بوتين يتمسك بمواقف بلاده ويوجه رسائل داخلية وخارجية

جدد شروطه لوقف الحرب في أوكرانيا وأكد تعافي الاقتصاد الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحافي في قاعة المعارض غوستيني دفور بوسط موسكو (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحافي في قاعة المعارض غوستيني دفور بوسط موسكو (رويترز)
TT

بوتين يتمسك بمواقف بلاده ويوجه رسائل داخلية وخارجية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحافي في قاعة المعارض غوستيني دفور بوسط موسكو (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحافي في قاعة المعارض غوستيني دفور بوسط موسكو (رويترز)

لم تحمل تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مؤتمره الصحافي السنوي الشامل في موسكو، الخميس، جديداً على صعيد الملفات الداخلية والخارجية؛ إذ تعمد التأكيد على مواقفه السابقة حيال الوضع الداخلي، وكذلك في شأن الحرب في أوكرانيا، والمواجهة المتفاقمة مع الغرب، وحيال علاقات موسكو مع الحلفاء و«الأعداء».

في شأن الحرب المتواصلة كان ملاحظاً أن بوتين تجنب منح أي إشارات إلى سقف زمني لنهاية الحرب (أ.ف.ب)

لكن الرسائل التي وجهها خلال حوار مفتوح مع صحافيين من مختلف أرجاء روسيا، حملت أهمية خاصة على خلفية امتناع بوتين العام الماضي، عن عقد مؤتمره السنوي للمرة الأولى منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000، ما يعني أن الروس انتظروا تقييمات الرئيس للأوضاع الداخلية والخارجية، في نهاية العام، كون الحدث يسبق مباشرة انتخابات الرئاسة المقررة الربيع المقبل، والتي أكد نيته خوض المنافسة فيها للفوز بولاية رئاسية جديدة.

تم نقل اللقاء الذي طال لأكثر من 4 ساعات إلى الشاشات في الساحات العامة (رويترز)

لذلك بدا أن بوتين، وخلال حوار استمر أكثر بقليل من أربع ساعات، تلقى خلاله مئات الأسئلة المباشرة، فضلاً عن نحو مليوني سؤال تم توجيهها عبر المنصة الإلكترونية، حريصاً على تقديم «جردة حساب» شاملة مع اقتراب الحرب الأوكرانية من دخولها في عامها الثالث في فبراير (شباط) المقبل. وهذا تعلق بالدرجة الأولى بالوضع الاقتصادي المعيشي ومسارات الحرب وتوقعات السيناريوهات المقبلة بعدها، وهي الملفات التي شكلت الجزء الأعظم من الأسئلة التي شغلت بال الروس، وتم توجيهها إلى بوتين، فضلاً عن مروره على العلاقات مع الغرب وآفاق تطورها، والعلاقة مع شركاء روسيا في تجمعات إقليمية كبرى مثل «شنغهاي» و«بريكس».

استهل الرئيس الروسي حديثه بتقديم عرض للمهام الأساسية التي قال إنها تشغل الحيز الأساسي على الأجندة الروسية في الظروف الراهنة، وخصوصاً ما يتعلق بتعزيز فرصها للانتصار في المواجهة الحالية مع الغرب. وقال إنه «لا يمكن أن تحافظ روسيا على وجودها بشكلها الحالي من دون ضمان سيادة مطلقة، وما يعنيه ذلك من تعزيز للأمن، وتعزيز لإمكانيات الدفاع، وحقوق المواطنين، والسيادة الاجتماعية».

ورأى أن البلاد نجحت في حشد قدراتها، وأظهرت مرونة في مجال الاقتصاد، وكذلك في مجال الأمن، ما مكنها من مواجهة العقوبات الغربية. وأورد بعض النتائج الاقتصادية التي دلت على تجاوز الأزمات الداخلية التي سببتها الحرب والعقوبات، وبينها نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5 في المائة، ما يعني تعويض ما خسرته روسيا خلال العام الماضي.

استهل الرئيس الروسي حديثه بتقديم عرض للمهام الأساسية التي قال إنها تشغل الحيز الأساسي على الأجندة الروسية (إ.ب.أ)

وأقر بأن التضخم ما زال يراوح عند حاجز 8 في المائة، لكنه قال إن الحكومة تعمل ما بوسعها لمواجهة الأمر. وتحدث عن نمو الصناعة المحلية بنسبة 6 في المائة، وزيادة الاستثمار بنسبة 10 في المائة، ما خلق فرص عمل جديدة. وقال إن أرباح الشركات وصلت إلى 24 في المائة، وأن القطاع المصرفي حقق أرباحاً صافية خلال عام بلغت أكثر من 3 تريليونات روبل. كما أشار إلى انخفاض دين الدولة الخارجي من 46 مليار دولار إلى 32 مليار دولار رغم القيود الغربية.

على صعيد السياسة الاجتماعية، قال بوتين إن متوسط الأعمار في روسيا كان 70.6 في السنوات السابقة، ووصل في عام 2023 إلى 74 عاماً. هذا الاستهلال، هدف إلى توجيه رسائل داخلية بأن الوضع في روسيا مستقر، وأن البلاد تجاوزت أزمة الاعتماد على الصادرات الأجنبية، وتعمل على تطوير سياساتها الداخلية بنجاح.

جندي أوكراني يجلس داخل دبابة ألمانية الصنع من نوع «ليوبارد 2 إيه 5» بالقرب من خط المواجهة (أ.ف.ب)

في شأن الحرب المتواصلة، كان ملاحظاً أن بوتين تجنب منح أي إشارات إلى سقف زمني لنهاية الحرب، واكتفى بتأكيد أن «السلام سوف يتحقق عندما نصل إلى أهدافنا التي لم تتغير، وهي اجتثاث النازية في أوكرانيا ونزع سلاح الدولة الأوكرانية، وضمان الوضع الحيادي لها».

وقدم بوتين مجدداً استعراضاً مسهباً لأسباب اندلاع الأزمة، وقال إن بلاده حاولت تجنب الصراع، محملاً القيادة الأوكرانية والغرب مسؤولية تأجيج الوضع، «ما دفع روسيا إلى التحرك لضمان مصالحها».

وأعرب عن قناعة بأن الكفة بدأت تميل ميدانياً لصالح روسيا، وقال إن إمدادات أوكرانيا بالأسلحة الغربية «سوف يتوقف في يوم من الأيام»، مشيراً إلى نجاح جيشه في تقويض جزء كبير من القدرات التي قدمت إلى كييف. وتحدث عن تدمير 747 دبابة، وأكثر من ألفين من المدرعات منذ بدء الهجوم الأوكراني المضاد في يونيو (حزيران) الماضي.

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية الشهر الماضي لدبابات أوكرانية محترقة خلال صد «الهجوم المضاد» في جنوب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ورد بوتين على سؤال حساس، يشغل بال الروس حول إمكان إعلان تعبئة عسكرية جديدة، مستبعداً هذا الخيار في الوقت الحالي. وقال إن هناك «آلافاً من المتطوعين الذين يرغبون في المشاركة في العملية العسكرية الخاصة، ولسنا بحاجة إلى إعلان التعبئة العامة»، مشيراً إلى أن نحو 617 ألف جندي روسي يقاتلون حالياً على الجبهات.

وقدم تقييما لأداء الجيش الأوكراني خلال الهجوم المضاد، وقال إنه فشل في تحقيق أي هدف، و«المحاولات الأخيرة كانت تهدف لتحقيق اختراق في الضفة اليسرى لنهر الدنيبر والوصول إلى القرم. لم يتحقق ذلك، ودفعوا بجنودهم نحو طريق بلا عودة». وأكد أن القوات المسلحة الروسية «تتقدم على طول خطوط المواجهة وتعزز مواقعها».

اللافت أن بوتين تعمد تجديد توجيه رسالة لافتة في الشأن الأوكراني، عندما كرر مقولاته السابقة حول أنه لا توجد دولة أوكرانية، وأن كل مقاطعات شرق وجنوب أوكرانيا هي أرض روسية، وزاد أن أوديسا (أقصى جنوب غرب) هي أيضاً روسية، وهذه حقيقة تاريخية معروفة».

وزاد: «سلمهم (مؤسس الاتحاد السوفياتي) فلاديمير لينين كل شيء، وقد قبلنا بهذا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. لكن لا يمكن ألا نقف للدفاع عن مواطنينا، والروس (في أوكرانيا) بطبيعتهم كانوا يصوتون تقليدياً لصالح الشعارات المؤيدة لروسيا، وكانت روسيا تقبل بهذا الوضع. بعد الانقلاب في عام 2014، أصبح من الواضح أنهم لن يسمحوا لنا ببناء علاقات مع أوكرانيا». واتهم الولايات المتحدة بأنها أنفقت 5 مليارات دولار بغرض «إفساد العلاقات بيننا وبين أوكرانيا».

بوتين خلال حوار مفتوح مع صحافيين من مختلف أرجاء روسيا (أ.ف.ب)

رغم ذلك، وجّه بوتين رسائل مرنة إلى واشنطن وإلى الأوروبيين، من خلال تأكيد استعداده «لبناء علاقات مع الولايات المتحدة، ونعتقد أنها دولة ضرورية في العالم. لكن سياساتهم الإمبراطورية هي التي تعرقل ذلك، وتسبب أضراراً لهم أيضاً». وحمل الأوروبيين مسؤولية قطع العلاقات، مشيراً بالدرجة الأولى إلى فرنسا وألمانيا، وقال إن موسكو مستعدة لاستئناف الحوار لكن «أوروبا لا تريد التعاون معنا». وزاد أنه «واثق من أنه في مدن عديدة من أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم يؤمن الناس أننا ندافع عن مصالحنا الوطنية. وعدد أنصارنا يزداد بشكل كبير جداً».

ورد بوتين على سؤال حول مدى نجاح روسيا في التخلص من هيمنة الدولار، وقال إن حصة استخدام الدولار واليورو في التسويات الخارجية عام 2021 كانت 87 في المائة، فيما كانت حصة الروبل 11 في المائة، واليوان 0.4 في المائة. و«حالياً، منذ سبتمبر (أيلول) الفائت، أصبحت نسبة استخدام الروبل في التسويات الخارجية 40 في المائة، واليوان 33 في المائة، والدولار واليورو هبطا إلى 24 في المائة».

وفي العلاقة مع معسكر «الحلفاء»، قال بوتين، إن «هناك عدداً كبيراً من البلدان القوية ذات السيادة حول العالم التي لا تريد الحياة في ظل القواعد التي يفرضها الغرب، وتخلق ظروفاً للتطور الفعال، وهو ما سيكرس له عمل روسيا بوصفها دولة مستضيفة لقمة (بريكس) المقبلة». وزاد أن مستوى التعاون مع جمهورية الصين الشعبية قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

مشيراً إلى أن الطرفين خططا لرفع مستوى التبادل التجاري إلى 200 مليار دولار، و«بنهاية هذا العام سوف يبلغ أكثر من هذا الرقم. وسنصل إلى 220 - 230 مطلع العام المقبل، وبلغ معدل النمو العام الماضي 30 في المائة، وهو نمو مستقر».

ومع أنه تعمد تأكيد أن بلاده «لا تقيم تحالفاً عسكرياً مع بكين، والعلاقات الثنائية ليست موجهة ضد أي طرف ثالث»، لكنه شدد على أن «العلاقات بيننا تتطور بشكل مستقر ومتنوع، حيث نحسن العلاقات في قطاع البنى التحتية، وفي مجال التكنولوجيا المتقدمة، وسنستمر في ذلك مستقبلاً».

ورأى أن العلاقات الروسية الصينية تعتبر ضماناً للاستقرار في العالم، مشيراً إلى تحديات مشتركة يواجهها البلدان، وقال: «نرى ما يجري حول روسيا والصين، وما يجري من محاولات من الغرب بالتحول نحو آسيا وضم دول من آسيا إلى (الناتو)، وكذلك نعلم أن اسم هذه المنظمة (حلف شمال الأطلسي)، فما الذي تفعله إذاً في آسيا»؟ مؤكداً أن موسكو وبكين مع التزامهما بعدم تهديد أي طرف لكن «سوف نرد بشكل مناسب وفي الوقت المناسب على التحديات».


مقالات ذات صلة

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

أوروبا صورة جماعية للقادة المشاركين في القمة الأوروبية ببروكسل... يوم 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي، وكييف تطلق 300 مسيّرة وتعطّل بعض المطارات الروسية، وطائرات موسكو تتسبب بقطع التيار الكهربائي في الشمال.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الساحة الحمراء في موسكو (أ.ب)

حرب المسيّرات بين روسيا وأوكرانيا مستمرة ومقتل شخصين في زابوريجيا

أطلقت أوكرانيا 283 طائرة مسيّرة باتجاه روسيا ليل الجمعة - السبت، في رقم هو من بين الأعلى منذ بدء النزاع.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا مسؤولو أجهزة الاستخبارات الأميركية خلال جلسة استماع في الكونغرس أمس (أ.ف.ب)

أوربان لن يدعم أي قرار يصب في مصلحة أوكرانيا... ويستبعد إقراضها 100 مليار دولار

قال رئيس وزراء المجر، فيكتور أوربان، لدى وصوله إلى بروكسل الخميس لحضور قمة الاتحاد الأوروبي، إنه لن يدعم أوكرانيا، ولن يوافق على فرض عقوبات جديدة على روسيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا ملك بريطانيا تشارلز الثالث يصافح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقاء خاص في لندن يوم 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

كييف تدعو بروكسل إلى إيجاد سبل لتجاوز اعتراض المجر على قرضها

كييف تدعو بروكسل إلى إيجاد سبل لتجاوز اعتراض المجر على قرض بقيمة 90 مليار يورو

«الشرق الأوسط»

لندن تُوسّع دورها لحماية «هرمز» بعد استهداف «دييغو غارسيا»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدّث في مجلس العموم يوم 18 مارس (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدّث في مجلس العموم يوم 18 مارس (د.ب.أ)
TT

لندن تُوسّع دورها لحماية «هرمز» بعد استهداف «دييغو غارسيا»

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدّث في مجلس العموم يوم 18 مارس (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدّث في مجلس العموم يوم 18 مارس (د.ب.أ)

وسّعت المملكة المتحدة دورها العسكري في سياق حرب إيران، عبر السماح للولايات المتحدة بتنفيذ ضربات ضد مواقع إيرانية تستهدف الملاحة في مضيق هرمز انطلاقاً من قاعدتين بريطانيتين.

وجاء الإعلان عقب استهداف إيران القاعدة العسكرية المشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي بصاروخين باليستيين، في تصعيد غير مسبوق.

وأكّد مصدر رسمي بريطاني، لوكالة الصحافة الفرنسية، أن محاولة إيران فشلت في استهداف «دييغو غارسيا». من جهتها، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن أياً من الصاروخين لم يُصب هدفه، إلا أن عملية الإطلاق تشير إلى امتلاك طهران قدرات صاروخية أبعد مدى مما كان يُعتقد سابقاً.


تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
TT

تصاعد حدة القتال تزامناً مع توجه وفد أوكراني إلى ميامي

قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)
قوات أوكرانية تستهدف طائرة مسيرة روسية في منطقة زابوريجيا السبت (رويترز)

تزايدت حدة القتال على خط المواجهة في شرق أوكرانيا في الأيام الأخيرة بين طرفَي النزاع في الحرب التي دخلت الشهر الماضي عامها الخامس، حسب هيئة الأركان العامة في كييف السبت، حيث يشير تقريرها إلى تصاعد حدة الهجمات الروسية بدءاً من يوم الثلاثاء الماضي. وتردد أن القتال يتركز مرة أخرى في بلدة بوكروفسك بمنطقة دونباس الصناعية، على الرغم من أنه لم ترد تقارير عن أي مكاسب إقليمية لأي من الجانبين، حسبما تناقلته وسائل إعلام دولية.

شخص يحمل طائرة اعتراضية من دون طيار في موقع غير معلن بأوكرانيا (رويترز)

ومن المقرر أن يجتمع المفاوضون الأوكرانيون والأميركيون في الولايات المتحدة، السبت، لمواصلة المحادثات بشأن خطة لوقف إطلاق النار، في ظلّ تعثّر المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب بين الطرفين.

وأطلقت أوكرانيا 300 طائرة مسيّرة باتجاه روسيا ليل الجمعة - السبت، في رقم من بين الأعلى منذ بدء النزاع، وفقاً لما أفادت وزارة الدفاع الروسية. وحسب وكالة أنباء «ريا نوفوستي» الرسمية، جرى اعتراض الطائرات المسيّرة من دون تسجيل أي أضرار أو إصابات. وذكر حاكم مدينة روستوف يوري سليوسار أن نحو 90 مسيّرة منها استهدفت منطقة روستوف الحدودية. وأفاد حاكم منطقة ساراتوف في جنوب غربي روسيا بإصابة شخصين جراء هجوم بطائرة مسيّرة ألحق أضراراً بعدد من المنازل.

قوات الطوارئ الأوكرانية تعمل بعد تعرّض بناية سكنية لهجوم روسي في أوديسا الخميس (رويترز)

وأعلن الجيش الروسي، السبت، أنه تمكن من صد هجوم واسع النطاق شنته طائرات مسيرة أوكرانية ليل الجمعة - السبت، مشيراً إلى أنه اعترض 283 طائرة معادية. وقالت وزارة الدفاع الروسية إن منطقة روستوف الجنوبية كانت هدفاً رئيسياً للهجوم. ولم يتم التحقق من صحة هذه الادعاءات من مصادر مستقلة، لكنها تشير إلى حجم الهجوم.

وذكرت تقارير على قنوات «تلغرام» أنه تم استهداف مصنع للنيتروجين في مدينة تولياتي. وتردد أن مصافي النفط في المنطقة الغربية تم استهدافها أيضاً. وأكد مسؤولون وقوع غارة جوية على مبنى شاهق غير مأهول وتحت الإنشاء في مدينة أوفا، التي تبعد نحو 1600 كيلومتر عن الأراضي الأوكرانية. كما تسببت طائرات مسيرة أوكرانية في تعطيل حركة الطيران في عدة مطارات روسية، بما في ذلك مطار بموسكو.

قوت دفاع مدنية في بيلغورود الروسية تطيح بمسيرة أوكرانية قبل أيام (أ.ف.ب)

وفي أوكرانيا قال فياتشيسلاف تشاوس، حاكم منطقة تشرنيهيف بشمال البلاد، إن التيار الكهربائي انقطع عن معظم سكان المنطقة، السبت، عقب هجوم روسي بطائرات مسيّرة. وأضاف أن العمل جارٍ لإصلاح الأضرار. وقبل الحرب، كان عدد سكان المنطقة الواقعة على الحدود مع روسيا وبيلاروسيا يبلغ قرابة مليون نسمة.

كما ذكر مسؤول أوكراني أن هجوماً روسياً بطائرة مسيّرة على مدينة زابوريجيا أسفر عن مقتل شخصَين على الأقل. وقال الحاكم الإقليمي لزابوريجيا، إيفان فيدوروف، إن رجلاً وامرأة قُتلا وأُصيب طفلان بجروح عندما هاجمت طائرة مسيرة روسية منزلاً خاصاً صباح السبت.

رجال إطفاء أوكرانيون يعملون في مبنى أُصيب بغارة جوية روسية بزابوريجيا الاثنين (رويترز)

وجاء الهجوم قبل محادثات متوقعة أميركية - أوكرانية. ويتوجه وفد من المفاوضين الأوكرانيين إلى الولايات المتحدة السبت، في إطار الاستعدادات لجولة جديدة من محادثات السلام مع روسيا. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، للصحافيين الجمعة، إن المباحثات المرتقبة ستتناول الاتفاقات الجاري العمل عليها بشأن الضمانات الأمنية الأميركية، إلى جانب خطة إعادة إعمار أوكرانيا التي مزقتها الحرب.

صحافية تصور شظايا مسيّرة روسية تحطمت في ساحة الاستقلال بكييف الاثنين (أ.ف.ب)

ومن المتوقع أن تشمل المحادثات برنامج حلف شمال الأطلسي (الناتو) لشراء الأسلحة المعروف باسم «بي يو آر إل»، ولا سيما مسألة تزويد كييف بصواريخ مضادة للطائرات من طراز «باتريوت» الأميركي. ومن المقرر أن يقتصر الاجتماع على الجانبَين الأوكراني والأميركي، دون حضور أي ممثلين عن روسيا.

ويقود الوفد الأوكراني أمين عام مجلس الأمن القومي رستم عمروف، ويضم كلاً من رئيس هيئة مكتب موظفي الرئاسة الأوكرانية كيريلو بودانوف، ورئيس الكتلة البرلمانية لحزب الرئيس دافيد أراخاميا، ونائب وزير الخارجية سيرجي كيسليتسيا. أما الجانب الأميركي فسيضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر.

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف الاثنين (أ.ف.ب)

يُذكر أن جنيف استضافت في منتصف فبراير (شباط) الماضي محادثات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية، بهدف إنهاء الحرب التي اندلعت في 24 فبراير (شباط) 2022.

وقد توقّفت المحادثات التي تقام برعاية الولايات المتحدة بسبب الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) إثر ضربات أميركية-إسرائيلية على إيران.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


دييغو غارسيا... قاعدة محورية في توازنات الحرب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
TT

دييغو غارسيا... قاعدة محورية في توازنات الحرب

صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)
صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)

أطلقت إيران صواريخ باتجاه جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، التي تحتضن قاعدة عسكرية استراتيجية مشتركة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، في خطوة أثارت إدانات بريطانية وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن أهمية هذه القاعدة ودورها في الصراع المتصاعد.

وأدانت لندن «الهجمات الإيرانية المتهورة» عقب المحاولة غير الناجحة لاستهداف القاعدة، في وقت لا يزال فيه من غير الواضح مدى اقتراب الصواريخ من الجزيرة الواقعة على بُعد نحو 4 آلاف كيلومتر من الأراضي الإيرانية.

منصة أساسية للعمليات الأميركية

تُعدّ قاعدة «دييغو غارسيا» محوراً أساسياً للعمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا، إذ تصفها واشنطن بأنها «منصة لا غنى عنها تقريباً» للأمن الإقليمي، كما ذكرت وكالة «أسوشييتد برس».

وتستضيف القاعدة نحو 2500 عنصر، معظمهم من القوات الأميركية، وقد لعبت دوراً محورياً في دعم العمليات العسكرية الأميركية منذ حرب فيتنام، مروراً بالعراق، وصولاً إلى أفغانستان. وفي عام 2008، أقرّت الولايات المتحدة باستخدامها أيضاً في عمليات نقل سرية لمشتبه بهم في قضايا الإرهاب.

وخلال العام الماضي، نشرت واشنطن قاذفات «بي - 2 سبيريت» القادرة على حمل أسلحة نووية في القاعدة، بالتزامن مع حملة جوية مكثفة استهدفت جماعة الحوثي في اليمن.

تردّد بريطاني ثم انخراط محدود

في بداية حرب إيران، رفضت بريطانيا السماح باستخدام القاعدة في ضربات أميركية - إسرائيلية ضد إيران. إلا أن تصاعد الهجمات الإيرانية على دول الجوار دفع لندن إلى تغيير موقفها، لتسمح لاحقاً باستخدام «دييغو غارسيا» وقاعدة بريطانية أخرى في إنجلترا لاستهداف مواقع صاروخية إيرانية، خصوصاً تلك المستخدمة في مهاجمة السفن في مضيق هرمز.

وتؤكد الحكومة البريطانية أن استخدام القواعد يقتصر على «عمليات دفاعية مُحدّدة ومحدودة». في المقابل، حذّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن سماح لندن باستخدام قواعدها «يعرّض حياة البريطانيين للخطر»، معتبراً ذلك «مشاركة في العدوان».

وتُحدّد إيران حالياً سقفاً ذاتياً لمدى صواريخها الباليستية عند نحو 2000 كيلومتر، ما يجعل «دييغو غارسيا» خارج هذا النطاق. غير أن مسؤولين أميركيين يشيرون منذ سنوات إلى أن البرنامج الفضائي الإيراني قد يتيح لطهران تطوير صواريخ عابرة للقارات.

أرخبيل متنازع عليه

تقع «دييغو غارسيا» ضمن أرخبيل «تشاغوس»، الذي يضُمّ أكثر من 60 جزيرة في وسط المحيط الهندي. وتخضع هذه الجزر للسيادة البريطانية منذ عام 1814 بعد تنازل فرنسا عنها.

وفي ستينات وسبعينات القرن الماضي، قامت بريطانيا بتهجير ما يصل إلى 2000 من سكان الجزيرة لتمكين الولايات المتحدة من بناء القاعدة العسكرية، وهي خطوة لا تزال تثير انتقادات واسعة، وفق وكالة «أسوشييتد برس». ودعت الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، بريطانيا، إلى إنهاء «إدارتها الاستعمارية» للأرخبيل ونقل السيادة إلى موريشيوس، في ظل تصاعد الضغوط الدولية بشأن هذه القضية.

وبعد مفاوضات طويلة، توصّلت لندن العام الماضي إلى اتفاق مع موريشيوس يقضي بنقل السيادة على الجزر، مقابل استئجار بريطانيا لقاعدة «دييغو غارسيا» لمدة لا تقل عن 99 عاماً.

وترى الحكومة البريطانية أن الاتفاق يضمن مستقبل القاعدة ويحميها من الطعون القانونية، إلا أنه واجه انتقادات داخلية من معارضين حذّروا من أنه قد يفتح الباب أمام تدخلات من قِبل الصين وروسيا. كما طعن بعض سكان «تشاغوس» المهجّرين في الاتفاق، معتبرين أنهم لم يُستشاروا، وأنه لا يضمن حقهم في العودة إلى موطنهم.

خلافات عبر الأطلسي

رغم الترحيب الأولي من الإدارة الأميركية بالاتفاق، غيّر الرئيس دونالد ترمب موقفه في يناير (كانون الثاني)، واصفاً الاتفاق بأنه «عمل غبي للغاية».

كما أثار تردد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في السماح باستخدام القاعدة لضرب إيران استياء ترمب، الذي انتقد لندن بشدة، قائلاً إن المملكة المتحدة «غير متعاونة» في هذا الملف. وفي ظل هذه الخلافات، تم تعليق تمرير الاتفاق بين بريطانيا وموريشيوس في البرلمان البريطاني إلى حين استعادة الدعم الأميركي له.