بوتين يستعد لحرب طويلة بتعزيز جبهته الداخلية

رمز التطوير ومواجهة العقوبات لوزارة الدفاع... وشويغو بصلاحيات جديدة في دائرة الرئيس المقربة

الرئيس فلاديمير بوتين مع وزير الدفاع سيرغي شويغو (أرشيفية- إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين مع وزير الدفاع سيرغي شويغو (أرشيفية- إ.ب.أ)
TT

بوتين يستعد لحرب طويلة بتعزيز جبهته الداخلية

الرئيس فلاديمير بوتين مع وزير الدفاع سيرغي شويغو (أرشيفية- إ.ب.أ)
الرئيس فلاديمير بوتين مع وزير الدفاع سيرغي شويغو (أرشيفية- إ.ب.أ)

مساء الأحد، أشعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرجل التكهنات بقرار إقالة وزير الدفاع، سيرغي شويغو، من منصبه، ونقله إلى مجلس الأمن القومي، في خطوة بدت للوهلة الأولى كأنها تضع على الرف أحد أبرز رموز السلطة الروسية، ورفيق درب بوتين منذ توليه الرئاسة للمرة الأولى قبل ربع قرن، فضلاً عن كونه الصديق المقرب له، ورفيق رحلات الصيد وجولات «السفاري».

كان من الطبيعي أن تنشغل وسائل الإعلام الكبرى بهذا الحدث، وتضعه بين أبرز عناوينها.

لكن مصير شويغو على رأس وزارة الدفاع كان مثار تساؤلات كثيرة على الصعيد الداخلي، منذ وقت طويل. وخصوصاً منذ «معركة» التمرد التي قادها يفغيني بريغوجين، زعيم مجموعة «فاغنر» منتصف العام الماضي، وبررها بشكل مباشر بخلاف مع الوزير، وكال ضده اتهامات بالفساد. صحيح أن بوتين انحاز إلى رفيقه المقرب في النهاية؛ لكن الصراع القوي الذي نشب بين الرجلين، وتسبب في أسوأ استحقاق داخلي يواجهه بوتين منذ سنوات طويلة، لم يكن ليمر من دون إجراء مراجعة ووضع استنتاجات.

الرئيس فلاديمير بوتين يصب الشاي لوزير الطوارئ في كوخ ريفي يوم 13 أغسطس 2007 (أ.ف.ب)

ضرورات التغيير

وليست مشكلة «فاغنر» الاستحقاق الوحيد الذي فتح ملف ضرورة التغيير في قيادة الوزارة. فقبل أسابيع انفجرت فضيحة جديدة تتعلق بالفساد في وزارة الدفاع، واتضح أن نائب الوزير تيمور إيفانوف، المسؤول عن جوانب حساسة تتعلق بالتصنيع العسكري وحجوزات الجيش، غارق في قضايا اختلاس ورشوات. كان هذا ثاني جرس قوي يُقرع للتنبيه إلى وضع المؤسسة العسكرية، وضرورة إجراء إصلاحات جدية فيها.

كانت التساؤلات تدور حول الآلية التي سيستخدمها الرئيس لمواجهة الموقف، من دون أن يُقدم على خطوات حادة، يبدو معها وكأنه خضع لمطالب التخلي عن أحد أركان فريقه المقرب.

وزير الدفاع سيرغي شويغو يتحدث مع رئيس الأركان فاليري غيراسيموف (أرشيفية- أ.ب)

لذلك، تم إجراء بعض المناقلات في وزارة الدفاع في وقت سابق؛ لكن تم تأجيل اتخاذ قرارات كبرى تخص رأس المؤسسة العسكرية حتى توفرت «شروط طبيعية» لذلك. أي بعد الانتخابات الرئاسية، وتولي بوتين مهامه رسمياً، ما يتطلب -وفقاً للدستور الروسي- إعادة هيكلة التشكيلة الحكومية.

العنوان الرئيس الذي لفت الأنظار في التشكيلة الوزارية الجديدة، لا يقف عند إقالة شويغو من منصبه؛ بل يتخذ أهميته الكبرى في تعيين أندريه بيلوسوف مكانه، وهو تكنوقراطي وخبير اقتصادي بارز، مع المحافظة في الوقت ذاته على الهيكل القيادي العسكري للوزارة من دون هزات كبرى.

وزير الدفاع سيرغي شويغو خلال عرض عسكري بمناسبة «يوم النصر» في موسكو (أرشيفية- إ.ب.أ)

داخلياً، على صعيد عمل الوزارة والجهد الحربي الموجه إلى المعركة الرئيسية في أوكرانيا، لا تغييرات كبرى. بدليل أن رئيس الأركان فاليري غيراسيموف حافظ على منصبه. وهو الرجل الذي كان طرفاً مباشراً في معركة بريغوجين. وكان مثل شويغو متهماً بتقليص الدعم المالي والعسكري لعناصر «فاغنر». لكن الفارق أن رئيس الأركان لم يخض معركة مفتوحة. و«غاب عن الأنظار» أشهراً. حتى انتشرت تكهنات بأنه أقيل من منصبه، وخضع لسجن منزلي، عقاباً على أن موقفه «لم يكن حاسماً» في تلك الظروف، ليتضح لاحقاً أن تلك كانت جزءاً من آليات إدارة الأزمة.

وأكد الكرملين، الأحد، أن رئيس الأركان سوف يواصل إدارة المعركة في أوكرانيا، وأن التعديلات التي طرأت لن تؤثر مباشرة على سير العمليات؛ كونها تخضع لسلطة وإشراف رئيس الأركان.

أندريه بيلوسوف وزير الدفاع الجديد خلال اجتماع حكومي في الكرملين (أرشيفية- رويترز)

حُسم الموضوع إذن. سوف يحافظ غيراسيموف على موقعه، في المرحلة الأولى على الأقل، بعد تسلُّم الوزير الجديد منصبه، واطلاعه عن كثب على أحوال الوزارة.

ليبقى السؤال عن هوية وزير الدفاع المكلف وأسباب تعيينه.

من هو أندريه بيلوسوف؟

يمكن القول باختصار إنه مهندس سياسات التطوير ومواجهة العقوبات، والمخطط الأبرز للسياسات الاقتصادية. عمل سنوات عديدة في وزارة التنمية الاقتصادية، ومن 2013 إلى 2020 كان يحمل صفة مساعد الرئيس للشؤون الاقتصادية. وفي عام 2020 دخل حكومة ميخائيل ميشوستين برتبة نائب أول لرئيس الوزراء، وقد بدأ عمله الفعلي في هذا المنصب في النصف الأول من مايو (أيار) 2020، عندما شغل منصب رئيس الوزراء بالنيابة، بينما كان ميشوستين يخضع للعلاج من فيروس «كورونا».

يُعد حالياً أبرز واضعي السياسات الاقتصادية، فقد تولى رسم ملامح أسس التحول الهيكلي للاقتصاد، بعد صدمتَي «كوفيد» ورُزم العقوبات غير المسبوقة بعد ذلك.

تعامل مع مشكلات السوق وعدَّل التدابير لدعم الشركات الروسية في ظروف الحصار. وساهم في تحسين مناخ الاستثمار، وتقليص تداعيات العقوبات؛ خصوصاً من خلال برامج أطلقها بشأن حماية وتشجيع الاستثمار في الظروف الراهنة، بما في ذلك على صعيد الضرائب والرسوم الجمركية وتعويض أضرار البُنى التحتية.

الرئيس فلاديمير بوتين مع النائب الأول لرئيس الوزراء أندريه بيلوسوف في الكرملين يوم 7 نوفمبر 2023 (أ.ب)

يُعد بيلوسوف أيضاً مطلق مشاريع تعديل مسار سلاسل التوريد. وقد ساهم في «طرح» الهيكل اللوجستي الجديد، وبناء ممرات نقل لإعادة توجيه التجارة الخارجية لروسيا ومنها، وآليات التعامل مع أسواق جديدة.

أيضاً، يحظى بثقة بوتين بشكل كامل. ويُعد من الأشخاص القليلين الذين يدخلون في أي وقت مكتب الرئيس، حاملاً ورقة أو أوراقاً للاطلاع، أو لوضع توقيع عاجل عليها.

هذا هو بالضبط نوع الشخص الذي يحتاجه بوتين في ظروف البلاد الراهنة، على رأس وزارة الدفاع.

اقتصادي على رأس وزارة الدفاع

تكمن أهمية تعيين بيلوسوف في هذا المنصب، في ضرورة التعامل مع متطلبات تسخير موارد الدولة في خدمة الجبهة، وفي الوقت ذاته عدم إهمال القطاعات الأخرى التي تؤثر بشكل مباشر على الجبهة الداخلية.

تستثمر الدولة الروسية حالياً موارد هائلة في الصناعة العسكرية، وفي بعض قطاعات الصناعة المدنية المرتبطة بها، والضرورية للغاية لسد الفجوات الحاصلة بسبب العقوبات. ومن الطبيعي أن تتمثل الاستراتيجية العسكرية للسلطات الروسية في تقليل الخسائر على كل المستويات. ولهذا يجب إيلاء أقصى قدر من الاهتمام للخدمات اللوجستية، مع المحافظة على أعلى درجة ممكنة من الشفافية وتقليص مخاطر الفساد في الظروف الراهنة. وهو أمر برع فيه بيلوسوف.

يقول خبراء إن التكليف أشبه بعملية «إعادة تشغيل» السلطة التنفيذية برُمتها.

وقد يكون تعليق الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الأكثر وضوحاً ودقة، عندما قال: «في ساحة المعركة، الفائز الآن هو الطرف الأكثر انفتاحاً على الابتكار، والتنفيذ الأكثر كفاءة».

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ما زال يحظى برضا كامل من بوتين (رويترز)

لشرح هذه الفكرة، قال بيسكوف: «موازنة وزارة الدفاع والكتلة الأمنية كانت في الآونة الأخيرة بحدود 3 في المائة، ثم ارتفعت إلى 3.4 في المائة. وفي الآونة الأخيرة وصلت إلى 6.7 في المائة. وليس خافياً أن وزارة الدفاع مسؤولة عن تقديم جميع الطلبات إلى الصناعة. وهذا ليس رقماً حاسماً بعد، فهو ماضٍ باتجاه تصاعدي (...) لأسباب جيوسياسية معروفة، نحن نقترب تدريجياً من الوضع الذي كان عليه في منتصف ثمانينات القرن الماضي، عندما كانت حصة الإنفاق على الكتلة الأمنية العسكرية أكثر من 7 في المائة. هذا مهم للغاية، ويتطلب موقفاً خاصاً لجهة ضرورات الدمج بين متطلبات اقتصاد كتلة القطاع العسكري مع الاقتصاد الكلي للبلاد».

إذن، مهمة بيلوسوف، بوصفه شخصاً ذا رؤية استراتيجية ومتخصصاً في مجال الاقتصاد، هي بناء أساس اقتصادي وبنية تحتية للجيش للقتال، ولكن على المستوى التكنولوجي المناسب. مع إحلال نظم جديدة توازن بين المتطلبات العسكرية في المرحلة الراهنة لخدمة الجبهة، وبين حاجات القطاعات الاقتصادية والصناعية في البلاد.

شويغو بات أقرب

لا يُعد تعيين شويغو سكرتيراً لمجلس الأمن القومي تغييباً له، أو بمثابة وضعه على الرف؛ على الرغم من أن المنصب فعلاً يفترض ذلك، كونه منصباً وظيفياً إدارياً لا صلاحيات له، إلا ما يكلف بها رئيس المجلس (بوتين) أو نائبه (ديمتري مدفيديف)؛ لكن هذه الحال لن تنسحب على شويغو في موقعه الجديد.

يفترض منصب سكرتير مجلس الأمن أن يكون صاحبه قادراً على الوصول المباشر للرئيس في أي وقت، وهو أمر لا يحصل عليه أي وزير؛ لكن هذا ليس الأهم في حالة شويغو الذي كان أصلاً مقرباً جداً لبوتين.

الأهم هنا أنه مع التعيين تم إحداث تعديل لافت في الصلاحيات.

ويحمل شويغو -وفقاً للمرسوم الرئاسي- مع صلاحيات منصبه الجديد صفة نائب رئيس اللجنة الصناعية العسكرية. وهو المنصب الذي شغله حتى الآن مدفيديف بصفته نائباً لرئيس مجلس الأمن القومي؛ علماً بأن رئيس اللجنة هو بوتين نفسه. أيضاً كُلف شويغو في منصبه الجديد برئاسة «هيئة التعاون التقني العسكري مع البلدان الأجنبية».

أي أن شويغو في منصبه الجديد، غدا الذراع اليمنى لبوتين في شؤون الصناعة العسكرية وإدارة المجمع الصناعي في البلاد، فضلاً عن كونه المشرف على تطوير التعاون في هذا المجال خارجياً (مع البلدان الأجنبية) وداخلياً لأنه يتولى إدارة الحجوزات التي يقدمها الجيش إلى المؤسسات الصناعية.

اللافت هنا، أن لجنة الصناعات العسكرية كانت حتى وقت قريب تحت إشراف وزارة الدفاع، وتم نقل إدارتها أخيراً إلى الكرملين، وتولى بوتين شخصياً رئاستها؛ ما يُظهر أن التعيينات الحالية تمت خياطتها بدقة تمهيداً للحظة الإعلان رسمياً عنها.

لافروف باقٍ في منصبه

في مقابل التعديلات المهمة في القطاع العسكري، لم تحمل قرارات بوتين في التشكيلة الوزارية مناقلات قد تبدل مسار عمل الحكومة السابق. على صعيد السياسة الخارجية يحظى الوزير سيرغي لافروف برضا كامل، والسياسات التي قادها خلال الفترة الماضية حققت نتائج مهمة في صد محاولات عزل روسيا، وفي تعزيز أوراقها في الملفات الخارجية المختلفة.

وحافظ ألكسندر كورينكوف على منصبه وزيراً للطوارئ، كما احتفظ سيرغي ناريشكين وألكسندر بورتنيكوف بمنصبيهما رئيسين لجهاز المخابرات الخارجية وجهاز الأمن الفيدرالي؛ وفيكتور زولوتوف مديراً للخدمة الفيدرالية لقوات الحرس الوطني. وكذلك فلاديمير كولوكولتسيف سوف يواصل عمله في وزارة الداخلية، بعدما حقق إنجازات مهمة خلال الفترة الماضية، وأطلق عملية واسعة لتطبيق رؤية الكرملين في منح الجنسية الروسية لسكان لوغانسك ودونيتسك ومنطقتي زابوريجيا وخيرسون. ووفقاً لبيانات، فقد حصل 3.2 مليون شخص على الجنسية الروسية في هذه المناطق خلال العام الأخير.

بهذا المعنى، فإن السلطتين السياسية والأمنية لم تشهدا تغييرات، بينما اتجه الجهد لتعزيز القطاع العسكري، ووضع الأسس كما يقول خبراء لصمود أكبر، وتوفير مقومات تحقيق اختراقات أوسع في الحرب التي بات ينظر إليها أكثر من السابق، بأنها ستكون طويلة وأكثر استنزافاً لموارد روسيا.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
TT

هجوم مسيّرة على قاعدة بريطانية يدفع قبرص للمطالبة بإعادة النظر في اتفاق مع لندن

طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)
طائرة من طراز «يو-2» تحلق بعد إقلاعها من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص 7 مارس 2026 (رويترز)

عندما أصابت طائرة مسيّرة من طراز «شاهد» إيرانية الصنع هنغاراً في قاعدة جوية بريطانية على الساحل الجنوبي لقبرص بعد دقائق من منتصف ليل 2 مارس (آذار)، كانت صفارات الإنذار قد دوّت بالفعل داخل القاعدة لتحذير الأفراد بضرورة الاحتماء.

لكن البريطانيين لم يُبلّغوا الحكومة القبرصية، وهو ما دفع الدولة الجزيرة في شرق المتوسط إلى المطالبة بإعادة تقييم وضع القاعدتين البريطانيتين على أراضيها في أكروتيري وديكيليا، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وكانت السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس دراغون» تتجه، يوم الثلاثاء، نحو المياه قبالة قبرص لتوفير حماية إضافية من أي هجوم محتمل.

«نحتاج إلى فتح هذا النقاش»

في الأول من مارس، قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إنه سيُسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية «لغرض دفاعي محدد ومحدود» يتمثل في ضرب مواقع تخزين الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد أثار هذا الإعلان قلق السلطات القبرصية؛ إذ بدا متناقضاً مع تأكيدات بريطانية سابقة بعدم استخدام القواعد في الجزيرة. ولاحقاً، أوضح مسؤولون بريطانيون أن القواعد المقصودة تقع في إنجلترا والمحيط الهندي، وليس في قبرص.

وفي مساء اليوم التالي، وحسب مسؤولين قبرصيين رفيعين تحدثا لوكالة «أسوشييتد برس» بشرط عدم الكشف عن هويتهما لعدم تخويلهما بالتصريح علناً، لم تُصدر السلطات البريطانية أي تحذير للحكومة القبرصية بشأن طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو قاعدة سلاح الجو الملكي في أكروتيري، ولا بشأن احتمال تعرّض قرية قريبة يسكنها ألف شخص للخطر.

ودفع هذا التطور الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليديس إلى الدعوة لإجراء «نقاش صريح ومفتوح» مع الحكومة البريطانية حول مستقبل القواعد.

وقال خريستودوليديس خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل في 20 مارس: «لن أتفاوض علناً، ولن أطرح طلبي على الملأ، لكننا بحاجة إلى فتح هذا النقاش. إن القواعد البريطانية في قبرص هي نتيجة من نتائج الحقبة الاستعمارية».

من جهته، قال مكتب ستارمر في بيان إنه تحدث مع خريستودوليديس خلال عطلة نهاية الأسبوع ليؤكد له أن «أمن قبرص يمثل أولوية قصوى للمملكة المتحدة كشريكين وأصدقاء مقربين». كما قيل إن ستارمر شدد مجدداً على أن قاعدة أكروتيري لن تُستخدم في أي ضربات أميركية ضد إيران.

بقايا الحكم الاستعماري

نالت قبرص استقلالها عن الحكم البريطاني في أغسطس (آب) 1960 بعد حملة تمرد استمرت أربع سنوات، لكن ذلك جاء بثمن تمثل في احتفاظ بريطانيا بقاعدتين تمتدان على مساحة 99 ميلاً مربعاً (256 كيلومتراً مربعاً).

ويكرّس دستور قبرص وجود هاتين القاعدتين، اللتين تتمتعان بقوة شرطة ومحاكم خاصة بهما، وتُعدان من الناحية القانونية الصارمة أراضي استعمارية بريطانية، وفقاً لكوستاس كليريديس، المدعي العام السابق للجزيرة.

وبعد نحو 66 عاماً، لا يزال كثير من القبارصة - ومن بينهم خريستودوليديس - ينظرون إلى القواعد باعتبارها تذكيراً بماضيهم الاستعماري. ويعيش نحو 10 آلاف مواطن قبرصي داخل أراضي القواعد ويخضعون لسلطتها.

وقد طُرحت سابقاً دعوات لإلغاء القواعد، لا سيما عندما تُستخدم في عمليات عسكرية بالمنطقة، لكن الاحتجاجات السلمية ضد استمرار وجودها أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.

دور متوسع

ورغم أن إنشاء القواعد كان يهدف أساساً إلى مراقبة حركة الملاحة عبر قناة السويس وتأمين تدفق النفط من الشرق الأوسط، فإن دورها توسّع كثيراً.

فلا تزال قاعدة أكروتيري تضم طائرة التجسس الشهيرة «يو-2» التي تنفذ رحلات استطلاع على ارتفاعات عالية فوق الشرق الأوسط. كما شكّلت مركزاً لوجيستياً رئيسياً للعمليات الأميركية في العراق عام 2003، واستُخدمت لاحقاً في الحملة ضد تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. وتضم القواعد أيضاً محطة تنصّت على قمة جبل لمراقبة الاتصالات في الشرق الأوسط وخارجه.

وقالت حكومات قبرص المتعاقبة إن بريطانيا ستبلّغ السلطات بأي عمل عسكري ينطلق من القواعد، لكن يُفهم هذا الالتزام باعتباره إجراءً بروتوكولياً أكثر منه إلزاماً قانونياً.

وقال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أمام البرلمان، يوم الاثنين: «نؤدي دوراً قيادياً، بالتعاون مع جمهورية قبرص، في تنسيق القدرات المتزايدة في شرق المتوسط، لضمان بقاء هذه القاعدة السيادية محمية قدر الإمكان في ظل الظروف الراهنة وفي مواجهة التهديد الإيراني».


رئيس ألمانيا يعتبر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ويصفها بـ«الكارثية»

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
TT

رئيس ألمانيا يعتبر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ويصفها بـ«الكارثية»

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)
رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير يلقي كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)

في انتقاد صريح غير معتاد لسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخارجية، التي وصفها بأنها تمثل شرخاً في علاقات برلين مع أكبر حليف لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتبر رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران انتهاكاً للقانون الدولي ووصفها بالكارثية. وتحدث الرئيس شتاينماير الثلاثاء عن «خلاف عميق» مع واشنطن، واصفاً الحرب على إيران بأنها «خطأ كارثي» ينتهك القانون الدولي.

وفي هجوم لفظي لاذع، اتخذ شتاينماير موقفاً ‌أكثر انتقاداً بكثير من ‌المستشار فريدريش ميرتس، ‌الذي ⁠تجنب الرد على أسئلة ⁠حول شرعية الحرب. وانتقد ميرتس بشدة القيادة الإيرانية وأيّد العديد من الأهداف الرئيسية للحرب الأميركية الإسرائيلية، لكنه قال إنه لو تم التشاور مع برلين مسبقاً، «لكانت نصحت بعدم شنّ الحرب».

ويتيح منصب شتاينماير الشرفي بشكل كبير التحدث بحرية أكبر من السياسيين. وقال شتاينماير في كلمة ألقاها في وزارة الخارجية: «سياستنا الخارجية لن تصبح أكثر إقناعاً فقط بسبب ⁠امتناعنا عن وصف انتهاك للقانون الدولي ‌بأنه انتهاك ‌للقانون الدولي».

الذكرى الخامسة والسبعون لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية (إ.ب.أ)

ووصف شتاينماير الحرب بأنها ‌غير ضرورية و«خطأ كارثي سياسي»، وقال إن ولاية ترمب الثانية مثّلت ⁠شرخاً ⁠في العلاقات الخارجية الألمانية لا يقل عن ذلك الشرخ الذي أحدثه غزو روسيا لأوكرانيا.

وقال شتاينماير، كما نقلت عنه عدة وكالات أنباء عالمية: «أعتقد أنه لن يكون هناك عودة للعلاقات مع روسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل 24 فبراير (شباط) 2022، وأعتقد أيضاً أنه لن يكون هناك عودة للعلاقات عبر الأطلسي إلى ما كانت عليه قبل 20 يناير (كانون الثاني) 2025»، أي عندما تسلم ترمب ولايته الثانية.

وأضاف، خلال فعالية بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس وزارة الخارجية الألمانية: «الخلاف عميق للغاية، وقد فُقدت الثقة في السياسة الأميركية، ليس فقط بين حلفائنا، بل في جميع أنحاء العالم».

رئيس ألمانيا فرانك - فالتر شتاينماير مع وزير الخارجية وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول الثلاثاء 24 مارس (إ.ب.أ)

ورغم أن منصب شتاينماير فخري إلى حد كبير، فإن لكلماته وزناً كبيراً في ألمانيا التي لم تُدن الحرب على إيران رسمياً. وقال شتاينماير، وزير الخارجية السابق: «لا تصبح سياستنا الخارجية أكثر إقناعاً لمجرد أننا لا نعتبر انتهاك القانون الدولي انتهاكاً له».

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الثلاثاء، إنه يعتقد أن إعلان ترمب عن إجراء محادثات مع إيران ربما يمثل نقطة تحول في الصراع الدائر منذ نحو شهر. وقال فاديفول لهيئة ‌البث الإقليمية «‌إم دي آر»: «هناك شيء ما يحدث، ‌وهذا ⁠أمر جيد في ⁠الفترة الراهنة التي تزيد فيها مخاطر التصعيد عن فرص احتواء هذا الصراع».

وعبّر فاديفول عن اعتقاده بأن ترمب أجرى محادثات ‌جادة مع إيران؛ لأنه «لولا ذلك لما قال ذلك ⁠بهذه ⁠الطريقة»، ولما كان سيؤجل هجومه الذي هدد به على محطات الطاقة الإيرانية.

وقال: «إنها بداية هشة، لكنها تمثل بداية على أي حال». وأضاف: «علينا جميعاً أن نسعى جاهدين لضمان ازدهار هذا التقدم وأن تكون هناك طريقة للسيطرة على هذا الصراع».

ودعا شتاينماير إلى مزيد من التباعد عن إدارة ترمب في الولايات المتحدة، وإلى التمسك الواضح بالقانون الدولي، وقال: «يجب أن نكون عمليين في التعامل مع هذه الإدارة الأميركية، وأن نركز على مصالحنا الأساسية... لكن الواقعية تعني أيضاً ألا ننحني».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس في البيت الأبيض (أ.ب)

وشدد شتاينماير على أن السياسة الخارجية يجب أن تصبح أكثر براغماتية وفاعلية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن «هذا لا يعني تجاهل القانون الدولي»، وأضاف وسط تصفيق الحضور: «لن تصبح سياستنا الخارجية أكثر إقناعاً إذا لم نسم انتهاك القانون الدولي باسمه... القانون الدولي ليس قفازاً قديماً يمكننا خلعه عندما يفعل الآخرون ذلك... بل هو أمر حيوي لبقاء كل من لا ينتمي إلى القوى الكبرى».

وأضاف أن لدى «الحكومة الأميركية رؤية عالمية مختلفة عن رؤيتنا، رؤية لا تُراعي القواعد الراسخة، ولا الشراكة، ولا الثقة التي بُنيت بشق الأنفس. لا يمكننا تغيير ذلك، بل علينا التعامل معه. لكن هذه هي قناعتي: ليس لدينا أي سبب يدفعنا إلى تبني هذه النظرة للعالم».

هاجم فولكر بيك، رئيس الجمعية الألمانية الإسرائيلية، تصريحات شتاينماير ووصفها بأنها «غير لائقة على الإطلاق». وقال إن النظام الإيراني «يهدد إسرائيل ويشن حرباً على وجودها منذ سنوات»، متهماً شتاينماير بـ«التغاضي عن هذه المخاطر».

هذه ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها الرئيس الألماني الولايات المتحدة. ففي يناير، بعد وقت قصير من التدخل واعتقال الرئيس في فنزويلا، تحدث شتاينماير عن «انهيار القيم» في الولايات المتحدة، مؤكداً أنه لا ينبغي السماح للعالم بأن يتحول إلى «وكر للصوص».

وفي هذا السياق، قال فابيان ماندو، رئيس أركان الجيش الفرنسي، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، وهو أمر ينعكس على مصالح فرنسا وأمنها.

وأضاف ماندو في منتدى للأمن والدفاع في باريس: «فاجأنا حليفنا الأميركي، الذي لا يزال حليفاً، لكنه أصبح غير قابل للتوقع ‌على نحو متزايد، ولا ‌يكلف نفسه إخطارنا ‌عندما ⁠يقرر شن عمليات ⁠عسكرية». وتابع: «هذا يؤثر على أمننا ومصالحنا».

المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

فرنسا والولايات المتحدة حليفتان وثيقتان في حلف شمال الأطلسي، إلا أن الاستياء يتزايد في باريس على خلفية قرار واشنطن بشن حربها على ⁠إيران في الشرق الأوسط، وذلك ‌بعد ‌أن أغضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحلفاء الأوروبيين ‌من قبل بطموحاته المتعلقة بغرينلاند. وانتقد ‌ترمب حلفاءه لعدم رغبتهم في المشاركة في عمليات تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي يمر ‌عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

ميرتس يغادر مؤتمراً صحافياً على هامش القمة الأوروبية ببروكسل يوم 20 مارس (أ.ب)

قال ماندو: «تدخلنا في أفغانستان بناء على طلب الأميركيين، الذين استندوا إلى المادة الخامسة من ميثاق الحلف، ثم اختاروا الانسحاب دون أن يطلعونا على ذلك». وأضاف: «والآن يقررون التدخل في الشرق الأوسط دون إخطارنا. ومع ذلك، يبقى ما يهم القوات المسلحة الفرنسية هو إيجاد السبل لحماية المواطنين الفرنسيين الذين يمرون عبر المنطقة».

من جانب آخر، تعزز ألمانيا وجودها البحري في شمال الأطلسي لتخفيف العبء عن حلفائها. وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، على هامش زيارته لسنغافورة الثلاثاء، إن الفرقاطة الألمانية «سكسونيا» ستتولى مهام سفينة القيادة ضمن مجموعة المهام الدائمة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وذلك بعد أن قررت بريطانيا نقل المدمرة «إتش إم إس دراجون» إلى البحر المتوسط، مضيفاً أنه ناقش هذا الأمر مع نظيره البريطاني جون هيلي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)

كما ستقوم البحرية الألمانية، وفقاً لبياناتها، بنقل فرقاطة أخرى، وهي «براندنبورج»، إلى شمال الأطلسي. ويعد ذلك رداً على أنشطة عسكرية روسية في شمال الأطلسي، دون صدور بيانات رسمية بذلك.

وكانت بريطانيا قد نقلت المدمرة «إتش إم إس دراجون» إلى شرق البحر المتوسط بسبب الأوضاع في ظل الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد إيران. وبعد الهجوم بطائرة مسيرة على قاعدة بريطانية في قبرص، عززت بريطانيا وفرنسا - العضوتان في الناتو - وجودهما في المنطقة. وقد وصلت المدمرة البريطانية بالفعل إلى تلك المنطقة البحرية.


احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
TT

احتجاز شخصين يشتبه أنهما يتجسسان لصالح روسيا في ألمانيا وإسبانيا

شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)
شرطي يظهر في مبنى جديد للركاب بمطار فرانكفورت الألماني (د.ب.أ)

أعلن مكتب المدعي العام الاتحادي في ألمانيا احتجاز شخصين في إسبانيا وغرب ألمانيا للاشتباه في أنهما يتجسسان لصالح الاستخبارات الروسية.

وأفادت أعلى سلطة ادعاء في ألمانيا بوقوع رجل أعمال ألماني، يعمل في توريد الطائرات المسيّرة وقطع غيارها إلى أوكرانيا، في مرمى استهداف جواسيس يشتبه في عملهم لصالح روسيا. وحسب المكتب، تم اعتقال امرأة رومانية تبلغ من العمر 45 عاماً في مدينة راينه بولاية شمال الراين - ويستفاليا، بالإضافة إلى اعتقال أوكراني يبلغ من العمر 43 عاماً في مدينة إيلدا الإسبانية.

وتتهم السلطات الألمانية هذين الشخصين بالتجسس على الشخص المستهدف بتكليف من جهاز استخبارات روسي. ووجه الادعاء العام الاتحادي لكليهما تهمة ممارسة أنشطة استخباراتية. ويشارك في التحقيقات الجارية فرع مكتب التحقيقات الجنائية في ولاية بافاريا، والمكتب الاتحادي لحماية الدستور (الاستخبارات الداخلية).

وذكر بيان المكتب أن المتهم الأوكراني بدأ بالتجسس على الرجل المستهدف اعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2025، وأنه «جمع لهذا الغرض معلومات عبر الإنترنت وسجل مقاطع فيديو لمكان عمل الشخص المستهدف».

وعقب انتقاله إلى إسبانيا، تولت المتهمة الرومانية تنفيذ المهمة بدلاً منه اعتباراً من مارس (آذار) 2026 على أبعد تقدير، حيث قامت بزيارة العنوان الخاص للرجل المستهدف وتصويره بهاتفها المحمول. وأوضح الادعاء العام أن «عمليات التجسس كانت تهدف على الأرجح إلى التحضير لعمليات استخباراتية إضافية ضد الشخص المستهدف».

وفقاً للادعاء العام الاتحادي، يواجه كلاهما شبهات قوية بالعمل لصالح جهاز استخبارات خارجي. ومن المقرر مثول المرأة الرومانية، غداً الأربعاء، أمام قاضي التحقيق في المحكمة الاتحادية العليا للبت في إيداعها الحبس الاحتياطي، بينما لا يزال يتعين تسليم المتهم الأوكراني المعتقل في إسبانيا إلى ألمانيا.

يُذكر أن الادعاء العام أمر سابقاً باعتقال العديد من الجواسيس المشتبه في عملهم لصالح روسيا، كما تجري حالياً عدة محاكمات في هذا الصدد.

ويرى المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن التهديدات المتمثلة في أعمال التجسس والتخريب والتضليل «الروسية» تفاقمت بشكل ملحوظ منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا؛ مشيراً إلى أن هذه التهديدات عبارة عن مزيج من جهات حكومية وأخرى مدعومة من الدولة إضافة إلى أطراف خاصة.

ويرصد جهاز حماية الدستور استراتيجية روسية جديدة تعتمد على تجنيد أشخاص من أوساط «المجرمين الصغار» لتنفيذ عمليات تجسس أو تخريب مقابل مبالغ مالية. وتعزو الأجهزة الأمنية الألمانية هذا التوجه إلى أن العمليات الاستخباراتية التقليدية التي ينفذها جواسيس محترفون أصبحت أكثر صعوبة نتيجة العقوبات وزيادة يقظة الأجهزة الغربية.