جدري القردة «طارئة صحية عالمية»... ماذا نعرف عنه ولماذا يثير قلقاً؟

ظهور حالات إصابة بمرض جدري القردة في إقليم نيراجونجو بالقرب من غوما إقليم شمال كيفو (رويترز)
ظهور حالات إصابة بمرض جدري القردة في إقليم نيراجونجو بالقرب من غوما إقليم شمال كيفو (رويترز)
TT

جدري القردة «طارئة صحية عالمية»... ماذا نعرف عنه ولماذا يثير قلقاً؟

ظهور حالات إصابة بمرض جدري القردة في إقليم نيراجونجو بالقرب من غوما إقليم شمال كيفو (رويترز)
ظهور حالات إصابة بمرض جدري القردة في إقليم نيراجونجو بالقرب من غوما إقليم شمال كيفو (رويترز)

أعلنت منظمة الصحة العالمية جدري القردة (إمبوكس)، الأربعاء، طارئة صحية عالمية.

وأعلنت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أفريقيا أمس أن الانتشار المتزايد لفيروس جدري القردة «إمبوكس» في جميع أنحاء القارة الأفريقية يشكّل حالة طوارئ صحية، محذّرة من أن الفيروس قد ينتقل في نهاية المطاف عبر الحدود الدولية.

وعقدت منظمة الصحة العالمية الأربعاء اجتماع خبراء خاصاً بها؛ للنظر في إصدار إعلان طوارئ مماثل بشأن «إمبوكس». وقالت وكالة الصحة التابعة للأمم المتحدة إن هناك أكثر من 14000 حالة، و524 حالة وفاة هذا العام، وهو ما يتجاوز بالفعل أرقام العام الماضي.

وحتى الآن، فإن أكثر من 96 في المائة من جميع حالات الإصابة والوفيات موجودة في الكونغو. ويشعر العلماء بالقلق من انتشار نسخة جديدة من المرض هناك التي قد تنتقل بسهولة أكبر بين الناس.

فماذا نعرف عن «إمبوكس»؟ وما يمكن القيام به لاحتوائه؟

تُظهر هذه الصورة غير المؤرّخة التي قدّمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية صورة مجهرية إلكترونية ملوّنة لجزيئات جدري القردة (باللون الأحمر) الموجودة داخل خلية مصابة (باللون الأزرق) (أ.ب)

ما هو «الإمبوكس»؟

تم التعرف على مرض «الإمبوكس»، أو ما يُعرف بجدري القردة، لأول مرة في عام 1958، عندما تفشّى مرض شبيه بالجدري في القردة. وحتى وقت قريب كانت معظم الحالات البشرية تظهر في وسط وغرب أفريقيا، لدى الأشخاص الذين كانوا على اتصال وثيق بالحيوانات المصابة.

وفي عام 2022 تأكّد أن الفيروس يمكن أن ينتقل عبر الجنس، ما أدّى إلى تفشّي المرض في أكثر من 70 دولة لم تكن قد سُجّلت فيها أي حالات سابقة.

طبيب يتحقّق من تطوّر الآفات الجلدية على أذن طفل مصاب بجدري القردة (رويترز)

ينتمي «الإمبوكس» إلى عائلة الفيروسات نفسها التي ينتمي إليها الجدري، لكنه يتسبّب في أعراض أخفّ، مثل الحمى والقشعريرة وآلام الجسم. وفي الحالات الأكثر شدة قد تظهر آفات على الوجه واليدين والصدر والأعضاء التناسلية.

ماذا الذي يسبّب القلق في أفريقيا؟

ذكرت وكالة مكافحة الأمراض والوقاية في أفريقيا أنه تم اكتشاف فيروس في 13 دولة أفريقية، مع زيادة بنسبة 160 في المائة في الحالات، و19 في المائة في الوفيات مقارنةً بالعام الماضي.

وهذا العام ظهرت نسخة جديدة من الفيروس في الكونغو، يمكن أن تقتل حتى 10 في المائة من المصابين، وقد تنتشر بسهولة أكبر. وعلى عكس التفشي السابق، الذي كان يسبّب آفات على الصدر واليدين والقدمين، تتسبّب النسخة الجديدة في أعراض أخفّ وآفات على الأعضاء التناسلية، ما يجعل الكشف عنها أكثر صعوبةً.

أيضاً تم تحديد حالات جديدة في 4 دول شرق أفريقية: بوروندي وكينيا ورواندا وأوغندا، وهي مرتبطة بتفشّي الكونغو. وفي ساحل العاج وجنوب أفريقيا تم الإبلاغ عن نسخة أقل خطورةً من الفيروس.

هل اختلف الفيروس عن عام 2022؟

خلال تفشّي الفيروس في عام 2022، كان الرجال المثليّون وثنائيو الجنس يشكّلون الغالبية العظمى من الحالات، وكان الفيروس ينتشر بشكل رئيسي من خلال الاتصال الوثيق، بما في ذلك الممارسات الجنسية، ومع ذلك تغيّرت الصورة بشكل كبير في أفريقيا، حيث يمثّل الأطفال دون سن 15 عاماً الآن أكثر من 70 في المائة من حالات الإصابة بالفيروس، و85 في المائة من الوفيات في الكونغو.

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، قُبَيل الاجتماع الطارئ بشأن المرض في الكونغو، إن المسؤولين يتعاملون مع عدة حالات تفشٍّ في دول مختلفة، «بأنماط انتقال عدوى، ومستويات مخاطر متنوعة». وأضاف: «سيتطلّب وقف هذا التفشي استجابة قوية وشاملة».

ممرّضة مختبَر تأخذ عينة من طفل مشتبه بإصابته بجدري القردة (رويترز)

كيف يمكن إيقاف الفيروس؟

تمت السيطرة على تفشّي مرض «الإمبوكس» عام 2022 في العديد من البلدان باستخدام اللقاحات والعلاجات المتاحة في الدول الغنية، بالإضافة إلى التوعية بتجنّب السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، ومع ذلك كانت اللقاحات والعلاجات نادرة في أفريقيا.

وقال ماركس، من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، إن التلقيح، بما في ذلك تلقيح الأفراد ضد الجدري، قد يكون مفيداً في مكافحة المرض.

وأضاف: «نحن بحاجة إلى توفير كميات كبيرة من اللقاحات لتطعيم الفئات الأكثر عُرضةً للخطر، مثل العاملين في مجال الجنس، والأطفال، والبالغين في مناطق التفشّي».

وأعلنت الكونغو أنها تُجري محادثات مع الجهات المانحة؛ لبحث إمكانية الحصول على تبرعات باللقاحات، وقد حصلت بالفعل على بعض المساعدات المالية من بريطانيا والولايات المتحدة.

من جانبها، أفادت منظمة الصحة العالمية بأنها خصّصت 1.45 مليون دولار من صندوق الطوارئ لدعم جهود التصدي لفيروس «إمبوكس» في أفريقيا.


مقالات ذات صلة

فيروس «هانتا»: فرنسية بحالة حرجة... وبريطانيا وإيطاليا تتخذان إجراءات احترازية

أوروبا لافتة تحمل رسماً يشير إلى انتقال فيروس «هانتا» عن طريق القوارض ومعلومات عن الإجراءات الوقائية معلّقة في مستشفى بالأرجنتين (أ.ب) p-circle

فيروس «هانتا»: فرنسية بحالة حرجة... وبريطانيا وإيطاليا تتخذان إجراءات احترازية

قال طبيب في المستشفى الباريسي الذي يعالج راكبة فرنسية أُصيبت في تفشي فيروس «هانتا» القاتل على متن سفينة سياحية، إن حالتها حرجة للغاية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ مارتي مكاري مفوض إدارة الغذاء والدواء الأميركية السابق (أ.ف.ب)

استقالة مكاري من منصب مفوض إدارة الغذاء والدواء الأميركية

قرر مارتي مكاري الاستقالة من منصبه بصفته مفوضاً لإدارة الغذاء والدواء الأميركية بعد فترة مضطربة شهدت شكاوى من رؤساء تنفيذيين في مجال صناعة الدواء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك التعرض لأشعة الشمس يسهم في تحسين الحالة المزاجية (بيكسلز)

العودة إلى الطبيعة... 6 فوائد صحية لا تتوقعها

في عالم يزداد اعتماداً على الشاشات والمساحات المغلقة، قد يبدو الخروج إلى الطبيعة خياراً ثانوياً أو ترفاً غير ضروري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الجسم يدخل في حالة تأهب قصوى خلال نوبة الهلع (بيكسلز)

عندما يهاجمك القلق فجأة: ماذا يحدث خلال نوبة الهلع؟

قد تبدو نوبة الهلع تجربة مفاجئة ومربكة، خصوصاً لمن يمر بها للمرة الأولى. فهي لا تشبه القلق العادي أو الخوف المؤقت، بل حالة جسدية ونفسية متكاملة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تناول فنجان من القهوة صباحاً يُحفّز حركة الأمعاء (بيكسلز)

كيف يؤثر الكافيين على المعدة والقولون؟

يُعدّ الكافيين من أكثر المواد المنبّهة استهلاكاً حول العالم، إذ يلجأ إليه كثيرون لتعزيز النشاط الذهني ومقاومة التعب خلال اليوم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الاقتصاد والديون والأمن تتصدر مخرجات القمة الأفريقية - الفرنسية

صورة جماعية للمشاركين في القمة الأفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي الثلاثاء (أ.ف.ب)
صورة جماعية للمشاركين في القمة الأفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

الاقتصاد والديون والأمن تتصدر مخرجات القمة الأفريقية - الفرنسية

صورة جماعية للمشاركين في القمة الأفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي الثلاثاء (أ.ف.ب)
صورة جماعية للمشاركين في القمة الأفريقية الفرنسية بالعاصمة الكينية نيروبي الثلاثاء (أ.ف.ب)

زخم كبير شهدته القمة الفرنسية - الأفريقية في نيروبي باليوم الثاني الأخير بين كلمات وجلسات، ركزت على «تقاطع التحديات الأمنية مع أولويات التنمية الاقتصادية وتزايد الحاجة إلى جذب الاستثمارات ومطالبات بمراجعة معضلة الديون السيادية»، وذلك سط صراعات تتصاعد بالقارة السمراء وتضرر من أزمة الطاقة التي تشهدها المنطقة منذ حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وتحدث خبير في الشؤون الأفريقية لـ«الشرق الأوسط» من نيروبي عن أن مخرجات القمة أكدت أن «مستقبل العلاقات بين الجانبين لن يبنى فقط على الاعتبارات السياسية، بل على معادلة متكاملة تجمع بين الاقتصاد وتعزيز الأمن».

وأشار إلى أن فرنسا ستعمل على استثمار هذه القمة، لتطوير شراكات جديدة في القارة، في وقت يتراجع فيه نفوذها داخل مستعمراتها السابقة بغرب أفريقيا.

وشارك في «قمة نيروبي» أكثر من 30 من قادة الحكومات الأفريقية إلى جانب رؤساء مؤسسات مالية متعددة الأطراف ورجال أعمال من أفريقيا وفرنسا، في أول قمة تنظمها فرنسا بدولة ناطقة باللغة الإنجليزية.

وتضمنت الجلسة الافتتاحية للقمة كلمات للرئيس الكيني وليام روتو، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف.

وفي كلمته، أكد الرئيس الكيني أن «العالم يشهد تحديات كبيرة تواجه سلاسل الإمداد الاقتصادي العالمي، وعلينا إعداد استراتيجيات أفريقية - فرنسية مشتركة لتجاوزها»، مضيفا أنه «يجب بناء الشراكات مع التمسك بمبدأ السيادة والتخلص من التبعية».

وأوضح أن «أفريقيا لديها القدرة على لعب دور نشط بوصفها شريكاً اقتصادياً»، لافتاً إلى أن «القارة تتمتع بثروات طبيعية ضخمة، كما أن شعوب أفريقيا الأكثر شباباً في العالم ولديها إمكانيات للتحول البيئي والرقمي».

ودعا إلى إنشاء مؤسسات تمويلية وإقراضية أكثر عدالة، تراعي الخصوصية والسياقات الأفريقية والمحلية، بما يسهم في تعزيز الاستثمار داخل القارة، مؤكداً أن الهدف ليس استبدال المؤسسات القائمة، بل تصحيح مسارها وتطوير آليات عملها.

كما عقدت جلسة بشأن إصلاح الهيكل المالي الدولي وتحسين وصول الدول الأفريقية إلى التمويل المستدام، وكان من بين المتحدثين ماكرون، ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيسة البنك الدولي، كريستالينا غورغيفا، والرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو.

وقال السيسي إن «هذه القمة مهمة، وشهدت مداخلات تشكل أساساً لإصلاح الهيكل المالي العالمي، بما يراعي شواغل الدول النامية، ويلبي طموحات شعوبها في تحقيق التنمية المنشودة»، وفق بيان للرئاسة المصرية، الثلاثاء.

وأضاف: «لا تنمية دون سلام... ولا سلام دون تنمية، وغير خفى عليكم أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، بما فيها في الشرق الأوسط، تترتب عليها آثار تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلباً على أمن الطاقة والغذاء وبشكل أشد وطأة على دولنا الأفريقية»، داعياً إلى «ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة في الدول الأفريقية التي بات ينفق عدد كبير منها على خدمة الدين، أكثر مما ينفق على الصحة والتعليم معاً».

جانب من إحدى الجلسات على هامش القمة الأفريقية - الفرنسية الثلاثاء (أ.ف.ب)

كما عقدت جلسة عامة حول «السلام والأمن» بكلمات افتتاحية من روتو وماكرون، كما تضمن برنامج القمة جلسة عن «الوساطات الأفريقية لحل الأزمات الأفريقية» بمشاركة رئيس توغو فور غناسينغبي، ورئيس جيبوتي إسماعيل عمر غيله، ورئيس موريتانيا محمد ولد الغزواني، بالإضافة إلى مناقشات حول تمويل عمليات حفظ السلام الأفريقية، بحضور رئيس موزمبيق دانيال تشابو، ورئيس غانا جون دراماني ماهاما.

بخلاف جلسات متوازية حول المناخ والاقتصاد الأزرق، والصحة، حيث ضم نقاش الاقتصاد الأزرق رئيس السنغال باسيرو ديوماي فاي، والرئيس تينوبو، فضلاً عن نقاش حول الزراعة بالقارة ضم رئيس موريتانيا.

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم أن «قمة نيروبي» غير المسبوقة تمثل محاولة فرنسية لإعادة صياغة علاقتها مع أفريقيا عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار، بعيداً عن المقاربات التقليدية التي ارتبطت بالملفات الأمنية فقط.

وأضاف أن «تعزيز الشراكات التجارية ومشروعات البنية التحتية والطاقة قد يكون أداة رئيسية لباريس من أجل استعادة حضورها داخل القارة في ظل تنافس دولي متزايد على الأسواق الأفريقية».

كما تعكس «القمة» اتجاهاً لربط الأمن بالتنمية، باعتبار أن الاستقرار السياسي ومكافحة التهديدات الأمنية لن يتحققا دون دعم اقتصادي وشراكات تحقق مصالح متبادلة بين فرنسا والدول الأفريقية.

وكان ماكرون أعلن، الاثنين، عن استثمارات بقيمة 23 مليار يورو (27.01 مليار دولار) لصالح أفريقيا، وذلك في اليوم الأول من «القمة»، داعياً إلى توجيه الجهود نحو «الاستثمار» بدلاً من المساعدات العامة التي لم تعد أوروبا قادرة على تقديمها بسخاء، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء.

وأوضح ماكرون أن فرنسا ستساهم بأكثر من نصف هذا الاستثمار، مع 14 مليار يورو موزعة بين القطاعين العام والخاص، على أن تساهم أطراف أفريقية بالمليارات التسعة الأخرى. وستخصص هذه الاستثمارات لقطاعات مثل التحول في مجال الطاقة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأزرق، إضافة إلى الزراعة والصحة.

وبرأي مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي فإن التحدي الحقيقي أمام «قمة نيروبي» لا يقتصر على طرح المبادرات، بل في تحويل مخرجاتها إلى مشروعات واتفاقات قابلة للتنفيذ، حتى لا تبقى التعهدات مجرد «حبر على ورق» دون أثر ملموس على اقتصادات الدول الأفريقية.


بضغط أميركي... المتمردون ينسحبون من مواقع شرق الكونغو

عناصر من «حركة 23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (أرشيفية- رويترز)
عناصر من «حركة 23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (أرشيفية- رويترز)
TT

بضغط أميركي... المتمردون ينسحبون من مواقع شرق الكونغو

عناصر من «حركة 23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (أرشيفية- رويترز)
عناصر من «حركة 23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (أرشيفية- رويترز)

انسحب مقاتلو «حركة 23 مارس» المتمردة، الاثنين، من مواقع وبلدات عدة شرق جمهورية الكونغو، وتراجعوا نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وذلك بعد أيام من دعوة أميركية إلى ضبط النفس واحترام اتفاقية وقف إطلاق النار التي رعتها واشنطن العام الماضي.

وتم تأكيد الانسحاب من طرف الجيش الكونغولي ومسؤول في الحركة المتمردة. وقالت هذه المصادر إنه شمل بلدات عدة في مقاطعة جنوب كيفو، الواقعة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، قُرب الحدود مع رواندا المتهمة بدعم المتمردين.

ويعد هذا الانسحاب هو أول تغيير ملموس في خريطة النفوذ على الميدان منذ أشهر. ونقلت وكالة (رويترز) عن متحدث باسم الجيش الكونغولي أن الانسحاب جاء نتيجة ضغوط عسكرية من الجيش، وضغوط دبلوماسية من واشنطن.

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (أرشيفية- رويترز)

سيطرة وانسحاب

وكانت الحركة المسلحة قد شنت هجوماً على مدينة أوفيرا المهمة استراتيجياً في شرق الكونغو، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ضاربة عرض الحائط باتفاق سلام وُقِّع قبل ذلك بوقت قصير بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا بوساطة أميركية، ما أثار غضب واشنطن.

ولكن الحركة المسلحة عادت وسحبت قواتها من المدينة في يناير (كانون الثاني) الماضي، استجابة لما قالت إنه «طلب أميركي»، وقامت الاثنين بسحب قواتها من بعض القرى والبلدات الواقعة إلى الشمال من المدينة، على طول الطريق الوطني رقم 5 الذي يمتد بمحاذاة الحدود البوروندية. وتعد بلدة سانغي أهم هذه المواقع، وهي تقاطع طرق يقع على بعد نحو 30 كيلومتراً شمال أوفيرا.

وصرح بول فيكيري موديدا، المسؤول الإداري في البلدة، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» قائلاً: «لقد انسحبت (حركة 23 مارس) من سانغي». كما أكد الملازم ريغان مبوي، المتحدث باسم الجيش الكونغولي في المنطقة، أن المتمردين «غادروا كابونامبو، وسانغي، وموتارولي، وبويغيرا».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية- رويترز)

ويعد هذا أول تحرك ملحوظ على خطوط المواجهة، منذ سيطرة المتمردين لفترة وجيزة على مدينة أوفيرا في ديسمبر الماضي، قبل انسحابهم تحت ضغوط من الولايات المتحدة في يناير الماضي. كما يأتي هذا التطور بعد أسبوعين من فرض الولايات المتحدة عقوبات على الرئيس السابق جوزيف كابيلا، بسبب صلات مزعومة بالمتمردين، وهي اتهامات ينفيها كابيلا.

وأفادت المصادر بأن المتمردين انسحبوا من مدينة كابونامبو، التي تبعد نحو 35 كيلومتراً شمال أوفيرا، وتوجهوا نحو مدينة لوفونغي، نحو 30 كيلومتراً إضافية شمالاً باتجاه العاصمة الإقليمية بوكافو، وهي المواقع التي كانوا يتمركزون فيها قبل زحفهم نحو أوفيرا.

وأكد مصدر أمني داخل «حركة 23 مارس» هذا التحرك، قائلاً: «لقد انسحبنا من سانغي وضواحيها، ونحن بصدد العودة إلى مواقعنا التي كنا فيها قبل السيطرة على أوفيرا». ولكنه في الوقت ذاته نفى بشدة أن تكون مدينة كامانيولا، الواقعة على بعد نحو 70 كيلومتراً شمال أوفيرا عند الحدود مع رواندا وبوروندي «مشمولة بهذا الانسحاب».

وقالت «رويترز» إن وزارة الخارجية الأميركية لم ترد على طلب للتعليق يوم الاثنين، على التطورات الميدانية الأخيرة، وهي التي دعت الجمعة، في رسالة عبر منصة «إكس»، الأطراف المتصارعة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى «احترام وقف إطلاق النار» و«خفض التصعيد».

عودة النازحين

مع انسحاب المتمردين من مواقعهم، بدأت العائلات النازحة من بيوتها العودة؛ حيث صرح أحد قيادات المجتمع المدني في أوفيرا لـ«رويترز» بأن العائلات الكونغولية التي فرت من أعمال العنف العام الماضي إلى الجارة بوروندي، بدأت في العودة إلى ديارها.

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

بينما قالت مصادر محلية إنه في أعقاب انسحاب «حركة 23 مارس» سيطرت ميليشيات موالية لكينشاسا تُعرف باسم «وازاليندو» على هذه البلدات، وخصوصاً مدينة سانغي المهمة. وقال أحد السكان: «هناك فرحة شعبية عارمة؛ الشباب والنساء والأطفال، وحتى الطلاب، يعبِّرون عن سعادتهم في هذه اللحظة».

يُذكر أن كينشاسا و«حركة 23 مارس» كانتا قد التزمتا في أبريل (نيسان) الماضي بتسهيل المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح السجناء، عقب محادثات جرت في سويسرا، ومع ذلك، استمرت المعارك في الشرق الكونغولي.

وفي رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مؤرخة في 7 مايو (أيار)، وتم تداولها إعلامياً خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، اتهم المنسق السياسي لـ«حركة 23 مارس» كورنيل نانغا، الولايات المتحدة، بالافتقار إلى المصداقية كوسيط، بعد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية في مجال المعادن مع كينشاسا العام الماضي.

تصعيد مستمر

ورغم جهود الوساطة التي تقودها الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى، فإن القتال لا يزال مستمراً في شرق الكونغو؛ بل إن الجيش الكونغولي يواصل التصعيد العسكري والضغط على مواقع المتمردين؛ حيث أطلق مؤخراً حملة لحث المقاتلين في صفوف الحركات المتمردة على الاستسلام؛ خصوصاً أولئك المتحصنين في جبال منطقة مينيمبوي، في مقاطعة جنوب كيفو.

وقال الجيش الكونغولي إن دعوته تأتي في وقت يتعرض فيه المتمردون لضغط عسكري قوي أفقدهم كثيراً من قوتهم، حتى باتوا محاصرين في مناطق من مينيمبوي، مع تضاؤل فرص الانسحاب المتاحة أمامهم، وفق تعبير الجيش.

وقالت مصادر محلية إن الجيش يستخدم طائرة مُسيَّرة مزودة بمكبر صوت، لبث رسائل تدعو المقاتلين لإلقاء السلاح، والتوجه إلى مواقع آمنة تقع في كاكيكينغي وكالينغي وميكينغي. كما تلقي المُسيَّرة منشورات ورقية في المناطق المعنية تحث المتمردين على إلقاء السلاح.

وجاء في نص الرسائل التي تُبَث فوق سماء مينيمبوي: «مرحباً أيها الأصدقاء! نحن القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية. ننصحكم، من أجل السلام، بإلقاء أسلحتكم والاستسلام... من يرفض الاستجابة لهذه الدعوة فعليه أن يتحمل العواقب».


مقتل عشرات المدنيين في نيجيريا بضربات جوية للجيش 

الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي البلاد (أرشيفية - رويترز)
الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي البلاد (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل عشرات المدنيين في نيجيريا بضربات جوية للجيش 

الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي البلاد (أرشيفية - رويترز)
الجيش النيجيري يؤمِّن منطقة قرب مايدوغوري شمال شرقي البلاد (أرشيفية - رويترز)

قُتل عشرات الأشخاص غالبيتهم من المدنيين في غارة جوية نفذها الجيش النيجيري، وفق ما أفادت به مصادر تواصلت معها «وكالة الصحافة الفرنسية»، وذلك في واحد من أكثر الأيام دموية في النزاع مع الجماعات المسلّحة.

وأصابت الغارة سوقاً يُعتقد أنها خاضعة لسيطرة عصابات إجرامية، لكن حصيلتها تفاوتت، حسب المصادر.

وقال المسؤول المحلي غاربا إبراهيم ماشيما، إن الجيش النيجيري قتل 72 شخصاً على الأقل، بينهم مدنيون كُثر، في قصف لسوق مزدحمة في تومفا الواقعة في ولاية زامفارا شمال غربي البلاد، لافتاً إلى «تعذّر التعرّف على بعض الجثث بسبب تشوّهها». وقال: «انتشلنا إلى الآن 72 جثة»، مشيراً إلى أن «الجرحى نقلوا إلى مستشفيات مدينتي زورمي وشينكافي».

من جهته، قال فرع نيجيريا في منظمة العفو الدولية إن «ما لا يقل عن 100 مدني» قتلوا، في حين تحدث علي موسى المقيم في قرية مجاورة عن مقتل 117 شخصاً.

وقال موسى: «تم انتشال 117 جثة وأُصيب أكثر من 80 شخصاً. قد ترتفع الأعداد مع اتضاح الصورة أكثر».

وتابع: «بصراحة، سوق تومفا تحت سيطرة قطّاع الطرق. إنها معقلهم، وأي شخص يذهب إلى هناك يعلم أنه يدخل إلى أراضيهم».

وفي بيان أصدره الأحد، أشار الجيش النيجيري إلى أنه نفّذ عمليات برية وجوية «استناداً إلى معلومات استخباراتية موثوق بها تفيد بعقد اجتماع رفيع المستوى لزعماء وقادة إرهابيين»، في هذه المنطقة.

وأضاف البيان: «أكدت التقارير الاستخباراتية أن الإرهابيين تجمّعوا في مكان داخل قرية تومفا»، وأن ضربة جوية «نجحت في تدمير المبنى الذي كان يُستخدم نقطة تجمع للإرهابيين».

جنود من الجيش النيجيري (أرشيفية - رويترز)

ووصف المتحدث باسم رئاسة الأركان الجنرال مايكل أونوجا المعلومات التي تحدثت عن مقتل مدنيين في ولاية زامفارا بأنها «كاذبة».

على غرار ولايات أخرى في شمال غربي نيجيريا ووسطها، تعاني زامفارا منذ سنوات من أعمال عنف ترتكبها مجموعات إجرامية مسلحة تُسمّى محلياً «قطاع طرق»، وهي متخصصة في سرقة الماشية، وعمليات الخطف مقابل فدية.

تنفّذ هذه المجموعات بانتظام هجمات دامية على القرى، وتقتل السكان، وتحرق المنازل بعد نهبها.

وتشتبك هذه المجموعات أحياناً مع الجهاديين، وتتعاون معهم في أحيان أخرى ضد أهداف مشتركة.

وقُتل الأحد أيضاً، 13 مدنياً على الأقل في غارة جوية للجيش في ولاية النيجر (شمال - وسط)، حسبما أفاد سكان «وكالة الصحافة الفرنسية»، في حين أعلن الجيش أنه استهدف «إرهابيين».

وقال رئيس مجلس منطقة شيرورو، إسياكو باوا، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «كان ذلك غير مقصود. أتقدم بخالص التعازي لأسر الضحايا، وأطلب منهم الصفح عما حدث».

وقال جون عزرا وهو من سكان كوساسو إن «الأهالي لم يكونوا بالقرب من مخبأ الإرهابيين، لكن منازلنا تعرّضت للقصف».

وأورد تقرير أمني أعدته الأمم المتحدة، الاثنين، أن مسلحين قتلوا ثلاثين شخصاً مساء الأحد في ولاية زامفارا شمال غربي نيجيريا.

وغالباً ما يستغرق صدور المعلومات المتّصلة بحصيلة عمليات الجيش النيجيري والهجمات التي تشنّها المجموعات المسلحة التي يقاتلها في المناطق الريفية النائية، أياماً عدة. وسبق أن أودت غارات جوية بحياة مدنيين في نيجيريا.

والتحقيقات التي تلي ذلك لا تفضي عموماً إلى أي نتائج ملموسة. وفي أبريل (نيسان)، أعلنت الحكومة أنها أمرت بفتح تحقيق بعدما تسببت غارة مماثلة، استهدفت جهاديين، بمقتل 56 شخصاً على الأقل في سوق مكتظة في شمال شرقي البلاد.