لماذا اختار ترمب ولاية سوكوتو هدفاً لعمليته العسكرية في نيجيريا؟

أبوجا أكّدت استهداف واشنطن عناصر من «داعش» قدموا من «الساحل»

سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

لماذا اختار ترمب ولاية سوكوتو هدفاً لعمليته العسكرية في نيجيريا؟

سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

لا يزالُ الغموض يلُفّ تفاصيل الضربات الصاروخية التي نفّذتها الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في نيجيريا، الخميس، وأسباب اختيار ولاية سوكوتو، الواقعة شمال غربي البلاد، رغم أن معاقل التنظيمات الإرهابية تتركز في شمال شرقي البلاد.

وزاد من الغموض تباين الروايتين الأميركية والنيجيرية، بالإضافة إلى أن البلدين لم يكشفا تفاصيل حول من، أو ماذا، أُصيب فعلياً خلال الضربات، رغم اتفاقهما على أن المستهدف هو تنظيم «داعش».

وفي محاولة لتوضيح هذه المعطيات، قال متحدث باسم الرئيس النيجيري، السبت، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات الجوية الأميركية التي نُفذت الخميس في نيجيريا استهدفت مسلحين من تنظيم «داعش» قدموا من منطقة الساحل للتعاون مع جماعة إرهابية محلية تُدعى «لاكوراوا» وعصابات من «قطاع الطرق».

وأضاف دانيال بوالا، المتحدث باسم الرئيس بولا تينوبو: «لقد وجد تنظيم (داعش) وسيلة للمرور عبر منطقة الساحل من أجل تقديم المساعدة لـ(لاكوراوا) ولقطاع الطرق، من خلال تزويدهم بالمعدات وتقديم التدريب لهم».

بدوره، قال وزير الإعلام النيجيري، محمد إدريس، في وقت متأخر من مساء الجمعة، إن الضربات «استهدفت عناصر من (داعش) كانت تحاول التسلل إلى نيجيريا عبر ممر الساحل».

مجموعة «لاكوراوا»

في تقرير نشرته صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، قالت إنَّ ولاية سوكوتو تعاني من نشاط العصابات وقطاع الطرق أكثر من التنظيمات الإرهابية، مشيرة إلى أن الضربات الأميركية استهدفت مجموعة «لاكوراوا»، وهي مجموعة استعان بها زعماء محليون عام 2017 لمواجهة قطاع الطرق.

صورة مأخوذة من فيديو نشرته وزارة الحرب الأميركية تُظهر إطلاق صاروخ من سفينة عسكرية في موقع غير محدد يوم 25 ديسمبر (رويترز)

واستندت الصحيفة إلى دراسة نشرها عام 2022 مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت (CTC)، هو مركز بحثي وأكاديمي تابع للأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت بولاية نيويورك، أكدت أن «عناصر (لاكوراوا) قدموا من مالي»، وأوضحت الدراسة أن زعماء محليين «ساهموا في توسع الجماعة عبر دعمها مالياً، ومنحها الأبقار والدعم اللوجيستي بالأسلحة». وذكر المصدر نفسه أن الشرطة النيجيرية آنذاك قلّلت من شأن المجموعة المسلحة، ووصفت عناصرها بأنهم «رعاة غير عنيفين» هاجروا بحثاً عن الماء لماشيتهم، غير أن الجماعة سرعان ما بدأت تفرض قوانينها في المنطقة، وقتلت أحد الزعماء المحليين حين رفض تسديد ديون.

وفي الولاية ذات الأغلبية المسلمة، حظرت المجموعة استهلاك الكحول والاستماع للموسيقى، وفرضت الضرائب على الرعاة المحليين، ثم تطور الأمر نحو شن هجمات مسلحة ضد مواقع الجيش على الحدود مع النيجر، ليبدأ البلدان دوريات مشتركة لمواجهة المجموعة المسلحة عام 2018.

وبعد الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023، وتوقف الدوريات المشتركة على الحدود مع نيجيريا، زادت جرأة جماعة «لاكوراوا» لتتوسع أنشطتها نحو ولاية كيبي، وتشن هجمات ضد مواقع للشرطة وشركات محلية.

صلات مع «داعش» و«القاعدة»

رغم الخطر الذي تمثله هذه المجموعة المسلحة، تبقى الشكوك كبيرة حول ارتباطاتها الخارجية، في الوقت الذي يرى فيها كثير من الخبراء مجرد مجموعة من المرتزقة وقطاع الطرق، فإن هنالك خلافاً حول علاقتها بتنظيمَي «داعش» و«القاعدة».

دراسة مركز «ويست بوينت»، التي أجراها مورتالا رُفَعي وجيمس بارنيت وعبد العزيز عبد العزيز، أكّدت أن «لاكوراوا» مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، خصوصاً «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التي تتمركز في دولة مالي.

إلا أن بارنيت خلص في أبحاثه الأخيرة إلى أن «لاكوراوا» باتت الآن مرتبطة بـ«ولاية الساحل» التابعة لـ«داعش»، وأوضح أنه «نظراً لتداخل التحالفات الإرهابية في منطقة الساحل، قد يكون بعض الأعضاء الأصليين في (لاكوراوا) مرتبطين بـ(نصرة الإسلام والمسلمين)، لكنهم اليوم أشد ارتباطاً بولاية الساحل التابعة لـ(داعش)».

في المقابل، أكد مالك صموئيل، الباحث في مؤسسة «الحوكمة الرشيدة في أفريقيا»، في منشور على منصة «إكس»، أن «لاكوراوا» أقرب إلى «القاعدة»، في إشارة إلى «نصرة الإسلام والمسلمين»، ثم أضاف: «لم أرَ أي دليل يشير إلى وجود صلة بـ(داعش)».

تباين وشكوك

رغم حديث الأميركيين والنيجيريين عن استهداف تنظيم «داعش»، فإن عدداً من السكان المحليين في المنطقة التي استهدفتها الضربات الأميركية عبّروا عن استغرابهم. وقال أحد السكان، يُدعى هارونا كالح، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «فوجئنا لأن هذه المنطقة لم تكن يوماً معقلاً للجماعات المسلحة».

آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

وذكر آخرون أن الصواريخ الأميركية سقطت في حقول خالية، ولم تسفر عن أي خسائر بشرية، وأن قرية جابو التي تضررت من حطام الصواريخ الأميركية، كانت بمنأى نسبياً عن العنف. وقالوا إن آخر هجوم نفّذه مسلحون وقع قبل عامين.

وأظهرت لقطات بثّها التلفزيون النيجيري قطعاً من معدن محترق فيما بدا أرضاً زراعية.

سكان يحتشدون في موقع الضربة الأميركية بقرية جابو يوم 26 ديسمبر (رويترز)

في المقابل، قالت نيجيريا إن الهدف كان «جيوباً إرهابية»، مشيرة إلى أن المواقع المستهدفة «كانت تُستخدم نقاط تجمع وانطلاق لعناصر (داعش) الأجنبية المتسللة إلى نيجيريا». إلا أن بعض المحللين النيجيريين شككوا في الرواية الرسمية، معتبرين أن اختيار ولاية سوكوتو هدفاً يثير الاستغراب، وأن ولايات أخرى، مثل النيجر وكيبي في الشمال الغربي، وبورنو في الشمال الشرقي حيث ينشط تاريخياً تنظيم «بوكو حرام»، شهدت مستويات أعلى بكثير من العنف.

خصوصية سوكوتو

قال مصطفى جيمبو، محلل أمني، إن اختيار سوكوتو «موضع تساؤل كبير». وأضاف أن الولاية تعاني أساساً من قطاع الطرق أكثر من الإرهاب الذي يستهدف المسيحيين، الذين يكادون يكونون غير موجودين في هذه الولاية ذات الغالبية المسلمة.

واعتبر أنها ليست من «بؤر الإرهاب» في البلاد، بل هي «جيب ذو غالبية مسلمة ومقر الخلافة السوكوتية التاريخي، ومركز روحي للإسلام في نيجيريا».

وكانت «خلافة سوكوتو» كياناً سياسياً ودينياً بالغ النفوذ في غرب أفريقيا، تأسّس عام 1804، وتحوّل خلال القرن التاسع عشر إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات في أفريقيا من حيث المساحة والنفوذ. واستمر نفوذ «الخلافة» حتى مطلع القرن العشرين، قبل أن تسقط فعلياً عام 1903 إثر الاستعمار البريطاني لشمال نيجيريا. ولا يزال الإرث الديني والسياسي لـ«خلافة سوكوتو» حاضراً، وذا رمزية كبيرة بين مسلمي شمال نيجيريا وغرب أفريقيا.

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

في هذا السياق، تداولت صحف نيجيرية تصريحات أدلى بها قائد متقاعد في الجيش الأميركي، يدعى بيش جونسون، قال فيها إن ولاية سوكوتو تحديداً ارتبطت في الذهن الأميركي أخيراً ببؤرة لاستهداف المسيحيين. وقال جونسون: «المشكلة أكثر تعقيداً (...) هناك أيضاً مسألة تطبيق الشريعة في شمال نيجيريا. وللأسف رأينا ما حدث في ولاية سوكوتو، حيث قُتلت شابة تُدعى ديبورا صامويل رجماً وفي وضح النهار على يد زملائها (في عام 2022)»، بعد أن اتّهموها بالإساءة لمقدسات الإسلام، في صوتيات متداولة على تطبيق «واتساب».

وأضاف جونسون: «حتى الآن، لم يُقدَّم أيّ من المسؤولين عن مقتل تلك الشابة البريئة إلى العدالة. هذه بعض القضايا التي يراقبها الأميركيون، ولهذا يصفون ما يجري بأنه اضطهاد ديني».

وربط النيجيريون بين الحادثة والضربات الأميركية، خصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمّد أن تتزامن الضربة مع احتفال المسيحيين بعيد الميلاد. وسبق أن رفض وزير خارجية نيجيريا، يوسف توغار، بشدة أن تكون الضربات الأميركية «قد حملت أي دلالات دينية»، رغم أن الرئيس الأميركي في إعلانه لتنفيذ الضربة قال إنها استهدفت «حثالة إرهابيي تنظيم (داعش) الذين يستهدفون ويقتلون بوحشية، في المقام الأول، المسيحيين الأبرياء».


مقالات ذات صلة

ترمب: احتجزنا سفينة إيرانية حاولت خرق الحصار قرب مضيق هرمز

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركى دونالد ترمب (أ.ف.ب) p-circle

ترمب: احتجزنا سفينة إيرانية حاولت خرق الحصار قرب مضيق هرمز

قال الرئيس الأميركى دونالد ترمب، اليوم، إن الولايات المتحدة احتجزت بالقوة سفينة شحن ترفع العلم الإيراني قرب مضيق هرمز، بعد محاولتها اختراق الحصار البحري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام لافتة تظهر عليها صورتا المرشدين الأول والثاني الخميني (يسار) وعلي خامنئي (وسط) بجانب المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأحد (أ.ف.ب)

أوروبا تتحسب لاتفاق «متعجل» بين واشنطن وطهران

قال دبلوماسيون مطلعون على الملف الإيراني إن حلفاء واشنطن في أوروبا يخشون أن يدفع فريق التفاوض الأميركي، الذي يرونه محدود الخبرة في هذا المسار نحو اتفاق «متعجل».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جندي من مشاة البحرية الأميركية على متن السفينة البرمائية «يو إس إس نيو أورلينز» يراقب حركة الملاحة خلال عمليات الحصار البحري قبالة الموانئ الإيرانية السبت (سنتكوم) p-circle

ترمب يعلن جولة تفاوض ثانية ويتهم إيران بـ«خرق» الهدنة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن واشنطن تمضي في جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، معلناً أن مسؤولين أميركيين سيتوجهون إلى إسلام آباد، مساء الاثنين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ مشروع قانون «إنقاذ أميركا» الذي يهدد إمكانية ملايين النساء من التصويت تجري مناقشته حالياً في مجلس الشيوخ (رويترز)

مشروع «إنقاذ أميركا» المدعوم من ترمب يهدد حقوق التصويت للنساء

قد يواجه ملايين النساء المتزوجات وبعض الأقليات  صعوبات في التصويت إذا تم إقرار قانون «إنقاذ أميركا» المدعوم من الرئيس ترمب الذي يُناقش حالياً في مجلس الشيوخ

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

حديث عن خطة للأمن الأوروبي حال انسحاب أميركا من «الناتو»

تحدثت صحف تركية عن خطة أوروبية بديلة حال انسحاب أميركا من «الناتو» وسيناريوهات لتحالف تركي - روسي - صيني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.