قليل من الأوروبيين سمعوا بـ«مثلث فيمار»، والأقل منهم يعرفون وظيفته، رغم أن هذا «المثلث» الذي يضم ألمانيا وفرنسا وبولندا، قد رأى النور في عام 1991 بمبادرة من وزير الخارجية الألماني الأسبق هانس ديتريش غينشر. وسمي كذلك لأن المدينة الألمانية التاريخية «فيمار» الواقعة في مقاطعة «تورنغ» (وسط البلاد)، استضافت أول اجتماع لوزراء خارجية الدول الثلاث لغرض تعزيز التنسيق بينها وإلحاق بولندا، الخارجة حديثاً من وصاية حلف وارسو بعد انهياره، بالعربة الأوروبية.

ومنذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، قبل عامين، تكاثرت اجتماعات «المثلث» المذكور على كل المستويات. ويعود آخر اجتماع لقادة الدول الثلاث إلى يونيو (حزيران) الماضي في باريس. وبالطبع كان الملف الوحيد موضع التشاور، تطورات الحرب الأوكرانية واستعدادات قوات كييف لإطلاق هجومها الصيفي الذي عول عليه الغربيون كثيراً، لإحداث تغيير فعلي في مسار المعارك.

بيد أن اجتماع برلين الجمعة الذي يضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولتس ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، يأتي في سياق مختلف. وتشير مصادر دبلوماسية في باريس إلى ثلاثة عوامل رئيسية تدفع كلها باتجاه عدّ القمة «مهمة لا بل استثنائية».
أول هذه العوامل الحاجة إلى تخطي الخلافات بين باريس وبرلين التي تراكمت في الأسابيع الأخيرة، وكلها تتناول كيفية التعامل مع الحرب الأوكرانية، والطريقة المثلى لتوفير الدعم لكييف. فبرلين تنظر بعين الريبة إلى محاولات ماكرون طرح نفسه «زعيماً» للمعسكر الأوروبي الداعي إلى توفير الدعم «غير المحدود» إلى أوكرانيا، بما في ذلك إرسال قوات أوروبية إلى الأراضي الأوكرانية.

ولاقى مقترح ماكرون الذي عبّر عنه ليل 26 فبراير (شباط) الماضي عقب قمة استضافها قصر الإليزيه، وكان غرضها تحديداً تنسيق الدعم الأوروبي لكييف واستكشاف الوسائل والمجالات، الجدية لذلك. ثم فاقم ماكرون الخلاف مع شولتس بقوله، بمناسبة زيارته لبراغ، إنه يتعين على الأوروبيين «ألا يكونوا جبناء»، في إشارة خفية إلى رفض شولتس القاطع، حتى اليوم، الاستجابة لطلب الرئيس الأوكراني الحصول على صواريخ «تاوروس» الألمانية بعيدة المدى.
وتأخذ برلين على ماكرون ضعف الدعم الفرنسي لأوكرانيا، مقارنة بالمساعدات العسكرية الألمانية التي تجاور الـ18 مليار يورو، حيث تحل ألمانيا في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، فيما باريس متأخرة كثيراً عنها. وبالتوازي، ترفض ألمانيا وضعها أمام «حائط» مقترحات ماكرون من غير التشاور المسبق معها، وما تراه من محاولاته الالتفاف عليها من خلال توثيق علاقاته ببلدان شرق أوروبا.

وفي الأيام القليلة الماضية، سعى الطرفان لخفض حدة الخلافات، إذ قامت وزيرتا الداخلية والخارجية الألمانيتان (نانسي فيزر وأنالينا بيربوك) بزيارة باريس تباعا. والأربعاء، لم يتردد شولتس، بمناسبة مؤتمر صحافي، في وصف علاقاته بماكرون بأنها «ودية للغاية»، مضيفا أن هناك «فهماً مشتركاً جيداً بعضنا لبعض، وهذا يساعد أيضاً في كل ما يتعين علينا القيام به».
لكنّه جدّد الأربعاء، خلال نقاش في البوندستاغ، رفضه «تسليم أنظمة أسلحة بعيدة المجال (لأوكرانيا) لا يمكن تشغيلها بشكل عقلاني دون مشاركة جنود ألمان». ويرفض المسؤول الألماني، قطعياً، إرسال جنود ألمان إلى أرض المعركة، ويحرص على عدم إثارة الرئيس الروسي بوتين. ورد على منتقديه بالقول: «لا يجب الخلط بين الحذر والضعف كما يفعل البعض».
وسيعقد شولتس وماكرون اجتماعاً ثنائياً، الجمعة، قبل القمة الثلاثية، لتنسيق المواقف والبحث عن مقاربة موحدة لتخطي خلافاتهما. ومن جانبه، أكد ستيفن هيبستريت، المتحدث باسم المستشار الألماني أن ماكرون وشولتس «تحدثا مطولاً هاتفياً في الأيام الأخيرة»، واصفاً الخلافات الأخيرة بأنها «فروقات دقيقة بشأن مسألة تقنية».

ويتمثل العامل الثاني، وفق المصادر المشار إليها، في استشعار الأوروبيين أن الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وعجز البيت الأبيض عن الحصول على موافقة مجلس النواب لإقرار المساعدة الضخمة من 60 مليار دولار لأوكرانيا، يحملان الاتحاد الأوروبي عبئاً كبيراً، خصوصاً لجهة المساعدات العسكرية التي يفترض توفيرها للاستجابة لطلبات كييف إن من الأسلحة المتقدمة «صواريخ أرض - جو، صواريخ أرض - أرض بعيدة المدى، مدفعية ثقيلة ومسيّرات...» أو الذخائر، وتحديداً قذائف المدفعية من عيار 155 ملم.
قال ينس ستولتنبرغ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي اليوم الخميس إن ذخيرة أوكرانيا بدأت تنفد، وإن أعضاء الحلف لا يبذلون ما يكفي من الجهود لمساعدة كييف. وقال ستولتنبرغ في تصريحات حادة غير معتادة بشأن حالة الحرب إن أعضاء حلف شمال الأطلسي لديهم القدرة على تقديم المزيد لأوكرانيا، لكنهم بحاجة إلى إظهار الإرادة السياسية للقيام بذلك. وأضاف للصحافيين في مقر حلف شمال الأطلسي في بروكسل «المساعدات غير المسبوقة التي قدمها أعضاء التحالف العسكري ساعدت أوكرانيا على البقاء بوصفها دولة مستقلة، لكنها تحتاج إلى دعم أكبر في الوقت الحالي».
وتابع «لا يقدم الحلف كمية كافية من الذخيرة لأوكرانيا، وهذا له تبعات على ساحة المعركة يوميا... وهو أحد الأسباب التي جعلت الروس قادرين على تحقيق بعض التقدم في ساحة المعركة خلال الأسابيع والأشهر القليلة الماضية». وأردف، كما نقلت عنه «رويترز»: «لدينا القدرة والاقتصادات التي تمكننا من تزويد أوكرانيا بما تحتاجه. إنها مسألة إرادة سياسية لاتخاذ القرارات وتحديد الأولويات لدعم أوكرانيا».
وأخفقت المعارضة المحافظة الألمانية مجدداً في تمرير قرار برلماني يطالب برلين بتزويد أوكرانيا بصواريخ تاوروس الألمانية، بعدما صوتت أغلبية من النواب ضد ذلك.
ويتميز نظام تاوروس بمداه الطويل الذي يصل إلى 500 كيلومتر، كما أنه يتمتع بدقة عالية. ومن شأن هذا النظام تدمير مخازن الذخيرة الروسية ومراكز القيادة التي تخضع للحماية والبنية التحتية المهمة للحرب خلف خط المواجهة. ويقول معارضو إرسال نظام تاوروس إنه من الممكن أن يؤدي هذا لتصاعد الصراع وجر ألمانيا إلى الحرب.
وقد نجح الأوروبيون، الأربعاء، في الاتفاق على إنشاء صندوق متفرع عن «مبادرة السلام الأوروبية»، ومده بخمسة مليارات، ويخصص للمشتريات العسكرية لكييف. وجاء الاتفاق بعد أسابيع من الجدل بين الأوروبية حول آلية عمله. لكن يوجد اتفاق اليوم على أنه لن يكون كافياً وعلى الأوروبيين أن يبذلوا المزيد.
وفي هذا السياق، يبدو أن الدول الثلاث تريد أن تشكل «القاطرة الأوروبية» الأولى المساندة لأوكرانيا بالنظر للدور الذي تلعبه ولأحجامها الاقتصادية. وقال دونالد توسك الثلاثاء لقناة التلفزة العامة «تي في بي إنفو» إن العواصم الثلاث «تتحمل مسؤولية (مساندة أوكرانيا) وهي قادرة أيضا على تعبئة أوروبا بأكملها».
وتشعر وارسو بمسؤولية خاصة بالنظر لوضعها الجغرافي، ولاعتبار أن أوكرانيا «خط الدفاع الأول» عنها بوجه روسيا.

ومنذ اندلاع الحرب، تبدو بولندا الأكثر انخراطاً إلى جانب جارتها أوكرانيا. تخصص بولندا أعلى نسبة من ناتجها الداخلي الخام (4 في المائة) للنفقات المرتبطة بالدفاع. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن أوساط قصر الإليزيه أن قمة الجمعة «ستشدد مجددا على إرادة القادة الثلاثة لتقديم دعم ثابت وطويل الأمد لأوكرانيا».
أما العامل الثالث فعنوانه مزدوج: من جهة، القلق من الوضع الميداني الذي شهد تراجعاً للقوات الأوكرانية، وخسارة لمدينتين ولأراض في منطقة الدونباس. ومن جهة أخرى، ظهور علامات التعب لدى الرأي العام الغربي (الأميركي والأوروبي) من الحرب الأوكرانية التي تستهلك المليارات، ولا أحد يرى نهاية لها.
وفي الأيام الأخيرة، حرص فولوديمير زيلينسكي الذي أحدث تغييرات في القيادة العسكرية، على طمأنة الغربيين بتأكيده أن الوضع الميداني «تحسن ولا علاقة له بما كان عليه قبل ثلاثة أشهر». وتشير المصادر الفرنسية إلى أن ما يميز الفترة الراهنة عن مثيلتها العام الماضي، أن أحداً لم يعد يتحدث عن استرجاع أوكرانيا لمناطق واسعة من أراضيها بعد تجربة صيف 2023، حيث لم يثمر الهجوم الأوكراني المعاكس الذي طال انتظاره إلا عن نتائج متواضعة، إذ بقيت الخطوط الدفاعية الروسية في غالبيتها صامدة. وما يزيد الوضع الأوكراني هشاشة الصعوبة التي تجدها كييف في تعبئة الآلاف من الجنود الجدد لملء الفراغ على الجبهات، ولتميكن من يقاتلون منذ شهور من الراحة.




