بوتين وشي يتفقان على تعزيز «الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي»

إعلان سياسي يحدد أولويات البلدين في مواجهة التغيرات المتسارعة في العالم

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتبادلان الوثائق الثنائية خلال اجتماع في بكين (سبوتنيك)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتبادلان الوثائق الثنائية خلال اجتماع في بكين (سبوتنيك)
TT

بوتين وشي يتفقان على تعزيز «الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتبادلان الوثائق الثنائية خلال اجتماع في بكين (سبوتنيك)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ يتبادلان الوثائق الثنائية خلال اجتماع في بكين (سبوتنيك)

حدّد الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جينبينغ، أولويات تحركهما المشترك خلال المرحلة المقبلة، في إطار مساعي الطرفين لمواجهة استحقاقات «التغيرات المتسارعة» في العالم، وتعزيز الرؤية المشتركة للتعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، فضلاً عن ترسيخ التعاون الثنائي وتوسيع مجالاته.

وأسفرت الزيارة الثانية خلال الأشهر الستة الماضية، التي يقوم بها بوتين إلى الصين، عن وضع إطار مشترك للتحرك السياسي، قال مسؤولون روس إنه يوفر قاعدة عملية لتنفيذ اتفاقات الشراكة والتعاون الموقعة بين البلدين.

جانب من المفاوضات الروسية الصينية اليوم في بكين (أ.ب)

وهذه أول زيارة خارجية يقوم بها بوتين بعد توليه مهام ولايته الرئاسية الخامسة، ما عكس درجة اهتمام الكرملين بتنسيق المواقف مع بكين في المرحلة المقبلة. وعقد الرئيسان جولات حوار مستفيضة، تخللتها مشاركة في فعالية خاصة لإحياء الذكرى الـ75 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كما التقى بوتين في جلسات حوار منفصلة مع مسؤولين صينيين بارزين، تم التركيز خلالها على «الإطار العملي لتنفيذ اتفاقات التعاون».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال حضورهما حفلاً موسيقياً (أ.ب)

وبعد الشقّ الرسمي من جولات الحوار، أدلى الرئيسان الروسي والصيني بتصريحات عكست تقارب أولويات الطرفين على صعيد السياسة الدولية والملفات الساخنة في العالم. وأكدا أن الصين وروسيا تعملان معاً لتحقيق مزيد من المنافع للبلدين وتقديم المساهمات الواجبة في الأمن والاستقرار العالميين، وأيضاً التزام الصين وروسيا بمبادئ عدم الانحياز وعدم المواجهة، وألا تكون العلاقات الثنائية موجهة ضد دول أخرى.

كما تحدثا عن تمسك الصين وروسيا بقوة بالنظام الدولي المتمركز حول «الأمم المتحدة»، وهو نظام عالمي قائم على القانون الدولي، وأنهما تنسقان مواقفهما بشكل وثيق في منصات متعددة الأطراف، مثل «الأمم المتحدة» و«أبيك» و«مجموعة العشرين».

وقال الرئيسان إنه «في عالم اليوم لا تزال عقلية الحرب الباردة منتشرة، وتشكل الهيمنة الأحادية ومواجهة الكتل والسياسات تهديداً مباشراً للسلام العالمي وأمن جميع البلدان».

وقال شي إن روسيا والصين تعتقدان أن التسوية السياسية للأزمة الأوكرانية هي الطريق الصحيحة، مؤكداً أن موقف الصين من هذا الأمر يبقى ثابتاً دون تغيير. وأشار إلى أن تطابق مواقفه مع بوتين حيال الملف الفلسطيني، مشيراً إلى «الحاجة الملحة لحلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي وضرورة حلّ القضية الفلسطينية على أساس صيغة الدولتين مع تنفيذ قرارات (الأمم المتحدة)».

بدوره، أشار بوتين إلى عمق الحوار الروسي الصيني في مجالات السياسة والأمن، وديناميكية التقدم العالية للتبادلات الاقتصادية، وتوسيع الاتصالات الإنسانية والتنسيق الفعال في الساحة الدولية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في الذكرى 75 لتأسيس علاقات دبلوماسية بين البلدين (سبوتنيك - أ.ب.أ)

وقال إن البلدين يعملان معاً لإنشاء نظام عالمي عادل يعتمد على القانون الدولي. وأشار إلى ضرورة العمل على إقامة بنية أمنية موثوقة ومناسبة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مؤكداً تطابق وجهات نظر موسكو وبكين على أن إنشاء تحالفات عسكرية سياسية مغلقة في المنطقة أمر ضارّ ويؤدي إلى نتائج عكسية.

وقال إن روسيا والصين تعتزمان مواصلة الجهود من أجل تحقيق التكامل بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومبادرة «حزام واحد طريق واحد».

وقال إن التجارة والاستثمار المتبادلين بين روسيا والصين «محميان بشكل موثوق من التأثير السلبي لدول أخرى، وهناك خطط لتعزيز الاتصالات بين المصارف». وشكّل التوقيع على إعلان سياسي مشترك النتيجة الأهم للزيارة، إلى جانب التوقيع على 10 وثائق موجهة لتعميق الشراكة والتعاون في مجالات مختلفة.

وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين إن الإعلان السياسي يقع في وثيقة مفصلة تتضمن أكثر من 30 صفحة، و«تشير إلى الطبيعة الخاصة لعلاقاتنا الثنائية، وتحدد مزيداً من الطرق لتطوير مجموعة العلاقات الثنائية بأكملها، وتؤكد الدور القيادي لروسيا والصين في تشكيل نظام عالمي عادل وديمقراطي».

ونشر الموقع الإلكتروني للكرملين نصّ الوثيقة الموقعة، ووصفها بأنها تهدف إلى «تعميق علاقات الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي وتدشين حقبة جديدة من التعاون».

ووفقاً للنص المنشور، فقد أشار زعيما الدولتين إلى أن «العلاقات بين روسيا الاتحادية والصين تتعرض لاختبار بسبب التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، ما يدل على قوتها واستقرارها». وأضافا أن «الولايات المتحدة ما زالت تفكر في سياق الحرب الباردة وتسترشد بمنطق المواجهة بين الكتل»، ما يتطلب تعزيز التنسيق والتعاون الثنائي في كل المجالات لمواجهة التحديات الجديدة. في هذا الإطار، فقد حدّدت الوثيقة ملامح تحرك الطرفين لتوسيع التعاون في عدد من المجالات.

وعلى وجه الخصوص، تم التطرق إلى دعم الصين روسيا بصفتها رئيسة مجموعة «بريكس» هذا العام وضرورة إنجاح انعقاد القمة السادسة عشرة للمجموعة وتعزيز آليات عملها.

ووفقاً للوثيقة، ستواصل موسكو وبكين العمل ضمن «مجموعة العشرين» لزيادة تمثيل دول الجنوب العالمي في نظام الإدارة الاقتصادية العالمية. وفي هذا السياق، رحّب البلدان بدخول الاتحاد الأفريقي إلى مجموعة العشرين كمشارك كامل.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ في الذكرى 75 لتأسيس علاقات دبلوماسية بين البلدين (سبوتنيك - أ.ب.أ)

وأعرب الطرفان عن استعدادهما لمواجهة التهديدات المختلفة على الإنترنت بشكل مشترك، بما في ذلك تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والدعوة إلى نظام عالمي متعدد الأطراف وشفاف لإدارة الإنترنت، مع ضمان أمن القطاعات الوطنية.

وفي الوقت نفسه، أكدت موسكو وبكين الدور الرائد لـ«الأمم المتحدة» في تطوير القواعد العالمية في مجال أمن المعلومات الدولي. وفي هذا الصدد، أشار زعيما روسيا والصين إلى ضرورة تعزيز التنسيق الثنائي عند النظر في القضايا الرئيسية على منصات المنظمة العالمية.

وبالإضافة إلى ذلك، ستواصل موسكو وبكين التنسيق الوثيق داخل «منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ» (أبيك)، وتعتزمان تعزيز الأساليب المتعلقة ببناء اقتصاد عالمي مفتوح.

وستواصل روسيا والصين تعزيز الدور المتزايد لمجموعة «بريكس» في الشؤون الدولية، وستعملان على تطوير التعاون بشكل ديناميكي في صيغة «بريكس بلس»، وتعزيز تكامل الدول الأعضاء الجديدة.

وتضمنت الوثيقة بنداً يؤكد دعم الصين جهود الاتحاد الروسي لضمان سيادته وسلامة أراضيه، وتعارض التدخل في شؤونه الداخلية. وأكد الطرفان أن «الدولتين مقتنعتان بأنه لا يمكن لأي دولة أن تضمن أمنها على حساب أمن الآخرين».

ونتيجة لذلك، دعت موسكو وبكين في الوثيقة الجهات الفاعلة الأخرى في السياسة الدولية إلى التوقف عن اتباع سياسات المواجهة ومحاولات التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

كما لاحظ الطرفان التأثير السلبي لاستراتيجية «الهند والمحيط الهادئ» الأميركية على العالم الإقليمي، وشددا معارضتهما لإنشاء تحالفات عسكرية ضد دول ثالثة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وفي هذا السياق، أعرب الطرفان عن قلق بشأن العواقب على الاستقرار الاستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ نتيجة تنفيذ مشروع تحالف «أيكوس».

في الإطار ذاته، أكد الاتحاد الروسي والصين على إدانة نشر الأسلحة الصاروخية الأميركية، ليس في منطقة آسيا والمحيط الهادئ فقط، ولكن في أوروبا أيضاً، لأن مثل هذه الخطوات المزعزعة للاستقرار تشكل تهديداً مباشراً لأمن روسيا والصين.

وبشكل منفصل، أكد الطرفان على معارضتهما لمحاولات الهيمنة التي تقوم بها الولايات المتحدة لتغيير ميزان القوى في شمال شرقي آسيا، من خلال بناء القوة العسكرية. كما انتقد زعيما روسيا والصين محاولات عدد من الدول استخدام الفضاء الخارجي لأغراض المواجهة المسلحة.

وفي سياق جدول الأعمال الثنائي، أكدت الوثيقة أن الاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية سوف يواصلان شراكتهما في مجال الفضاء، ولا سيما تطوير المحطة القمرية العلمية الدولية، ومشاريع استكشاف القمر.

واتفقت روسيا والصين على العمل، بالتعاون مع شركائهما في منظمة شانغهاي للتعاون، على تعزيز إمكانات التعاون في مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والعلاقات الإنسانية.

ونصّت الوثيقة على أن الطرفين يعتزمان تعميق التعاون في الحرب ضد الإرهاب الدولي والتطرف، ومواصلة الالتزام بهدف بناء عالم خالٍ من استخدام الأسلحة الكيماوية.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا تنقذ 119 مهاجراً خلال محاولتهم عبور قناة المانش إلى بريطانيا

مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)
مهاجرون يعبرون بحر المانش (القنال الإنجليزي) على متن قارب (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعلنت السلطات الفرنسية أنها أنقذت أكثر من مائة مهاجر أثناء عبورهم قناة المانش للوصول إلى بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، في حين تم نقل أحدهم إلى المستشفى، وفق ما أفاد مسؤولون الأحد.

وفي إطار عمليات عدة جرى تنفيذها السبت، تمكنت فرق الإغاثة على الساحل الشمالي لفرنسا من إنقاذ 119 شخصا حاولوا عبور القناة، وفق ما ذكرت سلطات السواحل الفرنسية «بريمار» المسؤولة عن المنطقة.

ونُقل مهاجر وهو فاقد الوعي بواسطة مروحية لتلقي العلاج في مستشفى بمدينة بولون على الساحل الشمالي.

والخميس، وقعت بريطانيا وفرنسا اتفاقية جديدة مدتها ثلاث سنوات لوقف قوارب المهاجرين غير الشرعيين عبر القناة، حيث زادت لندن من مساهمتها لتمويل العمليات الفرنسية.

وبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لقي 29 مهاجرا مصرعهم عام 2025 خلال محاولتهم العبور من الساحل الشمالي لفرنسا إلى الساحل الجنوبي لبريطانيا.

وحتى الآن هذا العام، سُجل مصرع ستة أشخاص خلال قيامهم بهذه الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر.


قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
TT

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)
الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

أعلن قصر بكنغهام، اليوم الأحد، أن الزيارة التي سيقوم بها الملك تشارلز ملك بريطانيا وقرينته كاميلا إلى الولايات ‌المتحدة لمدة أربعة ‌أيام ستجري ‌كما هو مقرر لها، وذلك عقب واقعة إطلاق نار حدثت خلال حفل عشاء حضره الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وقال ‌متحدث ‌باسم القصر، وفقاً لوكالة «رويترز»: «بعد ‌مناقشات جرت على ‌جانبي المحيط الأطلسي طوال اليوم، وبناء على نصيحة الحكومة، ‌يمكننا تأكيد أن الزيارة الرسمية لجلالتيهما ستجري كما هو مخطط لها».

وأضاف: «الملك وقرينته ممتنان للغاية لجميع الذين عملوا بسرعة لضمان استمرار ذلك، ويتطلعان إلى بدء الزيارة غداً».

ويبدأ الملك تشارلز الثالث زيارة إلى الولايات المتحدة الاثنين تشمل مهمة دبلوماسية حساسة وهي تخفيف التوترات بين الرئيس دونالد ترمب ورئيس الوزراء كير ستارمر، مع تجنّب «قضية إبستين» التي تعد شوكة في خاصرة العائلة المالكة.

رسمياً يُقدّم قصر باكنغهام هذه الزيارة التي تستغرق أربعة أيام، وتم تنظيمها بناء على طلب الحكومة البريطانية، بوصفها فرصة «للاحتفال بالروابط التاريخية» بين البلدين لمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة. لكن نادراً ما أثارت زيارة ملكية كل هذا الجدل. فمع أن دونالد ترمب نجل سيدة اسكوتلندية ومعجب كبير بالعائلة المالكة، ووصف الملك بأنه «رجل رائع» الخميس على شبكة «بي بي سي»، إلا أنه كثّف هجماته على حلفائه البريطانيين منذ نهاية فبراير (شباط)، عندما أبدت لندن لأول مرة تحفظاتها بشأن الضربات الإسرائيلية الأميركية على إيران.

وهاجم الرئيس الأميركي رئيس الوزراء العمالي كير ستارمر مطلع مارس (آذار)، قائلاً: «نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل». كما سخر من الجيش البريطاني وقلّل من شأن مساهمته في التحالف الدولي الذي خاض الحرب ضد «طالبان» في أفغانستان.

ودفعت تلك الهجمات بعض أعضاء البرلمان، مثل زعيم الديمقراطيين الليبراليين إد ديفي، إلى المطالبة بتأجيل الزيارة. وقد أيّد هذا الرأي 48 في المائة من البريطانيين، وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» في بداية أبريل (نيسان).


«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
TT

«الشرق الأوسط» تروي لحظات الرعب في «حفل واشنطن»

عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)
عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي أمام ردهة فندق «واشنطن هيلتون» بعد حادثة إطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان جميع المدعوين إلى مأدبة عشاء مراسلي البيت الأبيض، مساء السبت، ينتظرون كلمة الرئيس دونالد ترمب الذي شارك في هذا الحفل بعد سنوات من المقاطعة. كان الصحافيون المدعوون، وبينهم «الشرق الأوسط»، يترقبون ما سيقوله الرئيس ترمب، خصوصاً مع تاريخه الطويل في انتقاد الصحافيين ودورهم، حسبما يعتقد، في نشر «الأخبار المزيفة». دخل الرئيس ترمب والسيدة الأولى ميلانيا ترمب إلى القاعة الكبرى في فندق «واشنطن هيلتون» وسط تصفيق حذر وأنظار متلهفة. كان الجو يمزج بين الرسمية والتوتر الخفي؛ صحافيون، سياسيون، نجوم هوليوود، وشخصيات بارزة من الكونغرس وأعضاء إدارة ترمب يجلسون على موائد مزينة بأناقة. لم تمضِ دقائق قليلة على دخول ترمب حتى انفجر الوضع. سُمع صوت إطلاق نار خارج القاعة مباشرة. في لحظات، تحوّلت القاعة إلى مشهد يشبه أفلام الأكشن الهوليوودية التي نراها على الشاشات الكبيرة. اندفع عملاء الشرطة السرية بأسلحتهم المسحوبة، صرخوا... تحركوا... انخفضوا تحت الطاولات، وأحاطوا الرئيس الأميركي والسيدة الأولى والوزراء وأعضاء الكونغرس. تم إجلاء ترمب وميلانيا بسرعة مذهلة من فوق المنصة، وسط فوضى منظمة. وفي القاعة، كانت ردود الأفعال الإنسانية تلقائية ومتنوعة، تعكس الطبيعة البشرية في مواجهة الخطر المفاجئ. لاحظت «الشرق الأوسط» بعض الحاضرين يختبئون تحت الموائد بحثاً عن غطاء، بينما وقف آخرون على الكراسي والطاولات محاولين استطلاع ما يحدث أو تصوير اللحظة بهواتفهم.

موظفوون في فندق «واشنطن هيلتون» لجأوا إلى مدخل خلفي بعدإطلاق النار مساء السبت (أ.ف.ب)

كان المشهد مرعباً وغير واقعي في الوقت نفسه؛ كأن الجميع أصبح جزءاً من فيلم إثارة، لكن الرصاص حقيقي والخوف حقيقي. شوهد رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، يركض مسرعاً نحو باب الخروج، وستيفن ميلر يحاول الخروج وهو يختبئ خلف زوجته الحامل، محاولاً حمايتها بجسده. في لحظة مؤثرة، شاهدت «الشرق الأوسط» أيضاً إريكا، أرملة الناشط اليميني تشارلي كيرك، منهارة تماماً تبكي بحرقة. اقترب منها كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي»، وأخذها إلى أحد الممرات الجانبية في الفندق، يحاول تهدئتها بلطف وهو يمسك بيدها.

الشرطة تحاول إبعاد الجمهور عن فندق «واشنطن هيلتون» بعد إطلاق نار خارج قاعة الاحتفالات مساء السبت (إ.ب.أ)

تم إجلاء الجميع من القاعة والفندق بسرعة. خرجوا إلى الشارع، وجلسوا ساعات طويلة خارج الفندق وسط طوق أمني محكم. حاصرت سيارات الشرطة والإسعاف كل الشوارع المحيطة، وكانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق الرؤوس في دوائر مستمرة، تخترق صمت الليل بصوت محركاتها. كان الجو بارداً ومشحوناً بالتوتر؛ صحافيون يتحدثون بهمس، بعضهم يحاول الاتصال بزملائه أو عائلاته، وآخرون يدونون ملاحظاتهم، أو يبثون مباشرة عبر الهواتف، ولم يتمكن أحد من العودة إلى الفندق تلك الليلة. استمر تحليق طائرات الهليكوبتر والتوتر، ثم أُعلن لاحقاً أن شخصاً مسلحاً حاول اقتحام نقطة تفتيش، وتمت السيطرة عليه. لم يُصب الرئيس ترمب ولا السيدة الأولى ولا أي من كبار المسؤولين بأذى. كانت تلك الليلة تذكيراً قاسياً بأن الواقع السياسي في واشنطن يمكن أن يتحول في ثوانٍ إلى دراما إنسانية مكثفة. بين الترقب لخطاب رئاسي محتمل ينتقد «الإعلام المزيف»، وبين صوت الرصاص والإجلاء السريع، تجلت هشاشة الأمان حتى في أكثر المناسبات رسمية.