بعد حصار تمبكتو... «القاعدة في الساحل» على خطى «طالبان»

إياد أغ غالي من زعماء التنظيم البارزين ويُطرح اسمه بين المرشحين لخلافة الظواهري

قافلة لقوات أزوادية في كيدال بشمال مالي عام 2016 (أ.ف.ب)
قافلة لقوات أزوادية في كيدال بشمال مالي عام 2016 (أ.ف.ب)
TT

بعد حصار تمبكتو... «القاعدة في الساحل» على خطى «طالبان»

قافلة لقوات أزوادية في كيدال بشمال مالي عام 2016 (أ.ف.ب)
قافلة لقوات أزوادية في كيدال بشمال مالي عام 2016 (أ.ف.ب)

لفت تنظيم «القاعدة» الأنظار في الساحل الأفريقي مؤخراً، مذ أعلن محاصرته مدينة تمبكتو التاريخية شمال مالي نهاية أغسطس (آب) الماضي، حيث عزلها براً وجواً وعبر النهر، جاعلاً المدينة وسكانها تحت رحمة ضرباته وقصفه اليومي، حتى أصبحت على مشارف كارثة إنسانية أدت إلى هرب الكثيرين من سكانها صوب البوادي المجاورة.

وتمكن التنظيم المتطرف من محاصرة المدينة، واحتل مدناً وقرى في منطقة أزواد شمال مالي، وتوسع بشكل غير مسبوق بعد رحيل القوات الفرنسية عام 2022، وبعد إعلان قوات الأمم المتحدة رحيلها أيضاً هذا العام.

واستغل تنظيم «القاعدة» كل الظروف الأمنية والاضطرابات في منطقة الساحل، ليمد نفوذه نحو بوركينا فاسو المجاورة، ونحو أراضي النيجر في المثلث الحدودي بين الدول الثلاث، المعروف بـ«مثلث الموت»، حيث يتقاتل مع القوات الحكومية المالية المدعومة من مجموعة «فاغنر»، وأيضاً مع غريمه تنظيم «داعش».

مقاتلون طوارق من حركات أزوادية خلال تجمع قرب كيدال بشمال مالي في 28 سبتمبر عام 2016 (أ.ف.ب)

كيف تنامى بسرعة؟

بدأت الإرهاصات الأولى لـ«القاعدة في الساحل»، بعد ما عُرف بـ«العشرية السوداء» في الجزائر بداية التسعينات، وبعد سقوط حركة «طالبان» في أفغانستان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، فوُلد التنظيم من رحم «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الجزائرية، وأعلن عن نفسه عام 2007، ثم ما لبثت أن تعددت الجماعات والحركات في المنطقة التي أضحت بعد ذلك حديقة خلفية للإرهاب، لتضم جماعات عدة بعضها يعمل في شكل مستقل، وبعضها الآخر أعلن عن تبعيته لـ«القاعدة».

وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2011 ظهرت في المشهد حركة أخرى شمال مالي، تحت قيادة الطارقي إياد أغ غالي، أحد أشهر زعماء وثوار الطوارق المعروفين، معلناً عن حركة جديدة تضاف لفسيفساء المشهد باسم «أنصار الدين»، والتي خاضت حرباً ضد مالي عام 2012.

أصبح المشهد في مالي معقداً، بعد أن تزاحمت الحركات المتشددة، وتعددت أهدافها، بين حركات امتهنت خطف السياح والأجانب وموظفي الدولة وأخذ فدى بملايين اليوروات لإطلاق سراحهم، وبين حركات تريد الهيمنة، وتزعم تبني مشروع الخلافة.

وفي مارس 2017، وبعد اتصالات مكثفة وصراع واختلاف تمكن إياد أغ غالي من توحيد كل الحركات في جسم واحد، فجمع «أنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا، وتنظيم المرابطون، وجناح الصحراء التابع لتنظيم (القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)» في ائتلاف تحت تكتّل «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين».

إياد أغ غالي

استغل أغ غالي انتماءه لإثنية الطوارق، وأيضاً معرفته بالأرض والقبائل وأطراف الصراع، ودهاليز السلطة في مالي، حيث عمل دبلوماسياً لفترة بعد اتفاق سلام في عام 1992، فتمكن من بناء استراتيجية واسعة للجماعات التي يقودها، وبمضاعفة أتباعه، وحشد المزيد من الأنصار.

وتجاوز أغ غالي أهداف «القاعدة» المحدودة في الساحل، والتي كانت مقتصرة على عمليات محدودة في اختطاف السياح والتهريب والقلاقل، إلى صناعة مناطق نفوذ وأتباع، مستلهماً تجربة حركة «طالبان الأفغانية» في معاقلها، ليتفرد بزعامة غير مسبوقة، على حساب الحركات الأزوادية الثورية.

ويعرف زعيم «القاعدة» بشكل واسع بسبب تاريخه مع الثوار الطوارق، وفي ليبيا، حيث كان من أعضاء «الكتيبة الخضراء»، وذهب للحرب في لبنان للقتال بجانب الفلسطينيين، كما شارك في مهمات لجيش العقيد معمر القذافي في تشاد، وتنقل كثيراً، قبل أن يعتنق فكر الجماعات السلفية أولاً، ثم جماعة التبليغ في باكستان وأفغانستان، قبل أن يتحول نحو الجماعات الجهادية المتطرفة. وكشفت تقارير استخباراتية أميركية عن مدى النفوذ الذي يتمتع به أغ غالي، من خلال شبكة معقدة من العلاقات التي نسجها مع أطراف متعددة في مالي وخارجها، وبرهن على ذلك، حينما قاد وساطات لفك أسر رهائن غربيين، وماليين اختطفتهم عناصر إرهابية في الصحراء في العقدين الماضيين.

نسوة في نيامي عاصمة النيجر يوم 18 سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى الأرض، استغل إياد صلاته القبلية، فنسج علاقات واسعة مع الزعامات القبلية، الذين طمأنهم بأنهم لن يكونوا هدفاً له ولا للجماعات التابعة له، بقدر ما سيكون «عنصر حماية» لهم، من أي اعتداءات أو تعديات.

وخلال العقد الماضي، الذي تواجدت فيه القوات الفرنسية في مالي، وكذلك قوات الأمم المتحدة، لم يقم أغ غالي بهجمات كثيرة ولا باستهداف مباشر أو إعلان حرب ضد القوات الأجنبية التي أعلنت مكافأة بملايين الدولارات للقبض عليه، كما لم يدخل في مواجهات تذكر مع جيرانه الأزواديين الذي اتفق معهم ضمنياً بـ«عدم اعتداء أي طرف على الآخر»، لكنه بالمقابل، توارى في الصحراء، متفرغاً لبناء قوة ضاربة، جاذباً المزيد من المتطرفين، مستغلاً الفوضى الحاصلة في جمع السلاح والعتاد والمال، مستفيداً من انهيار ليبيا وسقوط نظام القذافي الذي كان مقرّباً منه.

دولة الخلافة المزعومة

لم يصرح إياد أغ غالي بمشروعه في إنشاء «دولة الخلافة في الساحل»، كما صرحت جماعة «داعش»، لكن منشوراته الصادرة عن الذراع الإعلامية لـ«القاعدة» «الزلاقة» دوماً ما تشير إلى مشروع «تطبيق الشريعة الإسلامية» في دول الساحل. وقد عيّن التنظيم في مناطق هيمنته، ولاة وأمراء لتطبيق تشريعاته ورؤيته لما سيكون عليه الحكم، وقام ولاة «القاعدة» بممارسات تعسفية قاسية ضد السكان الفقراء، فصادروا بهائمهم وأموالهم وغلالهم، وضيّقوا عليهم في «الجباية» باسم «الزكاة»، بحسب ما تفيد تقارير من مناطق نشاط التنظيم.

تجمع في نيامي يوم الأحد في أعقاب مغادرة السفير الفرنسي الذي طرده قادة الانقلاب العسكري بعاصمة النيجر (إ.ب.أ)

وأدت سطوة «القاعدة» وهيمنتها إلى دفع الآلاف من الشباب العاطلين عن العمل في الالتحاق بها؛ خشية من أن يطالهم بطش التنظيم ويطبق عليهم سياسية «من ليس معي فهو ضدي»، أسوة بتنظيم «داعش» الذي يقتل أحياناً من لا ينضم إليه من هؤلاء.

يهيمن تنظيم «القاعدة» حالياً على معظم المناطق الشمالية في مالي، وصولاً إلى الحدود الموريتانية، ويمتد جنوباً في مالي نحو عمق بوركينا فاسو، وحتى حدود توغو، فضلاً عن طرقه لحدود النيجر، ويمتلك حالياً حسب عدد من الفيديوهات التي بثها، آلاف الأتباع، وأطناناً من الأسلحة.

ويعتمد التنظيم في تحركاته على سيارات «تويوتا بيك آب»، تحمل كل واحدة منها عدداً من المقاتلين، ودراجات نارية، وأسلحة هجومية ودفاعية أحياناً ضد الطيران، إضافة إلى الطعام والماء والوقود بما يكفي لأسابيع ربما، دون الحاجة إلى إعادة التزود بالمؤمن.

ومن خلال هذه الاستراتيجية الخطيرة، أصبح التنظيم يمتلك زمام المبادرة والمباغتة، وقد عانى منه خصومه بسبب تفوقه في سرعة الإغارة والاختفاء، وأصبح مصدر رعب لجيوش المنطقة، بعد أن كبّدها خسائر بشرية ومادية خطيرة.

أين أميركا؟

يبقى السؤال المطروح دوماً، أين قوة محاربة الإرهاب من كل هذه السطوة التي يبديها التنظيم، وأيضاً قرينه «داعش» الذي يهمين بدوره على مجال جغرافي واسع، فيما لا تطالهم أي ضربات جوية من القواعد العسكرية الأميركية، وكذلك الفرنسية في المنطقة، حيث ترابض مئات الطائرات التابعة لهما في النيجر المجاورة.

وبحسب مراقبين، فإن السلوك الذي أظهرته دول المنطقة (مالي وبوركينا فاسو، ثم النيجر تالياً)، قوّض مشروعاً طويلاً لمحاربة الإرهاب في المنطقة، بعد الانقلابات المتتالية التي هزت الاستقرار في هذه البلدان، والتي لم تمكن الغرب من مواصلة خططه «الطويلة» في حربه ضد جماعات متشظية في طول الساحل وغربه. وبالنسبة لمالي، فقد طلبت مغادرة ما يتجاوز عشرين ألف جندي، من فرنسا والأمم المتحدة، كانوا يقومون بحمايتها من الجماعات الإرهابية، وغيرها من الجماعات المعارضة، لكن طلبها الذي عُدّ غريباً، أدى إلى موجة من الإرهاب الذي يكاد يقتلع الدولة الفقيرة التي استقدمت خبراء من «فاغنر» بملايين الدولارات وبعقود تعدين لن تجدي شيئاً على الأرجح أمام مد الإرهاب المتواصل.

والأمر ذاته في النيجر المجاورة التي كانت حدودها في مأمن من الإرهاب بفضل القوات الفرنسية التي تراقب تحركات هذه الجماعات، فضلاً عن القوات الأميركية التي لطالما قدمت معلومات دقيقة عن تجمعات هذه الجماعات وتتعقب حركتها. هذه المساعدات التي قوضها انقلاب النيجر، تضع الدولة الغنية باليورانيوم، تحت تهديدات كالتي وقعت تحتها جارتيها مالي وبوركينا فاسو.

وتحتاج جهود محاربة الإرهاب، حسب محللين في المنطقة، إلى دول لديها الحد الأدنى من الاستقرار والتعاون، والحكم الرشيد، وهي صفات لا وجود لها في الوقت الراهن، أو في الأفق بعد الخريف الطويل الذي أطل على الساحل الأفريقي، الذي لن تنطفئ نيرانه بسهولة، ما لم يجدّ في العمل، ويفسح المجال أمام سلطات مدنية حقيقة تشرك الجميع دون إقصاء.

وحسب تحليلات، وسيناريوهات متعددة، رسمت مجلة «ليكسبريس» الفرنسية سيناريو توقعت فيه استيلاء تنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة في الساحل) على السلطة في باماكو بحلول نهاية العام المقبل (2024). المجلة الفرنسية رسمت هذا السيناريو على أن ما حدث في عام 2013 لدى التدخل الفرنسي في مالي ضد الجماعات المتشددة لمنعها من التقدم نحو العاصمة باماكو بعد سيطرتها على مدينة «كونا» التي تبعد 600 كلم عن العاصمة، في ظروف أصبحت مواتية الآن أكثر للتنظيم الذي يعتقد أنه في منأى عن أي تدخل فرنسي مجدداً.

زعيم «القاعدة» حالياً أصبح تحت الأضواء، وأضحى نجماً بين قيادات التنظيم في الداخل والخارج، بل وأصبح يشار إليه بقوة في إمكانية أن يخلف أيمن الظواهري على رأس التنظيم، بعد أن بات على مشارف «صناعة دولة» للتنظيم في الساحل الأفريقي، حيث لا يزال يحشد المزيد من الأنصار متفوقاً على غريمه تنظيم «داعش».


مقالات ذات صلة

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

شمال افريقيا النائب العام الليبي الصديق الصور متحدثاً خلال افتتاح معرض النيابة العامة للكتاب (الصفحة الرسمية للمعرض)

تحقيق ليبي في تزوير «أرقام وطنية» بالجنوب

كشفت تحقيقات قضائية ليبية عن أرقام لافتة في ملف تزوير الأرقام الوطني، الذي يخضع للتحقيق منذ سنوات بعدما رُصد ارتفاع عدد أوراق القيود العائلية المرتبطة بـ«أوزو»

علاء حموده (القاهرة )
أفريقيا مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

انفصاليون يعلنون الانسحاب من بلدة استراتيجية في شمال مالي

كشفت حركة انفصالية في شمال مالي اليوم (الثلاثاء) أنها «تنسحب بشكل منظم» من بلدة استراتيجية في الشمال، كانت قد سيطرت عليها مع متشددين مرتبطين بتنظيم «القاعدة».

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا جنود من القوات المسلحة المالية خلال عملية عسكرية (رويترز - أرشيفية)

مقتل جنود ماليين وعناصر روسية في كمين لمتطرفين وسط مالي

لقي ما لا يقل عن ثلاثة جنود ماليين وأربعة من عناصر قوات شبه عسكرية روسية مصرعهم في كمين نصبه متطرّفون لقافلتهم في وسط مالي.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا صورة عامة تُظهر حركة المرور على طول طريق رئيسي في باماكو بمالي يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مسلّحون مرتبطون ﺑ«القاعدة» قتلوا أكثر من 100 جندي مالي هذا الشهر

قال مصدران إن متشددين قتلوا ما يربو على 100 جندي في وسط مالي الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (دكار)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.