نقطة التوازن الفرنسية... تنديد بـ«حماس» ودعوة لدولة فلسطينية

شاب شيشاني الأصل يقتل أستاذاً ويصيب اثنين آخرين بجروح في مدينة أراس

ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
TT

نقطة التوازن الفرنسية... تنديد بـ«حماس» ودعوة لدولة فلسطينية

ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)
ماكرون لدى وصوله إلى مدرسة غامبيا الثانوية في مجدين أراس بعد عملية قتل مدرس وإصابة اثنين آخرين بجروح الجمعة (أ.ف.ب)

حملت الكلمة التي وجهها الرئيس إيمانويل ماكرون، ليل الخميس - الجمعة، إلى الفرنسيين مجموعة من الرسائل، تشدد إحداها - وهي بالتأكيد الرئيسية - على الدعوة إلى المحافظة على وحدة فرنسا «كأمة وجمهورية باعتبار أن وحدتنا سوف تحمينا من التجاوزات والانحرافات وكل الأحقاد».

وبحسب ماكرون، فإن «واجب الدولة الأول المحافظة على أمن المواطنين، ومنع أي تفلت في الكلام أو حصول أعمال معادية للسامية أو أي استهداف، وأنا أعي القلق أو حتى الخوف الذي يمس بعضكم. ولكن ما أود قوله هو أن الجمهورية موجودة لحمايتكم، وأنها ستكون من غير شفقة إزاء من يبث الأحقاد».

ولأن كلمة ماكرون الرئيسية كانت موجهة للجالية اليهودية في فرنسا، فإنه سعى إلى طمأنة اليهود والمسلمين معاً، بقوله: «أنا أعي الخوف الذي يعتري مواطنينا من الطائفة اليهودية من أن اندلاع العنف هناك، العنف المعادي للسامية أن يشكل الذريعة لخطاب وإهانات وأعمال تستهدفهم. كذلك أعي القلق الذي يلم بمواطنينا من المسلمين الذين يتخوفون من أن يتغلب الخلط (بينهم وبين الإرهاب) على العقلانية، ولذا نحن نجاهد اليوم وسنجاهد دوماً حتى لا يشعر أي شخص بالخوف على التراب الفرنسي».

رجال شرطة وخبراء جنائيون أمام المدرسة حيث جرت عملية الطعن في مدينة أراس الجمعة (أ.ف.ب)

منذ اندلاع حرب غزة، دأبت السلطات الفرنسية على التحذير من تبعاتها على الداخل الفرنسي، على شاكلة أعمال إرهابية كالتي عرفتها فرنسا في عام 2015 وما بعده.

وفي اليوم التالي لكلمة ماكرون، شهدت مدينة أراس الواقعة شمال باريس، أول عملية إرهابية قام بها مواطن شيشاني، عمره 20 عاماً واسمه محمد موغوشكوف، هاجم بسكين مدرسة وقتل أستاذ اللغة الفرنسية وأصاب بجروح شخصين آخرين.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية أن موغوشكوف الذي وصل إلى فرنسا في عام 2008، يحمل الجنسية الروسية، وكان موضع رقابة من قبل المخابرات الداخلية، وهو مسجل على لائحة الأشخاص الذين يمثلون تهديداً للأمن في فرنسا.

وأفاد شهود من المدرسة المعنية بأن الأخير صاح «الله أكبر»، قبل أن يهاجم الأشخاص الذين كانوا في باحة المدرسة الثانوية ويشتبك معهم، ويتجه بعدها نحو أستاذ اللغة الفرنسية الذي أصابه بجراح مميتة. ولاحقاً، نجح رجال الأمن في توقيفه وفي القبض على شقيق له كان قريباً من مدرسة أخرى في المدينة نفسها.

وصول شرطة مكافحة الشغب إلى مدينة أراس عقب عملية الطعن الجمعة (أ.ف.ب)

وأعلنت النيابة العامة الوطنية لمكافحة الإرهاب على الأثر فتح تحقيق في قضية قتل على ارتباط بمخطط إرهابي، وتحقيق في محاولة قتل على ارتباط بمخطط إرهابي وتشكيل عصابة إجرامية إرهابية. وعهد بالتحقيقين إلى قسم مكافحة الإرهاب في المديرية الوطنية للشرطة الجنائية والمديرية العامة للأمن الداخلي، بحسب النيابة العامة.

وتذكر هذه الحادثة بما حصل قبل 3 سنوات عندما قتل مواطن شيشاني صامويل باتي، أستاذ التاريخ في مدرسة ثانوية بمدينة كونفلان سانت هونورين، وجز رأسه، الأمر الذي أثار موجة من الغضب على المستوى الوطني.

ولا شك أن الحادثة ستطرح أسئلة حول فاعلية الأجهزة الأمنية التي كانت تراقب القاتل منذ الصيف الماضي، وتسجل مخابراته الهاتفية وترصد تحركاته. إلا أنها أفادت بأن «لا شيء في اتصالاته الهاتفية كان يشي بأنه سيعمد إلى ارتكاب فعلته».

فرنسية ترفع علم فلسطين خلال مظاهرة للمطالبة برفع الأجور بباريس الجمعة (أ.ف.ب)

وسارع الرئيس ماكرون إلى الانتقال إلى مدينة أراس لمعاينة مكان الحادث، فيما علقت رئيسة مجلس النواب يائيل براون - بيفيه أعمال المجلس، عادّة أن «الرعب فعل فعله».

وضربت القوى الأمنية طوقاً حول المدرسة ونقل عن نقابتين للمعلمين، أن القاتل الذي ألقي القبض عليه «تلميذ سابق» في المدرسة. وبينت مقاطع فيديو أن وصوله مسلحاً إلى باحة المدرسة أثار ذعر التلامذة.

ومنذ بداية عام 2015، التي شهدت كثيراً من العمليات الإرهابية على الأراضي الفرنسية، أبرزها عملية «مسرح الباتاكلان» بباريس، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، سقط في فرنسا 260 قتيلاً وعدة مئات من الجرحى، ما يعني أن عملية الجمعة، ستثير مخاوف الفرنسيين من أن تكون بلادهم على عتبة موجة جديدة من الإرهاب مرتبطة بتطورات حرب غزة.

مظاهرة غير مرخصة تأييداً لفلسطين في باريس الخميس (أ.ف.ب)

موقف ماكرون

في كلمته المتلفزة للفرنسيين التي دامت 10 دقائق، استخدم ماكرون أشد العبارات للتنديد بما قامت به «حماس» صبيحة السبت الماضي، مشدداً على وقوف فرنسا إلى جانب إسرائيل.

وقال إن «فرنسا تدين بأقسى الشدة الأعمال الرهيبة (التي قامت بها حماس). ولنكن واضحين: إن حماس حركة إرهابية وتريد تدمير إسرائيل وموت شعبها... الحرب ليست بين الإسرائيليين والفلسطينيين. إنها حرب تقوم بها مجموعات إرهابية ضد أمة ومجتمع وقيم ديمقراطية».

لكن بالمقابل، لم يعمد ماكرون إلى إدانة الضربات التي تسددها «القيم الديمقراطية» للمدنيين في غزة والحصار الذي تفرضه على القطاع وحرمانه من المياه والكهرباء والغذاء والطاقة، وإجبار مئات الآلاف على الرحيل عن مدنهم ومنازلهم. كما أنه لم يطالب بوضع حد للأعمال العسكرية والتوصل إلى وقف لإطلاق النار. ولم يفُتْ ماكرون التذكير بأنه «لا مبرر أبداً للإرهاب»، وأن «من حق إسرائيل الدفاع عن النفس» وأن فرنسا «تدعمه في ردها المشروع على الهجمات الإرهابية».

ورغم هذا الموقف المطلق إلى جانب تل أبيب، حرص ماكرون على التنبيه إلى أن «القضاء على المجموعات الإرهابية يجب أن يتم بعمليات مستهدفة مع عدم المساس بالمدنيين، لأن هذا هو واجب الديمقراطيات». وبعد أن ذكر ماكرون بالاتصالات الواسعة التي أجراها مع قادة من الشرق الأوسط ومع الجانبين الأميركي والأوروبي، شدد على أنه «ليس من الممكن تقبل تواصل حرب لا نهاية لها في منطقة الشرق الأوسط، وأن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تحل مكان البحث عن السلام»، مضيفاً أن محدداته معروفة «وهي توفير الضمانات الضرورية لأمن إسرائيل وقيام دولة فلسطينية، لأن هذا يمثل النهج الذي تدافع عنه فرنسا باستمرار وسنواصل السير على هديه».

ونبه الرئيس الفرنسي من «يخلطون بين القضية الفلسطينية وتبرير الإرهاب» بأنهم «يرتكبون خطأ مثلثاً: أخلاقياً، سياسياً واستراتيجياً». ووفق خلاصته، فإن باريس «المتسلحة بثبات بوضوح رؤيتها وثبات (مواقفها) تتحمل مسؤولية السعي إلى السلام والحوار، وهي ستواصل ذلك».

وذكر الرئيس الفرنسي أن بلاده تسعى مع شركائها لعدم تمدد الحرب، مشيراً بالاسم إلى لبنان. وتوجه إلى مواطنيه قائلاً: «لنبقَ متحدين من أجل أن نحمل رسالة أمن وسلام للشرق الأوسط».


مقالات ذات صلة

القضاء اللبناني يبرّئ فضل شاكر من دعوى قتل

المشرق العربي الفنان اللبناني فضل شاكر وأحمد الأسير يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

القضاء اللبناني يبرّئ فضل شاكر من دعوى قتل

برّأ القضاء اللبناني، اليوم (الأربعاء)، الفنان فضل شاكر من قضية محاولة اغتيال مسؤول محلي لمجموعة مرتبطة بـ«حزب الله»، وفق ما قال مصدر قضائي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

أستراليا تعلن عودة 13 من مواطنيها مرتبطين بـ«داعش» من سوريا

أعلنت الشرطة الأسترالية الأربعاء أن مجموعة مؤلفة من 13 امرأة وطفلا أستراليّا مرتبطين بعناصر يشتبه في انتمائهم لتنظيم داعش سيعودون إلى الوطن من سوريا.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة لأوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

تركيا: حليف لإردوغان يقترح إنشاء مكتب لأوجلان لإدارة «عملية السلام»

تصاعدت الدعوات مجدداً إلى تغيير وضع زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان ومنحه الحرية لقيادة «عملية السلام»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب) p-circle

مالي: ماذا يعني أن يجمعَ غويتا الرئاسة والدفاع؟

الرئيس غويتا يتولى وزارة الدفاع... ومراقبون يرون أنها رسالة إلى الروس بأن الشراكة مستمرة رغم اغتيال رجلهم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي - أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب) p-circle

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا والسلطات تكشف تورط سياسيين وضباط في هجمات السبت ضد باماكو

الشيخ محمد (نواكشوط)

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
TT

السويد تحتجز ناقلة نفط خاضعة للعقوبات يُعتقد ارتباطها بأسطول الظل الروسي

صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )
صورة نشرها وزير الدفاع المدني السويدي كارل أوسكار بولين على صفحته على منصة «إكس» خلال وضع اليد على الناقلة (إكس )

تُجري السويد تحقيقاً بشأن ناقلة يُشتبه في انتمائها إلى «الأسطول الروسي غير الرسمي» الخاضع للعقوبات، وفقاً لوزير الدفاع المدني السويدي.

أعلن خفر السواحل السويدي أنه صعد على متن ناقلة النفط «جين هوي» واحتجزها يوم الأحد للاشتباه في رفعها علماً مزيفاً أثناء عبورها المياه السويدية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضح خفر السواحل في بيان له، أن السفينة كانت تبحر في بحر البلطيق رافعة العلم السوري. كما تُثار مخاوف بشأن صلاحية السفينة للإبحار.

وكتب وزير الدفاع المدني السويدي، كارل أوسكار بولين، على منصة «إكس» أن «جين هوي» مدرجة حالياً على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأوكرانيا.

وأفاد المدعون العامون السويديون يوم الاثنين أنه تم القبض على قبطان السفينة، وهو مواطن صيني، للاشتباه في استخدامه وثيقة مزورة وارتكابه جرائم أخرى.

وهذه هي خامس عملية احتجاز سفينة يقوم بها خفر السواحل السويدي في الأسابيع الأخيرة.

قال دانيال ستينلينغ، نائب رئيس العمليات في خفر السواحل: «لا تزال السفن التي يُشتبه في وجود خلل في صلاحيتها للإبحار تبحر في المياه السويدية. هذا أمر غير مقبول. لقد تدخلنا سابقاً، وها نحن نتدخل مجدداً».

ولم ترد السفارة الروسية في السويد على طلب للتعليق يوم الأربعاء.

وكانت السويد قد أعلنت العام الماضي أنها ستكثف عمليات فحص التأمين على السفن الأجنبية، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على السفن الروسية المشتبه في نقلها النفط والغاز أو الحبوب الأوكرانية المسروقة.


«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
TT

«محرك» الاتحاد الأوروبي يعاني من خلافات باريس وبرلين

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبِلاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في الإليزيه 6 يناير (د.ب.أ)

كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر الكثير من وصول المستشار الألماني فريدريتش ميرتس إلى منصب المستشارية في برلين يوم 6 مايو (أيار) من العام الماضي لإعادة إطلاق العربة الفرنسية - الألمانية التي تُعدّ، منذ عقود عدة، بمثابة القاطرة الأوروبية التي من دونها سيراوح الاتحاد الأوروبي مكانه. وجاء حجم الآمال المعلقة على ميرتس مساوياً لحجم الخيبة الفرنسية من سلفه المستشار الاشتراكي أولاف شولتس الذي كان يشبه بـ«مكعب الجليد».

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

وطيلة ثلاث سنوات من حكمه، لم ينجح ماكرون في نسج علاقة خاصة مع شخصية منطوية وكتومة. وأمل الرئيس الفرنسي أن يكون ميرتس، القادم من الحزب الديموقراطي المسيحي، أكثر تجاوباً من سلفه لجهة التجاوب مع رغبة باريس في تعزيز العلاقات الفرنسية - الألمانية من أجل حراك دبلوماسي متسق والسير بالمشاريع الصناعية والدفاعية المشتركة، ومنها تصنيع الطائرة القتالية المشتركة من الجيل السادس ودبابة المستقبل.

كذلك، كان ماكرون يمنّي النفس بالعثور على شريك ألماني يرافقه باتجاه «الاستقلالية الاستراتيجية» لأوروبا التي يدعو إليها منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017 بما تعنيه من تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي. وأخيراً، كان ماكرون يراهن على خبرته في مجال السياسة الدولية بعد السنوات الثماني التي أمضاها في القصر الرئاسي لإقناع المستشار الجديد بخططه حيث إن الأخير لم يسبق له مطلقاً أن شغل منصباً وزارياً أو حكومياً آخر.

خيبة فرنسية من أداء ميرتس

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خلال الاستقبال الرسمي 5 مايو بمناسبة زيارة ماكرون لأرمينيا (رويترز)

بعد مرور عام كامل، لا تبدو محصلة التعاون بين المسؤولين بمستوى الآمال التي كانت معقودة عليه رغم وعود البداية. فالمستشار ميرتس قال، بمناسبة زيارته الأولى لفرنسا، في اليوم التالي لتسلمه السلطة ما حرفيته: «لن نستطيع مواجهة التحديات (المفروضة علينا) إلا إذا وقفت فرنسا وألمانيا معاً بشكل أوثق وأكثر تماسكاً».

ويفهم مما سبق أن الطرفين يعيان أهمية قيام علاقات ثقة وتعاون بينهما لمصلحتهما ومصلحة أوروبا. ومن جانبه، استغل ماكرون كل مناسبة للتأكيد على أهمية العلاقة بين باريس وبرلين. ففي زيارة له لبرلين، قال في مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس، يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «واجبنا أن ننجح معاً» في مهمتنا وأن «مصلحتنا المشتركة تكمن في تحقيق ما نصبو إليه من مشاريع؛ لأن ذلك يعد معيار مصداقيتنا».

قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا عقب اختتام قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (إ.ب.أ)

وسبق له أن أكد، بمناسبة الاجتماع الوزاري المشترك الفرنسي - الألماني في قصر الإليزيه، أن العلاقة الثنائية «تطلق دينامية جديدة» على الصعيد الأوروبي. وفي أوقات سابقة، نجحت قيادة الثنائي الفرنسي - الألماني في إقامة علاقات شخصية وسياسة استثنائية كالتي قامت بين الجنرال شارل ديغول والمستشار كونراد أديناور، وبين الرئيس فاليري جيسكار ديستان والمستشار هلموت شميت، وأيضاً بين الرئيس فرنسوا ميتران والمستشار هلموت كول.

جانب من جلسات قمة «المجموعة الأوروبية السياسية» في يريفان الاثنين (إ.ب.أ)

لم يبق لماكرون سوى عام واحد يمضيه في قصر الإليزيه. وبالمقابل، فإن ميرتس أمضى عامه الأول في قصر المستشارية. وما يجمع بين المغادر والوافد أن كليهما يعاني تراجع شعبيته، كل في بلده. ففي فرنسا، اظهر آخر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «أودوكسا» لشهر أبريل (نيسان) أن 25 في المائة من العينة المستطلعة أجابوا بـ«نعم» على السؤال التالي: «هل ترى أن إيمانويل ماكرون رئيس جيد؟». أما بالنسبة لميرتس، فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» أن 10 في المائة فقط من العيّنة المستطلعة ترى أن حكومته «تؤدي عملها بشكل جيد» في حين 69 في المائة ترى أن أداءها «سيئ أو سيئ جداً».

وما يجمع الاثنين فشلهما في وقف تقدم اليمين المتطرف: «التجمع الوطني» في فرنسا وحزب «البديل» في ألمانيا. ومرة أخرى تبين استطلاعات الرأي أن مرشح أو مرشحة «التجمع الوطني» (جوردان بارديلا ومارين لوبن) يتمتعان بحظوظ جدية بالفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل. أما في ألمانيا، فإن حزب «البديل» في طريقه لأن يتحول للحزب الأكثر شعبية في البلاد، متقدماً على حزب المحافظين أي الديموقراطي المسيحي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء أرمينيا عقب محادثاتهما في يريفان 5 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الملفات الخلافية بين باريس وبرلين

خلال العام الماضي، تواجه ميرتس وماكرون في ملفين رئيسيين: الأول، قرض الـ90 مليار يورو لدعم أوكرانيا عسكرياً واقتصادياً. الأول مارس ضغوطاً قوية على بلجيكا لاستخدام الأموال الروسية المودعة لدى مؤسسة «يوروكلير» في بروكسل والبالغة 125 مليار دولار. والآخر لم يبدِ حماسة للسير في خطة كان من شأنها أن تنسف الثقة بالسوق المالية الأوروبية أو أن تهدد الأموال الروسية المودعة في البنوك الفرنسية. وكانت النتيجة أن جهود ميرتس فشلت واضطر الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد خطة بديلة تقوم على استدانة الـ90 مليار يورو من الأسواق المالية بكفالة المفوضية الأوروبية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك خلال زيارة مشتركة لمدينة غدانسك الاثنين (رويترز)

وتواجه الاثنان لاحقاً بشأن التصديق على معاهدة التجارة الحرة مع دول «الميركوسور» (البرازيل، بوليفيا، الأرجنتين، باراغواي وأورغواي) التي وُقّعت في الأول من العام الحالي ودخلت حيز التنفيذ في بداية مايو. وسبب الخلاف بين المسؤولين أن كلاً منهما تمسك بالدفاع عن مصالح بلاده: ماكرون عارضه سعياً منه لحماية المزارعين الفرنسيين من منافسة «غير متكافئة» بينما ميرتس دفع باتجاه إبرامه سعياً منه لتغليب مصالح صناعة السيارات الألمانية. أما المفوضية الأوروبية، فقد عدَّته، بلسان رئيستها الألمانية أورسولا فون دير لاين «رافعة اقتصادية وجيوسياسية» في حين العلاقات الأوروبية - الأميركية تجتاز مرحلة من المطبات الهوائية الخطيرة.

دول قمة قبرص (أ.ف.ب)

لا يتوقف افتراق الآراء عند هذين الملفين. ذلك أن برلين تأخذ على فرنسا سياستها الاقتصادية المتساهلة في مسألة مديونية الدولة التي تتخطى بأشواط المسموح به على المستوى الأوروبي. وتبين الأرقام الرسمية أن ديون فرنسا بلغت نهاية العام الماضي 3500 مليار يورو؛ ما يشكل 116 في المائة من الناتج المحلي العام. وهذه النسبة من بين الأسوأ في أوروبا بينما نسبة المديونية الألمانية تتراوح ما بين 60 و65 في المائة من الناتج المحلي الألماني. وترى برلين أن ضعف الاقتصاد الفرنسي يؤثر سلباً على الاقتصاد الأوروبي وموقعه على الصعيد العالمي، فضلاً عن انعكاسه على قيمة العملة الأوروبية.

طائرة القتال المستقبلية

طائرة «رافال» الفرنسية المقاتلة مطلية بألوان العَلم الفرنسي بمناسبة معرض الطيران في قاعدة نانسي - أوشي 4 مايو (أ.ف.ب)

بيد أن الخلاف الجدي والملموس بين البلدين يدور حول مشروع تصنيع طائرة القتال المستقبلية من الجيل السادس الذي أطلق في عام 2017، وحتى اليوم ما زال يراوح مكانه. وباختصار شديد، ثمة خلافات تتناول تحديد الحاجات العسكرية (المهمات المطلوبة من الطائرة) والصناعية (توزيع العمل بين شركة «داسو للطيران» التي تصنع طائرة «رافال» والتي تريد أن تكون رائدة المشروع وشركة «إيرباص للصناعات الفضائية العسكرية» التي تتمسك بها ألمانيا والتي تتشارك فيها مع فرنسا وإسبانيا).

كذلك، ثمة خلافات على كيفية إدارة المشروع. كذلك، تختلف مقاربة البلدين حول بناء دبابة المستقبل، والخلاف قائم حول دور الذي تريده شركة «رينميتال» الألمانية التي تصنع دبابة «ليوبارد» المعروفة وشركة «نيكستر» الفرنسية التي تنتج دبابة «لوكلير». وكانت المقاربة الفرنسية تقوم على إبراز دور «داسو» في القطاع الجوي مقابل تفضيل «رينميتال» أرضياً. وما زالت المساومات قائمة؛ ما سيعني تأخر الإنتاج العسكري الموعود والمشترك.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه الرئاسي في باريس 16 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كثيرة الملفات الخلافية بين الطرفين، ومنها ما يرتبط بالعلاقة مع الحلف الأطلسي. فألمانيا تُعدّ، بسبب الإرث التاريخي، أكثر التصاقاً به بينما باريس تسعى للحفاظ على نوع من الاستقلالية داخله وهي تدفع الأوروبيين باتجاه تعزيز دفاعهم المشترك. إلا أن التباعد المستجد بين ميرتس والرئيس ترمب يدفع باتجاه التقارب بين باريس وبرلين بشأن «الأطلسي». وتجدر الإشارة إلى انطلاق حوار بينهما، بعيداً عن الأضواء، بشأن إفادة ألمانيا من المظلة النووية الفرنسية في إطار «البعد الأوروبي للمصالح القومية الفرنسية». لكن باريس لم تستسغ سابقاً قرار برلين إطلاق «مبادرة الدرع الأوروبي»، الذي انضمت إليه ما بين 2022 و2024 ما لا يقل عن 20 دولة أوروبية في حين فرنسا وإيطاليا وبولندا بقيت خارجه.

زعيم اليسار الراديكالي في فرنسا جان - لوك ميلانشون (أ.ب)

وما أغاظ باريس أن برلين قررت التوجه إلى الصناعات الجوية الأميركية والإسرائيلية بدل اللجوء إلى الصناعات الأوروبية والفرنسية بوجه خاص. وفي مجال التباعد، تمكن الإشارة إلى تضارب الرؤى بين العاصمتين بالنسبة لمستقبل الطاقة، حيث تركز باريس على الطاقة النووية في حين تريد برلين تعظيم الاعتماد على الطاقة المتجددة. كذلك، تنظر باريس بنوع من الشك إلى نزوع ميرتس نحو تعزيز التعاون مع روما على حساب باريس؛ ما من شأنه إضعاف القاطرة الثنائية. إلا أن ما سبق، لا يعني الطلاق بين البلدين المتفقين بشأن الحرب في أوكرانيا والتمسك بدعم كييف والعلاقة مع روسيا وتعزيز البناء الأوروبي وتعظيم حضوره في العالم.


فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تدعو إيران وأميركا لحلّ قضية هرمز بمعزل عن الملفات الأخرى

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 29 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

دعت فرنسا الولايات المتحدة وإيران إلى «معالجة مسألة هرمز بشكل منفصل» عن باقي ملفات النزاع، مشددةً على أنها ذات «اهتمام مشترك»، وعرضت «مطالبها» من أجل تنفيذ مهمة متعددة الجنسيات لضمان أمن الملاحة في الممر المائي الحيوي، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «يمكننا أن نعرض على إيران العبور مجدداً من مضيق هرمز، يمكننا السماح بمرور ناقلاتها من مضيق هرمز بشرط، وهو أن تقبل إيران بالانخراط في المفاوضات التي يدعوها الأميركيون إليها حول المسائل الجوهرية».

وأضافت: «ما نقوله للأميركيين هو أن عليهم فك الحصار عن (هرمز) واغتنام استعداد إيران للتفاوض حول القضايا الجوهرية».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران قد تنتهي ويعاد فتح مضيق ‌هرمز ‌إذا ​التزمت ‌طهران ⁠بما ​تم الاتفاق ⁠عليه، مهدداً: «إذا لم توافق، سيبدأ القصف، وسيكون للأسف على مستوى وكثافة أعلى بكثير مما كان عليه من ​قبل».

وأكدت باكستان، الأربعاء، وجود «زخم» قد يُفضي إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط، في وقت نقل موقع «أكسيوس» الإخباري عن مسؤولين أميركيين تفاؤلهم بقرب التوصل إلى اتفاق مع طهران، غداة إعلان الرئيس دونالد ترمب تعليق عملية عسكرية لمرافقة السفن في مضيق هرمز، وحديثه عن «إحراز تقدم كبير نحو اتفاق كامل ونهائي» مع طهران.

وأفاد موقع «أكسيوس» ومصدر باكستاني بأن الولايات المتحدة وإيران «تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب». ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم وموافقة أميركا على رفع عقوباتها والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين القيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز.