«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

من قيام الجمهورية الأولى إلى مذبحة نازية ضد اليهود فسقوط جدار برلين

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
TT

«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)

9 نوفمبر (تشرين الثاني)... يوم مصيري في تاريخ ألمانيا حمل معه أحداثاً كبرى رسمت معالم حقبات سياسية جديدة ومستقبل شعوب. من قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر عام 1918 على وقع هزائم البلاد في نهاية الحرب العالمية الأولى، إلى مذبحة «ليلة الزجاج المكسور» التي ارتكبها النازيون ضد يهود ألمانيا في مثل هذا اليوم من عام 1938، إلى سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 الذي شكل خطوة حاسمة نحو إعادة توحيد ألمانيا وأفول المعسكر الشرقي الشيوعي وإعادة توحيد أوروبا ونهاية الحرب الباردة.

قيام الجمهورية الألمانية الأولى

في 9 نوفمبر 1918، أعلن فيليب شايديمان من الحزب الديمقراطي الاشتراكي قيام الجمهورية الألمانية الأولى، التي وُلدت على وقع الهزائم التي مني بها الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، لتنهي حكم الإمبراطور فيلهلم (غليوم) الثاني، بعد سلسلة من التمردات التي قام بها البحارة والجنود الألمان، وفقدان القيصر فيلهلم الثاني دعم جيشه والشعب الألماني؛ فاضطر إلى التنازل عن العرش في 9 نوفمبر 1918، مفسحاً المجال بالتالي أمام ألمانيا لتوقيع الهدنة مع الحلفاء في 11 نوفمبر لتنتهي بذلك الحرب العالمية الأولى.

استمرت هذه الجمهورية التي عُرفت باسم جمهورية فايمار، حتى مطلع عام 1933 حين سقطت على أيدي النازيين.

ووفق موقع «history.com» المتخصص بالتاريخ العالمي، واجهت جمهورية فايمار أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام ألمانيا، وهو التضخم المفرط.

فيليب شايديمان يعلن قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر 1918 من شرفة «الرايخستاغ» (مبنى البرلمان الألماني آنذاك)... برلين 9 نوفمبر 1918 (الأرشيف الفيدرالي الألماني)

وكان نتيجة معاهدة فرساي التي فرضت شروطاً مالية (تعويضات) باهظة على ألمانيا، أن تضاءلت قدرة البلاد على إنتاج الفحم وخام الحديد المدر للدخل. ومع استنفاد ديون الحرب والتعويضات خزائن الحكومة الألمانية، لم تتمكن هذه من سداد ديونها.

وشكّلت الأزمات الاقتصادية التي عاشتها الجمهورية الوليدة، والاضطراب السياسي، إلى جانب شعور عارم لدى الألمان بخيبة كبيرة من الهزيمة في الحرب الكبرى (العالمية الأولى) وتركيز دعاية الأحزاب المتطرفة على ما عدوه ضعف حكومة فايمار في الدفاع عن مصالح ألمانيا، عوامل رئيسية، أدت إلى سقوط هذه الجمهورية ووصول الحزب اليميني المتطرف حزب «العمال القومي الاشتراكي» (المعروف ﺑ«النازي») إلى الحكم في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر، الذي سيدخل لاحقاً ألمانيا ومعها العالم في حرب عالمية ثانية مدمرة.

أشخاص يسيرون أمام النوافذ المكسورة لمتجر يملكه يهودي في برلين بعد هجمات النازيين في 9 و10 نوفمبر التي عُرفت باسم «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

«ليلة الزجاج المكسور»

حدث آخر كبير، طبع تاريخ التاسع من نوفمبر في ألمانيا، ففي هذا اليوم من عام 1938، وفي اليوم الذي تلاه، ارتكب النازيون ما عُرف باسم «ليلة الزجاج المكسور» أو «ليلة الكريستال»، وهي مذبحة منظمة ضد اليهود في ألمانيا، وفي النمسا وأجزاء من تشيكوسلوفاكيا، وهي مناطق كانت خاضعة للحكم النازي في برلين.

ففي ليلة 9 نوفمبر، أمر القادة النازيون أعضاء القوات شبه العسكرية التابعة للحزب النازي (قوات الأمن الخاصة، وكتيبة العاصفة، وشباب هتلر) بمهاجمة المجتمعات اليهودية. واكتسبت «ليلة الزجاج المكسور» اسمها من أشلاء زجاج نوافذ المعابد والمنازل والمحلات التجارية اليهودية التي كُسرت خلال موجة العنف التي ملأت شوارع ألمانيا، حسب موقع «موسوعة الهولوكوست» المتخصص بتاريخ الهولوكوست (أي «المحرقة اليهودية» على أيدي النازيين).

احتراق كنيس بويمستراس في فرانكفورت بألمانيا في 10 نوفمبر 1938 بعد هجمات النازيين على اليهود في ألمانيا في ليلة 9 نوفمبر التي تُعرف باسم «ليلة الكريستال» أو «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

وقد تعرضت المئات من المعابد والمؤسسات اليهودية في جميع أنحاء ألمانيا للهجوم والنهب والتدمير. وتعرض العديد من اليهود للهجوم من قبل حشود من قوات العاصفة (SA). وقتل النازيون في هذه الأحداث ما لا يقل عن 91 يهودياً، وتم ترحيل 26 ألفاً منهم إلى معسكرات الاعتقال، وفق شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله».

شكّل هذا الحدث نقطة تحول في الاضطهاد المتصاعد ضد اليهود تحت حكم النازيين في ألمانيا (1933 - 1945)، ومقدّمة لما سيُقْدِم عليه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية في ما أطلقوا عليه اسم «الحل النهائي»، وهو فعلياً إبادة اليهود (الهولوكوست) بين عامي 1941 و1945 في المناطق الخاضعة للحكم النازي.

حراس حدود من دولة ألمانيا الشرقية ينظرون من شق بجدار برلين بعد أن أسقط المتظاهرون قطعة منه عند بوابة براندنبرغ في برلين الشرقية السبت 11 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

سقوط جدار برلين

في التاسع من نوفمبر 1989، سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين برلين الشرقية التي تحكمها آنذاك «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» (الشيوعية الموالية للاتحاد السوفياتي والمعروفة ﺑ«ألمانيا الشرقية») وبرلين الغربية تحت حكم «جمهورية ألمانيا الاتحادية» (المعروفة ﺑ«ألمانيا الغربية»).

وقد بدأت حكومة ألمانيا الشرقية بناء هذا الجدار في 12 - 13 أغسطس (آب) 1961 لمنع النزوح الكثيف من برلين الشرقية نحو برلين الغربية، فيما عد الغربيون هذا الجدار علامة لتقسيم أوروبا ورمزاً للقمع الشيوعي وللصراع الآيديولوجي.

خريطة تظهر تقسيم ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى دولتي «ألمانيا الاتحادية» (ألمانيا الغربية) الليبرالية، و«ألمانيا الديمقراطية» (ألمانيا الشرقية) الشيوعية، ما بين العامين 1949 و1990 (الشرق الأوسط)

وشكل حدث سقوط الجدار (يوم 9 نوفمبر 1989) خطوة مهمة في طريق إعادة توحيد ألمانيا التي قُسمت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى شرقية وغربية. وقد أُعيد توحيد ألمانيا بعد ذلك في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1990.

وكذلك عدّ المتخصصون سقوط هذا الجدار، علامة لأفول ثم تفكك المعسكر الشرقي (حلف وارسو) الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي الشيوعي والمعسكر الغربي الليبرالي بزعامة الولايات المتحدة.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح حدود ألمانيا الشرقية الخميس 9 نوفمبر 1989... الصورة مُلتقطة في برلين الشرقية بألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

وفي تفاصيل هذا اليوم الذي سقط فيه الجدار، أنه بعد خمسة أيام من تجمع نصف مليون شخص في برلين الشرقية في احتجاج حاشد ضد الحكومة الشيوعية للمطالبة بإصلاحات، حاول زعماء ألمانيا الشرقية تهدئة الاحتجاجات المتصاعدة من خلال تخفيف القيود على الحدود، ما يسهل السفر على الألمان الشرقيين نحو ألمانيا الغربية حيث كانوا يسعون للعبور إلى الجهة الغربية من برلين لأسباب اقتصادية وسياسية.

في هذا اليوم (9 نوفمبر 1989)، قرأ غونتر شابوفسكي العضو في المكتب السياسي للحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية، في مؤتمر صحافي، أنه أصبح من المسموح لسكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشيوعية المعروفة بالشرقية) السفر عبر الحدود الغربية للدولة. وفي إجابة عن سؤال أحد الصحافيين قال: «إن هذا القرار فاعل فوراً ودون تأخير»، وفق ما نقلته شبكة «بي بي سي».

ألمان من شرق برلين وغربها يجتمعون بالقرب من نقطة عبور عند جدار برلين يراقبهم عناصر من شرطة ألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

في الواقع، كان من المقرر أن يبدأ تنفيذ القرار في اليوم التالي، مع تفاصيل حول التقدم بطلب للحصول على تأشيرة. لكن الأخبار كانت منتشرة في جميع أنحاء شاشات التلفاز، وتوافد الألمان الشرقيون على الحدود بأعداد هائلة، وفتح هارالد ياغر أحد حراس الحدود الذي كان يشاهد كلمة شابوفسكي، الممر أمام الجمهور، معتقداً أن الأوامر أعطيت بالسماح بفتح الحدود (وذلك بعد عدم تلقيه جواباً واضحاً من رؤسائه حول هذه المسألة)، وفق «بي بي سي»، ما أدى إلى تدفق آلاف الألمان الشرقيين نحو الجدار وعبروا نحو برلين الغربية في 9 نوفمبر وخلال الأيام التي تلته، وتسلق كثيرون الجدار عند بوابة براندنبورغ في برلين، وقطّعوا الجدار نفسه بالمطارق والمعاول، وسط أجواء من الاحتفال والبكاء، في مشاهد بثتها الشاشات عبر جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

سكان أصليون يقيمون دعوى لمنع التنقيب عن الغرافيت في موقع يقدّسونه بأميركا

الولايات المتحدة​ متظاهرون ملثمون فوق معدات الحفر يوم الخميس الموافق 30 أبريل 2026 في مقاطعة بينينغتون بولاية ساوث داكوتا الأميركية حاملين لافتة كُتب عليها «أرض مقدسة لا مكان للتعدين» (أ.ب)

سكان أصليون يقيمون دعوى لمنع التنقيب عن الغرافيت في موقع يقدّسونه بأميركا

أقامت قبائل تسع من السكان الأصليين دعوى قضائية على الحكومة الأميركية في محاولة لوقف التنقيب عن معدن الغرافيت بالقرب من موقع مقدس لدى القبائل في منطقة بلاك هيلز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم كنيسة تيغران هونينتس في أطلال آني بالقرب من كارس في 28 فبراير (شباط) 2024... وقّعت تركيا وأرمينيا اتفاقية في 4 مايو 2026 لإعادة ترميم جسر آني الذي يعود للعصور الوسطى على الحدود بين البلدين بشكل مشترك (أ.ف.ب)

تركيا وأرمينيا ستتعاونان في ترميم جسر «آني» التاريخي على حدودهما

وقّعت تركيا وأرمينيا، الاثنين، اتفاقاً لترميم جسر آني العائد إلى العصور الوسطى على الحدود بين البلدين، في خطوة رمزية على طريق تطبيع العلاقات بين أنقرة ويريفان.

«الشرق الأوسط» (أنقرة - يريفان)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجيب على أسئلة الصحافة خلال حفل توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن 30 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

تقرير: ترمب يصف نفسه في أحاديث خاصة ﺑ«أقوى شخص عاش في التاريخ»

أفادت مصادر بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصف نفسه في أحاديث خاصة بأنه «أقوى شخص عاش في التاريخ».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز) p-circle

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026. فيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق «وكالة «رويترز» للأنباء.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
يوميات الشرق رسالة عابرة للمحيط فتحت للإنسان صوتاً يصل بعيداً (متحف ماركوني)

رسالة عبر الأطلسي غيَّرت العالم... بثّ 1926 أطلق عصر الاتصالات

قبل قرن، غيَّرت رسالةٌ أُرسلت عبر المحيط الأطلسي إلى مقاطعة سومرست، طريقة التواصل في العالم...

«الشرق الأوسط» (لندن)

إردوغان: أي كيان أوروبي لا تأخذ فيها تركيا مكانها سيظل ناقصاً وضعيفاً

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان: أي كيان أوروبي لا تأخذ فيها تركيا مكانها سيظل ناقصاً وضعيفاً

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

عد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن أي تكتل أوروبي لا تأخذ فيه تركيا المكانة التي تستحقها سيظل ناقصاً، ويعاني ضعف قدرته على إدارة الأزمات، وأن الأسس التي بُني عليها الاتحاد الأوروبي قبل 76 عاماً تتعرض اليوم لاختبارات متزامنة، نتيجة أزمات متعددة الأبعاد.

وقال إردوغان في رسالة، السبت، بمناسبة «يوم أوروبا» الذي يصادف يوم التاسع من مايو (أيار)، أن الحروب والأزمات السياسية والتحديات الاقتصادية ذات التأثيرات على المستوى العالمي، تحتم على الاتحاد الأوروبي انتهاج سياسات أكثر شمولاً.

وأضاف أن «يوم أوروبا» و«إعلان شومان» الذي وضع أسس التكامل الأوروبي، يعد أحد رموز الاتحاد الأوروبي، كما يمثل دليلاً ملموساً على هدف بناء مستقبل مشترك، قائم على السلام والتعاون والاحترام المتبادل في القارة الأوروبية.

وتحتفل أوروبا في 9 مايو من كل عام بـ«يوم السلام والوحدة»، تخليداً لإعلان وزير الخارجية الفرنسي الأسبق روبرت شومان اقتراحه الاحتفال بهذا اليوم عام 1950، الذي اعتُبر لاحقاً أول وثيقة رسمية أعلنت ولادة الاتحاد الأوروبي.

وقال إردوغان إن «تركيا وبصفتها دولة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، تواصل -كونها عنصراً أساسياً ولا غنى عنه- في هذا المسار. وكما أسلفنا سابقاً، فإن حاجة الاتحاد الأوروبي إلى تركيا أكبر من حاجة تركيا إليه، وستزداد هذه الحاجة مستقبلاً».

وشدد على التزام تركيا بمواصلة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي على مبدأ «الوفاء بالعهود»، وبمنطق الربح المتبادل ضمن رؤية العضوية الكاملة، وأنها تتوقع من أوروبا أن تُظهر بدورها الإرادة الصادقة ذاتها.

وتحمل تركيا صفة «الدولة المرشحة» لعضوية الاتحاد منذ عام 1999، بعد تقدمها بطلب الانضمام عام 1987، وانطلقت المفاوضات عام 2005؛ لكنها مجمدة فعلياً منذ أكثر من 10 سنوات دون بوادر أو آفاق حقيقية لانضمامها.

وأثارت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، غضباً في تركيا، بتصريحات أدلت بها مؤخراً، حول سياسة توسع الاتحاد الأوروبي، قائلة إنها يجب أن تشمل القارة الأوروبية بأكملها لمنع أي تأثير خارجي من روسيا وتركيا والصين يمكن أن يمارس على أوروبا.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

وفي رد ضمني على تصريحات دير لاين، قال إردوغان، عقب ترؤسه اجتماع حكومته في أنقرة الاثنين الماضي، إن حاجة أوروبا إلى تركيا اليوم أكبر من حاجة تركيا لأوروبا، وإن «تركيا اليوم ليست تركيا القديمة».

وأضاف أن تركيا دُفعت إلى خارج طاولة مفاوضات الانضمام للاتحاد بدوافع سياسية بحتة، بينما قُبلت اليونان خلال فترة قصيرة، بعد تقدمها بطلب العضوية للاتحاد عام 1975.

وأشار إلى أن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي اكتسبت زخماً بعد وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى حكم تركيا عام 2002، وأيضاً بعد عام 2015، متأثرة بالحرب في سوريا، وموجة الهجرة التي تُعد الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن الاتحاد لم يتمكن من الحفاظ على هذا الزخم، بسبب موقفه المتأخر وغير الكافي وغير المتحمِّس في دعم تركيا، خلال محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016.

وقال إردوغان إنهم لم يجدوا في الاجتماعات اللاحقة مع الأوروبيين صورة مشجعة، من شأنها تجاوز حالة الجمود الراهنة، ودفع العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي إلى الأمام، وإنه على الرغم من كل المعايير المزدوجة التي تعرضت لها تركيا فإنها واصلت بإصرار مساعيها نحو العضوية الكاملة، ولا تزال حتى اليوم تكثف اتصالاتها المتبادلة مع مؤسسات الاتحاد ودوله.

وأضاف أن أوروبا تقف عند مفترق طرق، فإما تنظر إلى القوة المتنامية لتركيا وثقلها العالمي كفرصة لإخراج الاتحاد الأوروبي من ضائقته، وإما تسمح للخطابات الإقصائية بتعتيم مستقبلها.

وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو (أ.ف.ب)

في السياق ذاته، أكد وزير الخارجية البلجيكي، ماكسيم بريفو، أن التعاون مع تركيا في مجالَي الأمن والدفاع أمر لا غنى عنه، وأنه لا يمكن الحديث عن البنية الأمنية والاقتصادية لأوروبا من دون تركيا.

وقال بريفو -في تصريحات لوسائل إعلام تركية عشية زيارة بعثة اقتصادية بلجيكية لتركيا في الفترة من 10 إلى 14 مايو الحالي برئاسة الملكة ماتيلد- إن تعزيز فرص التعاون الدفاعي مع تركيا بات مهماً، في ظل الثورة التي تشهدها تركيا في مجال الصناعات الدفاعية مؤخراً.

وأكد ضرورة تحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي بين الاتحاد الأوروبي وتركيا الموقعة عام 1996، لافتاً إلى أن حجم التجارة بين البلدين بلغ العام الماضي 12 مليار يورو.

وتُعد زيارات «المهمة الاقتصادية» التي تنظمها بروكسل مرتين سنوياً إلى بلدان مختلفة، من أبرز أنشطة الدبلوماسية الاقتصادية ذات البعد السياسي القوي في النظام البلجيكي. وسيضم الوفد الزائر في إطار المهمة الاقتصادية لتركيا وزيرَي: الخارجية ماكسيم بريفو، والدفاع ثيو فرانكن.


إسبانيا تستقبل سفينة «هانتا» الأحد وتُنسّق جهود إجلاء ركّابها

المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم 7 مايو (منظمة الصحة العالمية - أ.ف.ب)
المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم 7 مايو (منظمة الصحة العالمية - أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تستقبل سفينة «هانتا» الأحد وتُنسّق جهود إجلاء ركّابها

المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم 7 مايو (منظمة الصحة العالمية - أ.ف.ب)
المدير العام لـ«منظمة الصحة العالمية» تيدروس أدهانوم غيبرييسوس خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم 7 مايو (منظمة الصحة العالمية - أ.ف.ب)

سعى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، السبت، إلى طمأنة سُكّان جزيرة تينيريف الإسبانية التي تستعدّ لاستقبال ركاب سفينة سياحية شهدت تفشياً قاتلاً لفيروس «هانتا»، مؤكّداً أن الخطر لا يزال «منخفضاً».

وبينما تقترب السفينة من السواحل الإسبانية، أعلن وزير الداخلية فرناندو غراندي-مارلاسكا أن رحلات لإعادة الركاب إلى بلدانهم باتت مقررة بالفعل إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وآيرلندا وهولندا.

وأوضح غراندي-مارلاسكا خلال مؤتمر صحافي، أن السلطات الإسبانية تعمل، بالتنسيق مع هولندا ومالك السفينة وشركة التأمين التابعة لها، على إعداد خطة خاصة للركاب القادمين من دول «ليست ضمن الاتحاد الأوروبي، ولا تمتلك الإمكانات الجوية اللازمة لإعادة مواطنيها».

تنسيق الإجلاء

وكتب تيدروس في رسالة مفتوحة إلى سكان الجزيرة، التي يُتوقع أن تصل إليها سفينة «إم في هوندييوس»، الأحد: «أريدكم أن تسمعوا مني بوضوح: هذا ليس كوفيد جديداً». وأضاف أن «الخطر الحالي على الصحة العامة من فيروس هانتا لا يزال منخفضاً».

ومن المتوقع أن تصل السفينة، التي ترفع العلم الهولندي، إلى المياه المقابلة لتينيريف، فجر الأحد، فيما توجّه تيدروس إلى الأرخبيل للمساعدة في تنسيق عملية إجلاء نحو 150 شخصاً على متنها. وقد توفي ثلاثة ركاب من السفينة -زوجان هولنديان وامرأة ألمانية- بينما أُصيب آخرون بهذا المرض النادر الذي ينتقل عادةً بين القوارض.

اختبار يحمل علامة إيجابية لفيروس «هانتا» في هذه الصورة الملتقطة 7 مايو (رويترز)

وأكدت الفحوصات وجود «فيروس أنديز»، وهو النوع الوحيد من فيروس هانتا القادر على الانتقال من شخص إلى آخر، بين الحالات الإيجابية، مما أثار قلقاً دولياً. كما أثار ذلك مخاوف بين سكان جزر الكناري، بعدما رفضت السلطات الإقليمية السماح للسفينة بالرسو في الميناء، وقرّرت إبقاءها قبالة الساحل في أثناء فحص الركاب وإجلائهم.

«فيروس خطير»

وفي رسالته المفتوحة، أشاد تيدروس بسكان تينيريف لما أبدوه من تضامن، وقال إنه شكر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، شخصياً على موافقة إسبانيا على القيام بـ«واجبها الأخلاقي» واستقبال السفينة. وكتب: «أعلم أنكم قلقون». وأضاف: «أعلم أنكم عندما تسمعون كلمة (تفشٍّ) وتشاهدون سفينة تتجه نحو شواطئكم، تعود إلى الأذهان ذكريات لم ينجح أي منَّا في تجاوزها بالكامل. إنَّ ألم عام 2020 لا يزال حاضراً، وأنا لا أُقلّل من شأنه ولو للحظة واحدة».

ينتقل فيروس «هانتا» غالباً إلى الإنسان عند التعرُّض لإفرازات القوارض المصابة (رويترز)

وأقرّ تيدروس بأن سلالة «أنديز» من فيروس هانتا «خطيرة». وقال: «لقد فقد ثلاثة أشخاص حياتهم، وقلوبنا مع عائلاتهم»، مشدداً في الوقت نفسه على أن «الخطر عليكم، وأنتم تمارسون حياتكم اليومية في تينيريف، لا يزال منخفضاً». وأضاف: «هذا هو تقييم منظمة الصحة العالمية، ونحن لا نطلقه باستخفاف». وأوضح أن خبيراً تابعاً للأمم المتحدة كان على متن السفينة، وأكد أنه «لا توجد حالياً أي حالات تظهر عليها أعراض». كما أشار إلى أن «الإمدادات الطبية متوافرة»، مؤكداً أن السلطات الإسبانية أعدّت «خطة دقيقة ومتدرجة» لعملية الإجلاء.

ووفقاً للخطة، سيتمّ «نقل الركاب إلى البرّ عبر ميناء غرانديا الصناعي، البعيد عن المناطق السكنية، باستخدام مركبات مغلقة وتحت حراسة، مروراً بممر مُطوّق بالكامل، ثم إعادتهم مباشرةً إلى بلدانهم». وأضاف: «لن تلتقوهم، ولن تلتقيهم عائلاتكم».

«أقرب ميناء مؤهّل»

شدّد تيدروس على أن طلب استقبال السفينة من إسبانيا «لم يكن عشوائياً»، موضحاً أنه بموجب اللوائح الصحية الدولية «يجب تحديد أقرب ميناء يمتلك قدرات طبية كافية لضمان سلامة وكرامة الموجودين على متن السفينة». وأضاف: «هناك نحو 150 شخصاً من 23 دولة ظلّوا في البحر لأسابيع، بعضهم يعيش حالة حزن، وجميعهم يشعرون بالخوف ويتوقون للعودة إلى ديارهم».

السفينة «إم في هونديوس» التي شهدت تفشي سلالة فتاكة ​من ‌فيروس «هانتا» (رويترز)

وقال تيدروس إنه يتوجه إلى تينيريف للإشراف شخصياً على عملية الإجلاء، «للوقوف إلى جانب» العاملين في القطاع الصحي وموظفي الميناء، وكذلك «لتقديم الاحترام» للجزيرة ولسكانها على استجابتهم. وختم بالقول: «منظمة الصحة العالمية تقف إلى جانبكم، وإلى جانب كل شخص على متن تلك السفينة، في كل خطوة على الطريق».

Your Premium trial has ended


بريطانيا ستنشر مدمّرة في الشرق الأوسط ضمن مهمة بمضيق هرمز

المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)
المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا ستنشر مدمّرة في الشرق الأوسط ضمن مهمة بمضيق هرمز

المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)
المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت المملكة المتحدة، السبت، أنها ستنشر في الشرق الأوسط المدمرة «إتش إم إس دراغون» الموجودة حالياً في البحر الأبيض المتوسط؛ استعداداً لمهمة في مضيق هرمز «عندما تسمح الظروف».

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنّ «هذا التمركز المسبق لـ«إتش إم إس دراغون» هو جزء من تخطيط دقيق يهدف لضمان أن تكون المملكة المتحدة مستعدة، ضمن تحالف متعدد الجنسية بقيادة مشتركة من المملكة المتحدة وفرنسا، لتأمين المضيق عندما تسمح الظروف بذلك».

وكانت بريطانيا وفرنسا قد أعلنتا، الشهر الماضي، بلورة خطة عسكرية لتأمين مضيق هرمز، من شأنها أن تتيح استئناف حركة الملاحة التجارية في هذا الممر الحيوي.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية إن نشر المدمّرة سيعزّز ثقة قطاع الشحن التجاري، ويدعم جهود إزالة الألغام بمجرد توقف الأعمال القتالية.

جانب من وصول المدمرة «إتش إم إس دراغون» إلى شرق المتوسط (وزارة الدفاع البريطانية)

وفي اجتماع استمر يومين عُقد في لندن، في أبريل (نيسان) بمشاركة أكثر من 44 دولة، ناقش مخططون عسكريون الجوانب العملية لمهمة متعددة الجنسية بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا لحماية الملاحة في هذا الممر المائي الرئيسي.

وأفادت تقارير بموافقة نحو 40 دولة على المشاركة في المهمة الرامية إلى إعادة حركة الملاحة في هرمز إلى طبيعتها.

وقبل شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو 20 في المائة من نفط العالم يُشحن عبر المضيق.

لكن هذه النسبة تراجعت إلى حد كبير في الأشهر الأخيرة؛ إذ أغلقت إيران المضيق على نحو شبه كامل؛ ما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية، وارتفاع أسعار النفط.

ولاحقاً، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية رداً على إغلاق طهران المضيق.

المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» بينما يجري توجيهها بواسطة قوارب القطر من قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وشكّكت إيران السبت في جدية الجهود الدبلوماسية الأميركية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار في أعقاب تجدّد الاشتباكات البحرية في منطقة الخليج.

والجمعة، فتحت مقاتلة أميركية النار على ناقلتي نفط ترفعان العلم الإيراني وعطّلتهما، بعدما اتهمتهما واشنطن بمحاولة كسر الحصار البحري الذي تفرضه على الموانئ الإيرانية. وشنّت إيران هجمات رداً على ذلك.

جاء ذلك بعد تصعيد سُجّل، ليل الخميس - الجمعة، في المضيق، حيث تسعى إيران إلى فرض رسوم مرور على السفن الأجنبية، وتلوّح باستغلال موقعها الجغرافي رافعة اقتصادية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.