انسحاب فرنسا من الساحل: تآكل  النفوذ السياسي وتضرر المصالح الاقتصادية

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
TT

انسحاب فرنسا من الساحل: تآكل  النفوذ السياسي وتضرر المصالح الاقتصادية

جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود فرنسيون يتأهبون لركوب طائرة عسكرية بعد انسحابهم من النيجر في 22 ديسمبر 2023 (رويترز)

لم تخطئ السلطات الفرنسية بأن ضبطت توقيت انسحاب آخر مجموعة من قواتها من النيجر، ليتوافق مع احتفالات رأس السنة، بحيث لم يلق سوى باهتمام محدود من السياسيين ومن الإعلام الفرنسي. وبالتوازي، أعلنت باريس إغلاق سفارتها في نيامي بعد أن ألزم سفيرها في العاصمة النيجرية على مغادرة البلاد، بطلب من المجلس العسكري، الذي أطاح بنظام الرئيس محمد بازوم المقرب من الرئيس إيمانويل ماكرون. وبذلك تكون فرنسا قد أسدلت الستار على حضورها العسكري في ثالث بلد من بلدان الساحل (بعد مالي وبوركينا فاسو) ما يعني وبشكل واضح، انحسار نفوذها في هذه المنطقة التي كانت معقودة اللواء لها منذ عشرات السنوات.

الخيط الجامع بين البلدان الثلاثة أنها كلها عرفت في السنوات الثلاث الأخيرة مجموعة انقلابات عسكرية، أطاحت بالحكم المدني فيها، وأوصلت مجالس عسكرية معادية لفرنسا لم تنتظر كثيرا حتى طالبت برحيل القوات الفرنسية عن أراضيها.

بدأت الأمور مع المجلس العسكري في مالي، حيث أرسلت باريس قواتها العسكرية، بداية عام 2013، للوقوف بوجه نزول القوات المتمردة من الطوارق ومجموعات متطرفة باتجاه العاصمة باماكو. أطلق على العملية اسم «سرفال» وتغير اسمها بداية عام 2014 ليصبح «برخان»، وارتفع عددها ليصل إلى 4000 رجل مع توسيع نطاق عملياتها بحيث أخذ يشمل، إلى جانب مالي، بوركينا فاسو، والنيجر وتشاد. وفي هذه البلدان الثلاثة، أقامت باريس واستخدمت قواعد عسكرية رابطت فيها قواتها وأقامت القيادة الرئيسية لـ«برخان» في نجامينا، العاصمة التشادية، قريبا من مطارها الدولي كما كانت الحال في نيامي.

رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم المقرب من فرنسا (أرشيفية: أ.ف.ب)

ثمة سؤال حيّر المسؤولين الفرنسيين: كيف تمكّن العسكريون من تحضير انقلاباتهم في ثلاثة بلدان ترابط فيها قوات فرنسية وتنشط فيها؟ بطبيعة الحال، المخابرات الفرنسية الخارجية المسماة «المديرية العامة للأمن الخارجي» التي كان يديرها السفير السابق برنار إيميه، والذي استبدل مؤخرا بواسطة نيكولا ليرنير الذي كان يشرف على المديرية العامة للأمن الداخلي، وهناك ربط بين فشل المخابرات الخارجية في اكتشاف الانقلابات الأفريقية قبل حدوثها من جهة، وبين عجزها عن اكتشاف تهيؤ القوات الروسية لغزو أوكرانيا، وبين إخراج السفير إيميه من منصبه.

تنبغي الإشارة إلى أن القوات الفرنسية تدخلت عسكريا في كثير من البلدان الأفريقية، موريتانيا وليبيا وتشاد وتوغو والكاميرون وجمهورية وسط أفريقيا وزائير ورواندا وجزر القمر، بالإضافة إلى البلدان الأربعة في منطقة الساحل المذكورة سابقا. لكنّ الفرق الرئيسي بين العمليات السابقة والعمليات التي انطلقت في مالي عام 2013 وامتدت إلى دول الجوار (بوركينا فاسو والنيجر وتشاد) يكمن في أن الأخيرة منها كانت تركز على محاربة الإرهاب، بينما العمليات الأولى كان هدف غالبيتها مساعدة أنظمة صديقة لفرنسا والحؤول دون سقوطها. والحال، أن عملية «سرفال» عدت ناجحة لأنها حمت العاصمة باماكو وأجبرت المتمردين على الانكفاء إلى أقصى شمال البلاد. والدليل على ذلك أن الرئيس السابق فرنسوا هولاند، الذي أمر بإرسال الجيش إلى مالي، استُقبل لاحقاً في العاصمة باماكو استقبال الأبطال المحررين. وقال هولاند لصحيفة «لو موند» المستقلة: «لقد اتخذت قرار التدخل الذي لم يكن (أساسا) في مصلحة فرنسا، رغم أن محاربة الإرهاب يمكن أن تعني حماية الفرنسيين، سريعا جدا، استجابة لطلب دول غرب أفريقيا لا بل تحت إلحاحها».

متظاهرون داعمون للانقلابيين في نيامي 9 ديسمبر 2023 (إ.ب.أ)

لكن بعد مرور عشر سنوات على إطلاق «سرفال»، ثم «برخان»، لا يبدو أن مهمة محاربة الإرهاب قد توجت بالنجاح، رغم أن القوة الفرنسية نجحت في القضاء على عدد من قادة التنظيمات المتطرفة والإرهابية. فبعد شمال ووسط مالي، فإن هذه التنظيمات تهدد بوركينا فاسو والنيجر، لا بل إنها تتمدد نحو بلدان خليج غينيا ومنها كوت ديفوار وبنين وتوغو.

ويرى الباحث في العلاقات الدولية، إيلي تينينبوم، في تفسير الفشل الفرنسي، أن «برخان» كان يفترض بها «أن ترافق مسارا سياسيا، اجتماعيا واقتصاديا، وأن توفر المهلة الكافية للسلطات المحلية حتى تسوي المشكلات التي تتغذى منها المنظمات الإرهابية والجهادية». والحال، أن هذا المسار إما لم ير النور أبدا، وإما أن مفاعيله كانت محدودة. وقد فتح ذلك الباب أمام الدعاية المعادية لفرنسا، التي ذهبت إلى حد اتهام باريس بـ«التواطؤ» مع هذه التنظيمات. أما السبب الآخر فهو عسكري محض أساسه أن عدد القوة الفرنسية، الذي تأرجح ما بين 4 و5 آلاف عنصر لم يكن أبداً كافياً لتغطية ثلاثة بلدان تبلغ مساحتها الإجمالية 2,754 مليون كلم مربع. لكن الكثير من سكان الساحل كان يتساءل، وفق الباحث الأفريقي باب داكومو، كيف أن جيشا مثل الجيش الفرنسي المجهّز بأحدث الأسلحة، يعجز عن القضاء على عدة مئات من العناصر المتمردة.

متظاهرون يرفعون علماً روسياً في نيامي 3 أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ما كان للفشل العسكري أن يبرر الرغبة الأفريقية في خروج القوات الفرنسية من بلدان الساحل، لو لم يكن مستندا إلى رفض سياسي برز من خلال المظاهرات والاحتجاجات التي ألهبت العواصم الثلاث (باماكو وواغادوغو ونيامي)، التي كانت تطالب أسبوعا وراء أسبوع برحيل الفرنسيين. وترى باريس في تأجيج النقمة على فرنسا يد روسيا وأجهزتها الإعلامية وبعض الشخصيات المؤثرة في الدول الثلاث المذكورة. وتلجأ هذه الأجهزة إلى التلويح بورقة مناهضة المستعمر السابق الذي لا يزال مع هذه الدول، رغم مرور ما يزيد على ستين عاما على استقلالها وكأنها ما زالت مستعمرات له. ولتوصيف هذه السياسة يستخدم مفهوم «سياسة فرنس - أفريك» الذي قام على التزام فرنسا بحماية الأنظمة القائمة في الساحل، مقابل أن تصوت إلى جانب فرنسا في الأمم المتحدة، وأن تكون الأفضلية الاقتصادية للشركات الفرنسية. ورغم أن الرئيس الاشتراكي، فرنسوا ميتران، كان أول من دعا للانقطاع عن هذه السياسة، فإن كثيرين يرون أنها ما زالت قائمة عمليا وبأشكال مختلفة. وما فتئ الرئيس ماكرون يردد أن «زمن هذه السياسة انتهى إلى غير رجعة». يضاف إلى ما سبق أن هناك اقتناعاً مفاده أن باريس تقولب سياستها، في ملف الحريات وحقوق الإنسان، وفقا لمصالحها الذاتية، فهي مثلا نددت بالانقلابات التي حصلت في باماكو وواغادوغو وميامي، لكنها لم تر عيبا في الانقلاب الذي حصل في تشاد بعد وفاة الرئيس إدريس ديبي في ساحة القتال، وسيطرة ابنه محمد إدريس ديبي على السلطة منتهكاً دستور البلاد.

تبقى الإشارة إلى أن رفض السياسة الفرنسية يتوازى مع رفض ما يسمى «الهيمنة الاقتصادية» على دول الساحل وعلى غيرها من منطقة النفوذ الفرنسية. وأحد رموز الهيمنة الفرنسية الاقتصادية والمالية عنوانه الفرنك الأفريقي واسمه الرسمي «المجموعة المالية الأفريقية» الذي ينظر إليه كأحد «رموز الإمبريالية الفرنسية». الفرنك الأفريقي رأى النور في عام 1945 أي قبل استقلال غالبية الدول الدائرة في الفلك الفرنكوفوني بـ15 إلى 20 عاما. وتلتزم الدول التي تستخدم هذه العملة بوضع نصف أصولها في حساب في البنك المركزي الفرنسي. كذلك، فإن ممثلين للسلطات الفرنسية يشاركون في إدارة البنوك المركزية الأفريقية إضافة إلى أن العملات الأفريقية تطبع حكما في فرنسا. وباختصار، فإن الفرنك الفرنسي يعد، في نظر الرأي العام الأفريقي، على أنه «تبعية لفرنسا ولاقتصادها». وحتى اليوم، لم تنجح المحاولات كافة لإصلاح هذا الوضع. ثم إن تمسك فرنسا في منح مساعدات التنمية للدول الأفريقية والساحل خصوصاً وفق معايير محددة ذات علاقة بالحوكمة واحترام حقوق الإنسان والحرية الصحافية وخلافها، يدفع الكثيرين إلى اعتبار أن باريس تمارس الوصاية على هذه الدول، الأمر الذي أصبح مرفوضاً إلى حد بعيد.


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد أهمية حماية البحارة العالقين في هرمز

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيلة المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة في جنيف (الشرق الأوسط)

السعودية تؤكد أهمية حماية البحارة العالقين في هرمز

شدّدت السعودية على أهمية حماية البحارة العالقين في مضيق هرمز، في ظل ما يواجهونه من أوضاع إنسانية قاسية ومخاطر تمس حقوقهم الأساسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا مهاجرون أفارقة في تظاهرة احتجاجية للمطالبة بإعادتهم إلى بلدانهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشونها في تونس (أ.ف.ب)

ترحيل المهاجرين الأفارقة من تونس: «عودة طوعية» أم طرد ممنهج؟

أكدت مصادر في منظمات إنسانية أن هناك ممارسات عنصرية تُستخدم عمداً، لإرغام المهاجرين على مغادرة تونس، فيما تسمى «عمليات العودة الطوعية».

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الناشط الحقوقي التونسي العياشي الهمامي (متداولة)

متهم في قضية «التآمر على أمن تونس» يبدأ إضراباً عن الطعام

أعلن المحامي والناشط الحقوقي التونسي البارز، العياشي الهمامي، الموقوف بسجن المرناقية وسط تونس العاصمة، اليوم (الجمعة)، الدخول في إضراب عن الطعام.

«الشرق الأوسط» (تونس)
الولايات المتحدة​ امرأة تبحث عن أقاربها بعد إطلاق سراح آلاف السجناء من سجن صيدنايا السوري بعد سقوط نظام الأسد (رويترز - أرشيفية)

محكمة أميركية تحكم بالسجن 60 عاماً على مدير «سجن عدرا» السابق بتهمة التعذيب

أعلنت وزارة العدل الأميركية الخميس أن محكمة فيدرالية في الولايات المتحدة حكمت بالسجن 60 عاماً على سوري كان مدير سجن في دمشق بين عامَي 2005 و2008 بتهمة التعذيب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء بين الفريق فرج الصوصاع المدعي العام العسكري بشرق ليبيا وكريم خان المدعي العام لـ«الجنائية الدولية» في نوفمبر 2022 (القيادة العامة)

انتقادات حادة للبعثة الأممية في ليبيا بسبب موقفها من «إعدامات بنغازي»

أثارت إعدامات نُفذت بحق أكثر من 30 شخصاً في بنغازي انتقادات للبعثة الأممية لدى ليبيا بعد دعوتها سلطات شرق البلاد إلى وقف تنفيذ أحكام إعدام جديدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ليو الرابع عشر يبدأ زيارة فرنسا بدعوة إلى السلام ونزع السلاح

البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
TT

ليو الرابع عشر يبدأ زيارة فرنسا بدعوة إلى السلام ونزع السلاح

البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)
البابا ليو وماكرون يخطبان في الدبلوماسيين بقصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (إ.ب.أ)

استهلّ البابا ليو الرابع عشر زيارة دولة حافلة من أربعة أيام إلى فرنسا، بدأت الجمعة وتنتهي الاثنين، هي الأولى من نوعها منذ انتخابه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في شهر مايو (أيار) من العام الماضي.

وحرص البابا في أول نشاطاته الرسمية بعد وصوله إلى باريس على دعوة العالم إلى عدم التعامل بلا مبالاة ​مع المعاناة التي تسببها «آفة الحرب»، كما حذر من انتشار الأسلحة النووية، ودعا فرنسا إلى الدفاع عن السلام والتعددية.

ماكرون والبابا ليو في أول أيام زيارة الأخير إلى فرنسا يوم 25 سبتمبر (رويترز)

وحث البابا ليو، في ‌كلمة ألقاها ‌أمام الرئيس ​الفرنسي ‌⁠ومسؤولين ​سياسيين آخرين، ⁠العالم على عدم اعتياد الحروب واعتبارها أمراً حتمياً. ودعا فرنسا إلى «مواصلة لعب دور فاعل في دعم السلام والتعددية»، لا سيما في أوروبا. وأكد بابا الفاتيكان موقف ⁠الكنيسة الراسخ المعارض للأسلحة النووية، ‌قائلاً ‌إنه ينبغي حظرها. وحذر من «​سباق التسلح، ‌والاعتقاد أن امتلاك الأسلحة ‌النووية يشكل ضمانة دائمة للأمن»، داعياً إلى «الحد من الأسلحة النووية، والعمل من أجل نزع السلاح ‌ضمن آليات رقابة فعالة».

إلى ذلك، حث بابا الفاتيكان العالم على إعادة النظر في تطوير الذكاء الاصطناعي، ‌محذراً من خطر انزلاق البشرية نحو مستقبل تهيمن ⁠فيه «جنة من الآلات» ‌على ‌الأرض. وقال ​إنه «إذا أردنا تجنب فقدان إنسانيتنا وسط (جنة من ‌الآلات) تغزو حياتنا اليومية وتفرض شروطها ⁠عليها، ⁠فإن هناك حاجة ملحّة إلى تثقيف الفطنة الأخلاقية، والقدرة على التعرف على القيم الأخلاقية الطيبة».

جانب من استقبال إيمانويل وبريجيت ماكرون للبابا ليو في الإليزيه يوم 25 سبتمبر (أ.ب)

وتصف الأوساط الرسمية الفرنسية الزيارة بأنها زيارة دولة، باعتبار أن الفاتيكان يتمتع بصفة دولة وليو الرابع عشر رئيساً لها. في المقابل، فإن أوساط الفاتيكان والجهات الكنسية الفرنسية المنظمة تقدمها على أنها «زيارة رعوية». وبعكس سلفه البابا فرنسيس الذي لم يقم قَطّ بزيارة رسمية لفرنسا، رغم أنه زار مدينتَي ستراسبورغ ومرسيليا، وأيضاً جزيرة كورسيكا، فإن ليو الرابع عشر، أميركي المولد والجنسية وله جذور فرنسية، حرص على زيارة فرنسا التي تُسمّى تاريخياً ورمزياً «ابنة الكنيسة البكر» منذ أن اعتنق الملك كلوفيس المسيحية في عام 496.

وخلال العصور الملكية اللاحقة كانت العلاقات بين فرنسا والكنيسة وثيقة للغاية حتى مجيء الثورة الفرنسية التي كانت وبالاً على الكنيسة ومرافقها وممتلكاتها وكهنتها وأساقفتها. واستمر الطلاق بين الجانبين حتى توقيع اتفاقية «التواؤم» في عام 1801 بين القنصل الأول نابوليون بونابرت والبابا بيوس الثاني عشر. وكان الغرض منها تنظيم العلاقة بين الجانبين، ما سمح لنابوليون أن يدعو البابا إلى كاتدرائية «نوتردام» في باريس لتنصيبه إمبراطوراً في عام 1804 باسم نابوليون الأول.

الكنيسة والعلمانية

بقيت هذه الاتفاقية معمولاً بها طيلة مائة عام، حتى صدر في عام 1905 تشريع يفصل بين الكنيسة والدولة ويجعل فرنسا بلداً علمانياً. وما زال التشريع معمولاً به حتى اليوم، باستثناء مقاطعات ثلاث واقعة شرق فرنسا وكانت تحت السيطرة الألمانية في عام 1905، وهي الراين الأعلى والراين الأسفل ولا موزيل، وتضم مدناً رئيسية مثل ستراسبورغ وميتز وكولمار ومولهوز.

وفي هذه المقاطعات ما زالت اتفاقية «التواؤم» لعام 1801معمولاً بها. وينص الدستور الفرنسي على أن «فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واجتماعية». وتضمن العلمانية حرية الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، وكذلك حرية ممارسة الدين ما دام ذلك لا يخل بالنظام العام. كما تفرض على الدولة أن تظل محايدة تجاه جميع الأديان.

البابا ليو يحيي راهبة بعد وصوله إلى مطار أولي يوم 25 سبتمبر (أ.ف.ب)

وبما أن فرنسا دولة علمانية، وثمّة فصل بين الدين والدولة، فإن ماكرون لن يحضر القداس الجماهيري الذي سيقيمه البابا في ساحة «لا كونكورد» حيث من المنتظر أن يحضره 600 ألف شخص خُصصت لهم جادة «الشانزليزيه» حتى قوس النصر، وجادة «لا غراند أرميه» (جادة الجيش الكبير)، والشوارع المتفرعة عنهما، وسط إجراءات أمنية بالغة التشديد.

وتجدر الإشارة إلى أن ليو الرابع عشر سيمضي اليوم الأخير من زيارته إلى فرنسا في مدينة ميتز. وقالت مصادر رئاسية في باريس إن البابا سيلقي في هذه المدينة خطاباً رئيسياً سيدور حول «السلام والوحدة في أوروبا»، وذلك في ظل توتر العلاقات عبر الأطلسي وتواصل الحرب في أوكرانيا. ولأن الخطاب يدور حول أوروبا، فقد عمدت الرئاسة الفرنسية إلى توجيه دعوة إلى رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي وقادته لحضور اللقاء مع بابا روما. ويترقب الفرنسيون المواقف التي سيعبر عنها البابا المعروف عنه صراحته ورفضه للسياسات التي ينتهجها الرئيس دونالد ترمب.

وكان قصر الإليزيه المحطة الأولى في زيارة البابا إلى فرنسا، حيث حظي، قبيل ظهر الجمعة، باستقبال رسمي بوصفه رئيس دولة. ويحظى «الكرسي الرسولي»، منذ مؤتمر فيينا في عام 1826، بالأولوية الدبلوماسية؛ إذ إن السفير البابوي يتقدم على غيره من السفراء في البلدان المعتمدين لديها. وعقد ماكرون والبابا جلسة مباحثات كانت غنية بالملفات الساخنة، سواء كانت بصدد الشرق الأوسط (إيران ولبنان وفلسطين)، أو أوكرانيا، إضافة إلى ملفات تفرض نفسها بقوة مثل مستقبل الذكاء الاصطناعي وكيفية السيطرة عليه، والجوع في العالم. كذلك، نظّم للبابا لقاءً مع السلطات المدنية وممثلي الجسم الدبلوماسي المعتمد في باريس بالقصر الرئاسي.

مهام شعبية ودينية

من المفترض أن يشغل الجانب الرسمي جزءاً صغيراً من زيارة البابا التي رُتبت بحيث تكون، بالدرجة الأولى، رعوية وشعبية.

وسيتنقل ليو الرابع عشر ما بين باريس وضاحية سان دوني ومزار «لورد» (جنوب غرب فرنسا) ومدينة ميتز. وفي يومه الأول، من المقرر أن يزور مقر «اليونيسكو» في باريس لجلسة حوارية، وكاتدرائية «نوتردام»، وسيتنقل بمركبته ما بين ساحة «مونبرناس» والكاتدرائية. وثمة لقاءات جماهيرية أخرى، أبرزها في ملعب فرنسا الكبير الواقع في ضاحية سان دوني، شمال العاصمة حيث سيلتقي آلافاً من الشباب.

ماكرون والبابا ليو يتحدّثان مع عدد من السياسيين والمسؤولين في قصر الإليزيه يوم 25 سبتمبر (رويترز)

وفي اليوم التالي، ستكون له لقاءات كنسية قبل القداس الكبير في ساحة «لا كونكورد». وفي مزار «لورد» سيغلب الطابع الديني على الزيارة. أما في اليوم الأخير، وفي مدينة ميتز تحديداً، فسيلقي البابا خطاباً بعنوان «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». وسينتقل ماكرون إلى هذه المدينة للاستماع إلى خطاب البابا إلى جانب القادة والمسؤولين الأوروبيين الآخرين. بعدها ستكون لقاءات دينية وشعبية قبل أن يغادر فرنسا عائداً إلى روما.

وتفيد الأوساط الكنسية التي حضّرت الزيارة بأن البابا سيتناول بالطبع المواضيع ذات العلاقة بالأمن والسلام في العالم، وهو ما يتوقف عنده في كافة خطبه. وفي ميتز، ستدور كلمته بالطبع حول مستقبل أوروبا التي تعيش في ظل حرب منذ عام 2022، في حين تتهددها النزعات اليمينية المتطرفة. كما يُتوقّع أن يتطرّق إلى ملف اللاجئين الذي يوليه البابا اهتماماً كبيراً لا يلقى الحلول التي تكون بمستوى التحدي.

من هنا، يأتي معنى زيارته لـ«منزل باختيا» المخصص لاستقبال اللاجئين، علماً أن التوجه العام في أوروبا اليوم هو التضييق على اللاجئين وليس تسهيل استقبالهم. وسيتناول البابا ملفات الحوار والسلام والتضامن بين الشعوب.

وفي سياق آخر، وكما هو معروف، فإن البابا مهتم بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية الأخرى، وإحداها جعلت العلاقة مع فرنسا تتوتر بعض الشيء بسبب قانون «الموت الرحيم». كذلك، ثمة قضايا تشغل العالم في الوقت الراهن، وأولاها مصير الذكاء الاصطناعي والمخاطر التي يحتضنها والأبحاث المتواصلة بشأن تطويره. وعُلم من المصادر الكنسية أنه سيركز كلمته في منظمة «اليونيسكو» على هذه الإشكالية التي سيتحاور بشأنها مع الحضور.


رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
TT

رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)

حذّر رئيس ليتوانيا، جيتاناس ناوسيدا، الخميس، من أن روسيا أصبحت «أكثر تهوراً»، وأن التوغلات بطائرات مسيّرة والاستفزازات وأعمال التخريب أصبحت «أمراً معتاداً» على الجناح الشرقي لحلف شمالي الأطلسي (ناتو)، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

ونقلت «بلومبرغ» عن ناوسيدا قوله في «منتدى ليتوانيا - الولايات المتحدة للأعمال» في ميامي: «يجب وقف روسيا في أوكرانيا، وإلا فسيتعيّن وقفها في مكان آخر».

وقال ناوسيدا إن وجود القوات الأميركية في ليتوانيا يهدف إلى ردع روسيا وليس الاستعداد للقتال، وأشاد بقرار واشنطن الأخير إرسال مجموعة جديدة من الجنود إلى البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُشار إلى أن الدولة المطلة على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر البلطيق، وهي عضو في الاتحاد الأوروبي، لديها علاقات متوترة مع موسكو وهي داعم قوي لكييف.

وتشترك ليتوانيا في الحدود مع جيب روسيا كالينينغراد وحليفتها بيلاروسيا، التي دخلت منها عدة طائرات مسيّرة إلى المجال الجوي الليتواني.

وشهد هذا الشهر أول استخدام لطائرات حلف شمالي الأطلسي (ناتو) لاعتراض طائرة مسيّرة روسية في أجواء ليتوانيا.


بريطانيا تحذر إيران من «أي نشاط عدائي» على أراضيها

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تحذر إيران من «أي نشاط عدائي» على أراضيها

وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)
وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند (أ.ف.ب)

أبلغ وزير الخارجية ​البريطاني إد ميليباند، نظيره الإيراني عباس عراقجي، خلال اجتماع بينهما، بأن المملكة المتحدة «لن تتهاون إزاء أي ترهيب أو تهديد أو نشاط عدائي على ‌الأراضي البريطانية» من ‌جانب جماعات ​مرتبطة ‌بطهران.

وذكر ⁠تقرير لشبكة «سكاي نيوز، ​نقلا عن ⁠وزارة الخارجية البريطانية، أن ميليباند وعراقجي التقيا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وأضاف التقرير أن الجانبين ناقشا الحرب في ⁠الشرق الأوسط وأهمية إعادة فتح ‌مضيق ‌هرمز، إلى جانب ​عزم بريطانيا «الراسخ ‌على التصدي للتهديدات التي تشكلها ‌الجماعات المرتبطة بإيران على الأراضي البريطانية».

وكان المركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا قد أفاد الأسبوع الماضي ‌بأن أطرافا ينشطون في مجال الفضاء الإلكتروني ويرتبطون بالدولة ⁠في ⁠إيران استخدموا برمجيات تجسس تُعرف باسم «تشوزن بريك» لسرقة رسائل بريد إلكتروني ورسائل نصية ومعلومات حساسة أخرى، وذلك من خلال حملات «تصيد احتيالي موجه» عبر منصات مراسلة من بينها واتساب وتيليغرام.