قمة باريس: وعود كبيرة وإنجازات متواضعة

إصلاح المؤسسات المالية مشروع دونه عقبات جدية

 جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
TT

قمة باريس: وعود كبيرة وإنجازات متواضعة

 جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)
جانب من الجلسة الختامية لقمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» في باريس (رويترز)

انتهت بعيد ظهر الجمعة قمة «من أجل ميثاق مالي دولي جديد» التي التأمت في باريس ليومين بمؤتمر صحافي ختامي ضم، إلى جانب الرئيس ماكرون، نظيره الكيني ووزيرة المالية الأميركية ومديرة صندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي، بعد اجتماع أخير أداره الرئيس الفرنسي، وكان غرضه عرض ما تحقق وما تم التوافق عليه في كافة الجلسات التي جرت في مقر القمة وخارجه، والاستماع مرة أخيرة لعدد من كبار المسؤولين.

وفي هذه الجلسة الحوارية، بدا واضحاً أن جميع المشاركين متفقون على أن الغرض من القمة أوسع من العنوان المقترح لها، وأن الهدف المنشود، كما ذكر بذلك الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني وغيرهما هو تمكين بلدان العالم، خصوصاً ذات الاقتصادات الهشة، من تجنب أن يفرض عليها الاختيار ما بين محاربة الفقر الذي تعاني منه ومحاربة التغيرات المناخية.

الهدف العملي للقمة يكمن في تعزيز تمويل الأزمات للدول منخفضة الدخل، وتخفيف أعباء ديونها، وإصلاح الأنظمة المالية بعد الحروب، وإتاحة أموال لمواجهة تغير المناخ من خلال تحقيق توافق في الآراء على أرفع المستويات. وكان الهدف من التئامها في يونيو (حزيران) استباق استحقاقات مقبلة، وأبرزها قمة دول العشرين في الهند وقمة المناخ «كوب 28» التي ستستضيفها دولة الإمارات. والغرض المساعدة على تعزيز عدد من المبادرات المتعثرة التي تتولاها مجموعة العشرين ومؤتمر الأمم المتحدة، فضلاً عن صندوق النقد والبنك الدوليين.

لذا، فإن أعمال القمة التي ضمت ما يزيد على أربعين رئيس دولة وحكومة وعشرات الوزراء والمسؤولين وممثلي نحو مائة دولة، إضافة لمسؤولي كبار المؤسسات المالية الدولية وممثلي المجتمع المدني والشباب، تركزت على ما يتعين القيام به من أجل تمكين الدول المعنية من تخطي الخيار الصعب، عن طريق تقديم المساعدة لها عبر مبادرات ومشاريع ملموسة علماً بأن قمة باريس ليست قمة رسمية، بل حصلت بمبادرة فرنسية.

الرئيس البرازيلي: تغيير مؤسسات 1945 المالية

تبين خريطة المشاركة أن دول الشمال والجنوب وما بينها كانت كلها ممثلة. وفيما تمثلت الولايات المتحدة الأميركية، صاحبة أكبر اقتصاد في العالم بوزيرة ماليتها، فإن الصين أرسلت رئيس وزرائها. وكان الحضور الأفريقي طاغياً؛ إذ إن 20 رئيس حكومة ودولة جاؤوا منها إلى باريس؛ لرفع صوت القارة السوداء التي يرون أنها مهمشة، وإعادة التأكيد على مطالبهم، والإصرار على ضرورة تمثيلهم في المحافل الدولية كمجموعة العشرين، ومجموعة السبع، وأن يكون صوتهم مسموعاً. واغتنم رئيس دولة جزر القمر والرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي غزالي عثماني المناسبة ليطالب دول الشمال والأوروبيين بشكل عام بالتضامن مع أفريقيا ومساعدتها على مواجهة مشاكلها، محذراً إياها من تدفق موجات الهجرات على شواطئها. والتحذير نفسه أطلقه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي قال في الجلسة نفسها: «إذا لم يجد الناس في أفريقيا الأمل والفرصة للحياة، فسوف يتجهون إلى أوروبا»، مشدداً في الوقت عينه على «المسؤولية الأخلاقية والسياسية» المترتبة على البلدان الأوروبية، ومحملاً إياها مسؤولية «الريادة».

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا (رويترز)

بيد أن الصوت الأكثر هديراً كان مصدره الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي شارك في مهرجان ليل الخميس قريباً من برج إيفل. ومما قاله هناك: «إنه يتعين على الذين لوثوا الكوكب (الغربيين) طيلة 200 عام هم الذين قاموا بثورتهم الصناعية، ولذا عليهم أن يسددوا الدين التاريخي المتوجب عليهم لكوكب الأرض».

كذلك استغل الجلسة ختامية لتصفية حساباته مع المؤسسات المصرفية الدولية التي وصفها بأنها «تتصرف بشكل غير لائق»، مسدداً سهامه للبنك الدولي ولصندوق النقد الدولي اللذين «لا يتجاوبان مع آمال الدول والشعوب»، معتبرا أنه «لم يعد بالإمكان التعاطي مع مؤسسات تتصرف بهذا الشكل». وبرأيه، فإن استمرار النهج الحالي سيعني أن «الفقراء سيزدادون فقراً والأغنياء ثراء». ودليله إلى ذلك أن ما لا يقل عن 900 مليون إنسان اليوم «يعانون من الجوع»، وأن «أعدادهم تتكاثر يوما بعد يوم». وأورد لولا حجة سمعت عدة مرات خلال يومي القمة، وهي أن الظروف التي ولدت خلالها هذه المؤسسات بعد عام 1945 بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي قد تغيرت، وتساءل الرئيس البرازيلي: «لماذا يتعين علينا استخدام الدولار في المعاملات التجارية وليس عملاتنا الوطنية؟ ولماذا لا يتغير عمل الأمم المتحدة التي شهدت ولادة دولة إسرائيل في عام 1948 بينما هي عاجزة اليوم عن استيلاد دولة فلسطين؟».

رئيس الكونغو: أحياناً يشعرنا الغرب بأننا شحاذون

لم يتردد رئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو من التصويب على الغرب مذكراً بجائحة «كوفيد - 19» حيث عمدت الدول الغربية مسبقاً إلى شراء كافة اللقاحات التي تنتجها المختبرات الغربية، «بينما أفريقيا لم تحصل إلا على الفتات، والشعور الذي تملكنا أننا أصبحنا شحاذين، وأن حياة الإنسان الأفريقي لا تساوي حياة الغربي أو لا وزن لها إزاء جشع شركات الأدوية لتحقيق أرباح طائلة».

رئيس جمهورية الكونغو دينيس ساسو نغيسو (أ.ف.ب)

ولأن التشكيك بجدية الوعود الغربية هو الشعور الغالب لدى الأفارقة، فقد تساءل رئيس الكونغو: «منذ عام 2015، وعدنا بمائة مليار لأفريقيا لمحاربة الفقر والتغيرات المناخية التي نعاني منها أكثر من غيرنا، فأين أصبحت هذه المليارات؟». وأضاف: «لنضع الأموال على الطاولة ولننطلق في تنفيذ برامج بنى تحتية مفيدة مثل توفير الكهرباء حيث مئات الملايين من الأفارقة لا يتمتعون بها أو لنبني طرقاً ومواصلات تمكن التواصل بين البلدان والمدن الأفريقية وإذا فعلنا ذلك تكون قمتنا مفيدة».

ما يطالب به قادة الجنوب يلقى أصداء إيجابية لدى قادة الشمال. فالمستشار الألماني أولاف شولتز يتبنى تماماً الدعوة للانتقال من الكلام والوعود ومباشرة التنفيذ من غير تأخير، كما أنه يتقبل دعوة إصلاح البنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف، والحاجة لتوفير مصادر تمويل إضافية لها حتى تساعد على محاربة التغيرات المناخية والآثار المترتبة عليها، مشدداً على أهمية التعاون بين الشمال وما يسمى «الجنوب الشامل». وتوقف شولتز عند نقطتين مهمتين: الأولى، ضرورة معالجة الثورات المعدنية في أماكن استخراجها حتى تستفيد منها البلدان المنتجة محلياً. والثانية، ضرورة إيجاد مصانع الأسمدة في دول الجنوب، وحيث الحاجة لها ولا يكون تصنيعها محصوراً باقتصادات الشمال. وفي القمة، وجدت الصين نفسها في موقف دفاعي، ورد رئيس وزرائها لي كيانغ على الاتهامات المساقة ضد بلاده، مؤكداً أنها قامت بـ«جهود جبارة لمحاربة التغيرات المناخية». وتعد الصين والولايات المتحدة والهند الدول الثلاث الأكثر إنتاجاً لثاني أكسيد الكربون. كذلك وعد المسؤول الصيني بأن بلاده سوف تنخرط بشكل أكبر من أجل المناخ ومحاربة الفقر وتخفيف ديون الدول الفقيرة. وركز لي كيانغ على مساعي الصين للتخفيف من الاعتماد على الفحم الحجري لإنتاج الكهرباء. إلا أن الصين لم تلتزم بتحديد تاريخ للتوصل إلى الاقتصاد الأخضر عديم الكربون.

إصلاح صندوق النقد والبنك الدولي

لم يتردد الرئيس الفرنسي، مع نهاية القمة، في تأكيد وجود «إجماع تام» على الحاجة «لإصلاح عميق» للنظام المالي العالمي، مشيراً بالدرجة الأولى إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بيد أن الصعوبة تكمن في أن الحديث عن الإجماع بقي في حيز العموميات، بل إنه لم يأت على تعيين المواضع التي يفترض أن تعالج أولاً، والجهات التي ستكون معنية بهذا الإصلاح. صحيح أن وزيرة المالية الأميركية التي مثلت البلد الأكثر تأثيراً في عملية الإصلاح في حال إتمامها، لم تتردد في الحديث عن الحاجة لـ«إعادة تشكيل المالية العالمية»، ونوهت بـ«الدينامية» التي نضحت بها القمة، إلا أنها بالمقابل، لم تذهب بعيداً في شرحها، منوهة بأن البنك الدولي سيرصد 50 ملياراً إضافية للتنمية و200 مليار قروضاً لمحاربة التغيرات المناخية والفقر وتوفير الاحتياجات الإنسانية الأخرى. كذلك نوهت بصندوق النقد وبما تم التوصل إليه من إعادة جدولة بعض ديون زامبيا، ولم تتردد في توجيه الشكر للصين لمساهمتها في إيجاد حل لمشكلة ديون زامبيا.

الرئيس الكيني ويليام روتو ممازحاً رئيس البنك الدولي أجاي بانغا خلال الجلسة الختامية (أ.ب)

ورأت المديرة العامة للصندوق كريستينا جيورجيفا أن «أولوية الصندوق» العمل على تليين شروط المديونية للدول التي عانت من صدمات حادة اقتصادية خارجية، وأن زامبيا أول الغيث وستتبعها تشاد وسيريلانكا ودول عديدة أخرى. ووعدت المسؤولة الدولية بتعجيل للجدول، ومنح الدول المدينة مهلاً أطول لتسديد ديونها. والجديد أنها ربطت بين المديونية والتغيرات المناخية، وتحدثت عن برنامج لمساعدة الدول التي تتعرض لكوارث بيئية. والإعلان المادي الوحيد يتناول التمكن من جمع مائة مليار دولار من حقوق السحب الخاصة لأفريقيا، بفضل قبول عدد من الدول الصناعية على رأسها فرنسا بتحويل جزء من حقوقها الخاصة إلى أفريقيا التي لم تحصل بداية إلا على 34 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة. وعبر ماكرون عن «سعادته» بأن مبلغ المائة مليار قد توافر أخيراً.

أما رئيس البنك الدولي آيا بانغا، الذي كرر العديد من المرات، أنه لم يتسلم منصبه الجديد إلا منذ ثلاثة أسابيع، فقد بقي في التناول التقني لما يقوم به البنك متحدثاً عن «مجموعة آليات» لتوفير الليونة في تعامل البنك مع البلدان المدينة، ومنها تعليق استيفاء الديون «في الأوقات الصعبة»، والدفع باتجاه الطاقة المتجددة والتركيز على تمويل الأنشطة لمعالجة تبعات التغيرات المناخية.

ضريبة على النقل البحري

منذ ما قبل المؤتمر طرح الرئيس الفرنسي أفكاراً لتوفير مبالغ إضافية لغرض التصدي للتغيرات المناخية تتناول فرض ضرائب دولية على 3 قطاعات: النقل البحري والعمليات المالية وبطاقات السفر الجوية. والحال أنه في المحصلة، لم ترصد خلاصات القمة إلا قطاع النقل البحري؛ لأنه «الوحيد الذي لا تدفع عليه الضرائب»، وفق ما أكده الرئيس الفرنسي الذي استدرك قائلاً: «إذا لم تلحق بنا الولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية الرئيسية، فإن الضريبة المذكورة ستكون بلا أثر». والحال أن لائحة الدول التي نشرها قصر الإليزيه لا تتضمن سوى 23 دولة، «من أصل مائة دولة كانت ممثلة في باريس»، وغابت عنها الولايات المتحدة والصين، ودول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وألمانيا وإيطاليا... ما يعني أن العمل بها سيحتاج لمعركة طويلة فيما اختفت الفكرتان الأخريان اللتان اقترحهما ماكرون. ومن نجاحات القمة التزام دول غنية وعدت بتقديم 2.5 مليار دولار للسنغال، لمساعدتها على الحد من اعتمادها على الطاقات الأحفورية، فيما يعتزم صندوق النقد الدولي زيادة تمويله للدول الفقيرة بمقدار مائة مليار دولار، إضافة إلى ما حصلت عليه زامبيا.


مقالات ذات صلة

زاير إيمري يحقق إنجازاً تاريخياً في ودية فرنسا وكولومبيا

رياضة عالمية وارن زاير إيمري لاعب وسط باريس سان جيرمان بمواجهة كولومبيا (أ.ف.ب)

زاير إيمري يحقق إنجازاً تاريخياً في ودية فرنسا وكولومبيا

دفع ديدييه ديشان المدير الفني لمنتخب فرنسا بعدد من الوجوه الشابة في التشكيلة الأساسية التي تخوض المباراة الودية أمام كولومبيا.

«الشرق الأوسط» (لاندوفر)
الاقتصاد منشأة للغاز الطبيعي في فرنسا (رويترز)

ليسكور: فرنسا أكبر استعداداً وأقل عرضة للخطر من جيراننا الأوروبيين بشأن الطاقة

قال وزير المالية الفرنسي، رولان ليسكور، الأربعاء، إن وضع الطاقة في فرنسا ليس بالخطورة التي يشهدها بعض الدول الأوروبية الأخرى.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية أين سيحط محمد صلاح الرحال بعد ليفربول؟ (د.ب.أ)

4 وجهات محتملة لمحمد صلاح

بدأت التكهنات بالوجهة القادمة لمحمد صلاح نجم ليفربول الذي أعلن رحيله عن جدران النادي الإنجليزي، الاثنين.

«الشرق الأوسط» (ليفربول)
رياضة عالمية ربما يتأثر احتمال عودة حكيمي بوجود مبابي نظراً للعلاقة الوطيدة بين اللاعبين (أ.ف.ب)

أشرف حكيمي يحلم بالعودة إلى ريال مدريد

يبدو النجم المغربي الدولي أشرف حكيمي، ظهير أيمن باريس سان جيرمان الفرنسي لكرة القدم، منفتحاً على العودة لناديه السابق ريال مدريد الإسباني، وفقاً لتقرير صحافي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق قطع أثرية في معهد العالم العربي معظمها من لبنان وأخرى مُعارة من «اللوفر» (أ.ب)

«بيبلوس في باريس»... معرض يولد تحت القصف ويحمل ذاكرة لبنان إلى العالم

في الكلمة التي ألقاها، قال ماكرون إنّ المعرض «يروي كثيراً عن مصير لبنان ومقاومته للإمبراطوريات»...

ميشال أبونجم (باريس )

وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
TT

وزير الدفاع البريطاني لـ«الشرق الأوسط»: لندن تسجّل أكبر وجود جوي في المنطقة منذ 15 عاماً

وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)
وزير الدفاع البريطاني جون هيلي لدى وصوله إلى مقرّ رئاسة الوزراء يوم 24 مارس (إ.ب.أ)

​أكّد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن الطيارين البريطانيين سجّلوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية عبر منطقة الشرق الأوسط منذ بدء الصراع مع إيران، مُشيراً إلى تنفيذ أكثر من 80 عملية اعتراض بالتعاون مع قوات من فوج سلاح الجو الملكي.

وقال هيلي في حوار مع «الشرق الأوسط»، غداة زيارته إلى السعودية، إن لدى بلاده 1000 جندي منتشرين في الشرق الأوسط، فضلاً عن 500 عنصر إضافي في قبرص، لافتاً إلى أن بلاده «تواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي». كما أثنى الوزير على الشراكة الدفاعية البريطانية-السعودية «القائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة».

إلى ذلك، لم يستبعد هيلي وجود «يد روسية خفية» وراء بعض التكتيكات الإيرانية في إطار هجماتها في المنطقة، مستنداً إلى تقييم بلاده بأن التعاون بين موسكو وطهران في الاستخبارات والتدريب في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية، «مستمر حتى الآن».

وفيما يلي أبرز ما جاء في الحوار.

80 اعتراضاً

عزّزت بريطانيا وجودها العسكري في المنطقة منذ بداية الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وساهمت في عمليات اعتراض مسيرات في أجواء العراق، وقطر، والبحرين. وقال هيلي إن «الطيارين، وأطقم الطائرات نفّذوا أكثر من 1200 ساعة طيران في مهام دفاعية في أنحاء المنطقة»، مُضيفاً أنه «بالتعاون مع رماة فوج سلاح الجو الملكي، جرى تنفيذ أكثر من 80 اشتباكاً منذ اندلاع الصراع».

وأعرب عن «فخره بالعمل الذي تقوم به القوات المسلحة البريطانية إلى جانب شركائها في الخليج للمساعدة في الحفاظ على سلامة الناس في المنطقة»، مُشدّداً على أن «تفانيهم واحترافيتهم يسهمان في إنقاذ الأرواح، في وقت تستهدف فيه إيران بشكل عشوائي دولاً عبر الخليج».

انتشار واسع للأصول العسكرية

وفيما يتعلق بعدد القوات المنتشرة في المنطقة، أكّد هيلي أن «المملكة المتحدة لديها نحو 1000 عنصر منتشرين في المنطقة، من دون احتساب الأفراد الموجودين في قبرص»، لافتاً إلى أن «إجراءات حماية القوات في أعلى مستوياتها في القواعد البريطانية في المنطقة».

جانب من وصول المدمرة «إتش إم إس دراغون» إلى شرق المتوسط (وزارة الدفاع البريطانية)

وأضاف أن «عدد الطائرات البريطانية العاملة في المنطقة هو الأكبر منذ 15 عاماً»، مشيراً إلى تنفيذ «عمليات دفاع جوي مضاد فوق البحرين، والأردن، وقطر، والإمارات، إضافة إلى قبرص». وأوضح أنه «منذ يناير (كانون الثاني)، جرى نشر معدات، وأفراد إضافيين في المنطقة»، بما يشمل «مقاتلات تايفون، و(إف-35)، ومروحيات (وايلدكات) المسلحة بصواريخ (مارتلت) المضادة للطائرات المسيّرة، ومروحية (ميرلين كروزنِست) التي توفر المراقبة الجوية، والسيطرة، إلى جانب أنظمة رادار، ودفاع جوي، ووحدات لمكافحة الطائرات المسيّرة».

كما أشار إلى «نشر 500 عنصر إضافي من قوات الدفاع الجوي في قبرص»، و«انتشار المدمرة (إتش إم إس دراغون) في شرق المتوسط»، موضحاً أن «السفينة أصبحت مدمجة بالكامل ضمن منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات مع الحلفاء، والشركاء».

أنظمة دفاعية لدعم الخليج

وبشأن التعزيزات المحتملة، أكّد هيلي أنه «يواصل العمل بشكل وثيق مع الشركاء في المنطقة لتحديد سبل الدعم الإضافي»، موضحاً أن ذلك كان «هدف زيارته» إلى الرياض الإثنين. وقال: «أكدتُ خلال لقائي وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، أننا سننشر نظام (سكاي سابر) في المملكة العربية السعودية، وهو نظام دفاع جوي سيتم دمجه ضمن الدفاعات السعودية لدعم جهودها في التصدي لهجمات إيران».

وأضاف أنه «تم أيضاً نشر نظام (رابيد سنتري) في الكويت، وهو نظام يتكون من رادار، وقاذف صواريخ، إضافة إلى منصات إطلاق خفيفة متعددة في البحرين»، مشيراً إلى «تمديد عمليات الطائرات البريطانية في قطر التي تنفذ مهام دفاعية كل ليلة». كما لفت الوزير إلى أن «(فريق عمل سابر) يضمن أيضاً مساهمة القطاع الصناعي البريطاني، إذ يجمع شركات تقدم قدرات في الدفاع الجوي، ومكافحة الطائرات المسيّرة مع حكومات، بينها شركاء في الخليج، لتزويدهم سريعاً بالمعدات اللازمة».

شراكة دفاعية متطورة مع السعودية

وفيما يتعلق بزيارة السعودية، أوضح هيلي أنها هدفت إلى «تأكيد وقوف بريطانيا إلى جانب السعودية في هذه المرحلة التي تشهد هجمات إيرانية مستمرة، وعشوائية، إضافة إلى بحث سبل تعزيز التعاون لحماية الشعوب، والمصالح المشتركة»، لافتاً إلى أنه «سُرّ بلقاء الأمير خالد بن سلمان لبحث التطورات الأخيرة في المنطقة».

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله نظيره البريطاني جون هيلي في الرياض (وزارة الدفاع السعودية)

كما أكّد أن العلاقة بين المملكتين «وثيقة، وطويلة الأمد، وتقوم على شراكة دفاعية تمتدّ لعقود، وقائمة على المصالح الأمنية المشتركة، والتعاون الصناعي»، مُشيراً إلى أنها «تطورت إلى شراكة حديثة تستجيب للتحديات المعاصرة». وأضاف أن «هذه العلاقة تكتسب أهمية خاصة في مثل هذه الظروف، إذ تتيح مستوى من الثقة، والفهم المشترك يسمح بالتحرك بسرعة، وحسم»، لافتاً إلى أن «هذا الأساس هو ما مكّن من اتخاذ خطوات مثل نشر (سكاي سابر) في السعودية».

تعاون روسي - إيراني

وعن الدور الروسي في حرب إيران، قال هيلي إن «التقييم البريطاني يشير إلى أن روسيا قدّمت، حتى قبل الضربات الأميركية والإسرائيلية، دعماً لإيران شمل تبادل معلومات استخباراتية، وتدريباً، بما في ذلك في مجال تكنولوجيا الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية»، مؤكداً أن الاستخبارات البريطانية تشير إلى أن «هذا التعاون مستمر حتى الآن».

وأضاف: «لا يُستبعد أن تكون (اليد الخفية) لفلاديمير بوتين وراء بعض التكتيكات الإيرانية، وربما بعض قدراتها أيضاً. ونحن نرى محوراً للعدوان يضم روسيا وإيران، وهما دولتان تُهددان جيرانهما، وتشكلان خطراً أوسع علينا جميعاً».

لا مؤشرات على استهداف أوروبا

واستهدفت طهران قاعدة دييغو غارسيا البريطانية-الأميركية المشتركة في المحيط الهندي بصاروخين باليستيين قبل أيام، في محاولة باءت بالفشل، لكنّها أثارت تساؤلات حول قدرة إيران على ضرب أهداف أوروبية.

وقال هيلي ردّاً على هذه المخاوف إنه «لا يوجد تقييم يشير إلى أن إيران تحاول استهداف أوروبا بالصواريخ»، مضيفاً أنه «حتى في حال حدوث ذلك، فإن المملكة المتحدة تمتلك الموارد، والتحالفات اللازمة لحماية أراضيها، وحلفائها». وشدد على أن «بريطانيا تقف على أهبة الاستعداد على مدار الساعة للدفاع عن نفسها»، مؤكداً أن «إجراءات حماية القوات في القواعد المنتشرة في المنطقة عند أعلى مستوياتها».


اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)
سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)
TT

اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)
سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

قالت القوات المسلحة في إستونيا إنها رصدت طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي للبلاد، يبدو أنها جاءت من أوكرانيا وكانت موجهة إلى روسيا، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

جاء ذلك في وقت كثفت فيه كييف هجماتها على البنية التحتية لتصدير النفط الروسي خلال الشهر المنقضي، بما في ذلك ضربات مكثفة على مينائي بريمورسك وأوست لوغا على بحر البلطيق.

وأعلنت إستونيا في وقت سابق أنها رصدت طائرات مسيّرة داخل وخارج مجالها الجوي خلال الليل بين يومي الاثنين والثلاثاء، وأفادت إذاعة «إي أر أر» بالعثور على حطام طائرات مسيرة.

وقال متحدث باسم الجيش في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، إن عدة طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي لإستونيا يعتقد أنها أطلقت من أوكرانيا لضرب أهداف عسكرية في روسيا قرب حدود إستونيا.

وأضاف المتحدث أن بعثة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لمراقبة المجال الجوي في منطقة البلطيق ردت على ذلك، دون أن يذكر ما إذا كانت أي طائرات مسيّرة قد تحطمت داخل إستونيا.

وتابع: «من المرجح جداً أن تتكرر مثل هذه الوقائع في المستقبل القريب، وهي نتيجة مباشرة للحرب العدوانية التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا».

وقالت الشرطة في فنلندا، الأربعاء، إن طائرة مسيّرة أطلقتها أوكرانيا وتم رصدها في فنلندا الثلاثاء كانت تحمل متفجرات.

وذكرت الشرطة في لاتفيا أيضاً، الأربعاء، أنها بدأت تحقيقاً بعد العثور على حطام طائرة مسيّرة في البلاد في وقت سابق من اليوم.

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، إن بلاده تتعاون مع دول منطقة البلطيق وفنلندا لتجنب حدوث مثل تلك الوقائع، مؤكداً أن الطائرات المسيّرة التي تطلقها بلاده «لم تستهدف أبداً هذه الدول»، وأن ما يحدث هو نتيجة «تصرفات واعية ومتعمدة من روسيا».

جزء من طائرة أوكرانية مسيّرة تحطمت في منطقة كراسلافاس في لاتفيا 25 مارس 2026 (رويترز)

حطام مسيّرة في لاتفيا

إلى ذلك، أعلنت السلطات اللاتفية، في بيان الأربعاء، العثور على حطام طائرة مسيّرة في شرق لاتفيا، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وقامت قوات الأمن بتطويق موقع العثور على الحطام لفحص الأجسام التي عُثر عليها في بلدية ريزكنه، وذلك بعد أن أبلغ السكان السلطات، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأظهرت صور نشرتها شرطة لاتفيا مروحة وأجزاء أخرى من الطائرة المسيّرة.

وأكد البيان أن الحطام ليس به متفجرات ولا يشكل أي خطر على الجمهور. ولم تتوافر في البداية أي تفاصيل حول مصدر الطائرة المسيّرة أو نوعها.

وكتب وزير الدفاع اللاتفي، أندريس سبرودس، في بيان عبر منصة «إكس»: «أمرت بإجراء تحقيق شامل في ملابسات الحادثة. وسنواصل مراقبة الوضع من كثب».

كانت طائرة مسيّرة أوكرانية ضلت طريقها قد دخلت المجال الجوي اللاتفي، الأسبوع الماضي، وتحطمت.

كانت كييف قد أطلقت المسيّرة لمهاجمة أهداف في شمال غربي روسيا. ولم تسفر الحادثة عن إصابات أو أضرار جسيمة.


القضاء الفرنسي يرفض تسليم حليمة ابنة زين العابدين بن علي إلى تونس

الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي (أرشيفية - أ.ب)
TT

القضاء الفرنسي يرفض تسليم حليمة ابنة زين العابدين بن علي إلى تونس

الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي (أرشيفية - أ.ب)

رفض القضاء الفرنسي أن يسلّم إلى تونس حليمة بن علي، الابنة الصغرى للرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وفق قرار صدر، الأربعاء، عن محكمة الاستئناف في باريس المختصّة في هذه الشؤون.

وتتّهم السلطات التونسية حليمة بن علي بمخالفات مالية. وكانت قد أُوقفت في خريف عام 2025 بمطار في باريس. وخلال المرافعات بشأن طلب الترحيل، قالت محاميتها، ساميا مكتوف، إن إرسال موكّلتها إلى تونس هو بمثابة «حكم بالإعدام»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي 14 يناير (كانون الثاني) 2011، فرّ زين العابدين بن علي من بلده بعدما بقي 23 عاماً في السلطة، على أثر انتفاضة شعبية اندلعت بعد إقدام بائع متجول على إحراق نفسه في ديسمبر (كانون الأول) 2010 في سيدي بوزيد (وسط غرب تونس)، احتجاجاً على الفقر وإذلال الشرطة.

وأمضى بن علي السنوات الثماني الأخيرة من حياته منفياً في المملكة العربية السعودية.