أنقرة لفتح قنصلية في حلب... ورفض يوناني للاتفاق البحري

إردوغان يهدد بدفن مسلحي الأكراد أحياء في سوريا ووزير الدفاع التركي يتحاشى تأكيد عملية عسكرية

إردوغان تعهد بدفن مسلحي الوحدات الكردية أحياء (الرئاسة التركية)
إردوغان تعهد بدفن مسلحي الوحدات الكردية أحياء (الرئاسة التركية)
TT

أنقرة لفتح قنصلية في حلب... ورفض يوناني للاتفاق البحري

إردوغان تعهد بدفن مسلحي الوحدات الكردية أحياء (الرئاسة التركية)
إردوغان تعهد بدفن مسلحي الوحدات الكردية أحياء (الرئاسة التركية)

كشف الرئيس رجب طيب إردوغان عن استعدادات بلاده لفتح قنصلية لها في مدينة حلب قريباً، لتسهيل عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مشيراً إلى أن تركيا استضافت 3.6 مليون لاجئ سوري من أصل 12 مليوناً آخرين هاجروا من بلادهم.

وأضاف أن تركيا ستسمح بدخول وخروج اللاجئين السوريين لبعض الوقت، من أجل التمهيد لعودة عائلاتهم، متوقعاً زيادة في حركة العودة في الصيف، بمجرد انتهاء العام الدراسي. وأكد أنه «لن يتم إجبار أحد على العودة».

في السياق ذاته، رفضت اليونان ما أعلنته تركيا عن عزمها إبرام اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع سوريا، واصفة الحكومة السورية المؤقتة، بأنها «سلطة انتقالية» غير قادرة على توقيع اتفاقيات صحيحة من الناحية القانونية، بحسب ما أوردته صحيفة «إيكاتيميريني» اليونانية، نقلاً عن بيان لوزارة الخارجية، الأربعاء.

وجاء بيان اليونان، بعد إعلان وزير النقل التركي، عبد القادر أورال أوغلو، الثلاثاء، اعتزام بلاده بدء مباحثات مع سوريا لترسيم الحدود البحرية.

وحذّر مسؤولون يونانيون من أن الاتفاق قد يقوض الحقوق السيادية لبلادهم، ويشكل سابقة تتحدى الحقوق البحرية لجزر، مثل كريت وقبرص.

وزير النقل والبنية التحتية التركي متحدثا في مؤتمر إقليمي الحزب العدالة والتنمية الحاكم الثلاثاء (حسابه في إكس)

وكان وزير النقل والبنية التحتية التركي، عبد القادر أورال أوغلو، قال إن بلاده تعتزم بدء مفاوضات مع سوريا لترسيم الحدود البحرية في البحر المتوسط، موضحاً أن أي اتفاق في المستقبل سيكون متوافقاً مع القانون الدولي.

وقال أورال أوغلو إن تركيا وضعت خطة عمل للنهوض بمطار دمشق الدولي، لافتاً إلى أن سوريا تمتلك 5 مطارات مدنية، أهمها مطارا دمشق وحلب، وأن نحو 100 ألف مسافر استخدموا مطار دمشق خلال العام الماضي، فيما بلغ عدد المسافرين عبر مطار حلب نحو 60 ألفاً خلال الفترة ذاتها، وأن تركيا أرسلت فريقاً متخصصاً لإجراء الفحوص اللازمة للمطارين اللذين يفتقدان إلى وجود أي منظومة رادار فيهما.

وأضاف أن وزارته ستعمل أيضاً على النهوض بشبكة الاتصالات السورية، وقد تقدم دعماً لسوريا فيما يتعلق بطباعة عملتها الوطنية، التي كانت تطبع في روسيا سابقاً، مشيراً إلى أن الموانئ في سوريا لم تحرز أي تقدم، رغم أن البلاد تعدّ بوابة مهمة على البحر المتوسط.

في الأثناء، توعد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المسلحين الأكراد في سوريا بـ«دفنهم أحياء» حال عدم تسليم أسلحتهم. وتجنب وزير الدفاع في حكومته تأكيد أو نفي الاستعداد لعملية عسكرية تستهدفهم.

وقال إردوغان: «إما أن يلقي القتلة الانفصاليون أسلحتهم أو يدفنوا في الأراضي السورية مع أسلحتهم». وأضاف: «سنحقق هدفنا، المتمثل في جعل تركيا خالية من الإرهاب خلال الفترة المقبلة باستخدام جميع الأدوات المتاحة لدولتنا، سنقضي على (تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي)، الذي يحاول بناء جدار من دم بيننا وبين أشقائنا الأكراد، وإذا كانت لديه حسابات فنحن أيضاً لدينا حساباتنا».

إردوغان متحدثاً أمام نواب حزبه بالبرلمان الأربعاء (الرئاسة التركية)

وأكد أردوغان، في كلمة خلال اجتماع المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، الأربعاء، أن «هدف تركيا الوحيد هو ضمان السلام والرفاه والاستقرار بأقوى الأشكال في كل شبر من أراضي المنطقة، بدءاً بسوريا».

وتجنب وزير الدفاع التركي، يشار غولر، تأكيد أو نفي استعداد الجيش للقيام بعملية عسكرية تستهدف مواقع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية غالبية قوامها، قائلاً لصحافيين في البرلمان: «نحن نشارككم كل تطور في سوريا على الفور. لذلك، لا يوجد شيء لا تعرفونه الآن، وإذا حدث ذلك، فسنواصل مشاركته معكم بكل سرور».

وتفقد غولر، رفقة رئيس أركان الجيش التركي وقادة قواته، الأحد، الوحدات العسكرية في منطقة الحدود التركية السورية في جنوب البلاد.

مباحثات حول سوريا بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والدفاع يشار غولر (الخارجية التركية)

والتقى غولر، الأربعاء، وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بمقر وزارة الخارجية، حيث استمع منه إلى تقييمه لزيارته إلى دمشق الأحد الماضي، ولقائه مع القائد العام للإدارة السورية أحمد الشرع.

وبحث غولر، في اتصال هاتفي، الثلاثاء، ونظيره الأميركي لويد أوستن، الوضع في سوريا، والعمليات التركية بدعم من فصائل الجيش الوطني، ضد «وحدات الحماية الكردية» التي تدعمها واشنطن.

تصعيد ضد «قسد»

بالتزامن، قالت وزارة الدفاع التركية، في بيان عبر «إكس»، إن الجيش قتل 21 مسلحاً كردياً في شمال سوريا والعراق، منهم 20 من «وحدات حماية الشعب» الكردية في منطقتي «درع الفرات» و«نبع السلام» في شمال وشمال شرقي سوريا، بينما كانوا يستعدون لشنّ هجوم، ومسلحاً من «حزب العمال» الكردستاني في شمال العراق، مؤكدة أن العمليات ستستمر بفاعلية وحزم.

وأكد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، في الوقت ذاته، أن القوات التركية والفصائل الموالية لها المتمركزة في منطقة «نبع السلام» قصفت بـ15 قذيفة صاروخية محيط بلدة أبو راسين (زركان)، شمال غربي الحسكة.

جاء ذلك في ظل استمرار الاشتباكات بين فصائل «الجيش الوطني السوري»، المدعومة من تركيا و«وحدات حماية الشعب» الكردية في شمال شرقي سوريا. وقتل مواطن نتيجة سقوط قذيفة أطلقتها «قسد» على منزله في قرية حبوبة صغير في ريف منبج، كما أصيب مواطنان نتيجة استهداف «قسد» لمزرعة قرب قرية رسم عبود المحاذية لمحطة معالجة مياه الشرب بالخفسة، في شرق حلب.

وهدأت وتيرة الاشتباكات في ريف منبج، الأربعاء، عن الأيام السابقة، في حين دارت اشتباكات بين «قسد» المتمركزة في قرية بابيري من جهة، وفصيل «أحرار الشام» والفصائل الموالية لتركيا المتمركزة في محطة الخفسة في ريف حلب الشرقي، وسط قصف مدفعي على القرى المحيطة، ونشر قناصين على الأماكن المرتفعة، بحسب ما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان».

قصف تركي على مواقع لـ«قسد» (المرصد السوري)

وقتل عنصران من قوى الأمن الداخلي (الأسايش)، التابعة لـ«قسد»، وعنصر من الشرطة العسكرية، إثر استهداف طائرة مسيرة تركية لحاجز لهم عند مدخل بلدة أبو راسين، شمال غربي الحسكة.


مقالات ذات صلة

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

المشرق العربي مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو) play-circle

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي ترحيب بلاده بالعملية الأميركية لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

خاص رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد» أن التباين لم يكن داخلياً بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي، وما انتهى إليه المبعوث توم براك.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
شؤون إقليمية وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي حينها تساحي هنغبي (ومستشار الأمن القومي لاحقاً) خلال فعالية في بروكسل ببلجيكا يوم 31 يناير 2018 (رويترز)

هنغبي يدعو نتنياهو للاستعجال في التوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية» مع سوريا

دعا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي بالحكومة الإسرائيلية تساحي هنغبي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاستعجال في التوصل لاتفاق مع سوريا.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
العالم المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)

برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك اليوم (الخميس) إنه أكد مجدداً لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي أن واشنطن تدعم بقوة اتفاق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من الأمن السوري في الرقة (أ.ف.ب)

«الخارجية السورية»: «قسد» تتحمل مسؤولية خرق اتفاقات وقف إطلاق النار

نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء عن مصدر بوزارة الخارجية قوله، اليوم الخميس، إن «قسد» تتحمل مسؤولية خرق اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم التوصل إليها مؤخراً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
TT

دبلوماسي سوري: مستعدون للمساعدة في نقل سجناء «داعش» إلى العراق

مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)
مندوب سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي خلال حضوره جلسة لمجلس الأمن الدولي (لقطة من فيديو)

أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، اليوم (الخميس)، ترحيب بلاده بالعملية الأميركية لنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سجون في شمال شرقي سوريا إلى العراق، وقال إن دمشق على استعداد لتقديم الدعم اللوجيستي والأمني لنجاحها.

وقال الدبلوماسي السوري، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن الوضع في سوريا، إن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي محاولات هروب لعناصر «داعش» من السجون، مؤكداً أن وزارة الداخلية نجحت في القبض على معظم العناصر الفارين، وتواصل ملاحقة الباقين.

وأدان علبي ما وصفه بمحاولة «قسد» توظيف ملف عناصر «داعش» في السجون كورقة ضغط وابتزاز سياسي، مؤكداً أن الحكومة السورية تفاوضت معها لمدة نحو عام كامل، و«قوبل ذلك بالتلكؤ وغياب المسؤولية».

وقال المندوب السوري إن القوات، التي يهيمن عليها الأكراد، نقضت تعهداتها فيما يتعلق بالاتفاق الذي وقعته مع الحكومة في أبريل (نيسان) الماضي، وأشار إلى أن «اعتداءات (قسد)» تحدث كلما اقترب موعد دمج عناصرها مع القوات السورية.

وأكد علبي أن نهج الدولة هو «صون التعددية وبناء المواطنة المتساوية»، مشدداً على أن الأكراد جزء من مؤسسات الدولة السورية.

وفي وقت سابق من الجلسة، أكدت ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الأمن تامي بروس، أن واشنطن تدعم الحكومة السورية الجديدة، مضيفة أنها تعمل على تحقيق الاستقرار في البلاد.

وقال الجيش الأميركي إنه بدأ بنقل معتقلي تنظيم «داعش» الذين كانوا محتجزين في شمال شرقي سوريا، إلى العراق.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن عملية النقل بدأت أمس (الأربعاء)، حيث تم نقل 150 عضواً من التنظيم حتى الآن من محافظة الحسكة إلى «مواقع آمنة» في العراق.

ويُتوقع نقل ما يصل إلى 7 آلاف من معتقلي التنظيم الإرهابي من سوريا إلى مرافق تسيطر عليها السلطات العراقية.


رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
TT

رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)
الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

تتسع دائرة الجدل الكردي حول ما جرى أخيراً مع قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، بين توصيفه تراجعاً سياسياً فرضته موازين القوى الإقليمية والدولية، وبين اعتباره إعادة تموضع اضطرارية بانتظار اتضاح ملامح تسوية جديدة. وفي الحالتين، يتقاطع النقاش مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الكرد في سوريا.

واستعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا من «قسد» التي يقودها الكرد، معززة بذلك حكم الرئيس السوري أحمد الشرع بعد نحو 14 شهراً من الإطاحة ببشار الأسد.

وأعاد هذا التحول السريع في مجريات الأحداث كل سوريا تقريباً إلى سلطة الدولة المركزية في دمشق، وسلّط الضوء أيضاً على تحول السياسة الأميركية.

جندي سوري يرفع علم بلاده في ميدان النعيم بالرقة بعد انتزاع السيطرة عليها من «قسد» (أ.ب)

خسارة سياسية

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد»، لـ«الشرق الأوسط»، أن قواتها «لم تخض معارك ميدانية واسعة، ولا تزال تحتفظ بقوامها العسكري الذي يقدر بنحو 40 ألف مقاتل»، مشدداً على أن ما جرى «خسارة سياسية أكثر منه انهياراً عسكرياً».

وتشير المصادر إلى أن التباين الأساسي لم يكن داخل «قسد» بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي في شمال شرقي سوريا، وما انتهى إليه عملياً المبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك.

وأعادت الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها؛ فبحسب قراءات، فضلت واشنطن دعم السلطة السورية الجديدة وإدماجها في التحالف الدولي ضد الإرهاب، إلى جانب العمل على تحسين علاقتها بإسرائيل وتفادي الصدام مع تركيا.

وقد أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا أن بلاده تفضّل التعاون مع «الدولة السورية» في محاربة الإرهاب، بدلاً من كيان غير دولتي مثل «قسد».

وبحسب المصادر، فإن الكرد، رغم توترات شهدتها مناطق الجزيرة وتمرد بعض العشائر العربية، «لا يزالون يحتفظون بعلاقات احترام مع عدد من القبائل»، في محاولة لتفادي انزلاق الوضع إلى صراع واسع.

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

مظلة «قسد»

يقول الباحث الكردي جبار قادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك تبايناً خفياً في وجهات النظر داخل (قسد)»، موضحاً أن التنظيم يقوم على مظلة كردية أساسية تضم في إطارها تشكيلات عسكرية ذات خلفيات إثنية ودينية متعددة.

ولا يستبعد قادر تأثير التدخلات المستمرة من قيادات «حزب العمال الكردستاني»، مشيراً إلى أن رسائل زعيمه المسجون كان لها «تأثير ملموس في عملية اتخاذ القرار داخل (قسد)».

ومن هذا الواقع، برزت داخل «قسد» أجنحة براغماتية، بحسب قادر، مالت إلى تجنب الصدام المباشر مع النظام السوري، قبل الحرب وبعدها، والسعي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين أطراف الصراع. إلا أن انخراط «قسد» في التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، واعتماد واشنطن عليها في محاربة «داعش»، أفرز جناحاً آخر عوّل على الدعم الغربي، ما أدخل الحركة الكردية في وضع أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتشار قواتها في مناطق واسعة ذات غالبية عربية.

ومع نشوء النظام السوري الجديد، برز داخل «قسد» تباين آخر بين تيار دعا إلى الانخراط المبكر مع دمشق لضمان المكاسب، وآخر فضل الانتظار خشية إعادة إنتاج دولة مركزية متحالفة مع تركيا، التي تتبنى سياسة مناهضة للحقوق الكردية.

وأضعف الانقسام وحدة القرار، وقلص قدرة «قسد» على فرض شروط تفاوضية واضحة. ويخلص قادر إلى أن القيادات الكردية «لم تكن موفقة في قراءة التحولات السياسية وتغير موازين القوى إقليمياً ودولياً».

ويشاع على نطاق واسع أن تياراً متشدداً داخل «قسد» تمثله قيادات مثل سيبان حمو وباهوز أردال، أسهم إلى حد بعيد في ضرب وحدة القرار السياسي والميداني، وقيل إنه تسبب في التصعيد الأخير في مدينة حلب.

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

انقسام لكنه طبيعي

ويرى الكاتب والباحث الكردي هوشنك وزيري أن تعدد الآراء داخل «قسد» كان طبيعياً، ولا يرقى إلى انقسام حقيقي، معتبراً أن جوهر الأزمة يرتبط بالسياسات الإقليمية، ولا سيما موقف تركيا من القضية الكردية في سوريا. ويقول إن أنقرة لا تعترف بوجود قضية كردية، وهو ما أسهم في تعقيد علاقة «قسد» بدمشق وتسريع المواجهات، مستفيداً من مناخات احتقان تاريخية ضد الكرد.

ويرفض وزيري، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، توصيف ما جرى على أنه استسلام، مؤكداً أن «قسد» لم تنهَر، بل تحاول الدفاع عن مناطقها ذات الغالبية الكردية. ويربط مستقبل الكرد برؤية السلطة السورية الجديدة، محذراً من تكرار أخطاء الأنظمة السابقة، ومشدداً على أن بناء «جمهورية للجميع» يظل السؤال الحاسم في سوريا المقبلة.

دور أربيل في التهدئة

على خط موازٍ، يبرز دور «الحزب الديمقراطي الكردستاني» في العراق. ويقول كفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب مسعود بارزاني، إن الحزب دعم مساعي السلام بين الحكومة التركية و«حزب العمال الكردستاني»، واستقبل وفود الحوار، بالتوازي مع دعم المباحثات بين «قسد» والحكومة السورية الجديدة منذ أيامها الأولى.

ويرى محمود أن للحزب دوراً مهماً في وقف إطلاق النار الأخير والعودة إلى الحوار، ما أفضى إلى الإعلان الذي رحب به رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني.

ويضيف محمود أن العمل جارٍ لترسيخ التهدئة وتطبيق الاتفاق «بما يحافظ على السلم والأمن المجتمعي، ويحقق ما يصبو إليه الكرد بوصفهم مكوناً أساسياً من مكونات الشعب السوري»، معتبراً أن تواصل بارزاني مع الرئيس السوري أحمد الشرع يؤكد «مكانة الحزب ودوره في إرساء أسس السلام».

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

سيناريوهات

أما على صعيد السيناريوهات المقبلة، فيرى قادر أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في تسوية مع دمشق، حتى وإن تطلبت تنازلات مؤلمة، مثل تقليص الصلاحيات العسكرية والإدارية، ودمج «قسد» في الجيش السوري، مع ما يحمله ذلك من تحديات تنظيمية.

في المقابل، ينظر إلى التوسع التركي المحتمل بوصفه السيناريو الأخطر، لما قد يحمله من تغيير واسع في مناطق أساسية، فضلاً عن خطر عودة تنظيم «داعش»، مستبعداً في الوقت نفسه أن «يسمح الوجود الأميركي في سوريا بانزلاق الأطراف في صراع دموي طويل الأمد أو محاولة مسح الهویة الكردیة كلیاً»، على حد تعبيره.

في المحصلة، يتفق معظم المراقبين الكرد على أن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا بات رهناً بتسوية مع دمشق، مهما كانت كلفتها، باعتبارها أقل الخيارات خسارة في ظل توازنات القوى الراهنة.


تعهدات «مجلس السلام»... هل تنهي خروقات «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام»... هل تنهي خروقات «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

بات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة على أعتاب مرحلة جديدة بعد تدشين «مجلس السلام» من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في دافوس، الخميس، وسط خروقات إسرائيلية متصاعدة في القطاع.

ولم تخلُ أجواء التدشين في دافوس من تعهدات بفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني الأسبوع المقبل، والاستمرار في وقف إطلاق النار في القطاع، وهو ما يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه سينعكس إيجابياً على اتفاق غزة ووقف خروقات إسرائيل بضغوط أميركية أكبر، حرصاً من واشنطن على ألا يفشل «مجلس السلام» الذي يواجه انتقادات غربية.

وتعهد ترمب خلال مراسم توقيع ميثاق إنشاء «مجلس السلام» في دافوس بـ«الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، وأن يصبح القطاع أقوى وأفضل مما كان عليه».

وبعد توقيع «ميثاق مجلس السلام»، قال رئيس «لجنة إدارة قطاع غزة»، علي شعث، خلال كلمة متلفزة بُثت على هامش المراسم: «يسرني أن أعلن أن معبر رفح سيفتح الأسبوع القادم... معبر رفح شريان حياة، وفتحه إشارة إلى أن غزة لم تعد مغلقة أمام المستقبل والعالم». لكن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الخميس، أعلن أن المجلس الوزاري الأمني المصغّر (الكابينت) سيناقش بداية الأسبوع المقبل مسألة فتح معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر، وفق «هيئة البث الإسرائيلية» التي لفتت إلى أن هناك جهوداً حثيثة للعثور على جثة ران غويلي آخر أسير في غزة، في تراجع عن تصريحات سابقة تشير إلى أن «المعبر لن يُفتح قبل عودة رفات غويلي».

ورغم التعهدات لا يزال الخرق الإسرائيلي لاتفاق غزة مستمراً، ولقي خمسة مواطنين فلسطينيين حتفهم، الخميس، بنيران القوات الإسرائيلية، وسط استمرار القصف الجوي والمدفعي وعمليات النسف في قطاع غزة، وفق ما نقله المركز الفلسطيني للإعلام.

وقتلت الغارات الإسرائيلية، الأربعاء، 11 فلسطينياً من بينهم 3 مصورين صحافيين يعملون كطاقم إعلامي لصالح «اللجنة المصرية لإغاثة أهالي قطاع غزة»، وفق ما أوضحت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، وذلك في سلسلة خروقات إسرائيلية لا تكاد تتوقف منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

فلسطيني يحمل طفلة تُوفيت بسبب البرد بمدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال الخبير بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، إن الاختبار الحقيقي لـ«مجلس السلام» هو وقف خروقات إسرائيل في غزة، لافتاً إلى أنه إذا تم وقف الخروقات وفتح معبر رفح وانسحبت إسرائيل، فهذا سيكون نجاحاً للمجلس.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن التعهدات تحمل تحركات إيجابية، ورغم عدم التجاوب الإسرائيلي بشكل مستمر مع ضغوط واشنطن، فإنه «في هذه المرة ترمب سيكون حريصاً على إنجاح المجلس، وتجربته وعدم السماح بأي تخريب لها».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخروقات الإسرائيلية رغم تعهدات تدشين «مجلس السلام»، قد تستمر، وخاصة أن الملف الأمني لإسرائيل له أولوية، ولا يعني التدشين تنفيذاً لكل البنود، حسب قوله.

وشهد «مجلس السلام» تجاوباً عربياً لافتاً، بإعلان مشاركة السعودية ومصر والبحرين والمغرب والكويت والأردن وقطر والإمارات في أعماله.

ووسط ذلك التجاوب العربي وأهدافه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان الأربعاء، قبول الأخير دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام».

ويعتقد الشوبكي أن التجاوب العربي بالوجود في «مجلس السلام» يهدف في المقام الأول إلى تنفيذ وقف إطلاق النار، وعدم ترك مساحة لاستغلال إسرائيل لها في إثارة خلافات أميركية - عربية، متوقعاً أن يسفر «مجلس السلام» عن ضغوط جديدة على إسرائيل جراء مطالب عربية للرئيس الأميركي لإنجاح خطته.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية المختص بالشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن «أسباب الانضمام العربي تأتي بهدف التركيز على الملف الفلسطيني، ولا يجب أن تغيب الدول العربية عن الحضور، أو ترك المجلس لأطراف أخرى، خاصة مع دخول إسرائيل للمجلس، فضلاً عن أن المشاركة العربية ستحفز الرئيس الأميركي لتبني موقف إيجابي لا يحققه الغياب».

ويرى طارق فهمي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «أهداف الدول العربية المشاركة تتمثل في التأكيد على أهمية ملف غزة وأولويته»، مشيراً إلى أن التفاصيل المنتظرة من ترمب بشأن عمل المجلس هي ما ستحدد مستقبله، وبالتالي لا يجب استباقها بتقدير النجاح أو الفشل له.

ويرى عبد المهدي مطاوع أن هناك تفاصيل تنفيذية مرتبطة باتفاق غزة، لا تحتاج فقط لتصريحات، ولكن لتطبيق على أرض الواقع.