كيف يستخدم «انقلابيو النيجر» ورقة بازوم لمواجهة الضغوط الخارجية؟

بعد تهديدهم بمحاكمته بتهمة «الخيانة»

عناصر من قوات الأمن في النيجر (رويترز)
عناصر من قوات الأمن في النيجر (رويترز)
TT

كيف يستخدم «انقلابيو النيجر» ورقة بازوم لمواجهة الضغوط الخارجية؟

عناصر من قوات الأمن في النيجر (رويترز)
عناصر من قوات الأمن في النيجر (رويترز)

جاء إعلان المجلس العسكري في النيجر نيته محاكمة الرئيس محمد بازوم بـ«تهمة (الخيانة)» ليمثل خطوة إضافية ضمن عدة إجراءات للتعامل مع بازوم، الذي أعربت عدة دول ومنظمات إقليمية ودولية عن قلقها بشأن «سلامته الشخصية». ودعت إلى «إطلاق سراحه وإعادته للحكم». وهنا أثيرت تساؤلات حول استخدام «انقلابيي النيجر» ورقة بازوم لمواجهة الضغوط الخارجية.

وقال المتحدث باسم المجلس العسكري، أمادو عبد الرحمن، في بيان للتلفزيون الرسمي، مساء الأحد، إن السلطات العسكرية «جمعت الأدلة اللازمة لمحاكمة الرئيس المخلوع بتهمة الخيانة العظمى وتقويض الأمن الداخلي والخارجي للنيجر». وأضاف أن هناك ما وصفه بـ«حملة تضليل ضد المجلس العسكري لمحاولة إخراج أي حل تفاوضي للأزمة عن مساره من أجل تبرير التدخل العسكري باسم (الإيكواس)».

عناصر من قوات الأمن في النيجر يقفون خلال مظاهرة مؤيدة للانقلاب العسكري أمام قاعدة للجيش الفرنسي في نيامي 11 أغسطس 2023 (رويترز)

وعدّ متخصصون في الشأن الأفريقي تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «استخدام ورقة رئيس النيجر المعزول، سواء ما يتعلق بسلامته الشخصية أو حالته الصحية أو اعتزام محاكمته، نوع من الضغط المضاد، الذي تستخدمه السلطات الحاكمة في النيجر حالياً لمواجهة الضغوط الخارجية عليها، ولفتح مساحة لجدال فرعي يصرف الأنظار عن القضية المركزية؛ وهي الاستيلاء على الحكم».

واستولى عدد من قادة الجيش والحرس الجمهوري في النيجر على الحكم، في 26 يوليو (تموز) الماضي. وقرروا على الفور احتجاز الرئيس محمد بازوم وأفراد أسرته وحكومته، ما أثار حفيظة كثير من المؤسسات الإقليمية والدولية، التي طالبت بالإفراج عن بازوم وإعادته إلى السلطة، وهددت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) بـ«استخدام القوة لإعادة بازوم إلى الحكم»، إلا أنها إلى الآن لم تُقدم على تنفيذ تهديدها.

وفي وقت سابق، أعلن الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والأمم المتحدة، أنهم «قلقون بشأن الظروف التي يحتجز فيها بازوم». وأعرب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، الجمعة الماضي، عن «قلقه الشديد» حيال «تدهور ظروف احتجاز بازوم»، عادّاً معاملة السلطات العسكرية المنبثقة عن الانقلاب له «غير مقبولة».

وفي أعقاب تلك التصريحات، أفاد أحد المقربين من رئيس النيجر المحتجز في مقره بالعاصمة نيامي، لوكالة الصحافة الفرنسية، بأن بازوم تلقى السبت الماضي، «زيارة من طبيبه، وقد جلب الطعام له، وكذلك لزوجته ونجله المحتجزين معه». وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في وقت سابق، إن المعاملة التي يلقاها بازوم وأسرته «غير إنسانية وقاسية»، مشيرة إلى أنه «محروم من الكهرباء منذ 2 أغسطس (آب) الحالي، وليس هناك أي تواصل معه».

وعدّ كريس أنيانو، الخبير النيجيري المتخصص في شؤون غرب أفريقيا، إقدام المجلس العسكري الحاكم حالياً في النيجر على محاكمة بازوم، «تصعيداً متعمداً لتحقيق هدف مزدوج». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن الغرض الأول هو تحقيق «ضغط مضاد» في مواجهة الضغوط التي تمارسها دول مثل فرنسا والولايات المتحدة ومنظمة «إيكواس»، لافتاً إلى أن السلامة الشخصية للرئيس بازوم باتت أولوية بالنسبة لتلك الأطراف، ما يعني أنه يمثل «ورقة ضغط قوية يمكن الاستفادة منها في أي مفاوضات».

وأضاف الخبير النيجيري أن الهدف الثاني يتمثل في «كسب مزيد من التأييد الداخلي في النيجر»، مشيراً إلى أن خطاب محاكمة السلطة ومواجهة الفساد والتعبير عن طموحات المواطنين «يمثل جزءاً من الخطاب التقليدي الذي تتبناه سلطة أي انقلاب، في محاولة لاكتساب الشرعية السياسية»، معبراً عن أن استخدام ورقة الرئيس بازوم يمثل «محاولة لصرف الأنظار عن القضية المركزية؛ وهي الاستيلاء على الحكم، وتحويل النقاش إلى قضايا فرعية تتعلق بسلامة الرئيس المعزول وأسرته»، الأمر الذي يوفر فرصة للسلطة الجديدة لـ«الإفلات من الضغوط».

وتزداد المخاوف بشأن ظروف اعتقال بازوم وأسرته بعد أكثر من أسبوعين على الإطاحة به من السلطة، إذ أعلن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الجمعة، أن القادة العسكريين في النيجر رفضوا الإفراج عن أسرة بازوم في اقتراح لـ«إعطاء بادرة حسن نية».

أنصار المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر يلوحون بالأعلام الروسية والنيجرية أثناء تجمعهم اليوم بالقرب من قاعدة جوية فرنسية (أ.ف.ب)

وفي اتصال هاتفي مع الرئيس النيجيري السابق محمدو إيسوفو، أحد المقربين من بازوم، أعرب بلينكن عن «قلقه البالغ حيال استمرار الاعتقال (غير القانوني) في ظل ظروف متدهورة للرئيس بازوم وعائلته».

ولاحقاً، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، إن الأمم المتحدة تتابع عن كثب مجريات الأحداث بالنيجر، وإنها مطلعة على التقارير المتعلقة بظروف احتجاز الرئيس محمد بازوم وعائلته.

ويعتقد الدكتور أحمد أمل، أستاذ العلوم السياسية المساعد بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة، أن الواقع في النيجر حالياً «بالغ التعقيد والتشابك»، وأن تداخل الاعتبارات الشخصية المتعلقة بسلامة ومستقبل الرئيس بازوم، وكذلك تعقيدات العلاقات الدولية المعنية بالوضع هناك «يعدان مظهراً من مظاهر ذلك التشابك».

ولفت أمل لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الانقلاب الأخير هو ثالث محاولة انقلابية في النيجر خلال عام حكم الرئيس بازوم، وهو ما يعني أنه كانت هناك «نية مبيتة» ومحاولات مدروسة للإطاحة بحكمه، وهو ما يوفر فرصة لأعضاء «السلطة الجديدة» لأن يرتبوا أوراقهم ويستفيدوا من فهم طبيعة البيئة الدولية وصراعات المصالح بين الدول المعنية بالوضع في النيجر من أجل خلق دفاعات لمواجهة الضغوط المتواصلة عليهم للتراجع.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية المساعد أن هناك كثيراً من القوى السياسية الداخلية التي ربما يستهويها الإعلان عن محاكمة الرئيس بازوم، ومن بينها القوى المشككة في شرعية ونزاهة العملية الانتخابية التي جاء بها بازوم إلى السلطة، فضلاً عن قوى شعبية تراها معبراً عن المصالح الغربية عموماً والفرنسية خصوصاً، ومن ثم يمكن أن تزيد تلك الخطوة، وفق رؤية المجلس العسكري، من تأييد بعض قوى الشارع السياسي في النيجر لهم في الوقت الراهن.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الجيش النيجيري يعلن مقتل 38 إرهابياً

رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)
رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)
TT

الجيش النيجيري يعلن مقتل 38 إرهابياً

رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)
رجال شرطة ومواطنون في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

أعلن الجيش النيجيري، يوم الأحد، مقتل أكثر من 38 عنصراً من تنظيم «داعش - غرب أفريقيا»، خلال التصدي لهجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في «مثلث تمبكتو» الواقع في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي نيجيريا.

وقال الجيش، في بيان، إن قوات مشتركة تابعة لعملية «هادين كاي» لمحاربة الإرهاب تصدّت للهجوم، وأطلقت عملية ملاحقة للعناصر الإرهابية أسفرت عن مقتل أكثر من 38 إرهابياً، مشيراً إلى أن العملية نُفذت في محور غارين مالوم - غارين غاجيري، ضمن منطقة «مثلث تمبكتو» في غابة سامبيسا بولاية بورنو، وهي غابة تشتهر بأنها معقل رئيسي لتنظيم «داعش».

عربة للشرطة في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

وأوضح مسؤول الإعلام في العملية العسكرية، المقدم ساني أوبا، أن القوات تصدّت للهجوم على قاعدة «مانداراغيراو» العسكرية التابعة للقطاع الثاني، مشيراً إلى أن «القوات البرية اشتبكت مع المهاجمين عبر عمليات هجومية ودفاعية منسقة، مما أجبرهم على الانسحاب بشكل فوضوي، فيما وفّر سلاح الجو دعماً قريباً، مستنداً إلى معلومات استخباراتية ومراقبة واستطلاع لتعزيز دقة الضربات».

وأضاف المقدم أوبا أن «عمليات الملاحقة على طول مسارات انسحاب الإرهابيين أسفرت عن تكبيدهم خسائر إضافية كبيرة، حيث تم تحييد نحو 38 عنصراً، مع العثور على ثماني جثث أخرى في موقع الاشتباك المباشر».

ونقلت وسائل إعلام محلية عن سكان المنطقة قولهم إنهم شاهدوا أكثر من 30 جثة وعشرات الأسلحة في المنطقة ذاتها، وهو ما عزّزته آثار الدماء والمعدات العسكرية المتروكة في أثناء فرار العناصر إلى داخل الغابة.

كما أعلنت القوات استعادة عدد من الأسلحة، بينها سبع بنادق كلاشنيكوف، وثمانية مخازن ذخيرة، وأربع قذائف «آر بي جيه»، وذخائر متنوعة، من دون تسجيل خسائر في صفوف الجيش، فيما أُصيب عدد من الجنود بسبب إصابة مركبة مدرعة بقذيفة.

عناصر من «الصليب الأحمر» النيجيري في مكان الهجوم المسلح بجوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية الاثنين (رويترز)

وأشار بيان الجيش إلى أن «حجم خسائر التنظيم أثار حالة من الارتياح بين السكان المحليين»، مضيفاً أن ذلك «يعكس استمرار تفوق قوات الجيش في حرمان الجماعات المتطرفة من حرية الحركة في المنطقة، مع استمرار عمليات التمشيط لتعزيز المكاسب الميدانية».

وقالت مصادر أمنية إن مقاتلي «داعش» شنوا هجومهم على القاعدة العسكرية فجر يوم السبت، واستمر لعدة ساعات، حيث هاجم الإرهابيون القاعدة من عدة محاور محاولين اجتياح مواقع القوات، لكنهم قُوبلوا بمقاومة شديدة، وفق تعبير المصادر.

وقال مصدر أمني: «خلال الاشتباك، هاجم المسلحون من اتجاهَيْن بشكل منسق، لكن القوات صمدت في مواقعها وتعاملت معهم بفاعلية». وأضاف أن المسلحين تمكنوا، في أثناء تبادل إطلاق النار، من إحراق آليتين عسكريتين.

وأوضح المصدر أن وصول تعزيزات عسكرية من طرف قوات التدخل السريع حسمت المواجهة لصالح الجيش. وأضاف: «وصلت قوة التعزيز في الوقت المناسب، واشتبكت مع المهاجمين ونجحت في صد الهجوم».

من جهة أخرى، قتل مسلّحون عشرة أشخاص على الأقل في حانة بجوس، عاصمة ولاية بلاتو التي تشهد اضطرابات في نيجيريا، مما أدى إلى اندلاع أعمال عنف أسفرت عن مقتل عشرة آخرين، وفق ما أفادت مصادر محلية الاثنين. وقال نائب رئيس مجلس الحكومة المحلي، كبيرو ساني، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «بعض المسلّحين على متن درّاجات نارية فتحوا النار» على حانة مساء الأحد في منطقة جوس الشمال.

وأكد المسؤول في «الصليب الأحمر» في ولاية بلاتو، نور الدين حسيني ماغاجي، الهجوم وقدّر حصيلة القتلى بـ12 شخصاً. ولفت إلى أن جماعة انتقامية ردّت على الهجوم. وأفاد قيادي شبابي محلي بمقتل «نحو 10 أشخاص» في أعمال العنف التي نفّذتها المجموعة، في حين قال ساني إن مجموع القتلى بلغ 27 شخصاً.

وتعيش نيجيريا منذ أكثر من 17 عاماً على وقع تمرد مسلح دموي أطلقته جماعة «بوكو حرام» عام 2009، وتفاقم أكثر عند دخول تنظيم «داعش» على الخط عام 2016، ويتركز في مناطق واسعة من شمال وشمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف وتهجير الملايين من قراهم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
TT

مخاطر الفراغ الأمني تتصاعد في شرق الكونغو مع تلويح أوغندا بسحب قواتها

أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)
أفراد من الجيش الأوغندي ضمن قوات قوة شرق أفريقيا الإقليمية (رويترز)

تواجه الكونغو الديمقراطية منذ عامين تصاعداً للعنف، مع سيطرة متمردين وجماعات مسلحة على مناطق حيوية في شرق البلاد، بينما تصطدم جهود مواجهة تلك التهديدات الأمنية بتلويح أوغندا بسحب قوات بلادها ووقف الدعم المستمر منذ سنوات.

ذلك التلويح الذي يتزامن مع نشاط يتنامى للمتمردين، يرى خبير مختص في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يزيد من مخاطر الفراغ الأمني، ويساهم في اتساع التوترات العسكرية وسط تراجع مسار السلام منذ بداية العام الحالي رغم اتفاقات عديدة شهدها عام 2025.

وأعلن قائد الجيش الأوغندي، موهوزي كاينيروغابا، أن قوات الدفاع الشعبي الأوغندية قد تبدأ الانسحاب من مواقعها الممتدة بين شمال كيفو وإيتوري، في حال استمرار ما وصفه بـ«العراقيل السياسية» التي تعوق تنفيذ مهامها الميدانية.

وتأتي هذه التطورات وسط توتر متزايد مع حاكم إيتوري، جوني لوبويا نكاشاما، الذي فرض قيوداً على تحركات القوات الأوغندية، شملت الحد من الوصول إلى نقاط حدودية حساسة، وهو ما تعتبره كمبالا عائقاً أمام عملياتها العسكرية، حسب ما ذكره إعلام أوغندي مساء الجمعة.

في المقابل، تدعم الحكومة في كينشاسا إجراءات حاكم إيتوري، في إطار مساعيها لتعزيز سيادتها على الملف الأمني وتقليص دور القوات الأجنبية داخل أراضيها.

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن التلويح الصادر من كمبالا بشأن تقييد حركة قواتها أو حتى الانسحاب من شرق الكونغو، يعكس توتراً متصاعداً في العلاقة مع كينشاسا، خصوصاً في ما يتعلق بوجود القوات الأوغندية داخل إقليم إيتوري.

هذا الوجود منذ 2021، حسب عيسى، كان قائماً على تفاهمات أمنية هدفها ملاحقة الجماعات المسلحة، لكنه يبدو اليوم أكثر هشاشة مع بروز خلافات حول حرية الحركة والصلاحيات الميدانية.

وفي حال انسحاب أو تقليص هذا الوجود، فإن أبرز ما سيترتب عليه هو اتساع الفراغ الأمني، في منطقة تعاني أصلاً من تعدد الجماعات المسلحة وضعف سلطة الدولة، خصوصاً وهذا الفراغ غالباً ما يستغل بسرعة من قبل الفصائل المسلحة لإعادة الانتشار أو تكثيف الهجمات، ما يعني احتمال ارتفاع مستوى العنف بدل احتوائه، وفق تقدير عيسى.

كما أن أي تراجع في التنسيق بين أوغندا والكونغو الديمقراطية قد يضعف عمليات المراقبة على الحدود، ويزيد من اضطراب حركة السكان والتجارة، خصوصاً في المناطق الغنية بالموارد مثل إيتوري، حيث تتداخل المصالح الأمنية بالاقتصادية بشكل معقد، وفق عيسي.

وأوضح أنه مع تراجع الفاعل الإقليمي الأوغندي، قد تتجه أطراف أخرى إلى ملء الفراغ، سواء عبر تدخلات غير مباشرة أو عبر دعم مجموعات محلية، ما يعقّد المشهد أكثر.

ووفقاً للمحلل صالح إسحاق عيسى، فإن الخطر الأكبر في هذه الحالة لا يكمن فقط في انسحاب قوة عسكرية، وإنما في غياب بديل فوري قادر على ضبط الوضع، وهو ما قد يدفع شرق الكونغو إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية بشكل أكثر حدة.

جنود من قوات الدفاع الشعبية الأوغندية يركبون فوق شاحنتهم العسكرية (رويترز)

يأتي هذا التلويح الأوغندي مع استمرار تصعيد الحركات المسلحة والمتمردة في عملياتها، وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وقبل نحو أسبوعين، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا)، في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في مناطق شرق الكونغو»، وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وفي ضوء ذلك يعتقد المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن الأوضاع الأمنية في شرق الكونغو مرشحة للتفاقم، إذا استمر ضعف التنسيق بين حكومة الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة، ومع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وتعددها في إقليم إيتوري.

ويغذي ذلك، حسب عيسى، أي خلاف سياسي أو عسكري بين كينشاسا وكمبالا مما تتسع معه فرص الانفلات الأمني بسرعة، محذراً من أي تراجع في وجود القوات الأوغندية أو تقليص لحركتها قد يخلق فراغاً أمنياً تستغله الجماعات المسلحة لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها، ما يؤدي إلى زيادة الهجمات والنزوح وقطع الطرق الحيوية.

ويعتقد عيسى أن الحل يبدأ باتفاقات واضحة بين الكونغو والدول المتدخلة، لا سيما الكونغو، تحدد بدقة مهام القوات ومدة بقائها وآليات التنسيق الميداني.

كما يحتاج الأمر إلى نزع سلاح الجماعات المسلحة بشكل فعلي وإعادة دمج عناصرها في المجتمع، مع تحسين الأوضاع الاقتصادية ومعالجة التهميش الذي يغذي الصراع منذ سنوات، وفق عيسى، لافتاً إلى أنه من دون ذلك، ستبقى أي تهدئة مؤقتة هشة وقابلة للانهيار، وسيظل شرق الكونغو يدور في دائرة من العنف المتجدد بدلاً من أن يتجه نحو استقرار مستدام، ولن يكون سببه فقط انسحاب قوات دول مجاورة بل مجمل الأوضاع.

Your Premium trial has ended


20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

20 قتيلاً على الأقل في انزلاقات تربة بتنزانيا

صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)
صورة جوية لانزلاقات التربة (أرشيفية-أ.ف.ب)

أودت انزلاقات تربة ناجمة عن أمطار غزيرة في جنوب تنزانيا بـ20 شخصاً على الأقل، وفق ما أعلنت السلطات، الخميس، مرجّحة ارتفاع عدد الضحايا.

وتشهد منطقة شرق أفريقيا، منذ أسابيع، أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 81 شخصاً على الأقل، وتشريد الآلاف في كينيا المجاورة، هذا الشهر.

وفي تنزانيا، تسببت أمطار تُرافقها رياح قوية بانزلاقات تربة دمّرت منازل، فجر الأربعاء، في منطقة مبيا، وفقاً لما ذكر جعفر هانيو، مسؤول مقاطعة رونغوي؛ حيث وقعت الكارثة.

وقال، للصحافيين: «بلغ عدد القتلى 20 شخصاً»، موضحاً أنه جرى العثور على 18 جثة الأربعاء، وجثتين أخريين الخميس.

وأضاف: «أحد الضحايا طفل يبلغ عاماً ونصف عام»، داعياً السكان إلى «اتخاذ الاحتياطات اللازمة»، وسط توقع هطول مزيد من الأمطار. وحثّ هانيو سكان المناطق المعرَّضة لانزلاقات أتربة على إخلاء منازلهم.

وتوقعت هيئة الأرصاد الجوية التنزانية هطول أمطار غزيرة في معظم أنحاء البلاد حتى الثلاثاء المقبل.

حقائق