«الجنرال ثلج» يجتاح روسيا وأوكرانيا... عاصفة في موسكو وإعصار يهاجم القرم 

اتهامات لكييف باستخدام مكونات كيماوية ضد السلطات الانفصالية 

الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
TT

«الجنرال ثلج» يجتاح روسيا وأوكرانيا... عاصفة في موسكو وإعصار يهاجم القرم 

الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)

لم تعد أخبار المعارك على الجبهات، وتداعيات العقوبات الغربية والمخاوف من هجمات الطائرات المسيّرة وحدها تشغل بال الروس في هذه الأيام، فقد دخل على الخط «الجنرال ثلج» الذي طالما كان على مدى منعطفات تاريخية حليفاً لروسيا في معاركها المصيرية، لكنه تحول في هذه المرة إلى خصم قاسٍ هاجم بقوة، في أسوأ عاصفة تضرب المدن الروسية منذ 40 عاماً، ما تسبب في شلل للمرافق العامة وحركة المطارات. وفي شبه جزيرة القرم ومناطق داخل العمق الأوكراني تحولت المواجهات إلى شكل جديد مع اجتياح شواطئ المنطقة إعصار وصف بأنه «الأقوى في تاريخ عمليات الرصد».

وكانت التحضيرات للشتاء تقتصر حتى قبل يومين، على تأمين موارد الطاقة اللازمة، وتحصين الجبهات تخوفاً من عمليات عسكرية تسعى على طرفي خطوط التماس إلى تحقيق اختراقات قبل اكتساح الثلوج، لكن الإعصار القوي الذي ضرب منطقة القرم ومناطق أخرى في محيطها بدل الأولويات. وقال رومان فيلفاند، المدير العلمي لمركز الأرصاد الجوية الهيدرولوجية، لوكالة أنباء «نوفوستي» الروسية الرسمية، إن «أقوى عاصفة في تاريخ رصد الأرصاد الجوية ضربت شبه جزيرة القرم».

إعصار غير مسبوق يضرب سواحل روسيا وأوكرانيا على البحر الأسود (أ.ف.ب)

فيضانات وعمليات إجلاء

وتسبب الإعصار القوي الذي امتدت تأثيراته لتشمل كل مناطق شبه الجزيرة والسواحل المحيطة بها، بفيضانات في المدن الساحلية وبروز ظواهر غريبة على بعض سواحل المنطقة. وقالت مراكز الأرصاد الجوية المحلية في المنطقة إن رياح الإعصار التي بدأت بالهبوب الأحد وصلت سرعتها إلى 40 متراً في الثانية في بعض المدن الساحلية، وتسببت بظهور أمواج قوية في البحر وصل ارتفاعها إلى 8 أمتار، وتسببت هذه الأمواج بخروج المياه من البحر لتغمر شوارع المدن. ووفقاً لرئيسة إدارة مجلس مدينة يفباتوريا، يلينا ديميدوفا فإن «سوء الأحوال الجوية تسبب بغمر الشوارع وبعض المنازل في المناطق الساحلية بالمياه». وزادت أن رجال الإنقاذ أجلوا عشرات العوائل من المناطق المنكوبة في المدينة، وأعلنت المراكز المختصة عن استعدادها لاستقبال نازحين، بينما لم تساعد الأحوال الجوية على الوصول إلى بعض المناطق المتضررة. ومع تصاعد حدة الإعصار ليلاً غمرت المياه بعض مناطق الطريق السريعة المؤدية إلى مدينة سيمفيروبل، ما تسبب في شلل كامل في حركة السير على الطريق الرئيسية التي تربط مدن شبه الجزيرة.

وفي محيط منطقة خيرسون تسبب الإعصار بظهور أكبر انحسار لمياه البحر منذ 60 عاماً في مدينة غينيتشيسك، وفي بعض سواحل المدينة تراجعت المياه إلى مسافة تزيد على 100 متر عن الخط الساحلي المعتاد. ومع هذه الظاهرة غير الاعتيادية ظهرت سواحل المدينة مغطاة بالطحالب والأصداف وقناديل البحر، وتهافت بعض السكان لمشاهدة مناطق لم تظهر لهم من قبل. وتسبب الإعصار في قطع إمدادات الكهرباء عن بعض مناطق المدينة، وقالت السلطات المحلية إنها «تكافح لإصلاح الأعطال». وأعادت العاصفة الحالية إلى الأذهان حدثاً مماثلاً وقع في عام 1854. ومن مقالب التاريخ أنه ضرب شبه جزيرة القرم في أوج معركة حامية الوطيس خلال حرب القرم التي واجهت فيها روسيا تحالفاً ضم إنجلترا وتركيا وفرنسا وسردينيا، لكن المفارقة أن تلك العاصفة انحازت إلى جانب الروس في مواجهة الحلفاء الذين تعرضت أساطيلهم في حينها لأضرار جسيمة، وتسببت في غرق أكثر من 30 سفينة قبالة الساحل.

تجمد الحركة في نهر موسكو قرب الكرملين (إ.ب.أ)

وقالت مصادر روسية إن الإعصار القادم من البحر الأبيض المتوسط تسبب في سقوط الأشجار في المنطقة، ودمّر جزئياً خطوط أنابيب الغاز. وأعلنت السلطات تشكيل غرفة عمليات في القرم، وبدأت محاولات لإجلاء السكان . وحتى عصر الاثنين كانت التقديرات تشير إلى أن نحو 400 ألف نسمة غدوا من دون كهرباء في شبه جزيرة القرم. وأُعلنت حالة الطوارئ في بلديات عدة. ولم تقتصر آثار الطقس السيئ على البشر، وأفاد حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوزاييف، بأن المياه غمرت قاعات متحف الأحياء المائية المحلي، وتسببت في نفوق أكثر من 500 حيوان بحري. ومن بينها 11 سمكة رمح مدرعة عاشت في الحوض لمدة 20 عاماً، بالإضافة إلى أسماك الضاري المفترسة الكبيرة التي أمضت هناك 15 عاماً.

وفي موسكو لم تكن الأحوال الجوية في الليلة الفائتة، أقل تأثيراً في هجوم الثلج القاسي، وأفاد الخبير في مركز الأرصاد الجوية الروسي «فوبوس» يفغيني تيشكوفيتس، بأن موسكو شهدت، مساء الأحد «عاصفة ثلجية سوداء» ترافقت مع هطولات غزيرة للأمطار، ووصلت سرعة الرياح حتى 17 متراً في الثانية. ووفقاً لتقديرات المركز فقد هطلت الثلوج بمعدلات غير مسبوقة خلال ليلة الاثنين، لتبلغ ما يعادل نصف المعدل الشهري في مثل هذه الأوقات من السنة. وتسببت العاصفة الثلجية في شل عدد كبير من المرافق، خصوصاً حركة الطيران في موسكو والمدن المحيطة بها. وأفادت خدمة «يانكس راسبيساني» الإلكترونية الروسية بأنه جرى صباح الاثنين تأجيل 35 رحلة جوية في مطارات العاصمة الكبرى «فنوكوفو» و«دوموديدوفو» و«شيريميتيفو»، أما أطراف موسكو فقد شهدت معدلات غير مسبوقة في تساقط الثلوج، مع محافظة درجات الحرارة على معدل 3 تحت الصفر. ورجح خبراء أن يكون يوم الاثنين هو الأصعب في جنوب روسيا، مع استمرار الطقس السيئ مع هطول الأمطار والرياح القوية، وفقاً لتقديرات أن تستمر تأثيرات العاصفة حتى الأربعاء.

وقال رئيس مركز الأرصاد الجوية الهيدرولوجية: «حتى يوم الأربعاء، لا يزال الوضع مضطرباً للغاية، وستزيد سرعة الرياح على ساحل البحر الأسود إلى 26 متراً في الثانية، وفي شبه جزيرة القرم ستكون 25 متراً في الثانية». وقال حاكم ضواحي موسكو أندريه فوروبيوف إن تساقط الثلوج عُدَّ الأكثف خلال الأربعين عاماً الماضية. كما ذكر إيفجيني تيشكوفيتس، الخبير الرئيسي في مركز «فوبوس» للطقس، على قناته على «تلغرام»، أن ارتفاع الثلوج زاد على 25 سنتيمتراً في بعض المناطق وهو معدل يصل إليه تساقط الثلوج عادة في شهر يناير (كانون الثاني).

مكونات كيماوية

على صعيد آخر، اتهمت موسكو الجانب الأوكراني باستخدام مكوّنات كيماوية ضد مسؤولين في المناطق الانفصالية التي ضمتها موسكو من جانب واحد.

وقال رئيس الوفد الروسي، نائب وزير الصناعة والتجارة كيريل ليسوغورسكي، في جلسة في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إن «الأجهزة الخاصة الأوكرانية استخدمت مواد كيماوية سامة ضد سلطات المناطق الروسية الجديدة». وأضاف: «لدينا معلومات عن استخدام مواد كيماوية سامة ومؤثرات عقلية من قبل عملاء استخبارات نظام كييف ضد قيادة الكيانات الجديدة التي أصبحت جزءاً من روسيا».

وكان سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، قد حذر قبل أيام، خلال اجتماع أمني في المنطقة الفيدرالية الوسطى، من أن «احتمال قيام كييف بارتكاب أعمال تخريبية باستخدام الأسلحة البيولوجية والمكونات المحظورة الأخرى يزداد».

ووفق ليسوغورسكي، فإن موسكو «لديها أيضاً أدلة على مشاركة الولايات المتحدة وحلفائها في توريد مواد كيماوية إلى أوكرانيا». وأشار إلى أن هذه المواد تُنْقل إلى القوات المسلحة الأوكرانية ومجموعات «المرتزقة الأجانب» الذين يقاتلون إلى جانب كييف. وكانت موسكو قد نقلت إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الشهر الماضي، ما قالت إنه «أدلة تثبت أن الجيش الأوكراني استخدم مواد محظورة في منطقة العمليات الخاصة».


مقالات ذات صلة

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

آسيا رجل يسير على طول طريق غمرتها المياه بينما تتسبب الأمطار الغزيرة بفيضانات في بيشاور بباكستان (أ.ف.ب)

عواصف تحصد 188 قتيلاً في باكستان وأفغانستان

أفادت وكالات إدارة الكوارث في أفغانستان وباكستان، الثلاثاء، بمقتل نحو 188 شخصاً جراء أمطار غزيرة وفيضانات وثلوج تضرب البلدين منذ أكثر من أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كابل - إسلام آباد)
آسيا صورة لأضرار ناجمة عن الفيضانات المفاجئة في لوغار بأفغانستان يوم 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

45 قتيلاً على الأقل جراء أمطار وعواصف في أفغانستان وباكستان

قضى 45 شخصاً على الأقل منذ الأربعاء في أفغانستان وباكستان جراء أمطار غزيرة وعواصف شديدة، وفق ما أفادت أجهزة الإسعاف في البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الولايات المتحدة​ صورة من مانهاتن في مدينة نيويورك يوم 16 مارس 2026 (أ.ف.ب)

عواصف عاتية تتسبب في تأخير أو إلغاء أكثر من 10 آلاف رحلة جوية في أميركا

تأخرت أو ألغيت أكثر من 10 آلاف رحلة جوية في الولايات المتحدة، الاثنين، وسط سلسلة من العواصف التي أثرت على عدد من المطارات الرئيسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ أشخاص يسيرون على طول شارع «تايمز سكوير» في مانهاتن أثناء تساقط الثلوج في مدينة نيويورك - 22 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

عاصفة ثلجية عاتية تضرب شمال شرقي الولايات المتحدة (صور)

تضرب عاصفة ثلجية كبيرة مناطق في شمال شرقي الولايات المتحدة لا سيما في مدينة نيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.