انسحاب فرنسا من الساحل: تآكل  النفوذ السياسي وتضرر المصالح الاقتصادية

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

انسحاب فرنسا من الساحل: تآكل  النفوذ السياسي وتضرر المصالح الاقتصادية

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

لم تخطئ السلطات الفرنسية بأن ضبطت توقيت انسحاب آخر مجموعة من قواتها من النيجر، ليتوافق مع احتفالات رأس السنة، بحيث لم يلق سوى باهتمام محدود من السياسيين ومن الإعلام الفرنسي. وبالتوازي، أعلنت باريس إغلاق سفارتها في نيامي بعد أن ألزم سفيرها في العاصمة النيجرية على مغادرة البلاد، بطلب من المجلس العسكري، الذي أطاح بنظام الرئيس محمد بازوم المقرب من الرئيس إيمانويل ماكرون. وبذلك تكون فرنسا قد أسدلت الستار على حضورها العسكري في ثالث بلد من بلدان الساحل (بعد مالي وبوركينا فاسو) ما يعني وبشكل واضح، انحسار نفوذها في هذه المنطقة التي كانت معقودة اللواء لها منذ عشرات السنوات.

الخيط الجامع بين البلدان الثلاثة أنها كلها عرفت في السنوات الثلاث الأخيرة مجموعة انقلابات عسكرية، أطاحت بالحكم المدني فيها، وأوصلت مجالس عسكرية معادية لفرنسا لم تنتظر كثيرا حتى طالبت برحيل القوات الفرنسية عن أراضيها.

بدأت الأمور مع المجلس العسكري في مالي، حيث أرسلت باريس قواتها العسكرية، بداية عام 2013، للوقوف بوجه نزول القوات المتمردة من الطوارق ومجموعات متطرفة باتجاه العاصمة باماكو. أطلق على العملية اسم «سرفال» وتغير اسمها بداية عام 2014 ليصبح «برخان»، وارتفع عددها ليصل إلى 4000 رجل مع توسيع نطاق عملياتها بحيث أخذ يشمل، إلى جانب مالي، بوركينا فاسو، والنيجر وتشاد. وفي هذه البلدان الثلاثة، أقامت باريس واستخدمت قواعد عسكرية رابطت فيها قواتها وأقامت القيادة الرئيسية لـ«برخان» في نجامينا، العاصمة التشادية، قريبا من مطارها الدولي كما كانت الحال في نيامي.

رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم المقرب من فرنسا (أرشيفية: أ.ف.ب)

ثمة سؤال حيّر المسؤولين الفرنسيين: كيف تمكّن العسكريون من تحضير انقلاباتهم في ثلاثة بلدان ترابط فيها قوات فرنسية وتنشط فيها؟ بطبيعة الحال، المخابرات الفرنسية الخارجية المسماة «المديرية العامة للأمن الخارجي» التي كان يديرها السفير السابق برنار إيميه، والذي استبدل مؤخرا بواسطة نيكولا ليرنير الذي كان يشرف على المديرية العامة للأمن الداخلي، وهناك ربط بين فشل المخابرات الخارجية في اكتشاف الانقلابات الأفريقية قبل حدوثها من جهة، وبين عجزها عن اكتشاف تهيؤ القوات الروسية لغزو أوكرانيا، وبين إخراج السفير إيميه من منصبه.

تنبغي الإشارة إلى أن القوات الفرنسية تدخلت عسكريا في كثير من البلدان الأفريقية، موريتانيا وليبيا وتشاد وتوغو والكاميرون وجمهورية وسط أفريقيا وزائير ورواندا وجزر القمر، بالإضافة إلى البلدان الأربعة في منطقة الساحل المذكورة سابقا. لكنّ الفرق الرئيسي بين العمليات السابقة والعمليات التي انطلقت في مالي عام 2013 وامتدت إلى دول الجوار (بوركينا فاسو والنيجر وتشاد) يكمن في أن الأخيرة منها كانت تركز على محاربة الإرهاب، بينما العمليات الأولى كان هدف غالبيتها مساعدة أنظمة صديقة لفرنسا والحؤول دون سقوطها. والحال، أن عملية «سرفال» عدت ناجحة لأنها حمت العاصمة باماكو وأجبرت المتمردين على الانكفاء إلى أقصى شمال البلاد. والدليل على ذلك أن الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي أمر بإرسال الجيش إلى مالي، استُقبل لاحقاً في العاصمة باماكو استقبال الأبطال المحررين. وقال هولاند لصحيفة «لو موند» المستقلة: «لقد اتخذت قرار التدخل الذي لم يكن (أساسا) في مصلحة فرنسا، رغم أن محاربة الإرهاب يمكن أن تعني حماية الفرنسيين، سريعا جدا، استجابة لطلب دول غرب أفريقيا لا بل تحت إلحاحها».

متظاهرون داعمون للانقلابيين في نيامي 9 ديسمبر 2023 (إ.ب.أ)

لكن بعد مرور عشر سنوات على إطلاق «سرفال»، ثم «برخان»، لا يبدو أن مهمة محاربة الإرهاب قد توجت بالنجاح، رغم أن القوة الفرنسية نجحت في القضاء على عدد من قادة التنظيمات المتطرفة والإرهابية. فبعد شمال ووسط مالي، فإن هذه التنظيمات تهدد بوركينا فاسو والنيجر، لا بل إنها تتمدد نحو بلدان خليج غينيا ومنها كوت ديفوار وبنين وتوغو.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية، إيلي تينينبوم، في تفسير الفشل الفرنسي، أن «برخان» كان يفترض بها «أن ترافق مسارا سياسيا، اجتماعيا واقتصاديا، وأن توفر المهلة الكافية للسلطات المحلية حتى تسوي المشكلات التي تتغذى منها المنظمات الإرهابية والجهادية». والحال، أن هذا المسار إما لم ير النور أبدا، وإما أن مفاعيله كانت محدودة. وقد فتح ذلك الباب أمام الدعاية المعادية لفرنسا، التي ذهبت إلى حد اتهام باريس بـ«التواطؤ» مع هذه التنظيمات. أما السبب الآخر فهو عسكري محض أساسه أن عدد القوة الفرنسية، الذي تأرجح ما بين 4 و5 آلاف عنصر لم يكن أبداً كافياً لتغطية ثلاثة بلدان تبلغ مساحتها الإجمالية 2,754 مليون كلم مربع. لكن الكثير من سكان الساحل كان يتساءل، وفق الباحث الأفريقي باب داكومو، كيف أن جيشا مثل الجيش الفرنسي المجهّز بأحدث الأسلحة، يعجز عن القضاء على عدة مئات من العناصر المتمردة.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ما كان للفشل العسكري أن يبرر الرغبة الأفريقية في خروج القوات الفرنسية من بلدان الساحل، لو لم يكن مستندا إلى رفض سياسي برز من خلال المظاهرات والاحتجاجات التي ألهبت العواصم الثلاث (باماكو وواغادوغو ونيامي)، التي كانت تطالب أسبوعا وراء أسبوع برحيل الفرنسيين. وترى باريس في تأجيج النقمة على فرنسا يد روسيا وأجهزتها الإعلامية وبعض الشخصيات المؤثرة في الدول الثلاث المذكورة. وتلجأ هذه الأجهزة إلى التلويح بورقة مناهضة المستعمر السابق الذي لا يزال مع هذه الدول، رغم مرور ما يزيد على ستين عاما على استقلالها وكأنها ما زالت مستعمرات له. ولتوصيف هذه السياسة يستخدم مفهوم «سياسة فرنس - أفريك» الذي قام على التزام فرنسا بحماية الأنظمة القائمة في الساحل، مقابل أن تصوت إلى جانب فرنسا في الأمم المتحدة، وأن تكون الأفضلية الاقتصادية للشركات الفرنسية. ورغم أن الرئيس الاشتراكي، فرنسوا ميتران، كان أول من دعا للانقطاع عن هذه السياسة، فإن كثيرين يرون أنها ما زالت قائمة عمليا وبأشكال مختلفة. وما فتئ الرئيس ماكرون يردد أن «زمن هذه السياسة انتهى إلى غير رجعة». يضاف إلى ما سبق أن هناك اقتناعاً مفاده أن باريس تقولب سياستها، في ملف الحريات وحقوق الإنسان، وفقا لمصالحها الذاتية، فهي مثلا نددت بالانقلابات التي حصلت في باماكو وواغادوغو وميامي، لكنها لم تر عيبا في الانقلاب الذي حصل في تشاد بعد وفاة الرئيس إدريس ديبي في ساحة القتال، وسيطرة ابنه محمد إدريس ديبي على السلطة منتهكاً دستور البلاد.

تبقى الإشارة إلى أن رفض السياسة الفرنسية يتوازى مع رفض ما يسمى «الهيمنة الاقتصادية» على دول الساحل وعلى غيرها من منطقة النفوذ الفرنسية. وأحد رموز الهيمنة الفرنسية الاقتصادية والمالية عنوانه الفرنك الأفريقي واسمه الرسمي «المجموعة المالية الأفريقية» الذي ينظر إليه كأحد «رموز الإمبريالية الفرنسية». الفرنك الأفريقي رأى النور في عام 1945 أي قبل استقلال غالبية الدول الدائرة في الفلك الفرنكوفوني بـ15 إلى 20 عاما. وتلتزم الدول التي تستخدم هذه العملة بوضع نصف أصولها في حساب في البنك المركزي الفرنسي. كذلك، فإن ممثلين للسلطات الفرنسية يشاركون في إدارة البنوك المركزية الأفريقية إضافة إلى أن العملات الأفريقية تطبع حكما في فرنسا. وباختصار، فإن الفرنك الفرنسي يعد، في نظر الرأي العام الأفريقي، على أنه «تبعية لفرنسا ولاقتصادها». وحتى اليوم، لم تنجح المحاولات كافة لإصلاح هذا الوضع. ثم إن تمسك فرنسا في منح مساعدات التنمية للدول الأفريقية والساحل خصوصاً وفق معايير محددة ذات علاقة بالحوكمة واحترام حقوق الإنسان والحرية الصحافية وخلافها، يدفع الكثيرين إلى اعتبار أن باريس تمارس الوصاية على هذه الدول، الأمر الذي أصبح مرفوضاً إلى حد بعيد.


مقالات ذات صلة

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

آسيا امرأة أفغانية ترتدي البرقع تستقل سيارة أجرة في قندهار 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«الأمم المتحدة»: «طالبان» تحتجز عشرات الأفغانيات بسبب قواعد اللباس

أعلنت «الأمم المتحدة» احتجاز 52 امرأة وفتاة واحدة على الأقل في أفغانستان، بدعوى مخالفة قواعد «طالبان» للّباس، محذّرة من انتهاك حقوقهن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا وزير الثقافة والاتصال الناطق باسم الحكومة الحسين ولد امدو خلال مؤتمر صحافي مساء الأربعاء (تواصل اجتماعي)

موريتانيا: توقيف 17 متهماً في شبكة «ابتزاز إلكتروني»

أعلنت الحكومة الموريتانية، مساء الأربعاء، توقيف 17 شخصاً خلال حملة أمنية واسعة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني».

شمال افريقيا ممثل الجزائر بمجلس حقوق الإنسان بجنيف (بعثة الجزائر بجنيف)

الجزائر تدفع بملف الألغام الاستعمارية إلى واجهة حقوق الإنسان

قالت الجزائر إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد قراراً بشأن مشروع تقدمت به في يونيو (حزيران) الماضي، يتعلق بالألغام المضادة للأفراد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة تصويت النواب على مشروع مراجعة قانون العقوبات (البرلمان)

«الأمة الجزائري» يصادق على قانون يمهد لإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام

صادق مجلس الأمة الجزائري، الأربعاء، بالإجماع على نص القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، والمتضمن استحداث عقوبة الإعدام لعدد من الجرائم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مظاهرة احتجاجية في شارع الحبيب بورقيبة بتونس يوم 25 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

تونس: توسع قائمة المعارضين المضربين عن الطعام في السجن

توسعت قائمة المعارضين المضربين عن الطعام بالسجن في تونس لتشمل أيضاً السياسي عبد المجيد الجلاصي، والقيادي بـ«حركة النهضة» الصحبي عتيق.

«الشرق الأوسط» (تونس)

بريطانيا تعرض على ألمانيا الانضمام إلى مشروع «مقاتلة الجيل المقبل»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

بريطانيا تعرض على ألمانيا الانضمام إلى مشروع «مقاتلة الجيل المقبل»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)

في وقت تلف فيه ألمانيا فضيحة الاتهامات بالتجسس المرتبطة بالرئيس الأسبق لمخابراتها أوغست هانينغ، وصل رئيس الحكومة البريطانية أندي بيرنهام إلى برلين في زيارة هي الأولى له منذ تسلمه مهامه.

وبحسب بيان بريطاني، فإن بيرنهام يريد تعميق التعاون مع ألمانيا في مكافحة الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتهديدات الهجينة، مشيراً إلى أن هذا التهديد «الذي يشكله خصومنا - خاصة روسيا - يهدد أمننا المشترك». وأضاف البيان أن البلدين «يلتزمان بشراكة لمواجهة التهديدات الهجينة والتصدي للأنشطة العدائية التي تهدد الأمن والرخاء في بلدينا».

ومن غير الواضح ما إذا فضحية تورط هانينغ مع مخابرات أجنبية ستؤثر على شكل هذا التعاون، أو ما إذا كان الرجلان قد تطرقا إليه خلال لقائهما. ولم يعقد الزعيمان مؤتمراً صحافياً بل اكتفيا ببيانات لخصت النقاط التي ركز عليها اللقاء. وتتزايد المخاوف من أن تتراجع الثقة بالمخابرات الألمانية بعد اعتقال هانينغ، خاصة أن صحيفة «تيليغراف» نقلت مخاوف المخابرات البريطانية من تراجع الثقة بالمخابرات الألمانية بعد اعتقال رئيسها الأسبق بتهمة التجسس.

وتتزايد المخاوف من هجمات هجينة في أوروبا، خاصة في ألمانيا، تتسبب بها روسيا. وقد عثرت السلطات الألمانية في أغسطس (آب) الماضي على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ، اتهمت برلين موسكو بالوقوف خلفها. وبعد إثبات التحقيقات تورط الكرملين، أعلنت ألمانيا عن إغلاق المركز الثقافي الروسي في برلين والقنصلية الروسية في بون. وردت موسكو بالمثل، مُعلنةً إغلاق المركز الثقافي الألماني في عدد من المدن الروسية.

مشروع مقاتلات مشتركة

وفي ملف دفاعي آخر برز خلال الزيارة، قال بيرنهام إنه منفتح على انضمام ألمانيا إلى مشروع المقاتلة من الجيل المقبل «برنامج القتال الجوي العالمي» (GCAP)، الذي تعمل عليه بريطانيا وإيطاليا واليابان، ويهدف إلى استبدال مقاتلات «يوروفايتر تايفون» و«ميتسوبيشي إف - 2» المستخدمة حالياً في هذه الدول، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ميرتس وبيرنهام على شرفة المستشارية في برلين يوم 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقال بيرنهام خلال زيارته إلى برلين إنه أبلغ المستشار فريدريش ميرتس خلال محادثاتهما بـ«انفتاح بريطانيا على انضمام ألمانيا إلى GCAP»، مُضيفاً أنه يأمل في العمل مع إيطاليا واليابان «خلال الفترة المقبلة» بشأن إمكان انضمام برلين إلى البرنامج. ولم يعلق ميرتس على هذه المسألة خلال ظهوره إلى جانب بيرنهام.

ويأتي الطرح البريطاني بعد انهيار المشروع المنافس الذي كانت تعمل عليه ألمانيا مع فرنسا وإسبانيا، المعروف باسم «نظام القتال الجوي المستقبلي» (FCAS)، في يونيو (حزيران) الماضي، وسط خلافات بين الشركات المشاركة. وكان المشروع قد تعثّر بعدما طالبت مجموعة «داسو» الفرنسية لصناعات الطيران بسيطرة أكبر على المبادرة، ما أثار اعتراضات في برلين ولدى قطاع الدفاع في شركة «إيرباص» الذي يتخذ من ألمانيا مقراً له.

وكانت فرنسا وألمانيا قد شدّدتا في إطار المشروع على ضرورة الحفاظ على دور الصناعات المحلية في برامج الدفاع المتطورة، وهو ما قد يشكل عقبة أمام انضمام ألمانيا إلى «GCAP»، بعدما اقتسمت شركات كبرى في الدول الثلاث المشاركة، بينها «بي إيه إي سيستمز» البريطانية و«ليوناردو» الإيطالية و«ميتسوبيشي» اليابانية، جزءاً كبيراً من الأعمال بالفعل. كما طُرحت شركة «ساب» السويدية كشريك محتمل لألمانيا و«إيرباص» في تطوير مقاتلة من الجيل المقبل.

ورغم انهيار برنامج «FCAS» بشكله المتعلق بالمقاتلة، يؤكد مسؤولون فرنسيون وألمان أن أجزاء أخرى من المشروع، بينها أنظمة الحوسبة القتالية المترابطة وأسراب الطائرات المسيّرة التي يُفترض أن ترافق المقاتلة، ستستمر. كما عرض تحالف يضم ثماني شركات، من بينها «إيرباص»، على برلين تطوير المقاتلة الجديدة بنفسه بديلاً عن المشروع الفرنسي - الألماني المتعثر، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

«معاهدة كنزنغتون»

خلال الزيارة، وقع بيرنهام وميرتس على معاهدة الصداقة التي تعرف بـ«معاهدة كنزنغتون»، والتي تهدف إلى تحديد أطر تعاون بين البلدين مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت الوثيقة التي تضم 27 صفحة، قد وقعت خلال الزيارة الأولى التي أجراها ميرتس إلى بريطانيا في يوليو (تموز) من العام الماضي مع سلف بيرنهام المستقيل، كير ستارمر.

ميرتس وبيرنهام يشاركان في «مؤتمر النمو الإقليمي» في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)

وتُركّز وثيقة العمل على تعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والدفاع والأمن والنمو. وكان في صلب الزيارة كذلك تبادل الطلاب بين البلدين، وقد التقى بيرنهام بموجة منتقاة من الطلاب الألمان من مدرسة عامة في برلين يدرسون الإنجليزية. وقال ميرتس في بيان إن المعاهدة ستفتح «فرصاً جديدة للتعاون بين بريطانيا وألمانيا بعد الخروج المؤسف لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي توفر في المقام الأول وصولاً أفضل لكلا البلدين من دون تأشيرات بما في ذلك الإقامات الطويلة لأطفال المدارس وطلاب الجامعات والتبادل الطلابي». وشدّد ميرتس أن المعاهدة هدفها «أن تظهر لجيل الشباب مدى جودة التعاون بين الأوروبيين وارتباطنا ببعضنا».

وكان بيرنهام قد لمح إلى استعداده لطرح إعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن الخروج تسبّب بأذى أكثر مما أفاد بريطانيا، ليصبح أول رئيس وزراء بريطاني يطرح الفكرة منذ «بريكست». وأبدت ألمانيا انفتاحاً على عودة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن الانضمام من جديد «لن يفشل بسبب الاتحاد الأوروبي».


هانينغ المتهم «بالتجسس والخيانة العظمى» في ألمانيا تواصل مع إسرائيل والصين وأذربيجان

صورة أرشيفية لهانينغ من عام 2006 (رويترز)
صورة أرشيفية لهانينغ من عام 2006 (رويترز)
TT

هانينغ المتهم «بالتجسس والخيانة العظمى» في ألمانيا تواصل مع إسرائيل والصين وأذربيجان

صورة أرشيفية لهانينغ من عام 2006 (رويترز)
صورة أرشيفية لهانينغ من عام 2006 (رويترز)

يستمر الغموض حول الجهة أو الجهات التي تجسس لصالحها الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني «بي إن دي»، أوغست هانينغ، بعد أن اختار المدعي العام الفيدرالي عدم الكشف عن ذلك في بيانه الذي أعلن فيه عن اعتقال أكبر رأس في المخابرات الألمانية «بي إن دي» وتوجه اليه اتهامات تجسس وخيانة عظمى.

تعتزم لجنة البرلمان الألماني المختصة بالرقابة على أجهزة الاستخبارات التعمق في التحقيقات المتعلقة بالقضية. وجاء في إحاطة صادرة عن اللجنة أنها تلقت ببالغ القلق الاتهامات الخطيرة الموجهة إلى هانينغ ومدير مكتبه السابق، كما تلقت من الحكومة الألمانية تقريراً شاملاً حول القضية. وأوضحت أن «الهدف من ذلك هو الكشف في أقرب وقت ممكن عن ملابسات القضية، والإسهام في معالجة المشكلات الهيكلية والتنظيمية القائمة».

شرطي يرفع أدلة من مكتب في وسط برلين كان يستخدمه رئيس المخابرات الأسبق أوغست هانينغ المعتقل بتهمة التجسس (د.ب.أ)

وقد ألقي القبض على هانينغ ومدير مكتبه السابق، مانفريد د.، الثلاثاء للاشتباه في ضلوعهما في التجسس. ويقبع الرجلان الآن في الحبس الاحتياطي. ويُشتبه في أن مدير المكتب زوَّد هانينغ، مقابل المال، بوثائق داخلية لجهاز «بي إن دي»، وأن هانينغ استخدمها في نشاطه بصفته مستشاراً أمنياً.

وتحدثت وسائل إعلام عن تورط هانينغ مع الصين وأذربيجان وإسرائيل. وذكر موقع مجلة «دير شبيغل» أن هانينغ كان على تواصل مع جنرال صيني بعد يوم على الكشف عن أنه كان على تواصل مع المخابرات في دولة أذربيجان، وهي معلومات رفضت السلطات الألمانية تأكيدها. وسئل المتحدث باسم الحكومة الألمانية في المؤتمر الصحافي الدوري حول ذلك، ولكنه رفض تأكيد أو نفي المعلومة. كما رفض الإفصاح عما إذا كانت برلين قد تلقت اعتراضاً أو شكوى من أذربيجان حول تلك الاتهامات.

وكانت وكالة «رويترز» قد نقلت، الأربعاء، عن مجلس الإعلام والبث في أذربيجان قوله إن ربط هانينغ بالمخابرات في أذربيجان «هي معلومات مختلقة وجزء من حملة لتشويه سمعة البلاد». ونقلت «وكالة أنباء أذربيجان»، أن باكو سلمت اعتراضاً على ربطها بقضية هانينغ، إلى مكتب المستشار الألماني وإلى الخارجية الألمانية عبر القنوات الدبلوماسية. ولكن متحدث باسم الخارجية الألمانية رفض أيضاً تأكيد ذلك.

وكانت مجلة «دير شبيغل» قد نقلت عن مصادر لم تسمها، أن أحد العملاء الذين كان يتسلم تقارير من هانينغ قد يكون ينتمي إلى مخابرات أذربيجان. ويتهم المدعي العام الفيدرالي المدير الأسبق للمخابرات الألمانية بالتواصل مع عميلين في مخابرات أجنبية لم يسمَّ أي منها.

المدير السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية أوغست هانينغ (أ.ف.ب)

وبعد يوم على ربط هانينغ بأذربيجان، ذكرت «دير شبيغل» أن هانينع كان يبقي على علاقات مقربة مع مسؤول عسكري صيني هو الجنرال وانغ جيان زينغ، خدم في السفارة الصينية في برلين الشرقية بين عامي 1987 و1990 ويعدّ واحداً من الخبراء في ألمانيا داخل المخابرات الصينية. وحسب «دير شبيغل»، فإن السلطات الألمانية تحقق الآن فيما إذا كان هانينغ قد مرر معلومات حساسة للجنرال الصيني. ولم يصدر بعد أي تعليق من الصين حول الموضوع.

وتتداول وسائل الإعلام الألمانية كذلك تفاصيل عن علاقة مقربة تجمع بين هانينغ والمخابرات الإسرائيلية، وهو كان استخدم عناصر سابقين من الموساد لتنفيذ عملية اختطاف طفلين بعد أن لجأت إليه والدتهما، وهي سيدة أعمال ألمانية ثرية تنتمي إلى عائلة بلوك وعلى خلاف مع زوجها السابق. وكانت هذه القضية هي التي قادت السلطات الألمانية إلى اتهام هانينغ بالتجسس، بعد أن فتحت تحقيقاً لارتباطه باختطاف الطفلين.

عناصر من الشرطة أمام منزل هانينغ في نوردفالده بولاية شمال الراين فستفاليا بعد اعتقاله (د.ب.أ)

ووجَّه الادعاء العام اتهامات لهانينغ بالتجسس والخيانة العظمى وكشف أسرار الدولة، وبدفعه أموالاً لتلقي تقارير استخبارتية ألمانية فائقة السرية من موظف كان ما زال يعمل في وكالة الاستخبارات الألمانية حتى يونيو (حزيران) الماضي، وكان يعمل مدير مكتبه أيام ترؤسه الوكالة بين عامي 1998 و2005.

واعتُقل الموظف المدعو مانفريد إلى جانب هانينغ ووجهت اليه اتهامات شبيهة. وحسب الادعاء، فإن الموظف هرَّب ما يقارب الـ2000 تقرير سري إلى هانينغ طوال 16 عاماً. وكان هانينغ، حسب المدعي العام، يستخدم التقارير السرية لإعداد تحليلات يقدمها لمخابرات دول أجنبية وزبائن له كاستشارات مدفوعة. واعترف هانينع، حسب محاميه، بحصوله على ملفات سرية، ولكنه نفى أنه دفع أموالاً مقابل الحصول عليها، كما نفى تمريرها لدول أجنبية.

ونقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن محاميه ليون كروز قوله إن موكله تتم ملاحقته «بشكل خاطئ» وأن اتهامات الخيانة العظمى «لا أساس لها» حتى ولو كان «صحيحاً بأن في حوزته ملفات سرية». وأضاف: «صحيح أنه كانت بحوزته ملفات سرية، ولكن الادعاءات بأنه سرب معلومات منها بما يضر بالدولة الألمانية ومقابل أجر، هي مزاعم لا أساس لها من الصحة، وستثبت التحقيقات ذلك». وأودع هانينغ البالغ من العمر 80 عاماً، الحجز الاحتياطي لغاية انتهاء التحقيقات وبدء محاكمته.

عناصر شرطة أمام منزل رئيس المخابرات الأسبق المعتقل أوغست هانينغ في نوردفالده في ولاية شمال الراين فستفاليا (د.ب.أ)

وبعد مغادرته منصبه في رئاسة المخابرات في عام 2005، عُيّن هانينغ وزير دولة في وزارة الداخلية وتقاعد عام 2009. ويعدّ أرفع مسؤول ألماني يتهم بالخيانة والتجسس، رغم أنه في السنوات الماضية كشف عن عدد من الجواسيس داخل المخابرات، آخرهم قبل ثلاث سنوات كان يعمل جاسوساً لصالح روسيا.

وقد فتح النقاش حول مصادقية المخابرات الألمانية، خاصة بين المخابرات الصديقة التي تتشارك معها معلومات. وقد نقلت صحيفة «تلغراف» البريطانية أن جهاز المخابرات البريطانية الخارجية «إم آي 6)، يراجع ما إذا كان عملاء تابعون له قد تعرضوا للخطر بعد اعتقال هانينغ. وأضافت أن اعتقاله زاد الشكوك لدى المخابرات البريطانية حول ما إذا كان يمكن الثقة بالمخابرات الألمانية. وسئل المتحدث باسم الحكومة ما إذا كانت برلين قد تلقت شكاوى حول ذلك من دول صديقة، ولكنه رفض الاجابة قائلاً إن هكذا أسئلة يجب توجيهها لأجهزة المخابرات. ورفض كذلك الافصاح عما إذا كانت الحكومة الألمانية ستناقش مسألة اعتقال هانينغ وأثرها على الشركاء، قائلاً إنه يجب انتظار نتائج التحقيقات وأن الاتهامات حتى ما زالت اتهامات ولم تثبت بعد.

وجاء اعتقال هانينغ في وقت تستعد ألمانيا لزيادة السلطات الممنوحة للمخابرات الألمانية الخارجية في تعديلات مفترض أن يصوّت عليها البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) قبل نهاية العام. ومن غير الواضح بعد ما إذا كان اعتقال هانينغ والتفاصيل التي تكشف، قد تؤثر على هذه الإصلاحات.


توقيف مواطنَيْن لاتفِيَّيْن داخل قاعدة عسكرية في بريطانيا

قاذفة «بي - 1 لانسر» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة فيرفورد الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
قاذفة «بي - 1 لانسر» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة فيرفورد الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
TT

توقيف مواطنَيْن لاتفِيَّيْن داخل قاعدة عسكرية في بريطانيا

قاذفة «بي - 1 لانسر» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة فيرفورد الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)
قاذفة «بي - 1 لانسر» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة فيرفورد الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

أعلنت الشرطة البريطانية، يوم الخميس، توقيف رجلين يحملان الجنسية اللاتفية داخل قاعدة عسكرية في جنوب شرقي إنجلترا، بعد اختراق السياج المحيط بها، وذلك بعد أيام من حادثة مماثلة وقعت قرب قاعدة أخرى في الجنوب الغربي للبلاد.

وذكرت وحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة أن الرجلين (البالغين من العمر 36 و32 عاماً) قد أوقفا في قاعدة «مولسوورث» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، في مقاطعة كامبريدجشير بجنوب شرقي إنجلترا، وهي قاعدة تضم مركزاً استخباراتياً لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».