بسبب جنرال متقاعد... بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا

تتهمه بالوقوف خلف قرار البرلمان الأوروبي حول الحريات في البلد الأفريقي

رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
TT

بسبب جنرال متقاعد... بوركينا فاسو تقطع علاقاتها مع فرنسا

رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)
رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر الجنرال عبد الرحمن تياني (يساراً) وإبراهيم تراوري قائد بوركينا فاسو خلال قمة دول الساحل بالنيجر في يوليو 2024 (إ.ب.أ)

أعلنت بوركينا فاسو قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، وحمّلتها مسؤولية قرار صوّت عليه البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي ينتقد ما سماه «حملات القمع» و«تدهور الحريات الأساسية» في البلد الذي يحكمه مجلس عسكري منذ 2022.

بوركينا فاسو احتجت على قرار البرلمان الأوروبي ووصفته بأنه تدخل سافر في شؤونها الداخلية، خلال استدعاء وزير خارجيتها رئيسَ بعثة الاتحاد الأوروبي المعتمد لدى البلاد فيليب برونشين، قبل أن تقرر قطع العلاقات مع فرنسا بأثر فوري.

رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري خلال زيارة للعاصمة الروسية موسكو يوم 10 مايو 2025 (أ.ب)

جاء الإعلان في بيان قرأه وزير الاتصال بينغدويندي جيلبرت ويدراوغو عبر التلفزيون الحكومي، وبرره بأن «الشروط الأساسية لتعزيز علاقات قائمة على الاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة، واحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية، لم تعد متوفرة»، مشيراً إلى أن القرار جاء بعد «تقييم شامل للوضع الراهن للعلاقات الثنائية بين بوركينا فاسو وفرنسا».

واتهمت بوركينا فاسو فرنسا بالتورط فيما سمته «النشاط العدائي المستمر ضد مصالح بوركينا فاسو، وطموحاته النيوكولونيالية (الاستعمارية الجديدة)»، كما جددت اتهام باريس بدعم «شبكات التخريب والإرهاب» النشطة في منطقة الساحل. وأكدت بوركينا فاسو أن «هذا القرار لا يمس بأي حال من الأحوال الروابط التاريخية، والإنسانية، والثقافية، والاجتماعية التي تجمع بين الشعبين البوركينابي والفرنسي»، مشيرة إلى أنه يستهدف «حصرياً الإطار المؤسساتي للعلاقات بين الدولتين على الصعيد الدبلوماسي».

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو في أغسطس 2020 (أ.ب)

رد فرنسا

وفي أول تعليق رسمي فرنسي على القرار، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، في بيان إن بلاده تأسف لهذا «القرار العدائي وغير المبرر، والذي يوضح الانحراف المقلق للسلطات البوركينابية». وأضاف: «إن الإجراءات المتبادلة اللازمة قيد المراجعة والدراسة حالياً». وأشار كونفافرو إلى أن فرنسا تراقب سلامة موظفي الحكومة الفرنسية والمواطنين في بوركينا فاسو، وحثهم على توخي أقصى درجات الحيطة والحذر.

وكانت فرنسا الشريك الأمني الأكبر لبوركينا فاسو حتى وقوع انقلاب عام 2022؛ إذ قام المجلس العسكري بعد ذلك بطرد مئات الجنود الفرنسيين الذين أُرسلوا لمحاربة الجماعات المتطرفة، وتشير وزارة الخارجية الفرنسية إلى وجود أكثر من 2000 فرنسي مسجلين في السجل القنصلي في بوركينا فاسو، في حين يعيش أكثر من 6000 مواطن بوركينابي في فرنسا.

السبب المباشر

وتدهورت العلاقات بين فرنسا وبوركينا فاسو بشكل كبير بعد انقلاب 2022، وفي عام 2023 طالبت بوركينا فاسو باستدعاء السفير الفرنسي في واغادوغو، لوك هيلاد، وألغت اتفاقية عسكرية مع باريس، متمكنة من إنهاء وجود الجيش الفرنسي، الذي شارك لفترة طويلة في محاربة الإرهاب.

صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وكان إبراهيم تراوري، الضابط الذي يحكم بوركينا فاسو، قد صرح في وقت سابق بأنه «لا يوجد قطع للعلاقات الدبلوماسية». علاوة على ذلك، تم تعليق عمل العديد من وسائل الإعلام الأجنبية، ومعظمها فرنسية، بشكل مؤقت أو نهائي، مثل «جون أفريك»، وقنوات «إل سي إي»، و«فرانس 24»، و«تي في 5 موند»، وإذاعة فرنسا الدولية. كما طُرِدت من بوركينا فاسو مراسِلات صحيفتَي «ليبيراسيون» و«لوموند». إلا أن كل هذه التراكمات كانت تحتاج إلى ما سماه مدير الأخبار في تلفزيون بوركينا فاسو الحومي باسكال كانيه «القشة التي قصمت ظهر البعير»، وهي ما اعتبره قرار البرلمان الأوروبي الأخير، والدور الفرنسي المحوري في التصويت عليه واعتماده.

الرئيس الغاني جون ماهاما لدى زيارته أحد مواطنيه المصابين في الهجوم الذي شنه متشددون بشمال بوركينا فاسو الأسبوع الماضي (رويترز)

كانيه قرأ افتتاحية على التلفزيون الرسمي، ليل الجمعة/السبت، كانت تحت عنوان «وكان لا بد لما كان متوقعاً أن يحدث»، كشف فيها عن السبب المباشر لقرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع فرنسا، مشيراً إلى أن «هذه الخطوة ليست رد فعل اندفاعياً، بل هي نتاج تحليل واعٍ وصارم للانحرافات في علاقة ثنائية أصبحت سامة إلى أبعد الحدود».

وقال كانيه إن «بوركينا فاسو لن تكتفي بعد الآن بالخنوع في صمت أمام تحركات النظام الفرنسي، ومحاولات ضغطه، ومواقفه المتعجرفة والاستعمارية الجديدة»، مشيراً إلى أن بيان الحكومة «وإن لم يذكر ذلك صراحة، فإن القشة التي قصمت ظهر البعير هي بلا شك القرار الأخير الصادر عن البرلمان الأوروبي، والذي أوعز به جنرال فرنسي أصبح نائباً برلمانياً».

ويشير هُنا إلى الجنرال الفرنسي المتقاعد كريستوف غومارت، الذي أصبح نائباً في البرلمان الأوروبي عن حزب الشعب الأوروبي، وينتمي سياسياً إلى حزب «الجمهوريون» اليميني الفرنسي، ويشغل منصب نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان الأوروبي، وسبق أن كان مدير الاستخبارات العسكرية الفرنسية، وهو معروف بمواقفه المتشددة تجاه الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل.

غضب واغادوغو

قبل صدور قرار قطع العلاقات مع فرنسا، وجّهت حكومة بوركينا فاسو (الخميس) مذكرة إلى بعثة الاتحاد الأوروبي في واغادوغو، تطلب فيها من البرلمان الأوروبي «السحب الفوري» للقرار الذي صوّت عليه حول وضع الحريات في البلاد، مبررة ذلك بأنه مبني على «تقرير مجتزأ ومغرض وعارٍ من الصحة ومجافٍ للحقيقة بشكل متعمد».

وقالت بوركينا فاسو في المذكرة: «في حال عدم الاستجابة لهذا الطلب، فإن البرلمان الأوروبي سيتحمل المسؤولية الكاملة عن التدهور الطويل الأمد الذي سيلحق بالتعاون بين بوركينا فاسو ومؤسسات المفوضية الأوروبية».

ماليون يدعمون الانقلاب في باماكو عام 2020 (أ.ب)

وكان البرلمان الأوروبي قد صوت الأسبوع الماضي بأغلبية ساحقة على قرار ينتقد حل سلطات بوركينا فاسو الأحزاب السياسية، وتعليق نشاط مئات منظمات المجتمع المدني، وجاء في القرار أن «حرية الصحافة مهددة بشكل خطير» في بوركينا فاسو، داعياً إلى «رفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام والسماح للصحافيين بالعمل بحرية».

وطالب النواب الأوروبيون بإجراء «تحقيقات مستقلة في جميع المزاعم المتعلقة بالجرائم وانتهاكات حقوق الإنسان»، وأكدوا أن «مكافحة الإرهاب يجب أن تُجرى في ظل الاحترام الكامل للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني»، معربين عن «قلق بالغ إزاء النفوذ الروسي في بوركينا فاسو منذ طرد القوات الأوروبية».

وبعد هذا القرار استدعت حكومة بوركينا فاسو رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي وأبلغته الاستياء من القرار، معتبرة أنه مبني على «معلومات مغلوطة» و«جهل بالجهود» التي تبذلها البلاد في مجال مكافحة الإرهاب.

وحمّلت بوركينا فاسو المسؤولية للنائب الفرنسي كريستوف غومارت، معتبرة أن حديثه عن بلد لم يزره وتقديمه أرقاماً حوله «يعدان بمنزلة تدنيس لقدسية البرلمان الأوروبي بإلقاء خطاب يحمل نزعة استعمارية جديدة».


مقالات ذات صلة

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

المشرق العربي عناصر أمن سورية في دمشق (أ.ب)

الاستخبارات السورية تعلن القبض على قيادي بارز في «داعش»

أعلنت الاستخبارات السورية، السبت، إلقاء القبض على قيادي بارز في تنظيم «داعش» الإرهابي، وفق ما أفاد مصدر بجهاز الاستخبارات العامة وكالة الأنباء السورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا المبشر الأميركي خلال رحلة سابقة إلى النيجر (وسائل إعلام أميركية)

تحرير رهينة أميركي من «داعش» يفجر جدلاً في ليبيا

خلَّف الإفراج عن المبشر الأميركي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزاً لدى جماعة تابعة لتنظيم «داعش» في منطقة الساحل بغرب أفريقيا، جدلاً حاداً في ليبيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس التركي خلال الاحتفال بمرور 25 عاماً على تأسيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة ليل الجمعة (الرئاسة التركية)

الرئيس التركي يُلمّح للترشّح لولاية جديدة

لمَّح الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى خوض انتخابات الرئاسة المقررة في عام 2028 والاستمرار في النشاط السياسي لسنوات.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا قرار تمديد المنطقة الحدودية العازلة جاء لدواعٍ أمنية (أ.ف.ب)

تونس تمدّد المنطقة الحدودية العازلة لدواعٍ أمنية

أعلنت تونس التمديد في قرار الإعلان عن منطقة عازلة جنوب البلاد، وهو قرار ساري منذ عام 2013 لدواعٍ أمنية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: «إيبولا» يقضي على مصاب كل ثلاثين دقيقة في الكونغو الديمقراطية

متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)
متطوعون من الصليب الأحمر في جمهورية الكونغو الديمقراطية ينقلون جثمان أحد ضحايا فيروس «إيبولا» في مقاطعة إيتوري شرق البلاد (أ.ف.ب)

أعلن مسؤول بارز في الأمم المتحدة، الجمعة، أن فيروس «إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية يودي بحياة شخص كل ثلاثين دقيقة، داعيا إلى تحرك دولي أكبر لمكافحة تفشيه.

عمال في المجال الطبي يحملون غطاء نعش أحد المتوفين بفيروس «إيبولا» في أحد مستشفيات الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ)

وقال توم فليتشر، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، في بيان «يُعد هذا التفشي الأسرع انتشارا على الإطلاق»، مضيفا «نحن بحاجة إلى السرعة وتوسيع نطاق الاستجابة والتضامن قبل أن يتقدم الفيروس علينا أكثر».

وأودى تفشي فيروس إيبولا بحياة ما لا يقل عن 2128 شخصا من بين أكثر من 4500 إصابة منذ الإعلان عن ظهوره في الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار)، حيث كانت الأمم المتحدة قد نبهت إلى أن هذا التفشي في طريقه ليصبح الأكثر فتكا في تاريخ المرض.

وحذر فليتشر بعد أن استعرض أحدث الجهود لاحتواء الفيروس الذي ينتقل عبر ملامسة سوائل الجسم ويسبب حمى نزفية، من أن «إيبولا ينتصر في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا يمكننا السماح للفيروس بأن يتجاوز استجابتنا».

وكشف أن «الوباء يقتل شخصا كل 30 دقيقة»، مشيرا إلى أن «أعدادا أكبر بكثير من الناس معرضون للخطر».

وذكر فليتشر أن الدول تبرعت حتى الآن بنحو 300 مليون دولار لصندوق مخصص لمكافحة هذا التفشي.

وعقب اجتماع لوكالات الأمم المتحدة، أعلن عن تخصيص 30,5 مليون دولار إضافية من صندوق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، لتضاف إلى 24 مليون دولار خُصصت لمساعدة جمهورية الكونغو الديمقراطية وأربع دول أخرى في التصدي للوباء.

وسُجلت إصابات في ست مقاطعات في الكونغو الديمقراطية، إضافة إلى أوغندا، كما رُصدت حالات بالقرب من الحدود مع جنوب السودان.

وأشار فليتشر إلى إرسال 20 موظفا إضافيا إلى «الخطوط الأمامية» لمواجهة إيبولا، لكنه أكد أن هناك حاجة للمزيد.

وقال «نحتاج إلى مضاعفة عدد الفرق التي تضمن عمليات دفن آمنة وكريمة، ومضاعفة القدرة الاستيعابية للعلاج ثلاث مرات وتحسين عمليات تتبع المخالطين ونشر المزيد من المديرين ذوي الخبرة».

وأضاف «والأهم من ذلك، يجب علينا تلبية الاحتياجات الهائلة للمياه والنظافة والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية في المنطقة».

ويعود التفشي الـ17 للإيبولا إلى سلالة بونديبوغيو التي لا يوجد لها علاج أو لقاح معروف.

وأودى فيروس إيبولا بحياة أكثر من 15 ألف شخص في إفريقيا على مدار الخمسين عاما الماضية.

أما التفشي الأكثر فتكا الذي امتد بين عامي 2018 و2020، فقد أدى إلى وفاة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة.


مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
TT

مالي: تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

أعلن في دولة مالي، الخميس، عن تحرير 82 عسكرياً كانوا في قبضة المتمردين الطوارق، وقعوا في الأسر خلال المواجهات العسكرية في شمال مالي منذ 2023، وسط تضارب في الروايات حيال عملية التحرير.

وتشهد دولة مالي مواجهات مسلحة عنيفة بين الجيش المالي المدعوم من القوات الروسية، والمتمردين الطوارق المتحالفين مع جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، وقد وصلت هذه المواجهات ذروتها في شهر أبريل (نيسان) الماضي، حين هاجم المتمردون وتنظيم «القاعدة» عدة مدن مالية، من بينها العاصمة باماكو، وهي الهجمات التي قتل فيها وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا.

وخلال هذه المعارك، وقع في الأسر عشرات الجنود الماليين، فيما قتل المئات من المتمردين ومسلحي «القاعدة»، حسب إحصائيات الجيش المالي.

تصاعد الدخان في مكان الهجوم في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية المتمردين

وفي تطور جديد، أعلنت «جبهة تحرير أزواد»، المشكَّلة في الغالب من المقاتلين الطوارق، إطلاق سراح 82 عسكرياً مالياً، وهو ما بررته بأنه يأتي امتثالاً لما قالت إنها «قيم الإسلام النبيلة القائمة على الرحمة والإحسان».

كما أكدت الجبهة أنها تفرج عن العسكريين الماليين «استناداً إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، وإلى اتفاقيات جنيف المتعلقة بمعاملة الأسرى»، دون أن تشير إلى وجود أي صفقة، مكتفية بالقول إنها سلمت العسكريين المفرج عنهم إلى ممثلين عن الجيش المالي، «وفقاً للترتيبات التي تم الاتفاق عليها بهذا الشأن».

وأوضحت الجبهة، في بيان صحافي، أنها هي من حدد زمان ومكان تسليم الأسرى، دون أن تضيف أي تفاصيل أخرى.

أرشيفية لهجوم شنه مسلحون انفصاليون في مدينة غاو شمال مالي (أ.ب)

رواية الجيش

من جانبها، أعلنت هيئة الأركان العامة للجيوش في مالي، عن تحرير العسكريين من الأسر لدى من وصفتها بأنها «جماعات مسلحة إرهابية تابعة لتحالف (نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)»، وأكدت قيادة الجيش أن «العسكريين المحررين باتوا الآن في أمان، وتتكفل بهم المصالح المختصة».

ولم تفصح هيئة أركان الجيش المالي عن أي تفاصيل حول كواليس تحرير الجنود الأسرى، ولكنها احتفت بتحريرهم وقالت إنه «يأتي تتويجاً لعملية انطلقت منذ لحظة أسرهم، وشهدت تخطيطاً صارماً وتعبئة منسقة للقدرات اللازمة لإدارة هذا النوع من العمليات».

وأشادت قيادة الجيش بما قالت إنه «شجاعة وصمود وكرامة العسكريين خلال فترة احتجازهم»، كما أعربت عن «امتنانها العميق لعائلاتهم على صبرها وثقتها وقوتها المعنوية الملحوظة طوال هذه المحنة».

وفيما يحتفي الطرفان، المتمردون والجيش، بالإفراج عن الجنود الأسرى، يتساءل مراقبون عن الصفقة التي تم بموجبها ذلك، حيث تجري العادة بأن المتمردين يقدمون طلبات مقابل الإفراج عن الأسرى، من أهمها تحرير سجناء لدى باماكو.

حركة مرور على أحد الطرق الرئيسية في العاصمة المالية باماكو (أ.ف.ب)

حصيلة الجيش

على صعيد آخر، كان الجيش المالي قد أعلن، الثلاثاء، أن عملياته العسكرية أسفرت عن مقتل أكثر من 1800 مسلح، وتدمير عشرات القواعد اللوجستية التابعة للمتمردين والجماعات الإرهابية، خلال شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026.

وقال العقيد بكاري بوبكر مايغا، مدير الاتصال والعلاقات العامة في الجيش المالي، إن عمليات الجيش أسفرت عن مقتل 1850 مسلحاً، وتدمير 45 قاعدة للجماعات المسلحة، خلال هذه الفترة، وذلك في أعقاب الهجوم الذي شنه المتمردون ضد قاعدة للجيش في أنفيس.

جنود ينتظرون بدء مراسم جنازة وزير الدفاع المالي السابق ساديو كامارا في باماكو يوم 30 أبريل 2026 (أ.ب)

وأضاف مايغا في حصيلة قدمها أمام الصحافة، أن الجيش المالي دمر 153 سيارة من نوع (بيك آب)، وأكثر من 230 دراجة نارية، ومعدات لوجستية مختلفة، مشيراً إلى أن الجيش نفذ خلال هذه الفترة «1545 طلعة جوية، مثلت 5336 ساعة طيران»، أسهمت في «تحييد العديد من المواقع اللوجستية المنسوبة للجماعات المسلحة الإرهابية».

وأشار إلى العمليات العسكرية، التي نفذها الجيش لتأمين الأنشطة الاقتصادية، ومن بينها «مواكبة 15589 صهريجاً»، نحو نصفها محمل بالوقود، ضمنها أكثر من 900 صهريج تم إدخالها في 11 يوليو إلى العاصمة باماكو.


14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
TT

14 مرشحاً يتنافسون في انتخابات رئاسية «شبه محسومة» في زامبيا

صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)
صف طويل من الناخبين ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

توجه الناخبون في زامبيا، الخميس، إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس للبلاد من بين 14 مرشحاً، يعد أوفرهم حظاً الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما، الساعي لولاية رئاسية ثانية، ويراهن في ذلك على ما حققه من نتائج اقتصادية مهمة خلال سنواته الخمس الأولى، في بلد يعد ثاني منتج للنحاس في القارة الأفريقية.

ودُعي نحو 8.7 مليون ناخب للتصويت في البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 22 مليون نسمة، وذلك في إطار انتخابات رئاسية وبرلمانية ومحلية تجري في وقت واحد، ويتوقع إعلان النتائج يوم الاثنين المقبل.

الرئيس المنتهية ولايته هاكايندي هيشيليما وسط ناخبين وإعلاميين بعد الإدلاء بصوته في لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

ورقة الاقتصاد

وتُشكل هذه الانتخابات اختباراً جديداً لهذا البلد المشهود له بالاستقرار في منطقة أفريقيا الجنوبية؛ إذ يتولى الرئيس هيشيليما قيادته منذ عام 2021، ويخوض الانتخابات مستنداً إلى سجله الاقتصادي، بعدما قاد زامبيا خلال عملية إعادة هيكلة ديونها وتحقيق التعافي الاقتصادي، في أعقاب تخلفها عن سداد ديونها السيادية عام 2020.

وحصلت حكومته على اتفاق تاريخي لإعادة هيكلة الديون، واستعادت برنامجاً مع صندوق النقد الدولي، لتستأنف النمو المتوقع عند 5 في المائة هذا العام، وحصلت على إشادات من المانحين والمستثمرين الدوليين.

ولكن هيشيليما، الذي وصل إلى السلطة بعد انتقال ديمقراطي سلمي، يواجه اتهامات بالتضييق على الحريات السياسية خلال السنوات الخمس التي حكم فيها البلاد، رغم أنه ظل في صفوف المعارضة لعقود طويلة، وخسر الانتخابات الرئاسية 5 مرات، قبل أن يفوز بها في محاولته السادسة (2021).

وحقق رجل الأعمال الحذق، ذو الأصول المتواضعة، الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 2021 ببراعة، حين أسقط غريمه السياسي إدغار لونغو من السلطة، والذي توفي العام الماضي حين كان يقيم في جنوب أفريقيا.

ناخبون ينتظرون للإدلاء بأصواتهم في مدرسة بالعاصمة لوساكا الخميس (إ.ب.أ)

منافسة مفاجئة

وفيما بدت الأمور شبه محسومة لصالح الرئيس المنتهية ولايته، حسب مراقبين محليين، برز اسم عضو البرلمان المخضرم، بريان موندوبيلي (55 عاماً)، بصفته المنافس الجدي الوحيد من بين 13 مرشحاً لمواجهة الرئيس.

ويتزعم موندوبيلي تحالفاً معارضاً يحظى بدعم أنصار ⁠سلف هيشيليما، الرئيس الراحل إدغار لونغو، ولكنه يخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الأولى، ما يعكس انعدام خبرته السياسية، ولكنه يوصف بأنه قادر على إرباك سيناريو الفوز المحسوم مسبقاً للرئيس المنتهية ولايته.

موندوبيلي، الآتي من خلفية قانونية؛ حيث سبق أن عمل محامياً، يعتمدُ في خطابه السياسي على انتقاد السياسات الاقتصادية للحكومة؛ إذ يقدم نفسه على أنه مدافع عن 70 في المائة من السكان، يعيشون بأقل من 3 يوروات يومياً.

واتهم موندوبيلي، الأربعاء، الحكومة بإعاقة حملته الانتخابية، وقال إن الشرطة تدخلت عدة مرات في أنشطته الانتخابية، كما تعرضت حملته لأعمال عنف من أنصار الرئيس، وإلغاء تصاريح الطيران، ما منعه من عقد بعض التجمعات الانتخابية في الأقاليم، وفق تعبيره.

وقال موندوبيلي: «الانتخابات ليست حدثاً عابراً. وما حدث للتو لا يمكن أن يفضي إلا إلى استنتاج واحد ووحيد: الانتخابات لن تكون حرة ولا عادلة».

لوحة انتخابية تحمل صور وأسماء المرشحين الـ14 للانتخابات الرئاسية في لوساكا الخميس (رويترز)

ولكن حظوظ موندوبيلي في الفوز تظل محدودة؛ إذ بدأ حملته الانتخابية في مايو (أيار) الماضي، فلم يكن أمامه سوى وقت قصير لترسيخ حضوره وإقناع الناخبين بالتصويت لحزب يكاد يكون اسمه غير معروف.

الاستقرار أولاً

ويتبع التصويت في زامبيا مناطق نفوذ تقليدية؛ إذ يسيطر هيشيليما وحزبه «الحزب المتحد للتنمية الوطنية» على الجنوب والغرب، في حين يظل الشمال وحزام النحاس (كوبيربيلت) معاقل لـ«الجبهة الوطنية» التابعة للرئيس السابق لونغو، والتي تُشكّل القاعدة الانتخابية لموندوبيلي.

ورغم أن الاقتراع هذا العام يتسم بـ«تنافسية مفاجئة»، فإنه يُتوقع أن يظل الناخبون الباحثون عن الاستقرار أوفياء لهيشيليما، حسب توقعات باتيانس موسوسا، المتخصصة في الشأن الزامبي في المعهد النوردي لأفريقيا ومقره السويد.

مسؤول انتخابي في مركز اقتراع في لوساكا الخميس (رويترز)

وتُضيف المحللة في حديث مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «رغم الانتقادات الموجهة لبطء تقدمه في معالجة الاختلالات الهيكلية والتصدّي للفساد، والمخاوف المتعلقة بإعطائه الأولوية للمصالح الخاصة، فإنه يُنظر إليه بوصفه قائداً أكثر قدرة على التنبؤ بمساره».

وتتوقع اللجنة الانتخابية الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية بحلول 17 أغسطس (آب)، ويجب أن يحصل المرشح الرئاسي على أكثر من 50 في المائة من الأصوات للفوز ⁠من الجولة الأولى، وإلا تُجرى جولة ثانية بين الاثنين الحاصلين على أعلى عدد من الأصوات.

وإذا ⁠اتجهت الانتخابات الرئاسية إلى جولة ثانية فيتعين إجراؤها خلال 37 يوماً من موعد الاقتراع الأول.