بعد العقوبات التي فرضتها إدارة دونالد ترمب على فنزويلا والتدابير القاسية التي خفضت بشكل جذري المساعدات الخارجية، هبّت الإدارة الأميركية بكل إمكاناتها لمساعدة فنزويلا بعد الزلزال المزدوج الذي ضربها ليل الأربعاء، وأعلنت عن حزمة مساعدات عاجلة بقيمة 150 مليون دولار، وباشرت بإرسال سفن وطائرات حربية تابعة للقيادة الجنوبية المسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية في المنطقة، والتي كانت قد نفّذت عملية إلقاء القبض على نيكولاس مادورو وزوجته، مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي.

تحريك المساعدات بسرعة ضروري من وجهة النظر الإنسانية نظراً لفداحة الكارثة وجسامة الأضرار البشرية والمادية التي نشأت عنها. لكنها تشكّل أولوية مطلقة لسياسة واشنطن الخارجية، خصوصاً بعد أن جعلت من فنزويلا «محمية» أميركية، وبعد تصريحات ترمب التي يعتبر فيها أن إزاحة مادورو هي نموذج ناجح لسياسة التدخل المباشر في المنطقة، وتجسيد لعقيدة «دونرو»، أي للنسخة المستحدثة من «عقيدة مونرو» التي فتحت في القرن التاسع عشر عصر التدخل الأميركي في القارة ضد الأنظمة والحكومات اليسارية. وقد وعد ترمب حلفاءه في المنطقة بمكافآت سخيّة فيما توعّد خصومه بالتدخل العسكري المباشر.

سبحة التصريحات الأميركية المتضامنة مع فنزويلا كرّت من أعلى الهرم في الإدارة بعد ساعات قليلة من وقوع الزلزال، إذ أعلن ترمب عن حزمة من المساعدات «كبيرة وسريعة وفاعلة»، وطلب من وزارات الخارجية والدفاع والخزانة تحشيد الموارد اللازمة بأقصى سرعة لمواجهة هذه الكارثة التي يتوقع المركز الأميركي للمسح الجيولوجي أن تكون حصيلة خسائرها النهائية كبيرة جداً، وأن عدد القتلى قد يصل إلى عشرات الآلاف. ومعروف أنه بعد قرار ترمب تفكيك الوكالة الأميركية للمساعدات الإنمائية (USAID)، أصبحت المساعدات الخارجية من صلاحيات الوزارة التي يديرها ماركو روبيو الذي يعتبر مهندس سياسة واشنطن الأميركية اللاتينية.

واللافت أن القسم الأكبر من حزمة المساعدة المالية الأولى التي قررتها إدارة ترمب، أي 100 مليون دولار، ستعطى لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق المعونات الإنسانية في فنزويلا، بينما يوزع القسم الباقي على منظمات غير حكومية ناشطة في الميدان، وبعض الوكالات الدولية مثل برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الهجرة الدولية.
وأوفدت الولايات المتحدة أيضاً فريقاً للاستجابة السريعة في الكوارث، إلى جانب كتيبتين متخصصتين بالمساعدات الإنسانية، تضمّان وحدات إطفاء وفرقة طبية ومهندسين وأجهزة متطورة للبحث تحت الركام. وجاء في بيان للقيادة الجنوبية أن فرقة الإغاثة التابعة لها «تتحرك بسرعة بقدراتها التي لا نظير لها في مجالات النقل الجوي والدعم اللوجستي، لإنقاذ الأرواح ومساعدة الحكومة الفنزويلية في هذه الأزمة». كما تتولى القيادة الجنوبية للقوات الأميركية التنسيق مع الدول المجاورة التي أعلنت عن تقديم مساعدات لفنزويلا.
في موازاة ذلك أعلنت وزارة الخزانة الأميركية تعليق معظم العقوبات التي كانت قد فرضتها على فنزويلا، حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بما يتيح إجراء العمليات والتحويلات التي لها صلة بعمليات الإغاثة.

ويتوقع المراقبون أن تحشد واشنطن المزيد من الدعم اللوجستي والمساعدات الإنسانية لفنزويلا، حرصاً منها على إظهار «الأوجه الإيجابية» لسياسة التدخل الإقليمي التي تراهن عليها إدارة ترمب. لكن الخزانة الأميركية أوضحت من جهة أخرى أن الإذن العام الذي يسمح بإجراء العمليات المالية المتصلة بالمساعدات الإنسانية، لا يشمل رفع الحظر على الأصول الفنزويلية الخاضعة لنظام العقوبات، ولا على الصفقات أو الأنشطة العقابية التي فرضتها واشنطن على النظام.
ويلفت أيضاً أن ضخامة المساعدات التي أعلنتها الإدارة الأميركية بعد زلزال فنزويلا تزيد كثيراً على تلك التي سبق أن قدمتها إدارة ترمب في حالات مماثلة، كما حصل بعد الزلزال الذي ضرب ميانمار في مارس (آذار) الماضي، حيث اكتفت واشنطن بتقديم مساعدة بقيمة 9 ملايين دولار لأحد أفقر البلدان في العالم.

ويقول سام فيجرسكي، المسؤول السابق عن تنسيق فرقة الاستجابة في الوكالة الأميركية للتنمية والمحلل حالياً في مجلس العلاقات الخارجية: «نظراً للتعاون الوثيق بين الولايات المتحدة ودلسي رودريغيز، وتركيز إدارة ترمب على القارة الأميركية، ثمة اهتمام كبير بمعرفة قدرات وزارة الخارجية الأميركية للاستجابة في حالات الطوارئ الدولية الكبرى». ويضيف فيجرسكي على صفحة المجلس: «هذه الكارثة توازي من حيث فداحتها الزلزال الذي ضرب هايتي عام 2021، أو الذي ضرب تركيا وسوريا في عام 2023، وكلاهما تسبب في أضرار بشرية كبيرة وخسائر مادية واقتصادية فادحة».
وتشاء الصدف أن يتزامن هذا الإعلان الأميركي عن تقديم مساعدات سخية لفنزويلا في محنتها، مع قرار المحكمة العليا الأميركية الموافقة على قرار الإدارة إسقاط الحماية المؤقتة، تمهيداً للترحيل، عن المهاجرين السوريين والهايتيين الذين حصلوا على إقامات وتراخيص عمل لفترة محددة، بصفتهم ينتمون إلى بلدان تضررت بشكل خطير جراء النزاعات أو الكوارث الطبيعية.



