«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

من قيام الجمهورية الأولى إلى مذبحة نازية ضد اليهود فسقوط جدار برلين

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
TT

«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)

9 نوفمبر (تشرين الثاني)... يوم مصيري في تاريخ ألمانيا حمل معه أحداثاً كبرى رسمت معالم حقبات سياسية جديدة ومستقبل شعوب. من قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر عام 1918 على وقع هزائم البلاد في نهاية الحرب العالمية الأولى، إلى مذبحة «ليلة الزجاج المكسور» التي ارتكبها النازيون ضد يهود ألمانيا في مثل هذا اليوم من عام 1938، إلى سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 الذي شكل خطوة حاسمة نحو إعادة توحيد ألمانيا وأفول المعسكر الشرقي الشيوعي وإعادة توحيد أوروبا ونهاية الحرب الباردة.

قيام الجمهورية الألمانية الأولى

في 9 نوفمبر 1918، أعلن فيليب شايديمان من الحزب الديمقراطي الاشتراكي قيام الجمهورية الألمانية الأولى، التي وُلدت على وقع الهزائم التي مني بها الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، لتنهي حكم الإمبراطور فيلهلم (غليوم) الثاني، بعد سلسلة من التمردات التي قام بها البحارة والجنود الألمان، وفقدان القيصر فيلهلم الثاني دعم جيشه والشعب الألماني؛ فاضطر إلى التنازل عن العرش في 9 نوفمبر 1918، مفسحاً المجال بالتالي أمام ألمانيا لتوقيع الهدنة مع الحلفاء في 11 نوفمبر لتنتهي بذلك الحرب العالمية الأولى.

استمرت هذه الجمهورية التي عُرفت باسم جمهورية فايمار، حتى مطلع عام 1933 حين سقطت على أيدي النازيين.

ووفق موقع «history.com» المتخصص بالتاريخ العالمي، واجهت جمهورية فايمار أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام ألمانيا، وهو التضخم المفرط.

فيليب شايديمان يعلن قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر 1918 من شرفة «الرايخستاغ» (مبنى البرلمان الألماني آنذاك)... برلين 9 نوفمبر 1918 (الأرشيف الفيدرالي الألماني)

وكان نتيجة معاهدة فرساي التي فرضت شروطاً مالية (تعويضات) باهظة على ألمانيا، أن تضاءلت قدرة البلاد على إنتاج الفحم وخام الحديد المدر للدخل. ومع استنفاد ديون الحرب والتعويضات خزائن الحكومة الألمانية، لم تتمكن هذه من سداد ديونها.

وشكّلت الأزمات الاقتصادية التي عاشتها الجمهورية الوليدة، والاضطراب السياسي، إلى جانب شعور عارم لدى الألمان بخيبة كبيرة من الهزيمة في الحرب الكبرى (العالمية الأولى) وتركيز دعاية الأحزاب المتطرفة على ما عدوه ضعف حكومة فايمار في الدفاع عن مصالح ألمانيا، عوامل رئيسية، أدت إلى سقوط هذه الجمهورية ووصول الحزب اليميني المتطرف حزب «العمال القومي الاشتراكي» (المعروف ﺑ«النازي») إلى الحكم في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر، الذي سيدخل لاحقاً ألمانيا ومعها العالم في حرب عالمية ثانية مدمرة.

أشخاص يسيرون أمام النوافذ المكسورة لمتجر يملكه يهودي في برلين بعد هجمات النازيين في 9 و10 نوفمبر التي عُرفت باسم «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

«ليلة الزجاج المكسور»

حدث آخر كبير، طبع تاريخ التاسع من نوفمبر في ألمانيا، ففي هذا اليوم من عام 1938، وفي اليوم الذي تلاه، ارتكب النازيون ما عُرف باسم «ليلة الزجاج المكسور» أو «ليلة الكريستال»، وهي مذبحة منظمة ضد اليهود في ألمانيا، وفي النمسا وأجزاء من تشيكوسلوفاكيا، وهي مناطق كانت خاضعة للحكم النازي في برلين.

ففي ليلة 9 نوفمبر، أمر القادة النازيون أعضاء القوات شبه العسكرية التابعة للحزب النازي (قوات الأمن الخاصة، وكتيبة العاصفة، وشباب هتلر) بمهاجمة المجتمعات اليهودية. واكتسبت «ليلة الزجاج المكسور» اسمها من أشلاء زجاج نوافذ المعابد والمنازل والمحلات التجارية اليهودية التي كُسرت خلال موجة العنف التي ملأت شوارع ألمانيا، حسب موقع «موسوعة الهولوكوست» المتخصص بتاريخ الهولوكوست (أي «المحرقة اليهودية» على أيدي النازيين).

احتراق كنيس بويمستراس في فرانكفورت بألمانيا في 10 نوفمبر 1938 بعد هجمات النازيين على اليهود في ألمانيا في ليلة 9 نوفمبر التي تُعرف باسم «ليلة الكريستال» أو «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

وقد تعرضت المئات من المعابد والمؤسسات اليهودية في جميع أنحاء ألمانيا للهجوم والنهب والتدمير. وتعرض العديد من اليهود للهجوم من قبل حشود من قوات العاصفة (SA). وقتل النازيون في هذه الأحداث ما لا يقل عن 91 يهودياً، وتم ترحيل 26 ألفاً منهم إلى معسكرات الاعتقال، وفق شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله».

شكّل هذا الحدث نقطة تحول في الاضطهاد المتصاعد ضد اليهود تحت حكم النازيين في ألمانيا (1933 - 1945)، ومقدّمة لما سيُقْدِم عليه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية في ما أطلقوا عليه اسم «الحل النهائي»، وهو فعلياً إبادة اليهود (الهولوكوست) بين عامي 1941 و1945 في المناطق الخاضعة للحكم النازي.

حراس حدود من دولة ألمانيا الشرقية ينظرون من شق بجدار برلين بعد أن أسقط المتظاهرون قطعة منه عند بوابة براندنبرغ في برلين الشرقية السبت 11 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

سقوط جدار برلين

في التاسع من نوفمبر 1989، سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين برلين الشرقية التي تحكمها آنذاك «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» (الشيوعية الموالية للاتحاد السوفياتي والمعروفة ﺑ«ألمانيا الشرقية») وبرلين الغربية تحت حكم «جمهورية ألمانيا الاتحادية» (المعروفة ﺑ«ألمانيا الغربية»).

وقد بدأت حكومة ألمانيا الشرقية بناء هذا الجدار في 12 - 13 أغسطس (آب) 1961 لمنع النزوح الكثيف من برلين الشرقية نحو برلين الغربية، فيما عد الغربيون هذا الجدار علامة لتقسيم أوروبا ورمزاً للقمع الشيوعي وللصراع الآيديولوجي.

خريطة تظهر تقسيم ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى دولتي «ألمانيا الاتحادية» (ألمانيا الغربية) الليبرالية، و«ألمانيا الديمقراطية» (ألمانيا الشرقية) الشيوعية، ما بين العامين 1949 و1990 (الشرق الأوسط)

وشكل حدث سقوط الجدار (يوم 9 نوفمبر 1989) خطوة مهمة في طريق إعادة توحيد ألمانيا التي قُسمت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى شرقية وغربية. وقد أُعيد توحيد ألمانيا بعد ذلك في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1990.

وكذلك عدّ المتخصصون سقوط هذا الجدار، علامة لأفول ثم تفكك المعسكر الشرقي (حلف وارسو) الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي الشيوعي والمعسكر الغربي الليبرالي بزعامة الولايات المتحدة.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح حدود ألمانيا الشرقية الخميس 9 نوفمبر 1989... الصورة مُلتقطة في برلين الشرقية بألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

وفي تفاصيل هذا اليوم الذي سقط فيه الجدار، أنه بعد خمسة أيام من تجمع نصف مليون شخص في برلين الشرقية في احتجاج حاشد ضد الحكومة الشيوعية للمطالبة بإصلاحات، حاول زعماء ألمانيا الشرقية تهدئة الاحتجاجات المتصاعدة من خلال تخفيف القيود على الحدود، ما يسهل السفر على الألمان الشرقيين نحو ألمانيا الغربية حيث كانوا يسعون للعبور إلى الجهة الغربية من برلين لأسباب اقتصادية وسياسية.

في هذا اليوم (9 نوفمبر 1989)، قرأ غونتر شابوفسكي العضو في المكتب السياسي للحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية، في مؤتمر صحافي، أنه أصبح من المسموح لسكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشيوعية المعروفة بالشرقية) السفر عبر الحدود الغربية للدولة. وفي إجابة عن سؤال أحد الصحافيين قال: «إن هذا القرار فاعل فوراً ودون تأخير»، وفق ما نقلته شبكة «بي بي سي».

ألمان من شرق برلين وغربها يجتمعون بالقرب من نقطة عبور عند جدار برلين يراقبهم عناصر من شرطة ألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

في الواقع، كان من المقرر أن يبدأ تنفيذ القرار في اليوم التالي، مع تفاصيل حول التقدم بطلب للحصول على تأشيرة. لكن الأخبار كانت منتشرة في جميع أنحاء شاشات التلفاز، وتوافد الألمان الشرقيون على الحدود بأعداد هائلة، وفتح هارالد ياغر أحد حراس الحدود الذي كان يشاهد كلمة شابوفسكي، الممر أمام الجمهور، معتقداً أن الأوامر أعطيت بالسماح بفتح الحدود (وذلك بعد عدم تلقيه جواباً واضحاً من رؤسائه حول هذه المسألة)، وفق «بي بي سي»، ما أدى إلى تدفق آلاف الألمان الشرقيين نحو الجدار وعبروا نحو برلين الغربية في 9 نوفمبر وخلال الأيام التي تلته، وتسلق كثيرون الجدار عند بوابة براندنبورغ في برلين، وقطّعوا الجدار نفسه بالمطارق والمعاول، وسط أجواء من الاحتفال والبكاء، في مشاهد بثتها الشاشات عبر جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق زمن متجمّد في عقارب ساعة (هانسونز للمزادات)

ساعة نجاة من «تيتانيك» تعود بعد قرن

تُعرَض ساعة جيب ذهبية تعود إلى أحد أبطال كارثة سفينة «تيتانيك» للبيع بنحو 100 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن القائمين على بيعها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني...

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

مسلحون احتجزوا رهائن ساعتين داخل مصرف في نابولي قبل أن يلوذوا بالفرار

 شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
TT

مسلحون احتجزوا رهائن ساعتين داخل مصرف في نابولي قبل أن يلوذوا بالفرار

 شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)
شرطيان إيطاليان يقفان في إحدى النقاط بفلورنسا (أرشيفية - رويترز)

احتجز مسلحون، الخميس، 25 شخصاً رهائن لمدة ساعتين داخل أحد المصارف في وسط نابولي، جنوب إيطاليا، حسبما أفادت به قوات الدرك الوطني الإيطالية (كارابينييري) «وكالة الصحافة الفرنسية». وقد أُفرج عن الرهائن لاحقاً من دون تسجيل أي إصابات، فيما تمكّن المسلحون من الفرار.

وأوضحت قوات الدرك أن منفّذي السطو، وعددهم 3، أحدهم «كان مسلحاً بالتأكيد»، اقتحموا نحو الساعة 11:30 فرعاً لمصرف «كريدي أغريكول» في ساحة ميداليي دورو في نابولي.

علم إيطاليا (أ.ف.ب)

وأضافت أنهم احتجزوا الزبائن والموظفين الموجودين، وعددهم 25 شخصاً، قبل الإفراج عنهم نحو الساعة 13:30 من دون إصابة أي منهم، وفق المصدر نفسه.

وقال محافظ نابولي، ميكيلي دي باري، في بيان الخميس: «بفضل سرعة التدخل والتنسيق العملاني بين الوحدات المختلفة المنتشرة والإدارة النموذجية للوضع، أُفرج عن جميع الرهائن بعيد الساعة 13:30 من دون إصابات خطيرة».

وحسب قوات الدرك، يُرجّح أن الخاطفين تمكّنوا من الفرار عبر فتحة حفروها في الأرض.

من جهته، أكد مصرف «كريدي أغريكول» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» وقوع عملية السطو والإفراج عن جميع الرهائن من جانب قوات الأمن.


توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
TT

توقيف 3 أشخاص بعد محاولة إحراق مقر وسيلة إعلام إيرانية في لندن

ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)
ضباط الشرطة في موقع طوق أمني بالقرب من كنيس فينشلي يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

أعلنت الشرطة البريطانية، الخميس، توقيف ثلاثة أشخاص على خلفية محاولة إحراق مكاتب وسيلة إعلام ناطقة بالفارسية في شمال غربي لندن.

وقالت الشرطة، وفق وكالة «رويترز»، إن حاوية مشتعلة أُلقيت مساء الأربعاء باتجاه مقر الوسيلة الإعلامية، التي لم يُكشف عن اسمها، في منطقة ويمبلي، وسقطت في موقف سيارات حيث انطفأت النيران من تلقاء نفسها، من دون تسجيل أضرار أو إصابات. وأضافت أن عناصر الأمن طاردوا لاحقاً سيارة سوداء يُعتقد أن المشتبه بهم فرّوا على متنها من موقع الحادث، قبل أن تتعرض لحادث.

وأوقفت الشرطة شابين يبلغان 19 و21 عاماً، إلى جانب فتى يبلغ 16 عاماً، للاشتباه في ارتكاب جريمة حريق متعمّد مع تعريض حياة الآخرين للخطر، وتم احتجازهم قيد التحقيق. وأوضحت أن الحادث لا يُصنّف عملاً إرهابياً، لكن عناصر من مكافحة الإرهاب يشاركون في التحقيق.

وجاءت هذه الواقعة بعد يوم من توقيف مشتبه بهما على خلفية محاولة إحراق منفصلة استهدفت كنيساً في شمال لندن أيضاً، رغم تأكيد الشرطة أنه لا توجد صلة بين الحادثين حتى الآن.

وفي الشهر الماضي، أُضرمت النيران في عدد من سيارات الإسعاف التابعة لخدمة الطوارئ التطوعية اليهودية «هاتزولا»، أثناء توقفها قرب كنيس في منطقة غولدرز غرين شمال لندن.

وكانت السلطات البريطانية قد حذّرت سابقاً من تهديدات تستهدف صحافيين يعملون في وسائل إعلام ناطقة بالفارسية تنتقد الحكومة الإيرانية. ففي عام 2024، تعرّض صحافي يعمل في قناة «إيران إنترناشيونال» للطعن في ساقه قرب منزله في جنوب لندن.

كما كشف رئيس جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن أن الجهاز والشرطة أحبطا أكثر من 20 مخططاً مدعوماً من إيران لخطف أو قتل مواطنين بريطانيين أو أفراد مقيمين في المملكة المتحدة تعتبرهم طهران تهديداً.


«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
TT

«ناتو» يدعو من برلين إلى «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف

وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، نداءً جديداً إلى الشركاء لمواصلة الضغط على روسيا وتقديم المساعدة التي تعهدوا بها لبلاده على وجه السرعة، وذلك بعد أحدث الهجمات الروسية التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات في مناطق مختلفة من أوكرانيا، في حين أعلن قائد سلاح الطائرات المسيّرة في أوكرانيا عبر تطبيق «تلغرام» أن الجيش استهدف مستودعي نفط في شبه جزيرة القرم، بالإضافة إلى بنية تحتية في ميناء توابسي بجنوب روسيا.

الأمين العام لحلف «ناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل 26 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وقال مسؤولون روس، الخميس، إن طائرات مسيّرة أوكرانية أصابت ناقلة ‌نفط ترفع ‌علم ​ليبيريا في ‌البحر ⁠الأسود ​وإن قبطانها، ⁠وهو تركي، نُقل إلى المستشفى مصاباً بجروح. وقالت تقارير ‌إعلامية ​إن ‌هجوماً أوكرانيا ‌كبيراً بطائرات مسيّرة خلال الليل على ميناء ‌توابسي على البحر الأسود أسفر عن ⁠مقتل ⁠شخصين، بينهما فتاة عمرها 14 عاماً، وإصابة سبعة آخرين واشتعال حريق كبير.

وقال الرئيس الأوكراني إنه تبيّن أن روسيا لا تستحق أي رفع للعقوبات مع إصابة 100 شخص إلى جانب القتلى. وأفادت وزارة الدفاع الروسية بأن أنظمة الدفاع الجوي اعترضت 207 طائرات مسيّرة أوكرانية خلال الليل ودمرتها.

وكتب زيلينسكي في منشور على «إكس»: «أثبتت ليلة أخرى أن روسيا لا تستحق أي تخفيف في السياسة الدولية أو رفع العقوبات... يجب أن يكون الضغط على روسيا فعالاً. ومن المهم الوفاء بكل وعد بالمساعدة لأوكرانيا في الوقت المحدد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والأمين العام لـ«ناتو» مارك روته على هامش منتدى «دافوس» 21 يناير الماضي (أ.ف.ب)

ميدانياً، أفاد مسؤولون أوكرانيون بأن القوات الروسية شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على العاصمة الأوكرانية كييف ومدن أخرى فجر الخميس؛ ما أسفر عن مقتل 17 شخصاً وإصابة العشرات، فضلاً عن إلحاق أضرار جسيمة بعدد من المباني.

وسمع صحافيو «وكالة الأنباء الفرنسية» دوي انفجارات قوية ليلاً في العاصمة، وشاهدوا أعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد فوق وسط المدينة عند الفجر. وأعلن رئيس البلدية فيتالي كليتشكو مقتل أربعة أشخاص أحدهم طفل. وفي أوديسا بجنوب البلاد، ذكر مسؤولون أن ثمانية أشخاص قتلوا. وفي مدينة دنيبرو جنوب شرقي البلاد، حيث تسببت الهجمات الروسية في اشتعال النيران بمبانٍ سكنية، قال مسؤولون إن أربعة قتلوا، ولقي شخص آخر حتفه في منطقة مجاورة. وفي خاركيف، بشمال شرقي أوكرانيا، قال مسؤولون إن شخصين أصيبا في غارات جوية بطائرات مسيّرة.

خلال لقاء مع أعضاء مجلسَي الوزراء الألماني والأوكراني في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

سياسياً، أكدت الدول الداعمة لأوكرانيا من جديد التزامها بمواصلة المساعدات العسكرية في اجتماع لمجموعة الاتصال الدفاعية لأوكرانيا في برلين. وفي كلمة بعد اجتماع في برلين للمجموعة - وهو تحالف من 50 دولة ينسق الدعم العسكري لكييف - شدد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس على استمرار الحاجة إلى المساعدة.

قال بيستوريوس إنه يجب ألا يتم تقليص الدعم لقتال أوكرانيا ضد القوات الروسية، على الرغم من الاهتمام العالمي بالشرق الأوسط. وقال مخاطباً جمهوراً ضم نظيره الأوكراني ميخايلو فيدوروف: «نحن نحافظ على دعمنا القوي. يمكن لأوكرانيا أن تستمر في الاعتماد علينا».

وقال بيستوريوس: «هناك شيء واحد مؤكد وواضح وهو أن روسيا تستفيد من التطورات الحالية في الشرق الأوسط؛ نظراً لأن ارتفاع أسعار النفط يصب الأموال في خزائن بوتين الحربية، على الأقل في الوقت الحالي».

وسلَّط وزير الدفاع البريطاني جون هيلي الضوء على الدور المتزايد للطائرات المسيّرة في ساحة المعركة، قائلاً إن الطائرات المسيّرة مثلت 96 في المائة من الخسائر الروسية في مارس (آذار). وأعلن أن حكومته ستعمل على تزويد أوكرانيا بـ120 ألف طائرة مسيّرة من مختلف الأنواع قبل نهاية العام الحالي. كما أشاد صراحة بعرض كييف دعم دول الخليج في الدفاع ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية.

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

حثّ الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته الدول الأعضاء، الأربعاء، على «عدم إغفال أوكرانيا» وزيادة الدعم لكييف. وقال روته: «علينا ضمان قدرتنا على تقديم دعم متواصل لأوكرانيا». ودعا الدول الـ32 الأعضاء في الحلف إلى «الاستثمار بشكل أكبر للوصول إلى هدف 60 مليار دولار في دعم الأمن والدفاع في أوكرانيا هذا العام».

ورداً على سؤال بهذا الشأن، قال روته: «علينا ضمان حصول أوكرانيا على ما تحتاج إليه للدفاع». وأضاف: «هناك إجماع واسع النطاق على هذه النقطة، على ضفتي المحيط الأطلسي».

وقال وزير الدفاع الأوكراني ميخاييلو فيدوروف في برلين، «هذا الشتاء كان من الأصعب في تاريخنا». وأضاف: «بين نوفمبر (تشرين الثاني) ومارس (آذار)، أطلق الكرملين 462 صاروخاً بالستياً ونحو 600 صاروخ كروز و27 ألف مسيّرة على أوكرانيا؛ بهدف تدمير البنية التحتية للطاقة لدينا وإغراق سكاننا في الظلام».

وتدارك: «لكن أوكرانيا صمدت»، مشيراً إلى أنّها عزّزت دفاعاتها الجوية بفضل الدعم المقدّم من الحلفاء الأوروبيين لشراء المعدات الأميركية، «بحيث وصل معدّل اعتراض صواريخ كروز إلى نحو 80 في المائة وارتفع معدّل اعتراض الطائرات من دون طيار إلى 90 في المائة».

وجاء اجتماع مجموعة الاتصال في وقت يبدو أنّ عملية التفاوض التي أُطلقت برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع حد للحرب في أوكرانيا، وصلت إلى طريق مسدود بسبب الخلافات العميقة بشأن الأراضي الأوكرانية التي أعلنت روسيا ضمّها وترفض كييف التخلّي عنها.

وفي ظل عدم الإعلان عن أي خطط لمزيد من المحادثات بوساطة أميركية مع روسيا، زار زيلينسكي ثلاث عواصم أوروبية؛ سعياً للحصول على وعود بمزيد من الدعم العسكري والمالي من ألمانيا والنرويج. وزار زيلينسكي برلين قبل روما، واتفق مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس على شراكة استراتيجية تتركز على المجال الدفاعي والطائرات المسيّرة. كذلك زار زيلينسكي النرويج، الثلاثاء، حيث اتفق مجدداً مع رئيس الوزراء يوناس غار ستوره على تعزيز التعاون في مجالي الدفاع والأمن. وكتب في منشور على منصة «إكس»: «نحن في حاجة إلى صواريخ دفاع جوي كل يوم (...) يواصل فيه الروس ضرباتهم على مدننا».

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران مؤتمراً صحافياً في المستشارية ببرلين (إ.ب.أ)

في غضون ذلك، أعلن مسؤولون أوكرانيون أن ألمانيا وأوكرانيا اتفقتا على حزمة مساعدات دفاعية بقيمة 4 مليارات يورو (4.7 مليار دولار)، في حين تعهدت النرويج بتقديم مساعدات بقيمة 9 مليارات يورو. وقال زيلينسكي إنه بصدد الطلب من الدول الأوروبية مواصلة زيادة مساهماتها المالية في صندوق يتيح شراء أسلحة أميركية الصنع من الولايات المتحدة لصالح أوكرانيا، ولا سيما منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» القادرة على اعتراض صواريخ كروز والصواريخ الباليستية الروسية التي تستهدف المناطق المدنية.