حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

أوروبا تتّهم موسكو بدعم طهران بالاستخبارات والمسيَّرات

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


مقالات ذات صلة

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يتحدث خلال مؤتمر صحافي في موسكو 19 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

لافروف: روسيا تريد معرفة إذا تغيّر موقف ترمب من حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، إن روسيا تتطلع إلى معرفة ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب غيّر موقفه فعلاً تجاه حرب أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
تحليل إخباري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره الأميركي على هامش «قمة السبع» (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري وعود ترمب بالتدخل... هل تحلحل جمود أزمة سد النهضة الإثيوبي؟

تعهد جديد للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن حل أزمة «سد النهضة» الإثيوبي بين القاهرة وأديس أبابا يأتي وسط حراك من واشنطن للوصول لتسوية نهائية.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا ترمب يشير بيده بجانب ستارمر وماكرون خلال حضورهم اجتماع دول مجموعة السبع في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

«قمة السبع» تتوافق على تسليح أوكرانيا

أبدى قادة دول «مجموعة السبع» في اليوم الختامي لقمتهم بإيفيان في فرنسا، أمس، توافقاً على تسليح أوكرانيا وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً.

«الشرق الأوسط» (إيفيان (فرنسا))
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث محاطاً بفريقه الاقتصادي والدبلوماسي خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة مجموعة السبع بمدينة إيفيان الفرنسية (أ.ف.ب)

ترمب يدافع عن اتفاق إيران ويعد بمسار موازٍ للصواريخ والوكلاء

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن وطهران هذا الأسبوع قد يوقع خلال يوم أو يومين، لكنه أبقى خيار القوة مطروحاً.

«الشرق الأوسط» (لندن-باريس)
أوروبا ميرتس يهدي ترمب قميصاً للمنتخب الألماني يحمل رقم «47» (إ.ب.أ) p-circle

قمة «السبع» تتوافق على تسليح أوكرانيا وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً

قمة «السبع» تتوافق على تسليح أوكرانيا وتنظيم الذكاء الاصطناعي وحماية القاصرين رقمياً... والمستشار الألماني يشيد بالوحدة عبر الأطلسي

«الشرق الأوسط» (إيفيان(فرنسا) )

أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
TT

أوروبا... نهاية «السلام الطويل» وبداية الاستعداد للحرب

رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي
رسم توضيحي مولَّد بالذكاء الاصطناعي

يخبرنا التاريخ الموثّق بأن أوروبا شهدت أكثر من ألفي حرب؛ بدءاً من صراعات المدن الإغريقية ووصولاً إلى الحرب الروسية - الأوكرانية. وكان هذا نتاجاً لجغرافيتها القائمة على تشرذم الدول التي يتمسك كل منها بحدوده وسيادته، بالإضافة إلى تباين الانتماءات الإثنية والدينية، والطموحات التوسعية، والصراعات على الموارد وتبدّل التحالفات بصورة متكررة. غير أن هذه الحلقة كُسرت بعد الحرب العالمية الثانية مع قيام التحالفات الحديثة وتعميق التكامل الاقتصادي بين الدول الأوروبية، خصوصاً بعد إنشاء الاتحاد الأوروبي.

وعاش الأوروبيون حالة من التراخي والاطمئنان لعدة عقود؛ معتقدين أن الحروب الكبرى ولّت إلى غير رجعة في قارتهم. وقد بدأت هذه الفترة التي عُرفت باسم «السلام الطويل» بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وترسخت بشكل أكبر بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وانعكس هذا التراخي مباشرة على العقيدة العسكرية الأوروبية، فقُلّصت الموازنات الدفاعية إلى مستويات قياسية (أقل من 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وأُلغي التجنيد الإلزامي، وتحولت الجيوش إلى قوات احترافية صغيرة مخصصة لمهمات حفظ السلام الخارجية.

«شارل ديغول» حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها فرنسا (أ.ف.ب)

وكانت «الصفعة الأولى» على وجه السلام حرب البوسنة (1992 - 1995) التي اندلعت بعد تفكك يوغوسلافيا. غير أن الأوروبيين الذين عجزوا عن وقفها (تولت الولايات المتحدة مهمة فرض السلام) رأوا فيها حدثاً إقليمياً طُويت صفحته.

وجاءت الصفعة الثانية بضم روسيا لشبه جزيرة القرم في مارس (آذار) 2014، لتعقبه الحرب الانفصالية في شرق أوكرانيا بين الناطقين بالروسية والجيش الأوكراني. وتطور هذا الصراع إلى حرب شاملة عندما غزت روسيا أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، فسقط «وهم السلام».

* مؤشرات التراجع

تمر أوروبا بمرحلة تراجع ملحوظ، خصوصاً في النمو الاقتصادي والاستقرار الديمقراطي والأمن. ورغم أن مستويات المعيشة لا تزال مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى من العالم، فإن تراكم الأزمات المتزامنة بدأ يقوض تدريجياً مكاسب تحققت على مدى عقود.

وتبرز في هذا السياق صدمات الطاقة والتضخم التي ولّدتها الأزمات الجيوسياسية، لا سيما الصراع في الشرق الأوسط والاضطرابات التي طالت طرق الشحن العالمية الحيوية. ونتيجة لذلك، خفّضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى نحو 1.1 في المائة فقط، في حين عاود معدل التضخم الارتفاع ليبلغ نحو 3.1 في المائة على مستوى الدول الـ27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وأجبر التضخم المرتفع واستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة ما يقارب ثلثي الأسر على السعي المستمر إلى تقليص الإنفاق حتى على الاحتياجات الأساسية، وفق عدد من التقارير المتخصصة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته... وبدا في الخلف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال قمة الحلف بأنقرة (رويترز)

يضاف إلى ذلك أن الفارق بين الاقتصاد الأوروبي ومنافسيه يتّسع؛ فضعف نمو الإنتاجية، وشيخوخة القوى العاملة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاستقلالية الاستراتيجية، كلها عوامل تدفع أوروبا نحو مرحلة طويلة من النمو البطيء، بمعدلات أدنى بكثير من متوسطاتها التاريخية.

وعلى المستوى السياسي، أورد تقرير الديمقراطية الصادر عن معهد «V-Dem (Varieties of Democracy» السويدي المرموق، أن «الموجة الثالثة من الاستبداد» (تآكل المؤسسات، وتردّي القوانين الانتخابية، والتضييق على حرية التعبير...) التي يقول علماء السياسة إنها بدأت في عام 2010، باتت تؤثر بعمق في أوروبا. وقد صُنّفت 5 دول أوروبية؛ هي إيطاليا، وكرواتيا، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، والمملكة المتحدة، ضمن الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً ملحوظاً.

في موازاة ذلك، يواجه نموذج أوروبا القائم على الانفتاح والتكامل، ضغوطاً متزايدة؛ فقد دفعت موجات الهجرة غير النظامية، وتصاعد التوترات الثقافية الداخلية، والانقسامات السياسية، عدداً من الحكومات الأوروبية إلى تشديد إجراءاتها الحدودية وإعادة فرض قيود كانت قد خُففت سابقاً.

* تصاعد أعباء الدفاع

مع تنامي الأخطار الأمنية الناجمة عن النزاعات الإقليمية، خصوصاً الحرب الروسية - الأوكرانية، راحت الحكومات الأوروبية تضخ مليارات اليوروهات لتعزيز موازنات الدفاع وتطوير القدرات العسكرية المشتركة. ورغم أهمية هذه النفقات لتعزيز الأمن، فإنها تستنزف موارد عامة كان يمكن توجيهها إلى البنية التحتية المدنية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج الرعاية.

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقره في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

تفصيلاً، سجل الإنفاق الدفاعي الأوروبي ارتفاعاً ضخماً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ رفعت دول الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إنفاقها العسكري بأكثر من 98 في المائة منذ عام 2020. وفي عام 2025، ارتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي في أوروبا نحو 20 في المائة مقارنة بالعام السابق، ليصل إلى 418 مليار يورو.

وأعادت موجة إعادة التسلح التاريخية هذه رسم المشهد المالي العسكري في القارة على النحو الآتي:

- الإنفاق الإجمالي: من المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الأساسي لدول الاتحاد الأوروبي في عام 2026، نحو 454 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.

- الاستثمارات: تشهد الاستثمارات في المعدات العسكرية والبنية التحتية الدفاعية ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز الإنفاق الدفاعي لدول «الناتو» الأوروبية وكندا بأكثر من 90 مليار دولار (نحو 20 في المائة) خلال عام 2025 وحده.

- الزيادات الوطنية: تتصدر القوى الأوروبية الكبرى هذه الموجة؛ إذ تعتزم ألمانيا رفع إنفاقها الدفاعي السنوي إلى 118 مليار يورو، في حين سجلت دول مثل إسبانيا وإيطاليا زيادات سنوية تاريخية في موازناتها الدفاعية، سعياً إلى تحقيق أهدافها الأمنية الجديدة.

* موقف ترمب من الحلفاء

كانت مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الشركاء الأوروبيين التجاريين والحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، العتبة التي جعلت القادة الأوروبيين يتجاوزون سياساتهم المتحفظة نحو اعتماد مقاربة مختلفة لمسألة الأمن الاستراتيجي؛ فالمظلة الأميركية التي حمت أوروبا الغربية طوال عقود رُفعت عملياً، وأمضى ترمب جانباً كبيراً من قمة «الناتو» بأنقرة في توجيه انتقادات علنية إلى حلفائه، معدداً سلسلة من الشكاوى، تراوحت بين بطء التقدم في الوفاء بالتزامات الإنفاق الدفاعي، وضعف انخراطهم في الحرب مع إيران.

نموذج أول لدبابة «Capint» التي ستخرج من مصانع «KNDS» الألمانية - الفرنسية خلال معرض دفاعي في فيلبانت قرب باريس - 15 يونيو 2026 (رويترز)

كذلك، أمر بـ«وقف جميع المبادلات التجارية» مع إسبانيا، فيما بدا أنه رد على رفض مدريد الالتزام بهدف الحلف الخاص بالإنفاق الدفاعي. ووصف إسبانيا بأنها «قضية خاسرة» و«شريك سيئ للغاية في (الناتو)».

كما استغل ترمب القمة ليكرر رغبته في أن تستحوذ الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند، وقال: «غرينلاند مهمة جداً للولايات المتحدة، لكنها ليست مهمة بالنسبة إلى الدنمارك. نحن بحاجة إليها لحماية العالم، وليس الولايات المتحدة فقط».

* هل يكفي السلاح لضمان الأمان؟

الواقع أنه قبل انعقاد قمة «الناتو» في أنقرة، تصدر مطلب زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي جدول الأعمال في ظل استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا. ورغم أن تعزيز القدرات العسكرية ضرورة لا يختلف الأوروبيون بشأنه، فإن اختزال أمن قارتهم في زيادة مشتريات الأسلحة يعكس فهماً قاصراً لطبيعة التحديات التي تواجهها.

صحيح أن القوة العسكرية تظل ركيزة أساسية للردع، لا سيما بعد أن كشفت الحرب في أوكرانيا ضعف الجاهزية الدفاعية الأوروبية، فإن الأمن لا يقوم على السلاح وحده؛ بل يعتمد أيضاً على التماسك السياسي، وشرعية المؤسسات الديمقراطية، والقيم المشتركة التي يُفترض أن تجمع دولاً متحالفة.

لذا، يحذر مراقبون من تحول «الناتو» إلى تحالف يقوم على منطق المقايضة، بحيث تصبح الحماية الأميركية مرتبطة فقط بحجم الإنفاق الدفاعي الأوروبي الذي سيغذي حكماً الاقتصاد الأميركي عبر شركات الصناعات العسكرية. فهذا المنطق يتجاهل أن الحلف، منذ تأسيسه عام 1949، لم يكن مجرد تحالف عسكري؛ بل نشأ بوصفه كياناً سياسياً يفاخر بأنه يستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون والحريات الفردية، وهي عوامل تعزز الثقة بين الحلفاء وتسهل التعاون العسكري والاستخباراتي.

دمار في أحد أحياء كييف السكنية سبّبه قصف روسي (أ.ف.ب)

ويرى محللون أوروبيون أن الولايات المتحدة نفسها تحتاج إلى حلفاء أقوياء وموثوقين في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة والمستقبلية، وأن مساهمة أوروبا لا تقتصر على الجوانب العسكرية؛ بل تشمل قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة «الناتو» وقدرته على المواجهة.

في المحصلة، يشكل رفع الإنفاق الدفاعي شرطاً ضرورياً لتعزيز الردع، لكنه لا يكفي وحده لبناء أمن أوروبي مستدام؛ فالقوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض هشاشة الديمقراطية أو ضعف المؤسسات أو تآكل التماسك السياسي. لذلك، فإن أمن أوروبا في العقود المقبلة سيقاس ليس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل أيضاً بقدرتها على صون نموذجها الديمقراطي وتعزيز وحدتها الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية.


إصابة ستة أشخاص في هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف

دخان يتصاعد خلال غارات صاروخية روسية على العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم السبت (ا.ف.ب)
دخان يتصاعد خلال غارات صاروخية روسية على العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم السبت (ا.ف.ب)
TT

إصابة ستة أشخاص في هجوم روسي على العاصمة الأوكرانية كييف

دخان يتصاعد خلال غارات صاروخية روسية على العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم السبت (ا.ف.ب)
دخان يتصاعد خلال غارات صاروخية روسية على العاصمة الأوكرانية كييف فجر اليوم السبت (ا.ف.ب)

أسفر هجوم صاروخي روسي استهدف العاصمة الأوكرانية كييف عن إصابة ستة أشخاص السبت، في الوقت الذي تصعد فيه موسكو هجماتها على المدينة.

وتشن موسكو هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على كييف بشكل منتظم منذ غزوها أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022.

لكن استخدامها للصواريخ البالستية فائقة السرعة شكل تحديا لأنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية، فقد أيقظ انفجار صاروخ هذا الاسبوع في سماء كييف السكان النائمين قبل انطلاق صافرات الإنذار.

وكتب تيمور تكاتشينكو، رئيس الإدارة العسكرية في كييف، على تليغرام «ارتفع عدد المصابين في العاصمة إلى ستة».

وكان تكاتشينكو قد أكد في وقت سابق أن روسيا «تشن هجوما صاروخيا على العاصمة"، داعيا السكان إلى «البقاء في أماكن آمنة».

وأشار إلى أن ثلاثة أشخاص نقلوا إلى المستشفى بينما تلقى ثلاثة العلاج في موقع الحادث، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وجاءت هذه الهجمات بعد يوم من شن أوكرانيا ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مصافي نفط في جنوب روسيا، في إطار استراتيجية كييف لاستهداف البنية التحتية الروسية للطاقة.


مسافر كاد أن يُسحب خارج طائرة لـ«رايان إير» بعد تحطم إحدى نوافذها

طائرة تابعة لشركة «رايان إير» (أرشيفية - رويترز)
طائرة تابعة لشركة «رايان إير» (أرشيفية - رويترز)
TT

مسافر كاد أن يُسحب خارج طائرة لـ«رايان إير» بعد تحطم إحدى نوافذها

طائرة تابعة لشركة «رايان إير» (أرشيفية - رويترز)
طائرة تابعة لشركة «رايان إير» (أرشيفية - رويترز)

في مشهد مروع على متن طائرة تابعة لشركة «رايان إير»، كاد راكب أن يفقد حياته بعد سحبه بشكل جزئي من نافذة الطائرة التي تحطمت فجأة بعد إقلاعها من اليونان إلى ألمانيا، الجمعة، لولا تدخل سريع من ركاب آخرين جذبوه بقوة إلى داخل المقصورة.

وقال مسؤول في مستشفى يوناني، طلب عدم كشف اسمه، إن الراكب البالغ من العمر 61 عاماً عولج من إصابات في الرقبة والكتف، بالإضافة إلى حروق ناجمة عن الاحتكاك.

وكانت الطائرة قد أقلعت من مدينة سالونيك اليونانية إلى ميمينغن القريبة من ميونيخ في جنوب ألمانيا.

وذكرت وسائل إعلام يونانية أن الحادث وقع فوق أجواء مقدونيا الشمالية، وأن النافذة تحطمت بسبب قطعة حطام انفصلت عن أحد محركات الطائرة.

وأوضحت «رايان إير» أن الطائرة «عادت إلى سالونيك بعد وقت قصير من إقلاعها، نتيجة انفصال إحدى النوافذ في أثناء الطيران». وأضافت أن الطائرة هبطت بشكل طبيعي، وعاد الركاب إلى صالة المطار، بينما تلقى أحدهم رعاية طبية عند وصوله إلى سالونيك، وتم توفير طائرة بديلة لنقل الركاب إلى وجهتهم في ألمانيا.

ووصف ركاب لوسائل إعلام يونانية ما حدث، قائلين إنهم سمعوا دوي انفجار قوي، تلاه سقوط أقنعة الأكسجين، وبدأت الطائرة فقدان الارتفاع.

وقالت راكبة تدعى كريستينا، لإذاعة سالونيك، إن الركاب أصيبوا بالذعر، وراحوا يصرخون، وإن أحد الركاب تعرض لسحبه جزئياً من النافذة. وأضافت: «كان رأسه وعنقه وكتفاه خارج النافذة»، مشيرة إلى أن الركاب الجالسين بالقرب منه تمكنوا من سحبه إلى الداخل، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».