لماذا اختار ترمب ولاية سوكوتو هدفاً لعمليته العسكرية في نيجيريا؟

أبوجا أكّدت استهداف واشنطن عناصر من «داعش» قدموا من «الساحل»

سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

لماذا اختار ترمب ولاية سوكوتو هدفاً لعمليته العسكرية في نيجيريا؟

سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)
سكان يتفقّدون آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

لا يزالُ الغموض يلُفّ تفاصيل الضربات الصاروخية التي نفّذتها الولايات المتحدة ضد تنظيم «داعش» في نيجيريا، الخميس، وأسباب اختيار ولاية سوكوتو، الواقعة شمال غربي البلاد، رغم أن معاقل التنظيمات الإرهابية تتركز في شمال شرقي البلاد.

وزاد من الغموض تباين الروايتين الأميركية والنيجيرية، بالإضافة إلى أن البلدين لم يكشفا تفاصيل حول من، أو ماذا، أُصيب فعلياً خلال الضربات، رغم اتفاقهما على أن المستهدف هو تنظيم «داعش».

وفي محاولة لتوضيح هذه المعطيات، قال متحدث باسم الرئيس النيجيري، السبت، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن الضربات الجوية الأميركية التي نُفذت الخميس في نيجيريا استهدفت مسلحين من تنظيم «داعش» قدموا من منطقة الساحل للتعاون مع جماعة إرهابية محلية تُدعى «لاكوراوا» وعصابات من «قطاع الطرق».

وأضاف دانيال بوالا، المتحدث باسم الرئيس بولا تينوبو: «لقد وجد تنظيم (داعش) وسيلة للمرور عبر منطقة الساحل من أجل تقديم المساعدة لـ(لاكوراوا) ولقطاع الطرق، من خلال تزويدهم بالمعدات وتقديم التدريب لهم».

بدوره، قال وزير الإعلام النيجيري، محمد إدريس، في وقت متأخر من مساء الجمعة، إن الضربات «استهدفت عناصر من (داعش) كانت تحاول التسلل إلى نيجيريا عبر ممر الساحل».

مجموعة «لاكوراوا»

في تقرير نشرته صحيفة «بريميوم تايمز» النيجيرية، قالت إنَّ ولاية سوكوتو تعاني من نشاط العصابات وقطاع الطرق أكثر من التنظيمات الإرهابية، مشيرة إلى أن الضربات الأميركية استهدفت مجموعة «لاكوراوا»، وهي مجموعة استعان بها زعماء محليون عام 2017 لمواجهة قطاع الطرق.

صورة مأخوذة من فيديو نشرته وزارة الحرب الأميركية تُظهر إطلاق صاروخ من سفينة عسكرية في موقع غير محدد يوم 25 ديسمبر (رويترز)

واستندت الصحيفة إلى دراسة نشرها عام 2022 مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت (CTC)، هو مركز بحثي وأكاديمي تابع للأكاديمية العسكرية الأميركية في ويست بوينت بولاية نيويورك، أكدت أن «عناصر (لاكوراوا) قدموا من مالي»، وأوضحت الدراسة أن زعماء محليين «ساهموا في توسع الجماعة عبر دعمها مالياً، ومنحها الأبقار والدعم اللوجيستي بالأسلحة». وذكر المصدر نفسه أن الشرطة النيجيرية آنذاك قلّلت من شأن المجموعة المسلحة، ووصفت عناصرها بأنهم «رعاة غير عنيفين» هاجروا بحثاً عن الماء لماشيتهم، غير أن الجماعة سرعان ما بدأت تفرض قوانينها في المنطقة، وقتلت أحد الزعماء المحليين حين رفض تسديد ديون.

وفي الولاية ذات الأغلبية المسلمة، حظرت المجموعة استهلاك الكحول والاستماع للموسيقى، وفرضت الضرائب على الرعاة المحليين، ثم تطور الأمر نحو شن هجمات مسلحة ضد مواقع الجيش على الحدود مع النيجر، ليبدأ البلدان دوريات مشتركة لمواجهة المجموعة المسلحة عام 2018.

وبعد الانقلاب العسكري في النيجر عام 2023، وتوقف الدوريات المشتركة على الحدود مع نيجيريا، زادت جرأة جماعة «لاكوراوا» لتتوسع أنشطتها نحو ولاية كيبي، وتشن هجمات ضد مواقع للشرطة وشركات محلية.

صلات مع «داعش» و«القاعدة»

رغم الخطر الذي تمثله هذه المجموعة المسلحة، تبقى الشكوك كبيرة حول ارتباطاتها الخارجية، في الوقت الذي يرى فيها كثير من الخبراء مجرد مجموعة من المرتزقة وقطاع الطرق، فإن هنالك خلافاً حول علاقتها بتنظيمَي «داعش» و«القاعدة».

دراسة مركز «ويست بوينت»، التي أجراها مورتالا رُفَعي وجيمس بارنيت وعبد العزيز عبد العزيز، أكّدت أن «لاكوراوا» مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، خصوصاً «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التي تتمركز في دولة مالي.

إلا أن بارنيت خلص في أبحاثه الأخيرة إلى أن «لاكوراوا» باتت الآن مرتبطة بـ«ولاية الساحل» التابعة لـ«داعش»، وأوضح أنه «نظراً لتداخل التحالفات الإرهابية في منطقة الساحل، قد يكون بعض الأعضاء الأصليين في (لاكوراوا) مرتبطين بـ(نصرة الإسلام والمسلمين)، لكنهم اليوم أشد ارتباطاً بولاية الساحل التابعة لـ(داعش)».

في المقابل، أكد مالك صموئيل، الباحث في مؤسسة «الحوكمة الرشيدة في أفريقيا»، في منشور على منصة «إكس»، أن «لاكوراوا» أقرب إلى «القاعدة»، في إشارة إلى «نصرة الإسلام والمسلمين»، ثم أضاف: «لم أرَ أي دليل يشير إلى وجود صلة بـ(داعش)».

تباين وشكوك

رغم حديث الأميركيين والنيجيريين عن استهداف تنظيم «داعش»، فإن عدداً من السكان المحليين في المنطقة التي استهدفتها الضربات الأميركية عبّروا عن استغرابهم. وقال أحد السكان، يُدعى هارونا كالح، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «فوجئنا لأن هذه المنطقة لم تكن يوماً معقلاً للجماعات المسلحة».

آثار الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

وذكر آخرون أن الصواريخ الأميركية سقطت في حقول خالية، ولم تسفر عن أي خسائر بشرية، وأن قرية جابو التي تضررت من حطام الصواريخ الأميركية، كانت بمنأى نسبياً عن العنف. وقالوا إن آخر هجوم نفّذه مسلحون وقع قبل عامين.

وأظهرت لقطات بثّها التلفزيون النيجيري قطعاً من معدن محترق فيما بدا أرضاً زراعية.

سكان يحتشدون في موقع الضربة الأميركية بقرية جابو يوم 26 ديسمبر (رويترز)

في المقابل، قالت نيجيريا إن الهدف كان «جيوباً إرهابية»، مشيرة إلى أن المواقع المستهدفة «كانت تُستخدم نقاط تجمع وانطلاق لعناصر (داعش) الأجنبية المتسللة إلى نيجيريا». إلا أن بعض المحللين النيجيريين شككوا في الرواية الرسمية، معتبرين أن اختيار ولاية سوكوتو هدفاً يثير الاستغراب، وأن ولايات أخرى، مثل النيجر وكيبي في الشمال الغربي، وبورنو في الشمال الشرقي حيث ينشط تاريخياً تنظيم «بوكو حرام»، شهدت مستويات أعلى بكثير من العنف.

خصوصية سوكوتو

قال مصطفى جيمبو، محلل أمني، إن اختيار سوكوتو «موضع تساؤل كبير». وأضاف أن الولاية تعاني أساساً من قطاع الطرق أكثر من الإرهاب الذي يستهدف المسيحيين، الذين يكادون يكونون غير موجودين في هذه الولاية ذات الغالبية المسلمة.

واعتبر أنها ليست من «بؤر الإرهاب» في البلاد، بل هي «جيب ذو غالبية مسلمة ومقر الخلافة السوكوتية التاريخي، ومركز روحي للإسلام في نيجيريا».

وكانت «خلافة سوكوتو» كياناً سياسياً ودينياً بالغ النفوذ في غرب أفريقيا، تأسّس عام 1804، وتحوّل خلال القرن التاسع عشر إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات في أفريقيا من حيث المساحة والنفوذ. واستمر نفوذ «الخلافة» حتى مطلع القرن العشرين، قبل أن تسقط فعلياً عام 1903 إثر الاستعمار البريطاني لشمال نيجيريا. ولا يزال الإرث الديني والسياسي لـ«خلافة سوكوتو» حاضراً، وذا رمزية كبيرة بين مسلمي شمال نيجيريا وغرب أفريقيا.

دمار خلّفته الضربة الأميركية في قرية أوفا يوم 27 ديسمبر (أ.ف.ب)

في هذا السياق، تداولت صحف نيجيرية تصريحات أدلى بها قائد متقاعد في الجيش الأميركي، يدعى بيش جونسون، قال فيها إن ولاية سوكوتو تحديداً ارتبطت في الذهن الأميركي أخيراً ببؤرة لاستهداف المسيحيين. وقال جونسون: «المشكلة أكثر تعقيداً (...) هناك أيضاً مسألة تطبيق الشريعة في شمال نيجيريا. وللأسف رأينا ما حدث في ولاية سوكوتو، حيث قُتلت شابة تُدعى ديبورا صامويل رجماً وفي وضح النهار على يد زملائها (في عام 2022)»، بعد أن اتّهموها بالإساءة لمقدسات الإسلام، في صوتيات متداولة على تطبيق «واتساب».

وأضاف جونسون: «حتى الآن، لم يُقدَّم أيّ من المسؤولين عن مقتل تلك الشابة البريئة إلى العدالة. هذه بعض القضايا التي يراقبها الأميركيون، ولهذا يصفون ما يجري بأنه اضطهاد ديني».

وربط النيجيريون بين الحادثة والضربات الأميركية، خصوصاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمّد أن تتزامن الضربة مع احتفال المسيحيين بعيد الميلاد. وسبق أن رفض وزير خارجية نيجيريا، يوسف توغار، بشدة أن تكون الضربات الأميركية «قد حملت أي دلالات دينية»، رغم أن الرئيس الأميركي في إعلانه لتنفيذ الضربة قال إنها استهدفت «حثالة إرهابيي تنظيم (داعش) الذين يستهدفون ويقتلون بوحشية، في المقام الأول، المسيحيين الأبرياء».


مقالات ذات صلة

المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترمب في كتابات لعائلته

الولايات المتحدة​ كول توماس ألين قيد الاحتجاز بعد محاولته دخول قاعة الحفل حاملًا أسلحة نارية وسكاكين خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض (د.ب.أ)

المتهم بإطلاق النار عبر عن استيائه من ترمب في كتابات لعائلته

انتقد المتهم بإطلاق النار في حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض سياسات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأشار إلى نفسه بلقب «قاتل اتحادي ودود».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الملك البريطاني تشارلز (يمين) والرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدثان في مأدبة رسمية بقلعة وندسور (أ.ب)

قصر بكنغهام: زيارة الملك تشارلز إلى أميركا ستجري كما هو مقرر

أعلن قصر بكنغهام أن الزيارة التي سيقوم بها الملك تشارلز ملك بريطانيا وقرينته كاميلا إلى الولايات ‌المتحدة لمدة أربعة ‌أيام ستجري ‌كما هو مقرر لها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ترمب: مهاجم حفل مراسلي البيت الأبيض كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية»

قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إنّ المشتبه فيه الذي أُلقي القبض عليه بعد محاولته اقتحام عشاء «رابطة مراسلي البيت الأبيض»، كتب بياناً «مناهضاً للمسيحية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخزانة سكوت بيسنت خلال جلسة استماع في الكونغرس يوم 22 أبريل (رويترز)

واشنطن تتأرجح بين تصعيد العقوبات وتمديد الإعفاءات في حرب إيران

انتقد الديمقراطيون رفع العقوبات على النفط الإيراني والروسي، وطالبوا الإدارة بتوضيح استراتيجيتها الاقتصادية.

آلان رابيبورت (واشنطن) أفرات ليفني (واشنطن)
الاقتصاد تيليس يتحدث إلى وسائل الإعلام في يوم جلسة استماع لجنة الخدمات المصرفية لتثبيت وارش (رويترز)

الضوء الأخضر لمرشح ترمب... تيليس ينهي «حصار» وارش بعد إغلاق ملف باول

أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس أنه سيتخلّى عن معارضته تثبيت مرشح الرئيس دونالد ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
TT

مقتل «رجل موسكو» في جمهورية مالي


وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)
وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

لقي وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، مصرعه في هجوم شنته «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، السبت، على العاصمة المالية باماكو.

ويشكّل مقتل كامارا (47 عاماً) ضربة موجعة للمجلس العسكري الحاكم في مالي، إذ يُعدّ أحد «الخمسة الكبار». كما يُعدّ العقل المدبر وراء استبدال الشراكة مع روسيا بالنفوذ الفرنسي، حيث تلقّى تدريباً عسكرياً متقدماً في روسيا قبل «انقلاب 2020» بوقت قصير، وعاد إلى مالي قبيل تنفيذ الانقلاب بأيام؛ مما أثار تكهّنات حينها بشأن دور روسي في التخطيط للتحرك.

وفي كيدال، شمال البلاد، أعلن المتمرّدون الطوارق، أمس، التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من المدينة التي قالوا إنهم صاروا يسيطرون عليها «بالكامل».


42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
TT

42 قتيلاً على الأقل في اشتباكات عرقية في شرق تشاد

مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)
مسافرون في محطة نقل بمدينة الطينة شرق تشاد (رويترز)

قُتل 42 شخصا على الأقل في اشتباكات بين جماعتين عرقيتين في شرق تشاد، وفق ما أعلن مسؤول حكومي الأحد.

وقال المسؤول الحكومي إن الاشتباكات التي وقعت السبت في غيريدا بإقليم وادي فيرا أجّجها نزاع حول بئر.

وتوجّه إلى المنطقة الأحد وزراء وكبار المسؤولين المحليين ورئيس أركان الجيش.

وقال نائب رئيس الوزراء المكلّف الإدارة الإقليمية واللامركزية ليمان محمد، في حديث للتلفزيون الرسمي «إن الوضع تحت السيطرة».

على مدى سنوات، شهد شرق تشاد نزاعات بين مزارعين ورعاة ماشية من البدو العرب، وتفاقمت التوترات بفعل النزوح الكثيف هربا من النزاع في السودان المجاور.

وتفيد تقديرات مجموعة الأزمات الدولية غير الحكومية، بأن النزاعات بين المزارعين والرعاة أوقعت أكثر من ألف قتيل وألفي جريح بين العامين 2021 و2024.


ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ماذا يعني سقوط كيدال في يد المتمردين الطوارق؟

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)
قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

احتفل المتمردون الطوارق، الأحد، بالعودة إلى مدينة كيدال، والسيطرة عليها «بالكامل»، وذلك بعد 3 سنوات من خروجهم منها على يد الجيش المالي المدعوم من روسيا. وتداول ناشطون من الطوارق مقاطع فيديو لانسحاب القوات الروسية من المدينة، وإنزال علم مالي ورفع علم «إقليم أزواد» بدلاً منه.

مدينة كيدال، التي يبلغ تعداد سكانها 55 ألف نسمة، ظلت عقوداً بؤرة الصراع المستمر بين سلطات باماكو والمتمردين الطوارق، وظلت السيطرة عليها عنوانَ النفوذ والسلطة في شمال مالي. فما قصة هذه المدينة النائية والنائمة في حضن الجبال بقلب الصحراء الكبرى؟

معقل التمرد

منذ استقلال دولة مالي عن فرنسا عام 1960، ومدينة كيدال تتأرجح بين السلطات المركزية في العاصمة باماكو التي تبعد أكثر من 1500 كيلومتر إلى الجنوب، ونفوذ حركات الطوارق المسلحة التي تسعى إلى الحصول على حكم ذاتي في إقليم أزواد بالشمال، الذي يمثل ثلثي مساحة مالي.

يقول الطوارق إن مدينة كيدال كانت مركزاً لمقاومة الاستعمار الفرنسي القادم من الجنوب، ويعتقدون أن تبعية كيدال لباماكو فكرة موروثة عن الاستعمار الفرنسي. وأعلنوا التمرد مباشرة بعد الاستقلال، ولكن الرئيس المالي آنذاك، موديبو كيتا، قضى على ثورتهم بعنف بدعم من الاتحاد السوفياتي.

رغم ذلك، فإن مدينة كيدال ظلّت ذات رمزية تاريخية كبيرة في قلوب الطوارق، حيث تعدّ بالنسبة إليهم «المركز الروحي والسياسي»، خصوصاً بالنسبة إلى قبائل إيفوغاس ذات الحضور القوي في منطقة الصحراء الكبرى، وصاحبة التأثير والنفوذ في شمال مالي.

ينحدر من مدينة كيدال ومن قبائل إيفوغاس أغلب قادة حركات التمرد. ومن أشهر هؤلاء؛ إياد أغ غالي، زعيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، الموالية لتنظيم «القاعدة»، التي ضربت السبت العاصمة باماكو ودبّرت عملية اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا.

المدينة المحصنة

توصف مدينة كيدال بأنها قلعة حصنتها الطبيعة، حيث تقعُ في قلب سلسلة جبال آدرار إيفوغاس؛ وذلك نسبة إلى القبيلة المعروفة، وقد منحتها هذه الجبال أهمية استراتيجية وعسكرية كبيرة في منطقة الصحراء الكبرى.

جعلت هذه التضاريس الوعرة من كيدال حصناً طبيعياً يصعب اختراقه عسكرياً، واستُخدمت لعقود قاعدةً خلفية للمقاتلين، ومخبأَ استراتيجياً للجماعات المسلحة بعيداً عن أعين الرقابة الجوية والبرية. كما تزيد قيمة المدينة عسكرياً بسبب وجود مطار عسكري فيها، بالإضافة إلى قربها من قاعدة «تيساليت» الاستراتيجية؛ مما يعني أن من يسيطر على كيدال فهو يسيطر على خطوط الإمداد الجوي والبري في شمال مالي، ويتحكم في الطريق المؤدية إلى الحدود مع الجزائر والنيجر.

رمزية السيادة

بدا رفع العلم المالي في كيدال رمزاً لاستعادة السيادة الكاملة، حيث ظلّت كيدال خارج سلطة الدولة المركزية لأكثر من عقد (2012 - 2023)، وعُدّت استعادتها من قبل الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 «انتصاراً تاريخياً» لسياسة المجلس العسكري الحاكم.

وخلال الفترة من 2012 حتى 2023، شكلت مدينة كيدال معقل «تنسيقية الحركات المسلحة المتمردة»، رغم وجود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والجيش الفرنسي، إلا إن الجيش المالي ظل غير مسموح له بدخولها؛ مما أسهم في تعثر تنفيذ «اتفاق المصالحة» الموقع في الجزائر عام 2015.

وظلت باماكو ترى في الوضع الخاص لمدينة كيدال حجر عثرة أمام تنفيذ الاتفاق؛ لأن الحكومة المالية ترى أن بقاء كيدال تحت سيطرة الحركات المسلحة هو «دولة داخل الدولة»؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار الاتفاق رسمياً.

برميل بارود

تُلخّص كيدال كلّ تعقيدات مالي... فرغم أنها المعقل التاريخي والسياسي للمتمردين الطوارق، فإنها أيضاً كانت منطقة تداخل مع الحركات الإرهابية، حيث تعايشت فيها حركات متمردة «علمانية» وأخرى متطرفة مرتبطة بفكر «القاعدة»، خصوصاً حركة «أنصار الدين» التي تحوّلت فيما بعد إلى «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

وكان الموقف المعادي للسلطات المركزية في باماكو، هو المشترك ما بين هذه الجماعات المتناقضة، وفي بعض الأحيان لم يكن كافياً لتحقيق التعايش، فاندلعت مواجهات مسلحة في المدينة بين الطرفين، كشفت عن هشاشة التوازنات في المدينة.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز التوازنات القبلية والعرقية الحساسة في المدينة، حيث إن السيطرة عليها تتطلب تفاهماً مع زعماء القبائل المحليين، وأي محاولة لتغيير ديموغرافيتها أو فرض سلطة عسكرية خارجية تُقابل بمقاومة اجتماعية شرسة تتجاوز العمل العسكري. كل هذه التعقيدات تجعل من كيدال «برميل بارود» في منطقة مشتعلة. وما يزيد من تعقيد الوضع أنها تحولت نقطةَ عبور رئيسية لشبكات التهريب العابرة للصحراء، لينمو في المدينة اقتصاد التهريب والإرهاب والتنقيب عن الذهب، وهو اقتصاد لا يريد الفاعلون فيه أي نوع من الاستقرار أو السلطة المركزية.