باريس تُعدّل استراتيجيتها في أفريقيا مع استمرار انسحابها العسكري من القارّة

السنغال رحّلت القوة الفرنسية «ودياً»... وساحل العاج على الطريق

الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
TT

باريس تُعدّل استراتيجيتها في أفريقيا مع استمرار انسحابها العسكري من القارّة

الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)

صفحة جديدة من علاقات فرنسا مع القارة الأفريقية طُويت هذا الأسبوع، لتنضمّ إلى صفحات سابقة تناثرت تباعاً وكلها لانحسار نفوذ باريس في هذه القارة التي كانت حاضرة في العديد من بلدانها بوصفها دولة مستعمرة في القرن التاسع عشر، وحتى ستينات القرن الماضي، ثم دولة «وصية» بعد حصول هذه البلدان على استقلالها.

وآخر من رغب في التخلّص من الوجود العسكري الفرنسي كانت السنغال، الدولة التي كانت تعيش سابقاً في حضن باريس زمن رئاسة ماكي سال الذي كان كثير القرب من باريس. ولكن مع خروجه من السلطة، ووصول بصيرو ديوماي إلى القصر الجمهوري في 2 أبريل (نيسان) من العام الماضي، انقلبت الأمور رأساً على عقب. فالرئيس الجديد لم يُخفِ، خلال حملته الانتخابية وبعد وصوله إلى الرئاسة، رغبته في إحداث تغيير جذري في علاقات بلاده مع باريس. فأعلن في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي عن رغبته في وضع حدٍّ لجميع أشكال الوجود العسكري الأجنبي على أراضي السنغال خلال عام 2025. وفي رسالة واضحة مُوجّهة لفرنسا، شدّد ديوماي على أن «السنغال دولة مستقلة، وهي دولة ذات سيادة، والسيادة لا تتوافق مع وجود قواعد عسكرية في بلد ذي سيادة».

زمن الرحيل عن أفريقيا

ارتدى الوجود العسكري الفرنسي في السنغال حُلّة جديدة في عام 1960، أي في العام الذي حصلت فيه دكار على استقلالها. ومنذ ذلك التاريخ، شكّلت اتفاقيات التعاون الثنائي، وبينها الدفاعية، قاعدته القانونية، وكان الهدف «الرسمي» منه المساعدة على بناء الجيش الوطني السنغالي. لكن الغرض «الحقيقي» كان، إلى حدّ كبير، المحافظة على الأنظمة القائمة الموالية لفرنسا، والتمكّن من الإبقاء على «هيمنة» باريس على الدول المستقلة حديثاً كالسنغال، وكما هي الحال في الدول الأفريقية الأخرى التي خرجت تباعاً من العباءة الاستعمارية الفرنسية.

لكنها جميعاً قبلت إبرام اتفاقات دفاعية تتيح المحافظة على القواعد العسكرية الفرنسية، ما يُوفّر لباريس القدرة على التأثير على قرارات هذه الدول، ومن ثمّ الدفاع عن المصالح الفرنسية.

هذا كان في الماضي. أما اليوم، فإن الوجود العسكري الفرنسي «الدائم» في السنغال قد انتهى الخميس، مع تسليم «معسكر جيل» وهو أكبر المقرات العسكرية الفرنسية وموقعه في العاصمة دكار، إلى الجيش الوطني في احتفال رسمي. والأمر نفسه ينطبق على المنشأة العسكرية من مطار العاصمة الذي كانت تشغله القوة الفرنسية.

وحرص الطرفان على إعطاء عملية التسليم والتسلم طابعاً رسمياً، إذ إنها تمّت بحضور رئيس أركان الجيش السنغالي الجنرال مباي سيسيه، والقائد الفرنسي في أفريقيا الجنرال باسكال إياني. وقال الأول إن «الهدف الأساسي من الاستراتيجية هو ترسيخ استقلالية القوات المسلحة السنغالية، مع الإسهام في تعزيز السلام على مستوى الإقليم، وأفريقيا، والعالم». وأضاف أن الانسحاب يدعم استراتيجية بلاده الدفاعية الجديدة. وقال الثاني إن «خطوة (الانسحاب) تندرج ضمن قرار فرنسا بإنهاء وجود قواعد عسكرية دائمة لها في غرب ووسط أفريقيا، وتلبية لرغبة السلطات السنغالية في عدم الإبقاء على قوات أجنبية دائمة على أراضيها».

سلسلة انسحابات

تُشكّل السنغال آخر حلقة من سلسلة الانسحابات الفرنسية من غرب أفريقيا ومن منطقة الساحل. بيد أن هناك فارقاً مُهمّاً يُميّز السنغال عن بلدان الساحل. فالسنغال لا يريد القطيعة الجذرية مع باريس، وتجنّب تكرار التجربة التي عرفتها فرنسا مع مستعمراتها السابقة في منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) التي طلبت خروج القوات الفرنسية من أراضيها عقب الانقلابات العسكرية التي عرفتها.

قوات سنغالية خلال مراسم تسليم القاعدة العسكرية بدكار في 17 يوليو (أ.ف.ب)

وتمت عمليات الخروج في العامين 2022 و2023، وذلك بناء على طلب من المجالس العسكرية التي تسلمت الحكم وسط خلافات عميقة مع فرنسا. وبعد هذه الدول الثلاث، جاء دور تشاد التي نقضت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي اتفاقية الدفاع القائمة بين نجامينا وباريس، وتمت عملية الانسحاب الفرنسية من ثلاث قواعد رئيسية هي (فايا لارجو، أبيشيه، نجامينا) بداية العام الحالي.

وكانت خسارة تشاد شديدة الوقع على فرنسا، لأن قواعدها الثلاث وفّرت الفرصة لإبقاء قواتها في المنطقة عقب انسحابها من الدول الثلاث المذكورة سابقاً. وعتبت باريس على الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، الذي غضّت باريس الطرف عن كيفية وصوله غير الديمقراطية إلى السلطة عقب مقتل والده إدريس ديبي في شمال البلاد خلال معارك مع متمردين. كذلك، فقد زار ديبي الابن باريس أكثر من مرة. رغم ذلك، فقد ركب موجة التحرر من الوصاية الفرنسية.

«الشرطي الأفريقي»

قياساً على ما سبق، فإن الخروج من السنغال جاء أكثر ودّاً وبتفاهم بين الطرفين. ففي شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، تم تشكيل لجنة مشتركة عملت على برمجة وتنظيم عملية الانسحاب والبدء بنقل المنشآت إلى القيادة السنغالية. وفي الشهر التالي، تسلّم الطرف السنغالي ثلاث قواعد (قاعدة مارشال وسان أكزوبيري وروفيسك) لتنتهي عملية الانسحاب، مع تسليم قاعدة «جيلي» الرئيسية في دكار. وشدّد الرئيس السنغالي، بهذه المناسبة، على أن الانسحاب ليس قطيعة بل للبحث عن «شراكة متجددة».

رئيس أركان القوات المسلحة السنغالية ورئيس قيادة الجيش الفرنسي خلال مراسم تسليم القاعدة العسكرية بدكار في 17 يوليو (أ.ف.ب)

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فساحل العاج يريد أيضاً خروج القوات الفرنسية، وقد بدأ بالفعل في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي من خلال تسليم قاعدة «بور بويت» للعاجيين، وثمة برمجة لانسحابات أخرى.

ومع إتمام هذه العمليات، لم يتبقّ لفرنسا سوى قاعدة رئيسية جوية وبحرية في جيبوتي، المستعمرة السابقة، حيث تنشر 1500 جندي. وهذه القاعدة تُعدّ استراتيجية بفضل موقعها على مدخل البحر الأحمر. وتؤكد باريس أنها لعبت دوراً في حماية هذا الممرّ البحري الحيوي للتجارة العالمية. كذلك لباريس حضور عسكري ضعيف في الغابون.

دفع توالي النكسات فرنسا لإعادة النظر في استراتيجيتها الأفريقية، بحثاً عن الحفاظ عن مصالحها. وتشكو باريس من الدور المُسيء الذي تلعبه روسيا لضرب المصالح الفرنسية، ولما تقوم به ميليشيات «فاغنر» في دول المنطقة التي تعاني من مشاكل أمنية وتمدّد المنظمات الإرهابية، التي كانت باريس تُؤكّد أن أحد أسباب وجودها كان تحديداً محاربة التنظيمات الإرهابية.

وبما أن هذه السردية لم تعُد مقنعة، فإن باريس تقترح مقاربة مختلفة لإعادة تموضعها في أفريقيا تقوم على مفهوم «التعاون المرن»، والتركيز على التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم الذي يطلب منها. وبكلام آخر، تريد باريس قلب صفحة الحضور العسكري البارز، وصورة «الشرطي الأفريقي» لتعاون أكثر سلاسة ويتجاوب مع حاجات هذه البلدان، فيما المنافسة من أطراف أخرى (الصين، روسيا، تركيا، إسرائيل وأيضا الولايات المتحدة) تستقوي يوماً بعد يوم.


مقالات ذات صلة

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

حذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران، الاثنين، من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها، عقب حادثة «فيرفورد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
بروفايل نضال حسن يظهر بعد نقله من مركز بروك الطبي العسكري في سان أنطونيو إلى سجن مقاطعة بيل في بيلتون بولاية تكساس 9 أبريل 2010 (أ.ف.ب)

بروفايل أول إعدام بـ«البث المباشر» في أميركا... نضال حسن من عيادة النفس إلى طابور الموت

«شاشة الموت» تترقب نضال حسن... ترمب يصادق على أول إعدام عسكري افتراضي ومباشر بالرصاص في تاريخ أميركا منذ الحرب العالمية الثانية.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا قاذفة «بي - 1 لانسر» تابعة لسلاح الجو الأميركي في قاعدة فيرفورد الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

حادثة جديدة في قاعدة عسكرية تفاقم المخاوف الأمنية ببريطانيا

إلى جانب حادثتي «فيرفورد» و«مولسورث» مثل بحّار في البحرية الملكية أمام القضاء بتهمة التخطيط لتسريب معلومات إلى قوة أجنبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ السيناتور الأميركي كريس ميرفي (ديمقراطي عن ولاية كونيتيكت) يتحدث إلى الصحافيين في مبنى الكابيتول بالعاصمة الأميركية واشنطن يوم 30 سبتمبر 2026 (رويترز)

سيناتور أميركي ديمقراطي: البنتاغون منعني من دخول قاعدة عسكرية في قطر

قال السيناتور الديمقراطي الأميركي كريس ميرفي إن وزارة الدفاع (البنتاغون) منعته من دخول قاعدة عسكرية أميركية رئيسية في قطر خلال زيارة للشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
أوروبا قاذفة «بي-1 لانسر» تابعة للقوات الجوية الأميركية على أرض قاعدة «فيرفورد» الجوية جنوب غربي إنجلترا يوم 27 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

توقيف رجل في بريطانيا على خلفية واقعة قاعدة «فيرفورد»

أعلنت الشرطة البريطانية توقيف رجل يبلغ من العمر 22 عاماً، للاشتباه في ارتكابه جريمة إرهابية، وذلك على خلفية حادث وقع في قاعدة جوية تديرها الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.