باريس تُعدّل استراتيجيتها في أفريقيا مع استمرار انسحابها العسكري من القارّة

السنغال رحّلت القوة الفرنسية «ودياً»... وساحل العاج على الطريق

الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
TT

باريس تُعدّل استراتيجيتها في أفريقيا مع استمرار انسحابها العسكري من القارّة

الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)
الجنرال باسكال إياني قائد القوات الفرنسية في أفريقيا متوجهاً للمشاركة في احتفالية تسليم وتسلم قاعدة «جيلي» في العاصمة دكار (رويترز)

صفحة جديدة من علاقات فرنسا مع القارة الأفريقية طُويت هذا الأسبوع، لتنضمّ إلى صفحات سابقة تناثرت تباعاً وكلها لانحسار نفوذ باريس في هذه القارة التي كانت حاضرة في العديد من بلدانها بوصفها دولة مستعمرة في القرن التاسع عشر، وحتى ستينات القرن الماضي، ثم دولة «وصية» بعد حصول هذه البلدان على استقلالها.

وآخر من رغب في التخلّص من الوجود العسكري الفرنسي كانت السنغال، الدولة التي كانت تعيش سابقاً في حضن باريس زمن رئاسة ماكي سال الذي كان كثير القرب من باريس. ولكن مع خروجه من السلطة، ووصول بصيرو ديوماي إلى القصر الجمهوري في 2 أبريل (نيسان) من العام الماضي، انقلبت الأمور رأساً على عقب. فالرئيس الجديد لم يُخفِ، خلال حملته الانتخابية وبعد وصوله إلى الرئاسة، رغبته في إحداث تغيير جذري في علاقات بلاده مع باريس. فأعلن في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي عن رغبته في وضع حدٍّ لجميع أشكال الوجود العسكري الأجنبي على أراضي السنغال خلال عام 2025. وفي رسالة واضحة مُوجّهة لفرنسا، شدّد ديوماي على أن «السنغال دولة مستقلة، وهي دولة ذات سيادة، والسيادة لا تتوافق مع وجود قواعد عسكرية في بلد ذي سيادة».

زمن الرحيل عن أفريقيا

ارتدى الوجود العسكري الفرنسي في السنغال حُلّة جديدة في عام 1960، أي في العام الذي حصلت فيه دكار على استقلالها. ومنذ ذلك التاريخ، شكّلت اتفاقيات التعاون الثنائي، وبينها الدفاعية، قاعدته القانونية، وكان الهدف «الرسمي» منه المساعدة على بناء الجيش الوطني السنغالي. لكن الغرض «الحقيقي» كان، إلى حدّ كبير، المحافظة على الأنظمة القائمة الموالية لفرنسا، والتمكّن من الإبقاء على «هيمنة» باريس على الدول المستقلة حديثاً كالسنغال، وكما هي الحال في الدول الأفريقية الأخرى التي خرجت تباعاً من العباءة الاستعمارية الفرنسية.

لكنها جميعاً قبلت إبرام اتفاقات دفاعية تتيح المحافظة على القواعد العسكرية الفرنسية، ما يُوفّر لباريس القدرة على التأثير على قرارات هذه الدول، ومن ثمّ الدفاع عن المصالح الفرنسية.

هذا كان في الماضي. أما اليوم، فإن الوجود العسكري الفرنسي «الدائم» في السنغال قد انتهى الخميس، مع تسليم «معسكر جيل» وهو أكبر المقرات العسكرية الفرنسية وموقعه في العاصمة دكار، إلى الجيش الوطني في احتفال رسمي. والأمر نفسه ينطبق على المنشأة العسكرية من مطار العاصمة الذي كانت تشغله القوة الفرنسية.

وحرص الطرفان على إعطاء عملية التسليم والتسلم طابعاً رسمياً، إذ إنها تمّت بحضور رئيس أركان الجيش السنغالي الجنرال مباي سيسيه، والقائد الفرنسي في أفريقيا الجنرال باسكال إياني. وقال الأول إن «الهدف الأساسي من الاستراتيجية هو ترسيخ استقلالية القوات المسلحة السنغالية، مع الإسهام في تعزيز السلام على مستوى الإقليم، وأفريقيا، والعالم». وأضاف أن الانسحاب يدعم استراتيجية بلاده الدفاعية الجديدة. وقال الثاني إن «خطوة (الانسحاب) تندرج ضمن قرار فرنسا بإنهاء وجود قواعد عسكرية دائمة لها في غرب ووسط أفريقيا، وتلبية لرغبة السلطات السنغالية في عدم الإبقاء على قوات أجنبية دائمة على أراضيها».

سلسلة انسحابات

تُشكّل السنغال آخر حلقة من سلسلة الانسحابات الفرنسية من غرب أفريقيا ومن منطقة الساحل. بيد أن هناك فارقاً مُهمّاً يُميّز السنغال عن بلدان الساحل. فالسنغال لا يريد القطيعة الجذرية مع باريس، وتجنّب تكرار التجربة التي عرفتها فرنسا مع مستعمراتها السابقة في منطقة الساحل الأفريقي (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، تشاد) التي طلبت خروج القوات الفرنسية من أراضيها عقب الانقلابات العسكرية التي عرفتها.

قوات سنغالية خلال مراسم تسليم القاعدة العسكرية بدكار في 17 يوليو (أ.ف.ب)

وتمت عمليات الخروج في العامين 2022 و2023، وذلك بناء على طلب من المجالس العسكرية التي تسلمت الحكم وسط خلافات عميقة مع فرنسا. وبعد هذه الدول الثلاث، جاء دور تشاد التي نقضت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي اتفاقية الدفاع القائمة بين نجامينا وباريس، وتمت عملية الانسحاب الفرنسية من ثلاث قواعد رئيسية هي (فايا لارجو، أبيشيه، نجامينا) بداية العام الحالي.

وكانت خسارة تشاد شديدة الوقع على فرنسا، لأن قواعدها الثلاث وفّرت الفرصة لإبقاء قواتها في المنطقة عقب انسحابها من الدول الثلاث المذكورة سابقاً. وعتبت باريس على الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، الذي غضّت باريس الطرف عن كيفية وصوله غير الديمقراطية إلى السلطة عقب مقتل والده إدريس ديبي في شمال البلاد خلال معارك مع متمردين. كذلك، فقد زار ديبي الابن باريس أكثر من مرة. رغم ذلك، فقد ركب موجة التحرر من الوصاية الفرنسية.

«الشرطي الأفريقي»

قياساً على ما سبق، فإن الخروج من السنغال جاء أكثر ودّاً وبتفاهم بين الطرفين. ففي شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، تم تشكيل لجنة مشتركة عملت على برمجة وتنظيم عملية الانسحاب والبدء بنقل المنشآت إلى القيادة السنغالية. وفي الشهر التالي، تسلّم الطرف السنغالي ثلاث قواعد (قاعدة مارشال وسان أكزوبيري وروفيسك) لتنتهي عملية الانسحاب، مع تسليم قاعدة «جيلي» الرئيسية في دكار. وشدّد الرئيس السنغالي، بهذه المناسبة، على أن الانسحاب ليس قطيعة بل للبحث عن «شراكة متجددة».

رئيس أركان القوات المسلحة السنغالية ورئيس قيادة الجيش الفرنسي خلال مراسم تسليم القاعدة العسكرية بدكار في 17 يوليو (أ.ف.ب)

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد. فساحل العاج يريد أيضاً خروج القوات الفرنسية، وقد بدأ بالفعل في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي من خلال تسليم قاعدة «بور بويت» للعاجيين، وثمة برمجة لانسحابات أخرى.

ومع إتمام هذه العمليات، لم يتبقّ لفرنسا سوى قاعدة رئيسية جوية وبحرية في جيبوتي، المستعمرة السابقة، حيث تنشر 1500 جندي. وهذه القاعدة تُعدّ استراتيجية بفضل موقعها على مدخل البحر الأحمر. وتؤكد باريس أنها لعبت دوراً في حماية هذا الممرّ البحري الحيوي للتجارة العالمية. كذلك لباريس حضور عسكري ضعيف في الغابون.

دفع توالي النكسات فرنسا لإعادة النظر في استراتيجيتها الأفريقية، بحثاً عن الحفاظ عن مصالحها. وتشكو باريس من الدور المُسيء الذي تلعبه روسيا لضرب المصالح الفرنسية، ولما تقوم به ميليشيات «فاغنر» في دول المنطقة التي تعاني من مشاكل أمنية وتمدّد المنظمات الإرهابية، التي كانت باريس تُؤكّد أن أحد أسباب وجودها كان تحديداً محاربة التنظيمات الإرهابية.

وبما أن هذه السردية لم تعُد مقنعة، فإن باريس تقترح مقاربة مختلفة لإعادة تموضعها في أفريقيا تقوم على مفهوم «التعاون المرن»، والتركيز على التدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم الذي يطلب منها. وبكلام آخر، تريد باريس قلب صفحة الحضور العسكري البارز، وصورة «الشرطي الأفريقي» لتعاون أكثر سلاسة ويتجاوب مع حاجات هذه البلدان، فيما المنافسة من أطراف أخرى (الصين، روسيا، تركيا، إسرائيل وأيضا الولايات المتحدة) تستقوي يوماً بعد يوم.


مقالات ذات صلة

«الحشد الشعبي»: انطلاق عملية لـ«فرض السيادة» بصحراء النجف وكربلاء

المشرق العربي أفراد من «الحشد الشعبي» (أرشيفية - د.ب.أ) p-circle

«الحشد الشعبي»: انطلاق عملية لـ«فرض السيادة» بصحراء النجف وكربلاء

أعلنت هيئة «الحشد الشعبي»، اليوم (الثلاثاء)، انطلاق عملية عسكرية تحمل اسم «فرض السيادة» في صحراء النجف وكربلاء، وسط تقارير عن إنشاء إسرائيل قاعدة عسكرية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
العالم الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته (أ.ب) p-circle

«الناتو»: رسالة ترمب بشأن الدفاع وصلت إلى الأوروبيين

قال مارك روته، الأمين العام لـ«الناتو»، إن الدول الأوروبية «وصلت إليها رسالة» من ترمب، وتعمل الآن على ضمان تنفيذ الاتفاقيات المتعلقة باستخدام القواعد العسكرية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة جوية لجزيرة دييغو غارسيا حيث تقع القاعدة العسكرية المشتركة بين بريطانيا والولايات المتحدة (أ.ب)

بريطانيا ستتخلى عن خطتها لتسليم جزر تشاغوس بعد معارضة ترمب

بريطانيا ستتخلى عن خطتها لتسليم جزر تشاغوس بعد معارضة وسحب ترمب دعمه ونفاد وقت التشريع الخاص بالمصادقة على الاتفاق

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يصافح وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها قبل لقائه الثنائي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي... 5 أبريل (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

خبير عسكري لـ«الشرق الأوسط»: زيلينسكي عرض شراء الفوسفات السوري

قرأ محللون في الزيارة رسائل عدة، منها ما هو موجه لروسيا بعد تغيّر موازين القوى في المنطقة.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الجانب العراقي من المعبر الحدودي بين القائم في العراق والبوكمال في سوريا (أ.ف.ب)

4 مُسيَّرات مصدرها العراق استهدفت قاعدة قسرك شمال شرقي سوريا

أفاد مصدر عسكري سوري، الثلاثاء، بأن طائرات مُسيَّرة مصدرها العراق استهدفت منطقة قاعدة قسرك، التي كانت تستضيف قوات أميركية في محافظة الحسكة، شمال شرقي البلاد.

«الشرق الأوسط» (دمشق – بغداد)

رئيس بنين الجديد يتعهد تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن

واداني يؤدي اليمين الدستورية خلال مراسم تنصيبه رئيساً لبنين بقصر المؤتمرات في مدينة كوتونو (رويترز)
واداني يؤدي اليمين الدستورية خلال مراسم تنصيبه رئيساً لبنين بقصر المؤتمرات في مدينة كوتونو (رويترز)
TT

رئيس بنين الجديد يتعهد تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الأمن

واداني يؤدي اليمين الدستورية خلال مراسم تنصيبه رئيساً لبنين بقصر المؤتمرات في مدينة كوتونو (رويترز)
واداني يؤدي اليمين الدستورية خلال مراسم تنصيبه رئيساً لبنين بقصر المؤتمرات في مدينة كوتونو (رويترز)

تعهد ‌رئيس بنين الجديد روموالد واداني في حفل تنصيبه، اليوم الأحد، بمواجهة التهديدات الأمنية المتزايدة وضمان تحويل ​النمو الاقتصادي إلى تغيرات إيجابية ملموسة في حياة الشعب، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وأظهرت نتائج أكدتها المحكمة الدستورية، اليوم، أن واداني فاز في الانتخابات التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) بعد أن حصد أكثر من 94 في المائة من الأصوات، متفوقاً على منافسه بول ‌هونكبي.

ويتقلد واداني المنصب ‌خلفاً لباتريس تالون، ​الذي ‌قاد ⁠الدولة الواقعة ​في غرب ⁠أفريقيا منذ عام 2016 وتنحى بعد فترتين رئاسيتين، بما يتماشى مع الحدود الدستورية.

ومن المتوقع أن يواصل وزير المالية السابق (49 عاماً)، الذي شغل المنصب لمدة 10 أعوام، برنامج الإصلاح الذي وضعه تالون، والذي ساعد ⁠في تحقيق نمو اقتصادي ثابت ‌وتحسين مناخ الأعمال ‌في بنين.

وقال واداني في ​خطاب تنصيبه: «يتقدم اقتصادنا. ‌هذه حقيقة. لكننا نعلم جميعاً أن النمو ‌المحلي لا معنى له إلا عندما يكون ملموساً في حياة الشعب اليومية».

وتعهد واداني بالتركيز على إتاحة فرص عمل وتوفير الخدمات الأساسية وكذلك الحماية ‌الاجتماعية.

وقال: «ينبغي أن يُلمس تطور بنين في كل مكون من مكونات ⁠المجتمع وفي ⁠كل إقليم من أراضي الجمهورية».

وأقر واداني أيضاً بتزايد التحديات الأمنية، إذ كثفت الجماعات المتطرفة المنحدرة من منطقة الساحل هجماتها في شمال بنين خلال السنوات القليلة الماضية.

وقال: «لن ترضخ بنين للخوف أو التراخي»، متعهداً بتعاون أوثق مع الدول المجاورة التي تواجه التهديد نفسه.

وكانت النيجر وبوركينا فاسو ومالي، وهي دول من منطقة الساحل الواقعة ​في قلب هذا ​التهديد، من بين عدد من الدول الممثلة في الحفل.


«إيبولا» يحصد 204 قتلى في الكونغو وسط تحذيرات من تمدُّده إقليمياً

موظفو «الصليب الأحمر» يدفنون ضحايا «إيبولا» في روامبارا يوم 23 مايو (أ.ب)
موظفو «الصليب الأحمر» يدفنون ضحايا «إيبولا» في روامبارا يوم 23 مايو (أ.ب)
TT

«إيبولا» يحصد 204 قتلى في الكونغو وسط تحذيرات من تمدُّده إقليمياً

موظفو «الصليب الأحمر» يدفنون ضحايا «إيبولا» في روامبارا يوم 23 مايو (أ.ب)
موظفو «الصليب الأحمر» يدفنون ضحايا «إيبولا» في روامبارا يوم 23 مايو (أ.ب)

أودى وباء «إيبولا» بحياة 204 أشخاص في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من أصل 867 حالة مشتبهاً بها مسجَّلة، وفق أحدث أرقام نشرتها وزارة الصحة، بينما حذَّرت السلطات الصحية الأفريقية من مخاطر تفشي الوباء في 10 دول أخرى من القارة.

وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية في 15 مايو (أيار) تفشِّي المتحوِّر «بونديبوغيو» من الفيروس المسؤول عن الوباء الحالي، والذي تصل نسبة الوفيات الناتجة عن الإصابة به إلى 50 في المائة، في غياب لقاح أو علاج له حالياً، كما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية «طارئة صحية عامة» ذات نطاق دولي لمواجهة هذه الموجة السابعة عشرة من تفشِّي الفيروس في هذا البلد الشاسع في وسط أفريقيا، الذي يزيد عدد سكانه على 100 مليون نسمة.

نسبة وفيات مرتفعة

وأودى «إيبولا» بأكثر من 15 ألف شخص في أفريقيا خلال السنوات الخمسين الماضية، مع تراوح معدل الوفيات الناتجة عنه بين 25 و90 في المائة، حسب أرقام منظمة الصحة العالمية. وتسبب التفشي الأكثر فتكاً للوباء بجمهورية الكونغو الديمقراطية في وفاة نحو 2300 شخص من أصل 3500 إصابة بين 2018 و2020.

ويتسبب الفيروس في حمى نزفية شديدة العدوى قد تؤدِّي إلى الوفاة، ولا يزال شديد الخطورة رغم لقاحات وعلاجات تم التوصل إليها مؤخراً، وتنحصر فاعليتها بفيروس «زائير» المسؤول عن القسم الأكبر من موجات تفشي المرض المسجلة في الماضي.

موظفو «الصليب الأحمر» يدفنون ضحايا «إيبولا» في روامبارا يوم 23 مايو (أ.ب)

وفي غياب لقاح وعلاج معتمد لمتحور «بونديبوغيو» من الفيروس المسؤول عن الوباء الحالي، فإن التدابير الرامية إلى احتواء انتشاره تعتمد بشكل رئيسي على الالتزام بتدابير العزل والكشف السريع عن الإصابات.

وأكدت أوغندا المحاذية للكونغو الديمقراطية، السبت، تسجيل 3 إصابات جديدة، ما يرفع العدد الإجمالي إلى 5 مصابين توفي منهم واحد. وفي الكونغو الديمقراطية، لم يُجرَ سوى عدد قليل من الفحوصات المخبرية في الوقت الحاضر، نظراً لوقوع بؤرة الوباء في منطقة نائية يصعب الوصول إليها وتنشط فيها جماعات مسلحة. وأوضحت وزارة الصحة أن عدد الوفيات المؤكدة رسمياً يبلغ 10 حالات، في حين وصل عدد الإصابات المؤكدة إلى 91 حالة.

10 دول مهددة

وحذَّر رئيس «المركز الأفريقي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها»، التابع للاتحاد الأفريقي، جان كاسيا، خلال مؤتمر صحافي في كمبالا عاصمة أوغندا، بأن هناك «10 دول مهددة» بتفشي الفيروس؛ هي: جنوب السودان، ورواندا، وكينيا، وتنزانيا، وإثيوبيا، والكونغو، وبوروندي، وأنغولا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وزامبيا؛ غير أن منظمة الصحة رأت أن خطر الوباء يبقى «منخفضاً على المستوى العالمي»، مشيرة إلى أن انتشاره قد يستمر أكثر من شهرين.

موظف صحة يقود سائقي دراجات أجرة إلى مركز فحص في مونغبالو يوم 23 مايو (رويترز)

وينتشر «إيبولا» بالكونغو الديمقراطية في 3 مقاطعات، ويتركز تحديداً في مقاطعة إيتوري المتاخمة لأوغندا وجنوب السودان في شمال شرقي البلاد، وهي مقاطعة غنية بالذهب تؤدِّي عمليات التعدين فيها إلى حركة تنقُّل كثيفة للسكان يومياً، وتشهد منذ سنوات اشتباكات بين ميليشيات محلية، ما يصعِّب الوصول إلى بعض أجزائها. وانتشر من إيتوري إلى شمال كيفو وجنوب كيفو؛ حيث تسيطر حركة «إم 23» المسلحة المناهضة للحكومة على مناطق شاسعة. وقال كاسيا إن «تنقُّل السكان وانعدام الأمن» يسهلان انتشار الوباء.

وأُرسلت عشرات الأطنان من المعدات، ونُشرت فرق لمنظمة الصحة، ولكن تنظيم الاستجابة للوباء يتأخر في إيتوري التي يُقدَّر عدد سكانها بأكثر من 8 ملايين نسمة، بينهم مليون نازح يقيمون في مخيمات مكتظة.

سيدة ترتدي كمامة في كنيسة بونيا لمنع انتشار العدوى يوم 24 مايو (أ.ف.ب)

وتم الحد من التجمعات العامة ومن حركة التنقل على الطرقات الرئيسية في المقاطعات المصابة، كما أعلنت السلطات الكونغولية تعليق الرحلات الجوية من وإلى بونيا، عاصمة إيتوري. وفي رواندا المجاورة، حظرت السلطات على المواطنين الأجانب الذين مرُّوا عبر الكونغو الديمقراطية الدخول إلى البلد، وفرضت الحجر الصحي على الروانديين القادمين من هذا البلد. وعزَّزت الولايات المتحدة تدابير المراقبة الصحية على الحدود للمسافرين جواً القادمين من الدول الأفريقية التي تسجل إصابات.

ويسجَّل هذا التفشي الجديد للوباء -وهو السابع عشر في الكونغو الديمقراطية- في وقت تعاني فيه المنظمات غير الحكومية من تراجع المساعدات الدولية، وخصوصاً من الولايات المتحدة التي انسحبت من منظمة الصحة العالمية.

استياء شعبي

وشهدت شرق الكونغو مناوشات بين الأمن وأهالي ضحايا ومصابين بـ«إيبولا» للمرة الثانية خلال أسبوع، بعدما هاجم سكان غاضبون مركزاً صحياً وأحرقوا خيمة مخصَّصة لعلاج المصابين بالفيروس، حسبما أفاد به العاملون في المركز، السبت.

عاملون طبيون يرتدون معدات وقاية شخصية لدفن مريض توفي جراء إصابته بفيروس «إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية يوم 21 مايو (رويترز)

ولم تُسجَّل إصابات جرَّاء الهجوم، لكن حالة من الذعر دفعت المرضى إلى الفرار من الموقع خلال الحريق، ما أدى إلى اختفاء 18 شخصاً يُشتبه بإصابتهم بـ«إيبولا»، حسب مدير مستشفى محلي.

وقال الدكتور ريتشارد لوكودي، مدير مستشفى مونغبالو لوكالة «أسوشييتد برس»، إن سكاناً غاضبين اقتحموا مساء الجمعة العيادة الواقعة في بلدة مونغبالو، وأضرموا النار في خيمة أقامتها منظمة «أطباء بلا حدود» لعزل الحالات المشتبه بها والمؤكدة. وأضاف: «ندين بشدة هذا العمل؛ لأنه تسبب في حالة من الهلع بين العاملين، كما أدى إلى فرار 18 حالة مشتبهاً بها إلى داخل المجتمع المحلي».

وكان مركز علاج آخر في بلدة روامبارا قد تعرَّض للحرق يوم الخميس، بعدما مُنع أفراد عائلة رجل يُشتبه في وفاته بـ«إيبولا» من استعادة جثمانه.

وتُثير إجراءات دفن ضحايا «إيبولا» حالة من الغضب والإحباط؛ إذ يمكن أن تكون جثث المتوفين شديدة العدوى، ما يزيد خطر انتشار الفيروس خلال تجهيز الجنازات والتجمعات المرتبطة بها. لهذا، تتولى السلطات -حيثما أمكن- عمليات دفن المشتبه بإصابتهم، الأمر الذي يواجه أحياناً احتجاجات من الأهالي والأقارب.

سيدة تغسل يديها خارج كنيسة لمنع انتشار العدوى قبل القدَّاس في بونيا يوم 24 مايو (أ.ف.ب)

وشهدت روامبارا، السبت، مراسم دفن جماعية لضحايا «إيبولا» وسط إجراءات أمنية مشددة، في ظل تصاعد التوتر بين العاملين الصحيين والسكان المحليين، وفق ديفيد باسيما، المسؤول في «الصليب الأحمر» المشرف على عمليات الدفن.

وراقب جنود وعناصر شرطة مسلحون مراسم الدفن، بينما كان موظفو «الصليب الأحمر»، بملابسهم الواقية البيضاء، يُنزلون توابيت مُحكمة الإغلاق إلى القبور، بينما وقف أفراد العائلات الباكون على مسافة.

وقال باسيما إن فريقه «واجه صعوبات كبيرة، بينها مقاومة من شبان وأفراد من المجتمع المحلي»، مضيفاً: «اضطررنا إلى إبلاغ السلطات للتدخل ومساعدتنا، حفاظاً على السلامة».

وفي محاولة للحد من انتشار الفيروس، حظرت السلطات في شمال شرقي الكونغو، الجمعة، إقامة مجالس العزاء والتجمعات التي يزيد عدد المشاركين فيها على 50 شخصاً.


أوغندا تؤكد 3 إصابات جديدة بفيروس «إيبولا»

شخصان يرتديان البزات الواقية خلال تجهيزهما غرفة لعزل مريضة مصابة بفيروس «إيبولا» بالكونغو (أ.ف.ب)
شخصان يرتديان البزات الواقية خلال تجهيزهما غرفة لعزل مريضة مصابة بفيروس «إيبولا» بالكونغو (أ.ف.ب)
TT

أوغندا تؤكد 3 إصابات جديدة بفيروس «إيبولا»

شخصان يرتديان البزات الواقية خلال تجهيزهما غرفة لعزل مريضة مصابة بفيروس «إيبولا» بالكونغو (أ.ف.ب)
شخصان يرتديان البزات الواقية خلال تجهيزهما غرفة لعزل مريضة مصابة بفيروس «إيبولا» بالكونغو (أ.ف.ب)

أعلنت أوغندا ​السبت، تأكيد ثلاث حالات إصابة جديدة بفيروس إيبولا، ليرتفع إجمالي ‌عدد ‌الحالات المؤكدة ​إلى ‌خمسة ⁠أشخاص.

وقالت ​وزارة الصحة ⁠في بيان إن الحالات الجديدة هي لسائق ⁠أوغندي نقل شخصاً ‌كان ‌أول ​من ‌تأكدت إصابته ‌في البلاد، بالإضافة إلى أحد العاملين في ‌قطاع الصحة والذي تعرض للفيروس ⁠في ⁠أثناء تقديم الرعاية للشخص نفسه. أما الحالة الثالثة فهي لامرأة من الكونغو.

وأكد محمد يعقوب جنابي المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا أمس الجمعة أنه ​من الخطأ الاستخفاف بالمخاطر التي يشكلها تفشي فيروس «إيبولا»، محذراً من أن حالة واحدة فقط قد تؤدي إلى انتشار الفيروس خارج جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأوغندا، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية يوم الخميس أن هناك 160 حالة ‌وفاة يشتبه ‌في أنها ناجمة عن الفيروس ​من ‌أصل ⁠670 ​حالة يشتبه ⁠في إصابتها، فضلاً عن 61 حالة مؤكدة. وأكدت السلطات حالتين في أوغندا المجاورة. وأضاف جنابي في مقابلة بمقر منظمة الصحة العالمية في جنيف: «سيكون من الخطأ الفادح الاستخفاف بذلك، خاصة مع فيروس من سلالة بونديبوجيو، التي لا ⁠يوجد لدينا لقاح للوقاية منها».

وتابع ‌قائلاً: «لذا، أود أن ‌أشجع الجميع حقاً على ​مساعدة بعضنا البعض، يمكننا ‌السيطرة على هذا الأمر».

وأشار إلى أن ‌تفشي فيروس «إيبولا» في الكونغو لم يحظَ باهتمام عالمي كبير مماثل لما حظي به تفشي فيروس «هانتا» هذا الشهر، والذي أصاب ركاب سفينة ‌سياحية عليها ركاب من 23 دولة، بما في ذلك دول عظمى.

وقال: «تكفي حالة ⁠اتصال ⁠واحدة لتعرضنا جميعاً للخطر، لذا فإن أمنيتي ودعائي هو أن نولي (فيروس إيبولا) الاهتمام الذي يستحقه».

«إيبولا» هو فيروس غالباً ما يكون قاتلاً، ويسبب الحمى، وآلاماً في الجسم، والقيء، والإسهال. وينتشر عن طريق الاتصال المباشر مع سوائل الجسم للشخص المصاب، أو المواد الملوثة، أو الأشخاص الذين توفوا بسبب المرض.

وأحجم جنابي عن التعليق على المدة ​المتوقعة للتفشي الحالي، وحجمه، ​قائلاً إن الخبراء على أرض الواقع بصدد تقييم ذلك.

من جهتها، حظرت الولايات المتحدة أمس الجمعة مؤقتاً دخول المقيمين الدائمين الشرعيين الذين كانوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أو أوغندا، أو جنوب السودان خلال الأيام الـ21 الماضية، مشيرة إلى مخاوف بشأن فيروس «إيبولا». وقالت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها ‌في بيان: «تطبيق ‌هذه الصلاحية على ​المقيمين ‌الدائمين ⁠الشرعيين ​لفترة محدودة ⁠من الزمن يوفر توازناً بين حماية الصحة العامة، وإدارة موارد الاستجابة للطوارئ».

ورفعت منظمة الصحة العالمية أمس الجمعة مستوى خطر تحول سلالة «إيبولا» النادرة «بونديبوجيو» إلى ⁠تفشٍ محلي في جمهورية ‌الكونغو الديمقراطية إلى «مرتفع ‌جداً»، وأعلنت أن ​تفشي المرض ‌هناك وفي أوغندا يمثل حالة طوارئ ‌تثير قلقاً دولياً.

وأصدرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها الأمر لأول مرة يوم الاثنين بموجب البند ‌42 من قانون الصحة العامة الأميركي الذي يسمح للسلطات ⁠الصحية ⁠الاتحادية بمنع المهاجرين من دخول البلاد لمنع انتشار الأمراض المعدية.

لطالما كان حاملو البطاقة الخضراء في مأمن من قيود الدخول إلى الولايات المتحدة. ولم ينطبق عليهم أمر البند 42 الصادر عن مراكز السيطرة على الأمراض خلال جائحة «​كوفيد-19»، ولا ​حظر السفر المتنوع الذي فرضه الرئيس دونالد ترمب.