مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي يقترح خريطة طريق لبعد «غزة» بسلطة انتقالية

جوزيب بوريل: «أولويتنا المطلقة» منع ترحيل الفلسطينيين عنوة من القطاع

ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
TT

مسؤول السياسة الخارجية الأوروبي يقترح خريطة طريق لبعد «غزة» بسلطة انتقالية

ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)
ميسرة أبو تلخ طفل أصيب في غارة إسرائيلية وانتقل مع عائلته النازحة إلى رفح جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

بعد ما يزيد على 100 يوم على حرب غزة، ما زال الاتحاد الأوروبي يبحث عن دور وسط انقسامات أعضائه وتشرذم مواقفهم. الأمر الذي يرمي ستاراً من الغموض على ما يريده الاتحاد وعلى ما هو عازم القيام به إزاء حرب تقع على أبوابه.

وحتى اليوم، ورغم ما يزيد على 24 ألف قتيل فلسطيني في غزة، وعشرات الآلاف من الجرحى، والتدمير المنهجي للبنى السكنية والتحتية الأساسية، لم يتوصل الاتحاد بعد إلى مرحلة المطالبة بصوت واحد بوقف لإطلاق النار، حيث فشل وزراء الخارجية ثم قادة الاتحاد في التوصل إلى موقف موحد مشترك، يكون له وزنه على الصعيد العالمي.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مستقبلاً جوزيب بوريل ممثل السياسة الخارجية الأوروبية في 8 يناير لدى زيارته المملكة العربية السعودية (أ.ف.ب)

ولأن الوضع الداخلي للاتحاد هو على هذه الحال، فإن جوزيب بوريل، الممثل الأعلى للسياستين الخارجية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، يجد صعوبة في التعبير، باسم الاتحاد، عن سياسة واضحة لـ3 أسباب، أولها الانقسامات المشار إليها، وثانيها القناعة المترسخة بأن الطرف الوحيد القادر على التأثير على إسرائيل هي الولايات المتحدة الأميركية، وثالثها التخوف من توجيه انتقادات واضحة لإسرائيل، التي تعارض منذ عقود أي دور سياسي للاتحاد بشأن النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي، الذي تعتبره داعماً للموقف العربي.

ويتبدى الضعف الأوروبي في المقال الذي نشره بوريل في صحيفة «لو موند» الفرنسية، الثلاثاء، عقب الجولة الأخيرة التي قام بها في عدد من بلدان الشرق الأوسط ، وفيه يلخص حصيلة رؤيته للنزاع، والحلول التي يراها ضرورية.

3 أولويات

يؤكد بوريل أن ثمة 3 أولويات يتعين التركيز عليها في الوقت الراهن؛ منع تمدد النزاع إلى حرب بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني، تخفيف وطأة الكارثة في غزة مع إعادة تفعيل المفاوضات لتحرير الرهائن الإسرائيليين، فتح الطريق أمام تسوية للنزاع بدءاً بوضع حد للعنف الممارس ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وفي ما خص الأولوية الأولى، ينبه بوريل مما سبق أن شدد عليه في بيروت لجهة النتائج الكارثية لحرب مفتوحة على الحدود اللبنانية ــ الإسرائيلية خصوصا على الشعب اللبناني الذي «سيدفع ثمناً رهيباً»، داعياً إلى تطبيق مضمون القرار الدولي رقم 1701 ومعتبراً أن أمراً كهذا يمكن أن يتم «مباشرة» متجاهلاً التعقيدات التي تحيط به. وفي أي حال، يؤكد المسؤول الأوروبي أن الاتحاد جاهز لتوفير المساعدة المطلوبة من غير توضيح ماهيتها.

أما بالنسبة لغزة، فإن «الأولوية المطلقة» بنظره عنوانها منع ترحيل سكان القطاع عنوة إلى خارجه، الأمر الذي يمنعه القانون الدولي وترفضه المبادئ الأخلاقية. وإذ يذكر بوريل بأن نسبة 80 بالمائة من سكان القطاع أجبرت على النزوح من منازلها، وأن مئات الألوف من السكان «يعيشون في ظروف لا إنسانية»، فإنه يدعو إلى «تخفيف آلام الناس» من خلال زيادة إيصال المساعدات الإنسانية التي لا تصل بكميات كافية بسبب «ثقل الرقابة».

بيد أن بوريل يمتنع عن الإشارة إلى الجهة التي تمنع تسرع إيصال المساعدات، كما أنه امتنع عن الإشارة إلى أعداد القتلى الذين وقعوا نتيجة القصف الإسرائيلي متنوع الأشكال. وبدل أن يطالب، بشكل مباشر وقوي، بوقف لإطلاق النار، وهو ما جاء في قرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا إلى «خفض حدة المعارك وصولاً إلى توقفها الضروري».

عائلات موظفي المنظمات الدولية ينقلون أمتعتهم إلى مركز إيواء تابع للأمم المتحدة جنوب قطاع غزة 13 أكتوبر (رويترز)

بيد أن بوريل يتبنى الموقف الإسرائيلي بتأكيده أنه «ليس من الواقعي تعليق العمليات العسكرية من غير حصول إسرائيل على ضمانات مؤكدة بشأن إطلاق (حماس) الأسرى الإسرائيليين». ويتضح ضعف موقف المسؤول الأوروبي عند اكتفائه برفض الاتهامات الموجهة لعمل المنظمات الدولية في قطاع غزة، عاداً استهدافها «عملاً خطيراً»، من غير أن ينير القارئ حول الجهة التي تعرقل عملها وتندد به.

وقال بوريل إنه «لا يجوز التركيز على الشرعية الدولية في أوكرانيا والتنديد بها في غزة» لأن من شأن ذلك تعزيز اتهامات «ازدواجية المعايير».

طرح أولمرت

يشدد المسؤول الأوروبي على ضرورة التوصل إلى الحل السياسي باعتبار أن العمل العسكري لن يحل المشكلة. وهنا، يؤكد تبنيه لطرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، الذي اعتبر أن الأولوية في غزة يجب أن تكون انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، ولكن بعد إطلاق سراح جميع الأسرى، عقبها تقوم «سلطة فلسطينية انتقالية» تحظى بدعم دولي من خلال قرار صادر عن مجلس الأمن.

وصدور هذا القرار سيوفر لها الشرعية «على مستوى العالم» والمصداقية لدى الفلسطينيين وإسرائيل والمانحين الذين «لن ينخرطوا في عملية إعادة إعمار غزة من غير مسار واضح ومحدد سلفاً لجهة حل الدولتين».

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في رام الله في 10 يناير الحالي (رويترز)

وعقب المرحلة الانتقالية، يتعين، وفق بوريل، انطلاق المفاوضات بين «إسرائيل والدولة الفلسطينية» من أجل حل سياسي شامل بدعم من الأسرة الدولية، ما يفترض وقف الاستيطان في الضفة الغربية. وخلاصة بوريل أن فشل اتفاقيات أوسلو لعام 1993 يستدعي التوقف عند أمثولتين؛ الأولى أنه يعني سلفاً اعتبار أن قيام الدولتين هو الحل للنزاع. والثانية أنه لا يمكن الاعتماد على الفلسطينيين والإسرائيليين فقط للتوصل إلى تفاهم، وأن شروط السلام يجب أن تطبق، وأن يضمن تطبيقها مجمل الأسرة الدولية. وفي هذا السياق، يدعو بوريل الاتحاد الأوروبي «للمساهمة في هذه العملية بشكل كامل، وألا يبقى متفرجاً».

انقسامات أوروبية

في الكلمة التي ألقاها في برشلونة يوم 3 يناير (كانون الثاني)، عبّر بوريل عن «أسفه» لعجز القادة الأوروبيين عن التوصل إلى موقف موحد بشأن وقف إطلاق النار، معتبراً أن ذلك «سيضعف الاتحاد». وبالتالي، فإن الدور الذي يريده للأوروبيين الـ27 في الدفع نحو حل سياسي لن يكون متوافراً بسبب الانقسامات نفسها.

وليس سراً أن ألمانيا تمتنع بشكل مطلق عن توجيه أي انتقاد لإسرائيل. الأمر الذي برز بوضوح تام منذ اندلاع الحرب في غزة. كذلك، فإن النمسا وتشيكيا تعدان بمثابة «حصان طروادة» إسرائيل داخل النادي الأوروبي، وثمة دول أخرى مثل الدنمارك وهولندا تدافعان تقليدياً عن المصالح الإسرائيلي، فيما دول مثل بلجيكا وآيرلندا وإسبانيا تعد أقرب إلى المقاربة الفلسطينية.

أما باريس فإنها تسعى لموقف وسطي. وبالنظر لصورة هذه الفسيفساء، فإن من الصعب على أوروبا أن تلعب الدور الذي يريد بوريل لها أن تلعبه. من هنا، فإن أوروبا تركز على العمل الإنساني الذي لا يمكن اعتباره بديلاً عن المواقف السياسية.


مقالات ذات صلة

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

تحليل إخباري لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لا يعني إسقاط السلطة بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها.

أنطوان الحاج
تحليل إخباري رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال المؤتمر الصحافي في ختام قمة الاتحاد الأوروبي وكندا (30 أكتوبر 2026) لإطلاق «تحالف من أجل المستقبل» وتعميق التعاون التجاري والأمني والدفاعي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري ماذا يعني انضمام كندا إلى الاتحاد الأوروبي ك «عضو منتسب»؟

تحالف كندي أوروبي وثيق لمواجهة رسوم ترمب، عبر صيغة «عضو منتسب» تضمن اندماجاً رقمياً واستراتيجياً في الطاقة والمعادن دون المساس بالسيادة السياسية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا قوات عسكرية موريتانية في مهمة لحماية الحدود (الجيش الموريتاني)

«الاتحاد الأوروبي» يقدم دعماً عسكرياً لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو

كشف مجلس الاتحاد الأوروبي عن اعتماد إجراء مساعدات عسكرية جديد لموريتانيا بقيمة 20 مليون يورو، مخصص لتوفير معدات للقوات المسلحة الموريتانية.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يدرس منح كندا صفة «عضو منتسب» رغم الاعتراضات

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اليوم (الخميس) إن الاتحاد الأوروبي وكندا يواصلان بحث إمكانية أن تصبح ​أوتاوا أول «عضو منتسب» في التكتل.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

في خطوة تعيد رسم المشهد القيادي للمؤسسة النقدية الأهم في أوروبا، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، مغادرتها منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت )

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
TT

انتفاضة الطلاب تطوي صفحة فوتشيتش في صربيا... وروسيا الخاسر الأكبر

لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)
لقطة جوية لأنصار «قائمة الطلاب» وهم يتجمعون بساحة سلافيا ببلغراد احتفالاً بفوزهم وذلك بعد يوم واحد من الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا (أ.ف.ب)

لم تكن الاحتفالات التي شهدتها صربيا عقب الفوز الانتخابي الكاسح للحركة الطلابية، مجرد تعبير عن انتصار المعارضة على السلطة؛ بل بدت كأنها لحظة تحرر من 14 عاماً من الحكم الذي تركزت فيه السلطات بيد شخص واحد، وتراجع خلاله دور المؤسسات، وانحسرت الحريات الإعلامية، واتسعت دائرة الفساد والمحسوبية، وفق المعارضين؛ فمع إقرار ألكسندر فوتشيتش بالهزيمة، في الانتخابات المبكرة التي أُجريت في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، بدا أن صربيا تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها الأبرز أن الأنظمة التي تبدو راسخة قد تصبح عرضة للسقوط عندما تتجاوز نقمة المجتمع القدرة على التحمّل.

الرئيس السابق ألكسندر فوتشيتش زعيم الحزب التقدمي الصربي في مقر الحزب عقب إقراره بالهزيمة في الانتخابات البرلمانية - الأحد 25 أكتوبر 2026 (أ.ب)

لكن إسقاط السلطة لا يعني بالضرورة بناء نظام ديمقراطي بديل؛ فالحركة الطلابية التي حققت هذا الانتصار تواجه الآن اختباراً أصعب من الانتخابات نفسها، فهل تستطيع تحويل التعبئة الشعبية إلى مؤسسات مستقلة، واستعادة سيادة القانون، ومكافحة الفساد، من دون الوقوع في أخطاء القوى التي سبقتها؟

* من مأساة نوفي ساد إلى انتفاضة وطنية

بدأت القصة قبل سنتين في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما انهارت مظلة خرسانية في محطة القطارات بمدينة نوفي ساد، ما أدى إلى مقتل 16 شخصاً. لم تكن المأساة، بالنسبة للطلاب والمحتجين، مجرد حادث؛ بل كانت تجسيداً لمشكلة أعمق تتعلق بالفساد وغياب الرقابة والمساءلة.

وطالب المحتجون منذ البداية بكشف الوثائق المرتبطة بأعمال ترميم المحطة، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين؛ فلم تحصل استجابة كافية، فيما لم تصدر أحكام قضائية بحق المسؤولين عن الكارثة.

خلال مسيرة النصر التي نظمها ائتلاف «قائمة الطلاب» في بلغراد (إ.ب.أ)

ومع مرور الوقت، تجاوزت الاحتجاجات حدود المطالبة بالعدالة في قضية محددة، وتحولت إلى حركة واسعة ضد نظام سياسي فقد شعبيته، فيما انضم إليها مواطنون من خلفيات ومناطق مختلفة. ووصلت التعبئة إلى تنظيم تجمعات في العاصمة بلغراد ضمت أحياناً نحو 200 ألف شخص، لتصبح واحدة من أبرز الحركات الشعبية التي واجهت حكم فوتشيتش.

* كسر حاجز الخوف

تمثّل أحد أهم أوجه هذا التحول في استعادة المجتمع قدرته على التعبير عن رفضه؛ ففي بلد اعتاد فيه المواطنون، وفق رواية المحتجين، مشاهدة الفساد والمحسوبية في تفاصيل حياتهم اليومية؛ من الحصول على الخدمات إلى فرص العمل، أصبحت الحركة مساحة جامعة لتجاوز الخوف والانخراط في العمل العام.

ولم تقتصر التحركات على العاصمة أو المدن الكبرى؛ بل امتدت إلى أنحاء البلاد، ونظّم الطلاب مبادرات رمزية لافتة، بينها التوجه بالدراجات إلى ستراسبورغ وتنظيم سباق تتابع إلى بروكسل، في إشارات إلى ارتباطهم بأوروبا، وإلى تصورهم لمستقبل سياسي مختلف.

ومع ذلك، لم ترفع الحركة الأعلام الأوروبية في تجمعاتها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن موقفها من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ويفسر أحد التحليلات ذلك بخيبة أمل المحتجين من مواقف قادة أوروبيين زاروا صربيا وأبدوا دعماً للحكومة. لذلك، اختار الطلاب التركيز على الشأن الداخلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بدلاً من انتظار تدخل خارجي.

ولم تظهر إشارة علنية أوروبية مؤيدة لمطالب الطلاب إلا في ربيع 2025، عندما أعلنت مفوضة الاتحاد الأوروبي للتوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد يشاطرهم تلك المطالب.

من المحتفلين بالفوز الانتخابي (أ.ف.ب)

* ديمقراطية من القاعدة إلى القمة

لم يكن نجاح الحركة نتيجة قيادة تقليدية أو عمل حزب سياسي يمتلك هرمية قيادة عمودية وجهازاً انتخابياً؛ فقد اعتمد الطلاب أسلوباً أفقياً في التنظيم، من خلال اجتماعات عامة مطولة ومداولات شارك فيها أصحاب آراء مختلفة. وبعد عملية تدقيق واسعة، قدمت الحركة قائمة تضم 250 مرشحاً للانتخابات البرلمانية.

كان ذلك اختباراً غير مألوف للديمقراطية المباشرة والتشاركية، في وقت شكك فيه مراقبون كثيرون في قدرة حركة بلا قيادة مركزية واضحة على التحول إلى قوة انتخابية فاعلة. لكن النتيجة جاءت حاسمة: حصلت القائمة الطلابية على نحو 53 في المائة من الأصوات، مقابل 39 في المائة لمعسكر فوتشيتش، وحققت أغلبية برلمانية عملية في انتخابات شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ أكثر من 3 عقود.

وجاء سقوط فوتشيتش بعد انتصار بيتر ماجار في المجر على فيكتور أوربان، ليثبت أن هزيمة زعيم سلطوي عبر الانتخابات أمر ممكن. كما أن قبول فوتشيتش النتيجة، بدلاً من اللجوء إلى مواجهة واسعة أو رفض الهزيمة، أتاح انتقالاً أكثر سلاسة للسلطة.

غير أن التجربة الصربية تستحضر أيضاً دروس عام 2000، عندما أُطيح سلوبودان ميلوشيفيتش؛ فالقوى التي استفادت آنذاك من التغيير لم تنجح جميعها في بناء نظام خالٍ من الفساد، وانتهى بعضها إلى فضائح ومحاولات احتكار السلطة.

* التحدي الأصعب يبدأ الآن

ستواجه الحكومة المقبلة دولة لا تزال شبكات النفوذ الموالية لفوتشيتش حاضرة في مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية؛ فالحزب التقدمي الصربي، رغم خسارته، احتفظ بـ105 مقاعد في البرلمان المؤلف من 250 مقعداً. كما أن إصلاح القضاء والإعلام، ومواجهة الجريمة المنظمة، وتفكيك شبكات المصالح المتجذرة، لن تتحقق بمجرد اتخاذ قرارات سريعة.

ومن المرجح أن يكون التحقيق الشامل في كارثة نوفي ساد أول اختبار سياسي وأخلاقي للحكومة الجديدة؛ فالمساءلة في هذه القضية لا تتعلق بمحاسبة المسؤولين فحسب، بل بإظهار أن القانون يسري على الجميع، وأن الوعود الانتخابية يمكن أن تتحول إلى نتائج ملموسة.

وتبرز كذلك معضلة الاقتصاد، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمارات الأجنبية منذ تفكك يوغوسلافيا. وقد ارتبطت علاقات السلطة بشركات أجنبية تنفذ مشاريع أثارت جدلاً، من بينها مشروع استخراج الليثيوم الذي سعت إليه شركة «ريو تينتو». وترى الحركة الطلابية أن تغيير النظام السياسي شرط لمعالجة البنية التي تسمح بتداخل المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي.

أما خارجياً، فلن يكون التحول سهلاً، لأن قاعدة الحركة تضم مؤيدين للاتحاد الأوروبي، وآخرين متعاطفين مع روسيا، فضلاً عن معارضين لحلف شمال الأطلسي (ناتو). لذلك، لا يُتوقع حدوث انقلاب سريع في السياسة الخارجية الصربية التي قامت طويلاً على الموازنة بين القوى الكبرى. وسيظل ملف كوسوفو التي انفصلت عن صربيا وأعلنت استقلالها من جانب واحد عام 2008، خطاً أحمر، فيما يبقى الحياد العسكري عائقاً أمام التقارب مع «الناتو».

وقد يشكل التقارب مع الاتحاد الأوروبي المجال الأكثر قابلية للتقدم، خصوصاً أن سيادة القانون وحرية الإعلام ومكافحة الفساد تتقاطع مع شروط بروكسل لمسار الانضمام.

مؤيدون لـ«قائمة الطلاب» يحتفلون في بلغراد (رويترز)

* نهاية حقبة أم بداية اختبار جديد؟

تؤكد التجربة الصربية أن التغيير من القاعدة إلى القمة ممكن، حتى في ظل ظروف انتخابية غير متكافئة. لكنها تؤكد أيضاً أن الانتصار على زعيم سلطوي لا ينهي تلقائياً آثار سنوات من تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات.

وبين نشوة التحرر وصعوبة الحكم، تبدأ الآن المعركة الحقيقية على مستقبل صربيا: هل تكون هذه الانتخابات نهاية دورة سلطوية جديدة؟ أم مجرد فصل آخر في تاريخ بلد ما زال يبحث عن ديمقراطية مستقرة؟

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة الواقعة في منطقة البلقان الحساسة، لطالما كانت داعمة لروسيا التي خسرت حليفاً في المجر والآن في صربيا، ولا عجب في أن نرى قريباً دوائر الكرملين تتهم يداً خارجية بدعم الحركة الاحتجاجية للتخلص من فوتشيتش...


فرنسا تترقب احتجاجات جديدة... ومظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تترقب احتجاجات جديدة... ومظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)
افراد من الشرطة الفرنسية في ساحة الجمهورين بباريس (أ.ف.ب)

تستعد فرنسا لاحتجاجات ضخمة متوقعة مرة أخرى اليوم (السبت)، مما دفع السلطات إلى مواصلة فرض حظر التجول والقيود على التجمعات، بعد أن تسبب مثيرو الشغب في الدمار بعدة مدن في وقت سابق من الشهر الحالي، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وبسبب المخاوف من مزيد من الاضطرابات، أصدرت باريس حظراً على طرق التظاهر في وسط العاصمة، ووافقت عليها فقط خارج العاصمة. وستتم إعادة فرض حظر تجول ليلي في المواقع المركزية.

ومع ذلك، قضت المحكمة الإدارية في باريس بإمكان المضي قدماً في تنظيم مسيرة بين «ساحة الباستيل» و«ساحة الأمة» بوسط المدينة، حسبما ذكرت وسائل إعلام فرنسية. وقال وزير الداخلية لوران نونيز، إنه سيتم تقديم استئناف ضد القرار.

وأعلن نونيز عن انتشار مكثف لقوات الشرطة في الشوارع، مشيراً إلى وجود تهديدات تمس النظام العام ومخاوف من إلحاق أضرار بالمتاجر والممتلكات.

وتتوقع السلطات مشاركة مئات الآلاف في موجة الاحتجاجات الجديدة، وذلك بعد أسبوع من نشر 70 ألف شرطي للتصدي لأعمال الشغب والسرقة.

ومنذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، اتسعت رقعة مظاهرات الشباب في فرنسا لتنضم إليها فئات أخرى. ورغم أن الحراك بدأ قبل أسابيع للمطالبة بدعم الكوادر التعليمية وتجهيز المدارس، فإن الاحتجاجات باتت تستهدف بالأساس الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة.

وفي أعقاب أعمال شغب عنيفة على هامش المسيرات في 17 أكتوبر، تمكنت الشرطة يوم السبت الماضي، إلى حد كبير، من منع تجدد أعمال العنف.

مظاهرات شبابية في 34 مدينة ألمانية

وفي ألمانيا دعت الحركة الشبابية الألمانية «جين زد ريغيلت» (جيل زد يتولى الأمر) إلى المشاركة في تجمعات احتجاجية في 34 مدينة اليوم (السبت)، ويتوقع المنظمون مشاركة أكثر من 165 ألف شخص.

ومن المقرر أن ينزل المشاركون إلى الشوارع للاحتجاج على التجنيد الإجباري وارتفاع تكاليف المعيشة، والمطالبة باستثمارات في التعليم والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية ومكافحة تغير المناخ.

وتدعو المجموعة إلى الاحتجاج السلمي وترفض أي شكل من أشكال العنف. ويقول المنظمون على موقعهم الإلكتروني إنهم لا يريدون مشاركة جماعات متطرفة، أو رفع رموز مناهضة للدستور خلال مظاهراتهم. كما يحذرون من إحضار زجاج أو أسلحة إلى المظاهرات، ومن استفزاز الشرطة.

عمال يحصّنون متجراً للأزياء الراقية في برلين تحسباً (أ.ف.ب)

وأغلقت متاجر في بعض المناطق أبوابها بسبب مخاوف أصحابها من وقوع أضرار أو اضطرابات.

وقالت السلطات الأمنية الألمانية إنها لم تتلقَّ أي معلومات بشأن دعوات فعلية إلى ممارسة العنف خلال المظاهرات.

ومع ذلك، قالت متحدثة باسم وزارة الداخلية إن «أجزاء من أوساط اليسار المتطرف، إلى جانب مجموعات منفردة من التيارات المتطرفة المرتبطة بالخارج»، تستجيب أيضاً لدعوات المشاركة.

وقال المنظمون أمس (الجمعة)، إن التركيز على مخاطر العنف خلال المظاهرات يصرف الانتباه عن المخاوف الحقيقية التي يسعون إلى التعبير عنها.

وبحسب المنظمين، تشكلت حركة «جين زد ريغيلت» قبل بضعة أسابيع فقط، ويضم فريقها المركزي للتنسيق 30 شخصاً.

ورغم أن المجموعة تروج على موقعها الإلكتروني إلى المظاهرات المقررة في 34 مدينة، فإنها لا تتحمل مسؤولية المحتوى والتنظيم سوى في 4 منها؛ وهي كولونيا وبرلين وفرانكفورت وميونيخ.


ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
TT

ميركل: حان وقت تولي أول امرأة منصب رئيس ألمانيا

المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)
المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل (رويترز)

دعت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى تولي امرأة منصب رئيس ألمانيا لتخلف فرانك فالتر شتاينماير، عند انتهاء ولايته الثانية التي تستمر خمس سنوات في مارس (آذار) المقبل.

وذكرت ميركل، في مقابلة مع قناة «ماجينتا تي في» أُذيعت يوم الجمعة: «يمتد تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية إلى 77 عاماً، ولم تتولَّ امرأة منصب الرئيس طوال هذه المدة».

وقالت السياسية المنتمية إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، خلال البرنامج الحواري «بستبِزِتسونج»، إنه ينبغي للجميع أن يسألوا أنفسهم: «ألم يحن الوقت لذلك الآن؟». وشددت ميركل قائلة: «أعرف نساء موجودات بالفعل، وهن قادرات على تولي هذا المنصب».

لكنها رفضت ذكر أي أسماء، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وفي 30 يناير (كانون الثاني)، ستنتخب الجمعية الاتحادية الرئيس المقبل للدولة، وهي هيئة دستورية خاصة ومؤقتة تُشكَّل حصرياً بغرض انتخاب الرئيس كل خمس سنوات.

ومنذ أشهر، يطالب ماركوس زودر، رئيس الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري، الشريك البافاري للحزب المسيحي الديمقراطي، باختيار إيلزه آيغنر، رئيسة برلمان ولاية بافاريا، خلفاً لفرانك فالتر شتاينماير في منصب رئيس ألمانيا.

وتشمل الأسماء الأخرى المتداولة داخل التكتل المحافظ رئيسة البرلمان الاتحادي جوليا كلوكنر، ووزيرة التعليم كارين براين، والرئيسة السابقة للحزب المسيحي الديمقراطي أنجريت كرامب-كارنباور.