ما أبرز التحديات الداخلية التي تواجه غابريال أتال رئيس الحكومة الفرنسية الجديد؟

ورث عن سلفه قضايا شائكة ومشاريع غير مكتملة

رئيس الحكومة الفرنسية الجديد غابريال أتال يلقي كلمته بعد حفل تسلمه رئاسة الوزراء، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية الجديد غابريال أتال يلقي كلمته بعد حفل تسلمه رئاسة الوزراء، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)
TT

ما أبرز التحديات الداخلية التي تواجه غابريال أتال رئيس الحكومة الفرنسية الجديد؟

رئيس الحكومة الفرنسية الجديد غابريال أتال يلقي كلمته بعد حفل تسلمه رئاسة الوزراء، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)
رئيس الحكومة الفرنسية الجديد غابريال أتال يلقي كلمته بعد حفل تسلمه رئاسة الوزراء، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)

تحديات داخلية كثيرة تواجه رئيس الوزراء الفرنسي الجديد غابريال أتال، وحكومته التي تم إعلانها أمس (الخميس) 11 يناير (كانون الثاني). قضايا حساسة موروثة من حكومة سلفه إليزابيث بورن. أبرزها؛ قانون الهجرة، مع احتمال إبطال جزئي لنص القانون من قبل المجلس الدستوري، وميزانية المالية العامة التي جعلها برونو لومير، وزير الاقتصاد منذ 2017، قضية رئيسية للولاية الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتقليص البطالة، وهي أحد أبرز أهداف الولاية الثانية للرئيس ماكرون.


قانون الهجرة

من أجل إعادة إعطاء دفع للولاية الثانية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتعزيز الرد على صعود حزب «التجمّع الوطني» (RN) اليميني بزعامة «مارين لوبين» قبل الانتخابات الأوروبية في يونيو (تموز) المقبل، سيسعى رئيس الوزراء الجديد غابريال أتال لطمأنة معسكره (الموالي لماكرون) الذي انقسم خلال المناقشات حول قانون الهجرة، حسب تقرير الأربعاء لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وسيبُتُّ المجلس الدستوري الفرنسي في 25 يناير في قانون الهجرة – وهو قانون شدّد سياسة الهجرة التي تتبعها الدولة الفرنسية – بعد أن تم اعتماد هذا القانون في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2023 في الجمعية الوطنية الفرنسية، وأحدث انقساماً عميقاً لدى الأغلبية البرلمانية المؤيدة للرئيس ماكرون، وفق تقرير الأربعاء لصحيفة «لوموند» الفرنسية.

صورة من الجمعية العامة الفرنسية خلال توجيه أسئلة إلى الحكومة قبل تصويت أعضاء البرلمان على مشروع قانون الهجرة في باريس، فرنسا، 19 ديسمبر 2023 (رويترز)

وبينما اعتبر رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء آنذاك إليزابيث بورن، ووزير داخليتها، جيرالد دارمانين، أن بعض إجراءات قانون الهجرة، الذي قدّمه اليمين الفرنسي، غير دستورية؛ يمكن للحكومة الجديدة برئاسة غابريال أتال أن تعوّل على إمكانية قيام أعضاء المجلس الدستوري بإبطال جزء من القانون أو إبطال القانون بكامله. وفي هذه الحالة، فإن حزب «الجمهوريين» (LR) وحزب التجمع الوطني (RN)، اللذين صوّتا لصالح القانون، سيطالبان بمراجعة الدستور، «لإيجاد هوامش من السيادة في سياسات الهجرة لدينا»، وفقاً لكلام رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه الذي ينتمي إلى حزب «الجمهوريين».

رئيس الوزراء الفرنسي المعيّن حديثاً غابريال أتال (على اليمين) وإلى جانبه وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين خلال لقاء مع الشرطة ضمن زيارة إلى مركز شرطة إيرمون - أوبون، في ضاحية إيرمون الشمالية بباريس، في 10 يناير 2024 (أ.ف.ب)

ماذا سيفعل رئيس الوزراء الجديد حيال قانون الهجرة الجديد؟ يتساءل المراقبون.

من موقعه كوزير للتربية والتعليم في الحكومة السابقة، التزم غابريال أتال الصمت بحكمة خلال أسابيع النقاش البرلماني حول مشروع القانون (في الأشهر الماضية). ولا مؤشرات لدى الأغلبية البرلمانية على الموقف الذي سيتخذه أتال من القانون الجديد. يمكن لأتال أن يفرض تنفيذ تدابير تشريعية قد يبطلها المجلس الدستوري، ويتخذ بالتالي المنعطف اليميني الذي بدا أن السلطة التنفيذية تتخذه، أو لا يتخذ إجراءات لتشديد سياسة الهجرة (خاصة إذا أبطل المجلس الدستوري قانون الهجرة الجديد)، ما سيضطره إلى مواجهة مع المعارضة اليمينية والمعارضة من أقصى اليمين، حسب تقرير «لوموند».

رئيس الوزراء الفرنسي الجديد غابريال أتال (على اليمين) يبتسم لرئيسة الوزراء المنتهية ولايتها إليزابيث بورن بعد حفل التسليم، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)

التزامات الحكومة السابقة

من المؤكد، وفق «لوموند»، أنّ غابريال أتال سيتعين عليه أيضاً التعامل مع تعبئة المجتمع المدني في الشوارع. وقد دعت منظمات وجهات عديدة، بما في ذلك حزب «فرنسا الأبية» اليساري بزعامة جان لوك ميلونشون، بالإضافة إلى كثير من مجموعات المهاجرين غير الشرعيين، إلى تنظيم مظاهرات في 14 يناير ضد قانون الهجرة الجديد. وبعد أسبوع، في 21 يناير، يخطط كذلك أكثر من 200 شخصية، بما في ذلك زعيمتا النقابتين الأوليين، ماريليز ليون وصوفي بينيه، لتنظيم مسيرة ضد نص قانون الهجرة.

ماريليز ليون الأمينة العامة للكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل (متداولة)

وسيتعين على رئيس الوزراء الجديد أيضاً متابعة التزامات رئيسة الوزراء السابقة إليزابيث بورن بشأن «المساعدات الطبية الحكومية». وكانت رئيسة الحكومة السابقة قد التزمت كتابياً لبرلمانيّي حزب «الجمهوريين» بإصلاح آلية المساعدة. وقد وعدت بورن في رسالة إلى جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ، برسالة مكتوبة في 18 ديسمبر بالعمل على إصلاح هذه المساعدات بدءاً من مطلع عام 2024.

رئيس الوزراء الفرنسي الجديد غابريال أتال (على اليمين) وإلى جانبه رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها إليزابيث بورن خلال مراسم تسليمها أتال رئاسة الوزراء، الثلاثاء، 9 يناير 2024، في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ب)

وبحسب مجلّة «لوبوان» الفرنسية، فإنّ «المساعدات الطبية الحكومية» هي آلية تعتمدها الحكومة تغطي التكاليف الصحية للأجانب غير المسجلين. وقد وعد وزير الداخلية جيرالد دارمانان، في 11 ديسمبر الماضي، أن الحكومة (برئاسة إليزابيث بورن آنذاك) ستعمل منذ مطلع عام 2024 بإصلاح هذه الآلية. وجاء إعلان دارمانان حينها استجابة لطلب مُلحّ من اليمين البرلماني، خاصة في مجلس الشيوخ، وفق «لوبوان».

وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين (يسار) خلال زيارة إلى مركز شرطة إيرمون - أوبون مع رئيس الوزراء الفرنسي المعين حديثاً غابرييل أتال، في ضاحية إيرمون الشمالية بباريس، في 10 يناير 2024 (أ.ف.ب)

ميزانية المالية العامة

وضع وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير سقفاً مرتفعاً جداً لعام 2024 فيما يتعلق بالوعود المرتبطة بالمالية العامة. وصرّح في 8 ديسمبر الماضي أنه من أجل «إنجاز تحوّل النموذج الاقتصادي والاجتماعي الفرنسي» الذي بدأه رئيس الدولة، «يجب علينا إيجاد ما لا يقل عن 12 مليار يورو من المدخرات في عام 2025»، مع إشارته إلى صعوبة العمل الحكومي المرتبط بالمالية العامة، حسب «لوموند».

إذا سعى برونو لومير إلى جعل إصلاح الميزانية من أهداف الحكومة السابقة لعام 2024، فإنه يتعين على الحكومة الحالية إحالة «برنامج الاستقرار» إلى المفوضية الأوروبية قبل نهاية أبريل (نيسان)، ويتعيّن بموجبه على الحكومة الفرنسية أن توضح، بالتفصيل، التدابير التي تعتزم اتخاذها لخفض ديونها. وبالتالي، فإن رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال سيكون أمام نقاشات حول هذه المسألة.

وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي برونو لومير خلال كلمة له في وزارة الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية، في باريس، 8 يناير 2024 (أ.ف.ب)

فوفق موقع المفوّضية الأوروبية، يجب على حكومات الدول الأعضاء في «منطقة اليورو» - أي مجموعة دول الاتحاد الأوروبي التي تتعامل باليورو كعملة موحدة - أن تقدّم إلى المفوّضية الأوروبية، قبل نهاية شهر أبريل (نيسان)، برنامج الإصلاح الوطني «برنامج الاستقرار»، أي إرسال خطة ميزانية، مدتها 3 سنوات، لكل دولة من دول منطقة اليورو، حيث يحدد هذا البرنامج التدابير المحددة التي ستنفذها كل دولة لتحفيز النمو وتشغيل العمالة ومنع أو تصحيح الاختلالات في الميزانية العامة للدولة.

خلال حفل تسليم رئيس الوزراء الفرنسي الجديد غابريال أتال... الثلاثاء، 9 يناير 2024، في باريس (أ.ب)

ذكّر نائب رئيس كتلة «الجبهة الوطنية» في الجمعية الوطنية، جان فيليب تانغي، الأربعاء، بأن التخفيضات الضريبية البالغة ملياري يورو، التي وعد بها غابريال أتال للطبقات الوسطى، عندما كان وزيراً منتدباً للحسابات العامة في البرلمان بداية عام 2023، دُفنت قبل عيد الميلاد على يد مقرر الموازنة العامة. لكن خلال تسلّمه السلطة في ماتينيون (مركز الحكومة الفرنسية)، الثلاثاء، وجّه رئيس الوزراء الجديد غابريال أتال كلمة إلى «الطبقة الوسطى»، في إشارة منه إلى نيته العمل على معالجة التحديات التي تواجهها الطبقة الوسطى في البلاد.

متظاهرون يشاركون في مظاهرة ضد خطة إصلاح نظام التقاعد للحكومة الفرنسية، كجزء من اليوم الثامن من الإضراب والاحتجاجات الوطنية، في أنسينيه سان جيريون، فرنسا، 15 مارس 2023 (رويترز)

البطالة والتعويضات

وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في حملته الرئاسية لعام 2022، أنه سيعمل على تقليص البطالة إلى نحو 5 في المائة بحلول عام 2027.

لكن الوضع الاقتصادي، الذي يتسم بالتضخم والسياق الجيوسياسي الصعب، من شأنه أن يزيد من تعقيد مهمة رئيس وزراء فرنسا الجديد. وبعد انخفاض شبه مستمر منذ عام 2016، وصل معدل البطالة في فرنسا في الفصل الثالث من عام 2023 إلى 7.4 في المائة من السكان النشيطين اقتصادياً، حسب أرقام «المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية» الفرنسي (L’Insee).

غابريال أتال أثناء تولّيه وزارة التعليم والشباب الفرنسي يشاهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث إلى الصحافة في مدرسة غامبيتا الثانوية في أراس، شمال شرقي فرنسا، الجمعة، 13 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وللحصول على الانخفاض المأمول للبطالة بنقطتين، حدّدت الحكومة السابقة برئاسة إليزابيث بورن إطاراً يقتضي تقليص المهلة الزمنية للطعن في الفصل من العمل، وإصلاح عمليات إنهاء الخدمة التقليدية، التي يستطيع رئيس الحكومة الجديد غابريال أتال أن يتبناها.

وسوف يكون قانون «ماكرون 2» قيد الإعداد، في حين أعلن وزير العمل أوليفييه دوسوبت في صحيفة «لي زيكو» الفرنسية في 15 ديسمبر عن رغبته في إطلاق «القانون الثاني لإصلاح سوق العمل».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي كلمة في قصر الإليزيه، فرنسا، 5 يناير 2024 (إ.ب.أ)

فبعد إصلاح التأمين ضد البطالة في عام 2022، وإصلاح معاشات التقاعد في بداية عام 2023، وإصلاح «دخل التضامن النشط» في الخريف – دخل التضامن النشط هو للأشخاص الذين ليست لديهم موارد أو لديهم موارد دخل منخفضة (بحسب موقع وزارة التضامن الفرنسية) - يَعِدُ نص القانون الثاني لإصلاح سوق العمل بمناقشات متوترة جديدة مع المعارضة اليسارية في البرلمان.

وبعد إعادة تعيينه وزيراً للاقتصاد الخميس، قد يضغط برونو لومير على رئيس الحكومة غابريال أتال لتشديد قواعد تعويض كبار السن العاطلين عن العمل، وفق «لوموند». وقد أكد أتال بالفعل على «الأولوية المعطاة للعمل» ورغبته في «مواصلة تحويل الاقتصاد». وقال الثلاثاء في هذا الإطار: «يجب أن يكون العمل دائماً ذا قيمة أفضل من عدم العمل».

رئيس الوزراء الفرنسي المعين حديثاً غابريال أتال (وسط) يتحدث إلى السكان المحليين المتضررين من الفيضانات في كليرماريه، شمال فرنسا، في 9 يناير 2024 (أ.ف.ب)

وتهتم التنظيمات النقابية بالمشروع الإصلاحي للحكومة (السابقة) الهادف إلى تحسين جاذبية الخدمة المدنية، الذي يُنتظر تقديمه خلال الأسابيع المقبلة.

وستكون مسألة أجور موظفي الخدمة المدنية قضية شائكة أخرى بالنسبة لرئيس الحكومة غابريال أتال. وسبق أن أعلنت نقابات الخدمة العامة، في منتصف ديسمبر، أنها تستعد ليوم تعبئة «موحد» في مارس (آذار) لتحدي سياسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أوضح وزير الداخلية الفرنسي أن الخرق الأمني جرى بسبب ضعف إجراءات «السلامة الرقمية» (رويترز)

سرقة ملفات «حساسة» في هجوم سيبراني على الداخلية الفرنسية

أعلنت الحكومة الفرنسية، الأربعاء، أنه تم «استخراج... بضع عشرات» من السجلات السرية خلال هجوم سيبراني على وزارة الداخلية الفرنسية استمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أعضاء البرلمان يرفعون أيديهم خلال جلسة مناقشة مشروع قانون الموازنة لعام 2026 في الجمعية الوطنية (أ.ف.ب)

المشرّعون الفرنسيون يرفضون الجزء المتعلق بالإيرادات من مشروع الموازنة

رفض مجلس النواب الفرنسي، يوم السبت، أجزاءً من مشروع قانون موازنة 2026، تاركاً الباب مفتوحاً أمام إمكانية توصل البرلمان لاتفاق.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد ليكورنو يتفاعل خلال المناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة (رويترز)

«ستاندرد آند بورز» تفاجئ فرنسا بخفض تصنيفها بسبب «الاضطراب السياسي»

خفّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للديون السيادية الفرنسية، محذرة من حالة الاضطراب السياسي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو يلقي خطاباً خلال مناقشة قبل التصويت على اقتراحين لسحب الثقة من الحكومة الفرنسية خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية في باريس 16 أكتوبر 2025 (رويترز)

رئيس الحكومة الفرنسية ينجو من تصويتين لحجب الثقة

نجا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو من تصويتين لحجب الثقة في البرلمان، اليوم (الخميس)، بعدما تلقى دعما حاسما من الحزب الاشتراكي بعد تقديمه تنازلات.

«الشرق الأوسط» (باريس)

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
TT

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)
القائمة بالأعمال الأميركية في أوكرانيا جولي ديفيس (أرشيفية - رويترز)

للمرة الثانية على التوالي، تغادر ممثلة واشنطن لدى كييف منصبها الدبلوماسي بسبب خلافات مع الإدارة الأميركية حول الملف الأوكراني، ووعود الرئيس دونالد ترمب بإنهاء الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس بغزو روسي في عام 2022، وفشله في التوصل إلى سلام، في حين يضغط ترمب على كييف من أجل التوصل إلى اتفاق مع روسيا.

وستغادر السفيرة جولي ⁠ديفيس ⁠​لدى أوكرانيا منصبها، الذي عينت فيه قبل أقل من عام، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، الثلاثاء، بسبب ‌خلافات ‌مع ​الرئيس ‌الأميركي، حسب تقارير إعلامية.

ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية اليومية، عن مصادر لم تسمّها، أن جولي ديفيس تشعر بإحباط متزايد بسبب عدم دعم إدارة ترمب لأوكرانيا. لكن وزارة الخارجية نفت وجود أي خلاف، وأشارت إلى أن ديفيس ستتقاعد.

صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في كييف (أ.ف.ب)

وعيّنت إدارة ترمب ديفيس التي لا تحمل رتبة سفيرة معتمدة من مجلس الشيوخ، في مايو (أيار) العام الماضي، بعد استقالة بريدجيت برينك التي كانت قد احتجت على ما اعتبرته «سياسة استرضاء» ينتهجها ترمب تجاه روسيا. وقال الناطق باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت: «من الخطأ التلميح إلى أن السفيرة ديفيس ستستقيل بسبب خلافات مع دونالد ترمب»، مضيفاً أنها «ستواصل بكل فخر الترويج لسياسات الرئيس ترمب حتى مغادرتها كييف رسمياً في يونيو (حزيران) 2026 وتقاعدها».

واشتكى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تزايد الهجمات الأوكرانية على مواقع مدنية داخل روسيا، مشيراً إلى ضربات حديثة استهدفت منشآت لتخزين النفط في مدينة توابسي المطلة على البحر الأسود. وقال بوتين، الثلاثاء، خلال اجتماع حول قضايا الأمن قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر (أيلول)، إن «هجمات الطائرات المسيرة تنفذ بشكل متزايد ضد البنية التحتية المدنية».

وأعلنت أوكرانيا أنها استخدمت أنظمة اعتراض لإسقاط أكثر من 33 ألف طائرة مسيرة روسية بمختلف أنواعها خلال شهر مارس (آذار)، في رقم قياسي شهري منذ بدء الحرب، بحسب ما أفاد به وزير الدفاع الأوكراني ميخايلوف يدوروف.

وشنت أوكرانيا ثلاث هجمات كبيرة على توابسي خلال الأسبوعين الماضيين. وبعد أحدث هجوم، وقع فجر الثلاثاء، اندلعت حرائق كبيرة مجدداً، ما دفع السلطات إلى إخلاء شوارع قريبة لأول مرة. وتحدث بوتين عن «عواقب محتملة خطيرة» على البيئة، لكنه نفى وجود خطر جدي حالياً على السكان، مؤكداً أن السلطات تسيطر على الوضع بعد اتصاله بحاكم إقليم كراسنودار فينيامين كوندراتيف.

وطورت أوكرانيا تكنولوجيا متقدمة للطائرات المسيرة أثبتت فاعليتها في ساحة المعركة، وأسهمت في صد الجيش الروسي الأكبر حجماً، كما أثارت اهتماماً عسكرياً من دول عدة حول العالم.

وبحسب مسؤولين أوكرانيين، تسعى دول في الشرق الأوسط والخليج إلى الحصول على طائرات اعتراض مسيرة كجزء من أنظمة دفاع جوي متكاملة، في ظل تداعيات الحرب مع إيران. وقال فيدوروف في منشور على تطبيق «تلغرام» إن أوكرانيا تعمل على زيادة إمدادات طائرات الاعتراض المسيرة للتصدي للهجمات الجوية الروسية، كما أن الجيش أنشأ قيادة جديدة ضمن سلاح الجو لتعزيز قدراته الدفاعية.

الدخان والنيران يتصاعدان من مصفاة توابسي النفطية في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية وقع الأسبوع الماضي (رويترز)

وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن بلاده تستعد لتصدير الأسلحة إلى الخارج، في ظل إنتاج يفوق احتياجات قواتها المسلحة. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي، الثلاثاء: «في بعض مجالات الإنتاج لدينا حالياً فائض يصل إلى 50 في المائة من القدرة الإنتاجية». وأضاف أن «تصدير الأسلحة الأوكرانية سيصبح واقعاً، لكن الجيش الأوكراني سيبقى دائماً له الأولوية في الحصول على ما يحتاج إليه، بينما يذهب الفائض إلى التصدير».

مسيّرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا تعمل بالفعل مع دول في الشرق الأوسط وأوروبا والقوقاز ضمن صيغة تعاون خاصة تعرف باسم «صفقات الطائرات المسيرة».

كما لفت إلى أن «ثمة اقتراحاً مطروحاً أيضاً على شركائنا الأميركيين»، موضحاً أن الاتفاقات المحتملة قد تشمل تصدير طائرات مسيرة وأنظمة دفاع وأنواع أخرى من الأسلحة، بما يسهم في تحسين الوضع المالي للبلاد. وأكد أن شروط هذه الصفقات يجب أن تكون «مفيدة لأوكرانيا مع وجود رقابة واضحة، وأن تستخدم العائدات لتعزيز دفاعاتها». وتشهد أوكرانيا توسعاً كبيراً في إنتاج الأسلحة منذ بدء الحرب الروسية واسعة النطاق قبل أكثر من أربع سنوات.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان، في وقت متأخر من الثلاثاء، أن العرض التقليدي الذي تنظمه روسيا بمناسبة الذكرى الـ81 لهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، ستجري دون معدات عسكرية. وهذه ستكون أول مرة منذ أن شنت موسكو غزواً شاملاً على أوكرانيا في عام 2022، لا توجد معدات عسكرية في المسيرة التي تجوب الميدان الأحمر في موسكو في التاسع من مايو المقبل، وهو اليوم الذي تحتفل فيه روسيا بأهم أعيادها وتظهر قدرتها العسكرية.

جنود أوكرانيون في غرفة تحوَّلت لكنيسة قرب الجبهة في دونيتسك (اللواء 93 الميكانيكي - أ.ف.ب)

من جانب آخر، يدرس الاتحاد الأوروبي فرض شروط أكثر صرامة لقرض قدمته لأوكرانيا وتمت المصادقة عليه رسمياً في قمة قبرص، الأسبوع الماضي، قيمته ‌90 مليار ​يورو (105.35 ‌مليار ⁠دولار)، ​ويشترط الاتحاد ربط بعض دفعات القرض بتعديل ضريبي ⁠على الشركات، لكن الاقتراح لا يحظى بقبول ​كبير.

وقال ‌تقرير «بلومبيرغ نيوز»، نقلاً ​عن مصادر مطلعة، الأربعاء، إن الخطة ستؤثر على ما قيمته 8.4 مليار ‌يورو مما يسمى بالمساعدة المالية الكلية ⁠من ⁠المتوقع منحها هذا العام في إطار البرنامج.


تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
TT

تشارلز يطوي محطة واشنطن بخطاب تاريخي أمام الكونغرس

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)
ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

تنفّس البريطانيون الصعداء، الأربعاء، بعد مغادرة الملك تشارلز العاصمة الأميركية باتّجاه نيويورك، غداة إلقاء خطاب تاريخي أمام الكونغرس وعقد محادثات ناجحة إلى حدّ كبير مع الرئيس دونالد ترمب، في محاولة لتجاوز الخلافات بين البلدين على خلفية حرب إيران.

ورغم نجاحها، فإن الزيارة لم تخلُ من المزحات المتبادلة بين القائدين والرسائل المبطّنة، كما شهدت خرقاً دبلوماسياً أثار بعض الجدل في المملكة المتّحدة؛ فخلال مأدبة عشاء رسمية أُقيمت، الثلاثاء، تكريماً للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا، قال الرئيس الأميركي إن العاهل البريطاني وافقه، خلال اجتماع خاص، على أنه لا ينبغي السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي. وقال ترمب للحضور: «نقوم ببعض العمل في الشرق الأوسط حالياً... ونحقق تقدماً جيداً للغاية. لقد هزمنا عسكرياً ذلك الخصم تحديداً، ولن نسمح أبداً لذلك الخصم - تشارلز يوافقني، بل أكثر مني - لن نسمح له أبداً بامتلاك سلاح نووي».

جانب من مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض مساء 28 أبريل (أ.ف.ب)

ورغم أن كثيرين في بريطانيا قد يتفقون مع هذا الطرح، فإن تصريح ترمب أثار قدراً من الاستغراب بين المعلقين في المملكة المتحدة؛ إذ يُعدّ ذلك خرقاً واضحاً للبروتوكول. وبحسب الأعراف، لا يُفترض كشف تفاصيل المحادثات الخاصة مع الملك، وذلك جزئياً؛ لأنه يتوقّع من الملك البقاء فوق التجاذبات السياسية، وأيضاً لأن العاهل لا يستطيع الدخول في نقاش عام لتصحيح ما قد يُنقل عنه إذا أسيء اقتباسه.

وقال كريغ بريسكوت، الخبير في القانون الدستوري وشؤون الملكية في جامعة رويال هولواي بلندن، لوكالة «أسوشييتد برس» إنه «بشكل عام، ومن حيث البروتوكول، أتوقع أن تبقى المناقشات بين رؤساء الدول خلف الكواليس، في تلك الاجتماعات المغلقة، وأن تُحفظ سريتها». وأضاف: «هذا أمر كانت الحكومة البريطانية ترغب في تجنبه».

توتّر بين الحليفين

تأتي زيارة تشارلز وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، في اليوم الثالث من زيارتهما ⁠الرسمية للولايات المتحدة، في ظل توتر في العلاقات بين البلدين، بعد ‌أن انتقد ترمب مراراً رئيس الوزراء البريطاني ‌كير ستارمر لما يصفه سيد البيت الأبيض بـ«التقاعس» عن المساعدة في ​الحرب على إيران.

ترمب مستقبلاً الملك تشارلز والملكة كاميلا في البيت الأبيض يوم 28 أبريل (أ.ب)

وكما هو الحال في جميع الزيارات الملكية، تُعدّ هذه الزيارة حدثاً دبلوماسياً منظماً بعناية، ويتم بناءً على طلب الحكومة البريطانية التي تأمل أن تسهم العلاقات الودية بين الملك وترمب، الذي يُظهر إعجاباً بالمؤسسة الملكية، في إصلاح هذا التوتر.

لكن ترمب يُعرف بأسلوبه غير التقليدي وميله إلى خرق الأعراف، ما أثار تساؤلات بشأن ما قد يقوله أو يفعله. وفي هذه الحالة، بدا أن تصريحات الملك - كما نقلها ترمب - تقع ضمن حدود السياسة البريطانية القائمة.

وقال قصر باكنغهام، في بيان يهدف إلى وضع تصريحات الرئيس في سياقها، إن «الملك يدرك بطبيعة الحال موقف حكومته الراسخ والمعروف جيداً بشأن منع انتشار الأسلحة النووية». وقال بريسكوت: «بطبيعة الحال، كان هذا هو التحدي دائماً: ماذا سيفعل ترمب أو يقول؟ هل سيضع الملك في موقف محرج؟». وأضاف: «كان هناك دائماً احتمال لما قد ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي... وأعتقد أن الأمر كان يمكن أن يكون أسوأ بكثير».

خطاب تاريخي

وقبل مأدبة العشاء الرسمية، ألقى الملك تشارلز خطاباً أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي، قوبل بتصفيق حار ومتكرر، حيث أشاد بالعلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، مع الإشارة إلى بعض نقاط الخلاف بشأن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والدعم لأوكرانيا، وضرورة مواجهة التغير المناخي.

استقبال ملك بريطانيا تشارلز أمام الكونغرس في واشنطن 28 أبريل 2026 (رويترز)

وقال تشارلز أمام الجلسة المشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب، إن «التحديات التي نواجهها أكبر من أن تتحملها أي دولة بمفردها»، داعياً الشركاء إلى الدفاع عن القيم المشتركة. وأضاف: «مهما كانت اختلافاتنا، ومهما كانت خلافاتنا، نحن نقف متحدين في التزامنا دعم الديمقراطية».

وألقى تشارلز الثالث خطابه تزامناً مع احتفال الولايات المتحدة بـ250 عاماً على إعلان استقلال المستعمرات الأميركية عن التاج البريطاني في 4 يوليو (تموز) 1776. وتابع: «أصلّي من كل قلبي أن يستمر تحالفنا في الدفاع عن قيمنا المشتركة... وأن نتجاهل الدعوات إلى مزيد من الانغلاق على أنفسنا»، مُشيراً إلى أن «هناك حاجة إلى عزيمة لا تلين للدفاع عن أوكرانيا وشعبها الشجاع، من أجل ضمان سلام عادل ودائم».

وكان الرئيس الأميركي قد أكّد، الثلاثاء، أن ليس لدى الولايات المتحدة «أصدقاء أقرب من البريطانيين»، خلال مراسم استقبال تشارلز الثالث والملكة كاميلا في البيت الأبيض.

وهذه ثاني مرة فقط يلقي فيها عاهل بريطاني كلمة في الكابيتول في واشنطن، بعد خطاب الملكة إليزابيث الثانية عام 1991.

وبعد تصفيق حار من المشرّعين، دان الملك البريطاني العنف السياسي، وأعرب عن أسفه لإطلاق النار الذي وقع، السبت، خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض، معتبراً أن ما حدث هو محاولة لـ«إثارة المزيد من الخوف والفتنة»، لكنه أضاف: «لن تنجح مثل هذه الأعمال العنيفة أبداً» في ذلك. كما دعا الملك المعروف بدفاعه عن الطبيعة، إلى حماية البيئة.

محطة نيويورك

وصل تشارلز الثالث وكاميلا إلى نيويورك، الأربعاء، لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الإرهابية التي استهدفت المدينة في 11 سبتمبر (أيلول) 2001. وبدأ ملك وملكة بريطانيا يومهما في نيويورك بحضور مراسم في النصب التذكاري للضحايا ‌في جنوب مانهاتن، حيث دمر انتحاريون من تنظيم «القاعدة» برجي مركز التجارة العالمي، في هجوم أودى بحياة ما يقرب من 2800 شخص. والتقى تشارلز برئيس بلدية مدينة نيويورك زهران ممداني خلال المراسم.

الملك تشارلز والملكة كاميلا برفقة رئيس بلدية نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ خلال زيارة نصب تذكاري لضحايا 9/11 يوم 29 أبريل (أ.ف.ب)

ويتوجه الملك ‌بعد ذلك إلى هارلم لزيارة منظمة مجتمعية محلية أطلقت مبادرة زراعية بعد الدوام الدراسي بهدف مكافحة انعدام الأمن الغذائي. ومثلت ⁠هذه المشاريع شغفاً ⁠للملك على مدى عقود. وفي الوقت نفسه، ستحتفل كاميلا بالذكرى المئوية لميلاد شخصية «ويني ذا بو» الخيالية التي ابتكرها إيه إيه ميلن، نيابة عن مؤسستها الخيرية «غرفة قراءة الملكة» في فعالية يصفها قصر بكنغهام بأنها «أدبية».


تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا وأرمينيا إلى تعاون يتجاوز الخلافات و«مزاعم الإبادة» بدعم أميركي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 (الرئاسة التركية)

قطعت تركيا وأرمينيا خطوة جديدة على طريق تطبيع العلاقات بينهما، بعد عقود من قطع العلاقات وخلاف عميق بشأن مزاعم «الإبادة الجماعية للأرمن» عام 1915 خلال فترة الدولة العثمانية، التي تحييها أرمينيا وكثير من الدول الغربية في 24 أبريل (نيسان) من كل عام.

واستبدلت أنقرة ويريفان، هذا العام، بحالة التوتر والتراشق التي كانت تصاحب إحياء ذكرى الإبادة المزعومة، التي لا تعترف بها تركيا وتؤكد أنها كانت أحداثاً وقعت في شرق الأناضول إبان الحرب العالمية الأولى خلفت ضحايا من الجانبين، العملَ على مشروعات تعاون تسهم في دفع جهود تطبيع العلاقات المجمدة منذ عام 1993 بسبب النزاع على إقليم ناغورنو قره باغ بين أرمينيا وأذربيجان.

تفاهمات بترحيب أميركي

ووسط ترحيب أميركي، عُقد في مدينة كارص الحدودية مع أرمينيا في شمال شرقي تركيا، اجتماع لـ«مجموعة العمل المشتركة» بين البلدين، التي تشكلت بهدف إعادة تأهيل وتشغيل خط السكك الحديدية بين كارص ومدينة غيومري الأرمينية.

جانب من اجتماع تركي - أرميني في مدينة كارص الحدودية لبحث إعادة تشغيل خط سكة حديد بين البلدين (الخارجية التركية)

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن الاجتماع، الذي عقد الثلاثاء، جاء في إطار تفاهمات جرى التوصل إليها ضمن مسار تطبيع العلاقات بين البلدين، الذي انطلق منذ عام 2021.

ووفق البيان، فقد أكد الجانبان أهمية إعادة تفعيل خط السكك الحديدية بين كارص وغيومري في أسرع وقت ممكن، في إطار تعزيز روابط النقل الإقليمية.

ورحب السفير الأميركي لدى تركيا، توم برّاك، بالاجتماع، ووصفه، عبر حسابه على منصة «إكس»، بأنه «نقطة تحول مهمة» من حيث الترابط الإقليمي والسلام. وذكر برّاك أن خط كارص - غيومري كان ممراً تجارياً محورياً وحيوياً يربط المنطقة لأكثر من قرن، إلا إن آخر قطار مر عبره كان في يوليو (تموز) 1993.

وأضاف: «أُثمن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها تركيا وأرمينيا لتقريب اقتصاديهما وشعبيهما من جديد»، لافتاً إلى أن هذا التقدم يعكس الرؤية التي طرحها «مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، وقمة السلام «التاريخية» التي عُقدت (بين أميركا وأذربيجان وأرمينيا) في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس (آب) 2025.

وأطلقت تركيا، التي دعمت أذربيجان بقوة في حربها في ناغورنو قره باغ عام 2020، مباحثات لتطبيع العلاقات وحل القضايا الخلافية العالقة مع أرمينيا في عام 2021، وعينت سفيرها السابق لدى الولايات المتحدة، سردار كيليتش، ممثلاً خاصاً لها، كما عينت أرمينيا نائب رئيس برلمانها، روبن روبينيان، ممثلاً خاصاً لها، في إطار عملية الحوار بينهما، التي لا تزال مستمرة حتى الآن.

مصافحة بين الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال قمة بالبيت الأبيض برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أغسطس 2025 (إ.ب.أ)

وتوصلت أذربيجان وأرمينيا، العام الماضي، إلى اتفاق بشأن نص اتفاقية سلام؛ مما أسهم في دفع العلاقات الأرمينية - التركية. وفُتح معبر «أليكان- مارغارا» الحدودي بين البلدين، لأول مرة منذ 35 عاماً، لعبور المساعدات الإنسانية من أرمينيا إلى تركيا بعد زلزال 6 فبراير (شباط) 2023.

تقدم على مسار التطبيع

وحضر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، حفل تنصيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لولاية رئاسية جديدة في يونيو (حزيران) 2023، وبعد عامين أجرى أول زيارة عمل لتركيا بدعوة من إردوغان في 20 يونيو 2025، كانت الأولى على هذا المستوى بعد كثير من اللقاءات السابقة بين مسؤولي البلدين في محافل مختلفة.

ولم يطبق البروتوكول المعمول به في الزيارات الرسمية بالنسبة إلى رؤساء الدول والحكومات الآخرين على باشينيان، الذي التقى إردوغان بالمكتب الرئاسي في «قصر دولمه بهشه» بإسطنبول.

جانب من مباحثات إردوغان وباشينيان في إسطنبول يوم 20 يونيو 2025 بحضور وزيرَي خارجية البلدين (الرئاسة التركية)

لكن رئيس البرلمان الأرميني، ألين سيمونيان، وصف زيارة باشينيان بـ«التاريخية»؛ لأنها أول زيارة على مستوى رئيس وزراء أرميني، مؤكداً أن اجتماعه مع إردوغان اكتسب أهمية بالغة في سياق عملية التطبيع التي تجريها تركيا وأرمينيا، اللتان لم تُقما علاقات دبلوماسية بعد.

وقيّم باشينيان العلاقات بتركيا، خلال زيارة لاحقة لجمهورية التشيك، قائلاً: «عقدنا اجتماعات عدة بناءة للغاية مع الرئيس إردوغان، ورغم عدم تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، حتى الآن، فإننا قد أحرزنا تقدماً ملحوظاً».

وأضاف: «على سبيل المثال، قبل 3 سنوات، عندما أرادت أرمينيا معرفة موقف تركيا من قضية ما، لم يكن بإمكانها ذلك إلا من خلال وساطة أطراف ثالثة، أما اليوم، فنجري اتصالات مباشرة، بل يومية، مع جيراننا».