المحاكم، والتلاعب بالنظام الانتخابي، وتقييد حرية الصحافة، وفق «أسوشييتد برس».

ورغم ذلك، تبرز عقبات محتملة قد تحُول دون تحقيق التغييرات الجذرية التي يأمل بها كثير من المجريين.

احتفالات تاريخية في بودابست

استُقبل فوز ماغيار بموجة احتفالات عارمة في شوارع بودابست مساء الأحد، حيث احتشد عشرات الآلاف، كثير منهم من الشباب؛ احتفالاً بما عدّوه بارقة أمل ستجعل المجر أكثر حرية وسعادة وأكثر اندماجاً في منظومة الديمقراطيات الأوروبية.

وفي أنحاء العاصمة، أطلق السائقون أبواق سياراتهم وشغّلوا أغاني مناهضة للحكومة، في حين ردد المتظاهرون هتافات في الشوارع.

وقال أدريان ريكسير خلال الاحتفالات إنه عاد من منزله في لندن إلى المجر «لأنني أردت حقاً أن يكون لصوتي أثر، وأنا في غاية السعادة».

وأضاف: «أخيراً يمكنني أن أقول إنني مجري فخور، أخيراً بعد 16 عاماً».

مخاوف من أغلبية الثلثين

كان كثير من المجريين ومراقبين أوروبيين قد خشوا أن تكون الأغلبية البسيطة غير كافية لتفكيك نظام أوربان بالكامل.

لكن آخرين ما زالوا مترددين بشأن ما قد تعنيه أغلبية الثلثين في يد حكومة جديدة، مع وجود مخاوف من نقل هذه السلطة الواسعة ببساطة من أوربان إلى خصمه.

وقال المحتفل دانييل كوفاتش: «من الصعب تصور أن حكومة تملك ثلثي البرلمان ستكون عادلة بالكامل، لكننا سنرى. نأمل أن تكون أربع سنوات واعدة».

أنصار حزب «تيسّا» الفائز بالانتخابات البرلمانية المجرية لعام 2026 خلال مسيرة النصر في بودابست 13 أبريل 2026 (د.ب.أ)

المؤسسات لا تزال بيد موالين لأوربان

شكّل فوز ماغيار وحزب «تيسّا» سابقة في تاريخ المجر ما بعد الشيوعية؛ إذ حصلا على عدد أصوات ومقاعد لم يسبق أن حققه أي حزب.

وقال بولتشو هونيادي، المحلل في مركز الأبحاث «بوليتيكال كابيتال» في بودابست، إن الأغلبية الدستورية لحزب «تيسّا» تمنحه صلاحيات واسعة للتراجع عن كثير من سياسات أوربان، لكن «المؤسسات الأساسية في البلاد يقودها أشخاص مثبتون في مواقعهم لسنوات طويلة».

وفي إطار جهوده لترسيخ سيطرته على النظام الديمقراطي المجري، عيّن أوربان حلفاء موالين له على رأس مؤسسات رئيسية، من هيئة الإعلام إلى مكتب الادعاء العام والمحكمة الدستورية.

وفي حالات عدة، مُدّدت ولايات مسؤولين أو جرى تعيين آخرين قبل انتهاء ولايات من سبقوهم، بما أبقى القيادات الموالية له في مواقعها لسنوات تتجاوز أي تغيير حكومي محتمل.

وكان ماغيار قد دعا في خطاب النصر، الأحد، هؤلاء المسؤولين، بمن فيهم الرئيس المجري، إلى التنحي طوعاً. وقال هونيادي: «بخلاف ذلك، لا يملكون فعلياً أدوات أخرى لإزاحتهم».

وعود بمكافحة الفساد واستعادة الأموال

يتهم ماغيار أوربان وحكومته بسوء إدارة الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، والإشراف على فساد غير مضبوط أدى، حسب قوله، إلى تراكم ثروات هائلة لدى دائرة ضيقة من المقربين من السلطة.

وتعهّد بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وإنشاء «مكتب استعادة وحماية الأصول الوطنية» لاسترجاع ما وصفه بالمكاسب غير المشروعة لحلفاء أوربان.


القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
TT

القضاء الفرنسي يدين شركة «لافارج» بتهمة تمويل متطرفين في سوريا

صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهِر مصنع أسمنت «لافارج» في منطقة الجلبية بشمال سوريا 19 فبراير 2018 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة في باريس، الاثنين، شركة الأسمنت الفرنسية «لافارج» بتهمة دفع أموال لتنظيم «داعش» وجماعات متطرفة أخرى لتأمين استمرار العمل في مصنعها بسوريا.

وخلصت المحكمة إلى أن «لافارج» التي استحوذت عليها مجموعة «هولسيم» السويسرية دفعت ملايين الدولارات بين عامي 2013 و2014 عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، لجماعات متطرفة ووسطاء لحماية مصنع الأسمنت في الجلبية بشمال سوريا.

وقالت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز: «كانت هذه الطريقة في تمويل المنظمات الإرهابية، وخصوصاً تنظيم (داعش)، أساسية في تمكين المنظمة الإرهابية من السيطرة على الموارد الطبيعية في سوريا؛ ما أتاح لها تمويل الأعمال الإرهابية داخل المنطقة وتلك المخطط لها في الخارج، وخصوصاً في أوروبا»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويأتي الحكم بعدما أقرّت «لافارج» عام 2022 في الولايات المتحدة بالذنب بتقديم دعم ماديّ لمنظّمات مصنّفة في واشنطن «إرهابية» ووافقت على دفع غرامة قدرها 778 مليون دولار، في تهمة غير مسبوقة لأي شركة.

وأتمّت «لافارج» بناء معمل الجلبية البالغة تكلفته 680 مليون دولار في عام 2010، قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام التالي بعد القمع الوحشي لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد للاحتجاجات المناهضة للحكومة حينذاك.

وسيطر عناصر تنظيم «داعش» على أجزاء واسعة من سوريا والعراق المجاور في عام 2014، حيث أعلنوا تأسيس «خلافة».

وبينما غادرت شركات أخرى متعددة الجنسيات سوريا في 2012، اكتفت «لافارج» بإجلاء موظفيها الأجانب وأبقت السوريين منهم حتى سبتمبر (أيلول) 2014 عندما سيطر عناصر تنظيم «داعش» على المصنع.

واتُهمت «لافارج سيمنت سوريا» بدفع أموال في عامي 2013 و2014 لوسطاء من أجل الحصول على المواد الأولية اللازمة لتشغيل المصنع من تنظيم «داعش» وغيره من الجماعات، ولتأمين حرية تنقّل شاحنات الشركة وموظفيها.

برونو لافون الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لافارج» يصل إلى المحكمة في باريس 13 أبريل 2026 (أ.ب)

«هدف واحد هو الربح»

وإلى جانب «لافارج»، تشمل لائحة المتّهمين الرئيس التنفيذي السابق للشركة برونو لافون وخمسة مسؤولين سابقين في الأقسام التشغيلية أو الأمنية، ووسيطين سوريين، أحدهما لم يكن حاضراً في جلسات المحاكمة. وهم متّهمون بـ«تمويل الإرهاب» وانتهاك العقوبات الدولية.

وقال مكتب المدعي العام الوطني الفرنسي لمكافحة الإرهاب في مرافعته الختامية في ديسمبر (كانون الأول)، إنّ «لافارج» مذنبة بتمويل منظمات «إرهابية» بـ«هدف واحد هو الربح».

وطالب المدعون العامون بفرض أقصى غرامة على شركة «لافارج» بقيمة 1.12 مليون يورو (1.3 مليون دولار) ومصادرة أصول بقيمة 30 مليون يورو.

كذلك، طالبوا بسجن لافون (69 عاماً) لمدة ست سنوات، في حين ينفي أي علم له بالمدفوعات غير المشروعة.

وقال المدعون إنّ الرئيس السابق للشركة «أعطى تعليمات واضحة» للحفاظ على تشغيل المصنع في قرار وصفوه بأنّه «صادم».

وخلال المحاكمة، قال كريستيان هارو، وهو نائب المدير الإداري السابق، إنّ قرار إبقاء المصنع مفتوحاً تم اتخاذه بسبب القلق على الموظفين المحليين.

وأضاف: «كان بإمكاننا أن نتنصل من المسؤولية ونبتعد، ولكن ماذا كان سيحدث لموظفي المصنع؟».

ووفق مكتب المدعي العام الوطني لمكافحة الإرهاب، فقد بلغت المدفوعات للجماعات المصنّفة منظمات «إرهابية» ما لا يقل عن 4.7 مليون يورو (5.5 مليون دولار).

شعار شركة «لافارج» الفرنسية للأسمنت على أحد مصانعها في باريس 7 أبريل 2014 (أ.ف.ب)

السعي للحصول على مساعدة «داعش»

من جانبها، قالت شركة «هولسيم» التي استحوذت على «لافارج» في عام 2015، إنّها لم تكن على علم بالتعاملات في سوريا.

أما القضية الأخرى المتعلّقة باتهامات بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، فهي لا تزال جارية.

وفي عام 2019، تمكنت «قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد وتدعمها واشنطن، من دحر تنظيم «داعش» من آخر مناطق سيطرته في سوريا.

وفي عام 2017، فُتح تحقيق في فرنسا بعد تقارير إعلامية عدة وشكويين قانونيتين في عام 2016، إحداهما من وزارة المالية بسبب انتهاك مفترض لعقوبة اقتصادية والأخرى من جماعات غير حكومية و11 موظفاً سابقاً في «لافارج» بسبب «تمويل الإرهاب».

وفي قضية مرفوعة في الولايات المتحدة، قالت وزارة العدل إنّ «لافارج» سعت للحصول على مساعدة من تنظيم «داعش» لإقصاء المنافسين، من خلال تطبيق «اتفاقية تقاسم الإيرادات» الفعّالة معهم.

وفي ذلك الوقت، ندد لافون الذي كان رئيساً تنفيذياً منذ عام 2007 إلى عام 2015 عندما تمّ دمج «لافارج» ضمن «هولسيم»، بتحقيق وصفه بـ«المنحاز».