العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

تقرير فرنسي: أنصار الرئيس بازوم طلبوا تدخل باريس لإعادته إلى السلطة

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
TT

العملية العسكرية في النيجر «مؤجلة» بانتظار استنفاد المساعي الدبلوماسية

مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)
مظاهرة داعمة للمجلس العسكري في نيامي السبت (أ.ف.ب)

يبدو الوضع في النيجر رهينة السباق بين المساعي السلمية من جهة، والتوجه إلى التصعيد العسكري من جهة أخرى، بانتظار معرفة نتائج زيارة البعثة الدبلوماسية التي أرسلتها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) للتفاوض مع المجلس العسكري من أجل استعادة الانتظام الدستوري، والنتائج التي يمكن أن تفضي إليها جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى غرب أفريقيا، ليوناردو دوس سانتوس سيماو، الذي التقى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعين (الجمعة).

وبمواجهة القرارات التي أفضت إليها اجتماعات أكرا، عاصمة غانا، طيلة يومين لقادة جيوش 11 دولة من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا، من أصل 15 دولة عضو، التي بيّنت أن «إيكواس» تتحضر حقيقة للتدخل العسكري حال صدور الأوامر إليها من قادة المجموعة، فإن جبهة انقلابية مواجهة آخذة عملياً بالنشوء. ووفق ما أذاعه التلفزيون الرسمي النيجري (صباح السبت)، فإن اجتماعاً لقادة عسكريين لم يحدد رتبهم أو وظائفهم من النيجر ومالي وبوركينا فاسو عُقد في نيامي من أجل بلورة «استراتيجية دفاعية مشتركة» لمواجهة «إيكواس» في حال اختارت «تصعيد الحرب».

الملاذ الأخير

لا يُمثّل اجتماع نيامي مفاجأة، إذ إن باماكو وواغادوغو اللتين يحكمهما مجلسان عسكريان، كما الحال في النيجر منذ 26 يوليو (تموز) الماضي، سارعتا إلى الإعلان أن أي تدخل عسكري لمجموعة «إيكواس» سيعد بمثابة «إعلان حرب» عليهما، وبالتالي ستعمدان إلى الوقوف إلى جانب القوات النيجرية المسلحة.

وبحسب عبد الفتاح موسى، مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن في «إيكواس»، فإن أعضاء التكتل الذين حضروا اجتماعات أكرا كافة، مستعدون للمشاركة في العملية العسكرية، باستثناء الرأس الأخضر التي عارضتها. وفي أية حال، فإن «إيكواس» ما زالت تنظر إلى التدخل العسكري لإعادة الرئيس المخلوع محمد بازوم إلى السلطة على أنه «الملاذ الأخير».

وترى مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن التدخل المشار إليه، إن كان سيحصل، فإنه «لن يحل بين يوم وآخر، إذ يتعين التحضير له سياسياً وعسكرياً ولوجيستياً، ومعرفة الدول المستعدة للمشاركة فعلياً في عملية عسكرية معقدة، ونقل الوحدات العسكرية المشارِكة إلى قرب الحدود مع النيجر»، حيث إن نيجيريا وبينين هما الدولتان الوحيدتان، من بين الدول المستعدة للمشاركة، اللتان لديهما حدود مشتركة مع النيجر.

وتضيف هذه المصادر أنه يتعين مراقبة رد فعل الاتحاد الأفريقي الذي لم يعطِ الضوء الأخضر للتدخل العسكري. وفي الاجتماع الذي عقدته «لجنة الأمن والسلام» المنبثقة منه، برز انقسام واضح بين مَن يدعم العمل العسكري ومَن يعارضه، وكانت النتيجة أن أي بيان رسمي لم يصدر بنهاية اجتماع اللجنة الذي دام ما لا يقل عن 10 ساعات. وأشارت هذه المصادر إلى التناقض في كلام مفوض الشؤون السياسية والسلام والأمن، إذ إنّه يدعي، من جهة، أن القادة العسكريين «اتخذوا القرار بشأن اليوم المحدد للتدخل العسكري في النيجر» من غير الإعلان عنه، ومن جهة ثانية، يؤكد أن القوات المستعدة للانخراط في العملية العسكرية تنتظر الأوامر التي لم تصدر من قادة «إيكواس».

محاولة لتخفيف الضغوط

تريد «المجموعة الاقتصادية» تجنب «الانخراط في حوار لا نهاية له». إلا أنها في الوقت عينه لم تحدد مهلة زمنية أو تعطِ «إنذاراً» للانقلابيين للعودة إلى ثكناتهم بعد الإنذار الفاشل الذي وجهه القادة الأفارقة للمجلس العسكري، حيث أمهلوهم أسبوعاً واحداً، حتى نهاية الأول من أغسطس (آب)، قبل التدخل.

والحكمة في ذلك أن قادة «إيكواس» الراغبين في وضع حدّ لمسلسل الانقلابات العسكرية الذي ضرب 7 مرات بلدانهم خلال 3 سنوات فقط، يريدون المحافظة على هامش من المناورة، خصوصاً أن دولاً مؤثّرة جداً، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا والجزائر وتشاد وغيرها، تعارض بشدة اللجوء إلى القوة العسكرية وتريد استنفاد الوسائل الدبلوماسية قبل الوصل إلى «الملاذ الأخير».

ويسعى علي الأمين زين، رئيس الحكومة النيجري المعيّن الذي يتمتع بعلاقات واسعة باحترام داخلي وأفريقي ودولي نظراً للمناصب السابقة التي تبوأها، إلى التخفيف من الضغوط التي تتم ممارستها سياسياً واقتصادياً ومالياً وتجارياً على النيجر. ويتحرك الأخير على أكثر من مستوى، وأشار خلال الزيارة التي قام بها إلى نجامينا ولقائه الرئيس محمد إدريس ديبي إلى أن بلاده «تمر بمرحلة انتقالية»، أي سوف تعود لاحقاً إلى النظام الديمقراطي، ما يقوي التوجه إلى حل سلمي على مراحل. كذلك، ردّ رئيس الحكومة على المعلومات التي تتحدث عن تدهور صحة بازوم، مؤكداً أنه «لن يتعرض لسوء». وكانت ردة فعل أفريقية ودولية قد برزت في الأيام الأخيرة عقب شيوع معلومات تفيد بأن صحة بازوم «تدهورت» وأن ظروفه المعيشية قد تراجعت.

دور المبعوث الأممي

ثمة عامل إضافي برز في المعادلة الراهنة، وعنوانه الدور الذي يمكن أن يضطلع به المبعوث الأممي الذي التقى المجلس العسكري من أجل «مناقشة سبل عودة البلاد بأسرع ما يمكن إلى النظام الدستوري الطبيعي والقانوني أيضاً». وعبّر سيماو عن قناعته بأن أمراً مثل هذا «ممكن دائماً بالحوار». وحتى أيام قليلة، اكتفت الأمم المتحدة، على لسان أمينها العام أنطونيو غوتيريش، بالدعوة إلى العودة إلى الانتظام الدستوري والإعراب عن القلق على صحة بازوم. لذا، فإن مباشرة المبعوث الأممي وساطته من شأنها توفير مزيد من الوقت للجهود الدبلوماسية قبل رسو القرار على الخيار العسكري.

تصاعد العنف الإرهابي

ثمّة عامل مقلق عنوانه ازدياد الهجمات الإرهابية التي تضرب النيجر في الأسابيع الأخيرة، وأبرزها عمليتان؛ الأولى استهدفت قافلة عسكرية أوقعت 20 قتيلاً وعشرات الجرحى، والأخرى راح ضحيتها 28 مدنياً. وكلتا العمليتين حصلت فيما يسمى «المثلث الحدودي» بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، حيث تتركز بشكل خاص أنشطة تنظيمين إرهابيين هما «القاعدة» و«داعش».

ويعزى هذا التصعيد لتوقف التعاون بين الجيش النيجري والقوات الأجنبية الموجودة في النيجر، الفرنسية والأميركية والألمانية والإيطالية، ولقرار الانقلابيين سحب وحدات إلى العاصمة؛ لمواجهة تدخل عسكري محتمل من مجموعة «إيكواس». والتخوف الكبير مصدره احتمال أن تنجح التنظيمات الإرهابية في الاستفادة من الفراغ، وإقامة منطقة رمادية تمكّنها من التحرك بحرية وتوسيع أنشطتها.

تدخل فرنسي

أمس، كشفت صحيفة «لو موند» المستقلة في عددها الأخير معلومات جديدة، يفيد جانب منها، بأن عسكريين نيجيريين كانوا يحضّرون لعملية لتحرير بازوم. والجانب الآخر يفيد بأن شخصيات نيجرية رفيعة، من بينها وزير الخارجية حسومي مسعودو، ومسؤولون عسكريون كبار عقدوا سريعاً، بعد الانقلاب الذي حصل يوم 26 يوليو، لقاءات مع ضباط فرنسيين من القوة الفرنسية المرابطة في النيجر، التي يبلغ عددها 1500 رجل، وطلبوا منهم التدخل من أجل تحرير الرئيس المحتجز.

نيجريون يطالبون فرنسا بمغادرة بلادهم في مظاهرة بنيامي الأحد الماضي (أ.ب)

وأضافت الصحيفة أن الجانب الفرنسي أصرّ على الحصول على طلب مكتوب للتدخل. وتضيف معلومات الصحيفة أن طلباً رسمياً قُدم لفرنسا يجيز لها التدخل العسكري واستهداف القصر الرئاسي، حيث يُحتجز بازوم. كذلك تم تحرير نص آخر وقع نيابة عن رئيس أركان القوات المسلحة. وكشفت مصادر الصحيفة أن قوة فرنسية وصلت إلى موقع الاجتماع، وأن طوافات عدة كانت جاهزة للتدخل. وأكد العسكريون الفرنسيون أنهم «قادرون» على القيام بالعملية دون إلحاق الأذى بالرئيس المحتجز. إلا أن العملية لم تحصل لسببين: الأول أن بازوم نفسه رفضها. والثاني، التغير الذي حصل سريعاً في نيامي عندما التحقت القوات المسلحة بالانقلابيين واشتراط باريس أن تكون مهمة قوتها دعم ومساعدة قوة نيجرية وليس الانفراد بها. والخلاصة أن العملية لم تحصل، وأن نحو الشهر قد مضى على الانقلاب، وأن الانقلابيين ما زالوا يسيطرون على الوضع.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

أعلن «الكرملين»، اليوم الخميس، أن القوات الروسية ستبقى في مالي لمساعدة الحكومة التي يقودها ​الجيش في البلاد على محاربة جماعات مسلّحة، وذلك بعد هجوم مفاجئ شنّته جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق.

وأدلى دميتري بيسكوف، المتحدث باسم «الكرملين»، بهذا التصريح ‌بعد أن سأله ‌أحد الصحافيين عن ​رد ‌روسيا ⁠على ​بيان قِيل ⁠إنه صادر عن متمردين قالوا فيه إنهم يريدون مغادرة روسيا مالي؛ لأنهم يعتقدون أن المجلس العسكري الحاكم لن يبقى طويلاً دون الدعم الروسي.

وأضاف بيسكوف: «وجود روسيا هناك يرجع، في ⁠الواقع، إلى حاجة حددتها الحكومة ‌الحالية. وستواصل ‌روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وظواهر ​سلبية أخرى، بما ‌في ذلك في مالي، وستواصل ‌تقديم المساعدة للحكومة الحالية».

وقُتل ساديو كامارا، وزير دفاع مالي، الذي تلقّى تدريبه في روسيا، خلال تفجير انتحاري وقع في مطلع ‌الأسبوع، واضطر فيلق أفريقيا الروسي، وهو جماعة شبه عسكرية تسيطر ⁠عليها ⁠وزارة الدفاع، إلى الانسحاب من كيدال وهي بلدة مهمة ساعد مرتزقة روس في السيطرة عليها في 2023، واضطرت موسكو إلى استخدام طائرات هليكوبتر مسلّحة وقاذفات قنابل استراتيجية لصدّ المتمردين.

ويقول محللون سياسيون إن صورة روسيا على أنها ضامن للأمن في أفريقيا تضررت من هذه الوقائع، وإن مصالحها ​الاستراتيجية والاقتصادية في ​القارة أصبحت الآن مهددة بسبب هذه الاضطرابات.


روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

رفضت موسكو، الخميس، دعوة المتمردين الطوارق إياها إلى سحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.

وحمل الموقف، الذي أعلنه الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، تحدياً مباشراً لمطالب تحالفٍ معارض ضم الانفصاليين الطوارق ومجموعات متشددة شنت أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري في البلاد، وبدا أن روسيا تسعى إلى إعادة ترتيب صفوف قواتها وشن هجمات معاكسة بعدما نجح هجوم المتمردين خلال الأيام الماضية في إبعاد قوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من مناطق في شمال البلاد. وقال بيسكوف، الخميس، إن القوات الروسية «ستبقى في مالي» مؤكداً رفض موسكو دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي بالكرملين يوم 23 يونيو الماضي (رويترز)

وفي أول تعليق رسمي على تطورات الوضع في هذا البلد الأفريقي، أوضح بيسكوف أن «وجود روسيا في مالي يستند إلى طلب رسمي من الحكومة الحالية»، مضيفاً أن روسيا «ستواصل التعاون مع القيادة المالية لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة». وزاد: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي».

وكان لافتاً أن الرد الروسي على دعوة المتمردين جاء من المستوى العسكري أيضاً. ورغم أن وزارة الدفاع تجنبت توضيح الوضع الميداني لقواتها في مالي، فإن صحيفة «كراسنايا زفيزدا (النجمة الحمراء)»، الناطقة باسم الوزارة، نشرت مقالة لافتة؛ جاءت بصيغة بيان عسكري، أكدت «نجاح القوات الروسية في إحباط تحرك انقلابي في مالي وتكبيد المتمردين خسائر فادحة».

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ووفقاً للصحيفة، فقد «ألحقت وحدات من (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة بالمسلحين في الأفراد والمعدات». وأوضحت أنه «في 25 أبريل (نيسان) 2026 حاولت جماعات مسلحة غير شرعية من (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)، بقيادةٍ وتنسيق مشتركَين، تنفيذ انقلاب مسلح».

ووفقاً للمؤسسة العسكرية الروسية، فقد «قُدّر عدد أفراد الجماعات المسلحة بنحو 12 ألفاً. تلقوا تدريباً على يد مدربين مرتزقة أوكرانيين وأوروبيين، واستخدموا في الهجمات صواريخ من طرازي (ستينغر) و(ميسترال) المحمولة المضادة للطائرات، ذات الطراز الغربي».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وقالت الصحيفة إنه «خلال معارك ضارية ضد قوات معادية متفوقة عدداً وعدة، حققت وحدات (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة في الأفراد والمعدات؛ مما أجبر العدو فعلياً على التخلي عن خططه، وحال دون وقوع انقلاب، وحافظ على سلطة الحكومة الشرعية، ومنع وقوع خسائر بشرية فادحة بين المدنيين».

وأفادت بأن «مفرزة (الفيلق الأفريقي) المتمركزة في كيدال (شمالي شرق) قاتلت لأكثر من 24 ساعة وهي محاصرة تماماً، ضد قوة متفوقة عددياً من الجماعات المسلحة غير الشرعية، وصدت 4 هجمات واسعة النطاق على المعقل الرئيسي والمواقع الأمامية... حالياً، وبقرار من القيادة المالية، انسحب الجيش الوطني وقوات (الفيلق الأفريقي) من المعقل في كيدال».

وأكدت أن وحدات «(الفيلق الأفريقي) تواصل تنفيذ مهامها الموكلة إليها، وهي على أهبة الاستعداد لصد هجمات المسلحين، حيث تُجري عمليات استطلاع نشطة وتدمير لمعسكرات الجماعات المسلحة غير الشرعية والأهداف المحددة».

عكَس هذا البيان، الذي نشرته الصحيفة، أن القوات الروسية نجحت في إعادة ترتيب صفوفها والتقاط أنفاسها بعد انسحابها من مدينة كيدال، وأنها تستعد لشن هجمات معاكسة.

وكان الانسحاب من هذه المنطقة شكل هزة قوية لمكانة ونفوذ «الفيلق الأفريقي» الذي يضم مرتزقة كانوا سابقاً ينشطون في إطار «مجموعة فاغنر» العسكرية. وبعد مقتل زعيم المجموعة، يفغيني بريغوجين، قبل 3 سنوات، أعادت وزارة الدفاع تنظيم صفوف المجموعة، وأطلقت عليها تسمية «الفيلق الأفريقي» ووضعتها تحت إمرة الوزارة بشكل مباشر.

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وتجنب الكرملين في وقت سابق، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع بشأن التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

وكانت مواجهات قوية اندلعت السبت الماضي في مالي، بعدما شن تحالفٌ يضم مجموعات متشددة موالية لتنظيم «القاعدة»، ومتمردون من الطوارق، هجماتٍ مركزة في عدد من المدن؛ بينها العاصمة باماكو.

وأفادت تقارير بأن المعارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي. ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمالي شرق) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات واستُهدفت طائرة عسكرية روسية. وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية عن أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة لـ«الفيلق» ووفاة من كانوا على متنها.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين سابقاً بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. فيما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات عن أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة جُرّدت بموجبه المجموعات من سلاحها وأُجبرت على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير «مركز الدراسات الأفريقية»، فإن القتال، واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي. ورغم ذلك، فإن مصدراً مُقرّباً من القوات الروسية في مالي أفاد صحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقد بعد.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(الفيلق الأفريقي) منع عزل شمال البلاد. يراقب كثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما أن المنطقة غنية بالموارد، خصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

وكتب الخبير العسكري، إيفان ليسيوك، أن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ فإن خسارة كيدال تُعدّ هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وزاد أن «خسائر (الفيلق الأفريقي)، والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشيران بوضوح إلى أن (الفيلق) يخسر مواقعه تدريجياً»، مرجحاً أن ينعكس الوضع، إذا استمر على هذا المنحى، على النفوذ الروسي عموماً في أفريقيا. وتفسر هذا مسارعةُ الكرملين إلى إعلان رفض دعوات المتمردين والإصرار على مواصلة القتال لدعم الحكومة الحالية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وكان لافتاً الخميس أن موسكو، إلى جانب اتضاح الموقفَين السياسي والعسكري، أعلنت أنها أرسلت شحنات مساعدات غذائية عاجلة إلى مالي. ووفقاً لبيان روسي، فقد شُحِن 770 طناً من البازلاء ضمن برنامج مساعدات إنسانية دولي عاجل تُنسقه الأمم المتحدة.

وقالت موسكو إن شحنة المساعدات تأتي في إطار نشاط واسع لتزويد مالي وبلدان أفريقية أخرى بالحبوب والمواد الغذائية الأخرى لمواجهة صعوبات اقتصادية.


تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.