النيجر بين التأهب لتدخل عسكري والبحث عن حلول دبلوماسية

اختلاف المقاربات بين واشنطن وباريس

مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
TT

النيجر بين التأهب لتدخل عسكري والبحث عن حلول دبلوماسية

مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)
مسيرة لأنصار المجلس العسكري في نيامي (أ.ف.ب)

من بين كل الدول الغربية المعنية بالتطورات الجارية في النيجر منذ الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم صبيحة يوم 26 يوليو (تموز) الماضي، تبدو فرنسا الأكثر تشدداً في التنديد بالانقلابيين، وتقف داعمة للمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) لدفعها إلى اعتماد الخيار العسكري كأحد الخيارات المطروحة لتحرير بازوم وإعادته إلى السلطة واستعادة الانتظام الدستوري.

برز ذلك بوضوح كبير في البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية الفرنسية، ليل الخميس إلى الجمعة، عقب المقررات التي صدرت عن قادة «إيكواس» في قمتهم الثانية الخميس في أبوجا، عاصمة نيجيريا. وجاء في الفقرة الأخيرة من البيان المذكور أن فرنسا «تؤكد دعمها الكامل لمجمل القرارات التي تم تبنيها بمناسبة القمة الاستثنائية لرؤساء دول وحكومات (إيكواس)».

ومن بين القرارات، «تفعيل القوة الاحتياطية» للمجموعة الأفريقية التي من شأنها التدخل في النيجر ضد المجلس العسكري، ما يمكن اعتباره نقطة البداية للعملية العسكرية، مع تفضيل القادة الأفارقة التوصل إلى «حل دبلوماسي». ويأتي في هذا السياق الاجتماع الذي سيعقد السبت في أكرا، عاصمة غانا، لقادة أركان جيوش «إيكواس» بعد قرار قادة المجموعة تفعيل قوة الاحتياط التابعة له. وهذه العناصر كلها تشي بالتوجه نحو حل عسكري إذا باءت جهود الوساطة بالفشل.

تفاوت أميركي - فرنسي

بيد أن هناك عاملاً لا يمكن تجاهله، يتمثّل بالموقف الأميركي وما تريده واشنطن، كما يتبدّى من خلال تصريحات وزير الخارجية أنتوني بلينكن. ويرى مراقبون أن المقاربة الأميركية تبدو متراجعة عن توجهات السياسة الفرنسية «الهجومية» إلى حد بعيد، علماً أن الطرفين و«إيكواس» أيضاً، والأسرة الدولية بشكل عام، يريدون الأمر نفسه، أي فشل الانقلاب والعودة إلى النظام الدستوري.

رئيس نيجيريا يتحدث مع مفوض «إيكواس» خلال قمة المجموعة في أبوجا الخميس (أ.ف.ب)

فقد أعلن بلينكن أن «(إيكواس) المنظمة التي تضم دول غرب أفريقيا تلعب دوراً أساسياً من خلال تأكيدها العودة إلى الانتظام الدستوري، ونحن ندعم ريادتها والعمل الذي تقوم به في هذا المجال». ووضّح بيان لاحق صدر باسمه عن وزارة الخارجية، جاء فيه أن الولايات المتحدة «تقدر عزم (إيكواس) على استكشاف الخيارات المختلفة من أجل (العثور على) حل سلمي للأزمة النيجرية». ويفهم من كلام بلينكن أن واشنطن تريد حلاً سلمياً، وأنها تستبعد من خياراتها الحلول العسكرية.

وحتى اليوم، لم تستخدم واشنطن عبارة «انقلاب عسكري» في توصيف ما حصل في النيجر. لأن معنى ذلك، وفق القانون الأميركي، القطع الفوري للمساعدات الأميركية للنيجر.

كذلك، فإن واشنطن كانت الدولة الغربية الوحيدة التي أرسلت مسؤولة دبلوماسية كبيرة إلى النيجر للتفاوض مع الانقلابيين. وبعكس فرنسا، فإن المجلس العسكري الذي تسلّم السلطة لم يطلب من الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها العسكرية من النيجر، التي تقدّر بـ1100 رجل، يشغلون أساساً قاعدة جوية، شمال النيجر، تنطلق منها المسيرات الأميركية في منطقة الساحل وغرب أفريقيا لجمع المعلومات واستهداف المجموعات الإرهابية.

وفيما المظاهرات والتجمعات التي تحصل في نيامي تندد بالحضور الفرنسي، وتدعو إلى خروج القوات الفرنسية من البلاد، كما سعى المتظاهرون لاقتحام السفارة الفرنسية، لم تستهدف المصالح الأميركية، ولم تسمع أصوات تطالب بخروج القوات الأميركية.

اختلاف أوروبي - أوروبي

واضح اليوم أن واشنطن التي تكرر تمسّكها بالعودة إلى الانتظام الدستوري، وتطالب بالإفراج عن الرئيس بازوم، لا تريد حلاً عسكرياً، بينما باريس لا تستبعده، ولا ترى غضاضة في اللجوء إليه إذا فشلت المقاربات الأخرى. واللافت أن باريس على فراق في مقاربتها للحلول مع دولتين أوروبيتين لهما أيضاً حضور عسكري في النيجر، هما ألمانيا وإيطاليا، وكلتاهما تدعوان إلى الابتعاد عن الحلول العسكرية.

وآخر ما استجد في هذا السياق، تصريحات لوزيرة التنمية الألمانية سيفينا شولتسه التي نقلت بعضها وكالة الأنباء الألمانية، وأكدت فيها أنها ما زالت ترى «إمكان وجود حلول سلمية إذا تمت ممارسة ضغوط كبيرة حقاً» على المجلس العسكري. ودعت الوزيرة الألمانية الأسرة الدولية إلى دعم هذا التوجه، حيث إن الضغوط المكثفة الاقتصادية والتجارية والمالية على قادة الانقلاب كالتي فرضتها دول «إيكواس» من شأنها أن تحملهم على التراجع. وفي ما يبدو أنه تشجيع للقادة الأفارقة لتفضيل الحل السلمي، أعربت الوزيرة الألمانية عن «سعادتها» كون اجتماع القادة الأفارقة ما زال يركز على الحلول السلمية في بلد ومنطقة بالغة الفقر، وبالتالي ليست بحاجة لحروب إضافية غير مضمونة النتائج.

نقاشات حادّة

ثمّة معلومات متداولة في باريس عن نقاشات حادة داخل مجموعة «إيكواس» بين أعضاء يدفعون بشدة نحو التدخل العسكري، كرئيس ساحل العاج وآخرين مترددين يريدون مزيداً من الوقت للتحقق من إمكانية العثور على مخارج سلمية. واللافت، وفق هذه المعلومات، تغير لهجة بولا تينوبو، الرئيس النيجيري الذي يرأس «المجموعة الاقتصادية»، بين لحظة وصوله إلى مقر المؤتمرات في أبوجا، وعقب انتهاء أعمال القمة.

ففي البداية، أعلن تينوبو أنه «من الجوهري أن نعطي الأولوية للمفاوضات الدبلوماسية، وأن يكون الحوار أساس مقاربتنا» للتعاطي مع الانقلاب في النيجر. أما بعد انتهاء القمة، فأعرب عن أمله بالوصول إلى «حل سلمي»، إلا أنه أردف أن اللجوء إلى القوة «ليس مستبعداً»، عادّاً إياه «خياراً أخيراً».

من جهته، بدا الحسن وتارا مستعجلاً للتدخل العسكري، إذ أكد أن بلاده مستعدة لتوفير ما بين 850 إلى 1100 رجل للعملية العسكرية، وأن القادة الأفارقة «أعطوا تعليمات لبدء عملية تفعيل القوة الاحتياطية في أقرب الآجال». وأضاف: «نحن عازمون على إعادة الرئيس بازوم لتسلم مهامه»، مذكّراً بأن «إيكواس» تدخّلت سابقاً في ليبيريا وسيراليون وغامبيا وغينيا بيساو. ويفهم من روح تصريحه أنه لا شيء يمنعها من التدخل في النيجر، فيما تتكاثر التساؤلات والضغوط حول صحة بازوم وظروف اعتقاله مع عائلته إلى حد أن وتارا وصف احتجازه بـ«العمل الإرهابي».

وسيلة ضغط

ترى نياغاليه باغايوكو، الباحثة السياسية ورئيسة المعهد الأفريقي للدراسات الأمنية، كما نقلت عنها صحيفة «لو فيغارو»، أن مقاربة «إيكواس» «لا تخلو من المهارة إذ إنها تسعى، من جهة، لكسب الوقت من خلال تفضيل الحل السلمي. ومن جهة ثانية، تطلق التعبئة العسكرية. الأمر الذي يمكّنها من إلقاء مسؤولية فشل الخيار الدبلوماسي على عاتق الانقلابيين. أما إذا تم التوصل، بين الاستحقاقين، إلى حل سياسي فإنها ستظهر للرأي العام قدراتها الحقيقية التي مكنتها من الوصول إلى حل».

واللافت أن القادة الأفارقة لم يوجهوا إنذاراً للانقلابيين محدود المهلة زمنياً، كما فعلوا بعد اجتماعهم الأول في أبوجا. وتبيّن لاحقاً أنه لم يكن فاعلاً.

من هنا، رغم الحديث عن التدخل العسكري والتحضير له، فإن كثيرين يعدّونه «وسيلة ضغط» على الانقلابيين انطلاقاً من مبدأ أن تبعات الحرب ستكون وبالاً على منطقة الساحل. ويرى كثيرون أن الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية تعد سلاحاً فاعلاً، خصوصاً أن عقوبات «إيكواس» التي فرضت على النيجر لم يسبق فرض مثيل لها على أي من الدول التي عرفت انقلابات عسكرية، وقد بدأت نتائجها بالظهور تباعاً، مثل انقطاع التيار الكهربائي وإغلاق الحدود وغلاء الأسعار ووقف المعاملات المالية. والمتنفس الوحيد المتبقي للانقلابيين هو مالي وبوركينا فاسو، وكلتاهما تعاني من صعوبات اقتصادية جمة. يضاف إلى ذلك أن وقف المساعدات الفرنسية والأوروبية والدولية، سواء أكانت عسكرية أو تنموية أو لدعم ميزانية النيجر، يصبّ في الاتجاه نفسه، وسيكون من نتائجها إحداث شرخ مع المجلس العسكري في بلد يصيب الفقر المدقع، وفق إحصائيات البنك الدولي، أكثر من 10 ملايين نسمة من سكانه البالغ عددهم 25 مليوناً.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
TT

مقتل 17 شخصاً في هجوم لمسلحين على قرية في وسط نيجيريا

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)
أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري في موقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

هاجم مسلحون الأحد قرية في ولاية بينو بوسط نيجيريا، ما أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص، وفق ما أفاد مسؤولون وسكان محليون الأحد.

وتقع ولاية بينو في منطقة تشهد صراعات مستمرة بين المزارعين والرعاة بسبب تنازعهم على الأراضي الخصبة والموارد الطبيعية، فضلا عن عمليات خطف مقابل فدية ترتكبها جماعات مسلحة محلية تعرف باسم «قطاع الطرق».

وأكد المتحدث باسم حكومة ولاية بينو، تيرسو كولا، وقوع الهجوم في قرية مبالوم التابعة لمنطقة غوير ايست، قائلا: «هناك ضحايا بالتأكيد»، مشيرا إلى عدم حصوله بعد على أرقام دقيقة.

وقال أحد السكان، تيرسير نغوتور، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، «أستطيع أن أؤكد مقتل 17 شخصا».

وأضاف «وصل المهاجمون (...) قرابة الساعة الخامسة مساء السبت وأطلقوا النار في جميع الاتجاهات. كنت بعيدا، وعندما غادروا بدأنا البحث عن أحبائنا».

كما أفاد ساكن آخر، غبادي جون، بمقتل «17 شخصا» وإصابة العديد من الأشخاص.

وحمّل حاكم ولاية بينو، هياسينث آليا، مسؤولية الهجوم لـ«رعاة مسلحين مشتبه بهم»، واصفا ما فعلوه بأنه «همجي».


جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
TT

جيش نيجيريا: إنقاذ 31 رهينة بعد هجوم على كنيسة

قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)
قوة من الجيش النيجيري (رويترز - أرشيفية)

أعلن الجيش النيجيري، الأحد، إنقاذ 31 ​مدنياً احتجزوا رهائن خلال هجوم على كنيسة في ولاية كادونا، شمال غربي البلاد، فيما عُثر على 5 قتلى في ‌مكان الواقعة.

وقال ‌الجيش إن ​الهجوم ‌وقع في ​أثناء قداس عيد القيامة في قرية أريكو بمنطقة كاتشيا. وأضاف أن القوات تلاحق منفذي الهجوم، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكّد كاليب ماجي، رئيس «الرابطة المسيحية النيجيرية»، ‌في ‌ولاية كادونا، تعرض كنيستين ​لهجوم ‌في قرية أريكو، ‌الأحد. وأضاف أن 7 قتلوا، فيما احتجز المهاجمون عدداً غير معروف من ‌الرهائن.

وقال ماجي لوكالة «رويترز» للأنباء: «لا تزال عمليات البحث جارية».

وتشهد منطقة، شمال غربي نيجيريا، أعمال عنف منذ سنوات، بما في ذلك عمليات خطف جماعي مقابل فدية ومداهمات للقرى، حيث تعمل جماعات مسلحة من مخابئ في غابات شاسعة ​في ​أنحاء المنطقة.


محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

محاولات لإحياء محادثات السلام في شرق الكونغو

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من حركة «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

عقد الجانبان الكونغولي والأميركي محادثات من شأنها محاولة إحياء مسار السلام المتعثر في شرق جمهورية الكونغو منذ بداية العام الحالي مع تصاعد أعمال العنف.

وبحث الجانبان مستجدات الأوضاع ومسار السلام الذي رعته الولايات المتحدة وقطر على مدار نحو عام 2025، وهو ما يراها متابعون للشؤون الأفريقية محاولات لإحياء المحادثات المتعثرة بهدف خفض التصعيد المستمر، والتأكيد على المضي به رغم انشغالات الوسطاء بتطورات حرب إيران.

واستقبلت وزيرة الخارجية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تيريز فاجنر، القائم بالأعمال بالإنابة في السفارة الأميركية لدى كينشاسا، إيان ج. ماكاري، حيث تناولت المباحثات مسار السلام في واشنطن وباقي المبادرة الأخرى الجارية وتطورات تلك العملية، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الكونغولية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي، وقعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025 بواشنطن، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقعته كينشاسا وحركة «23 مارس» المتمردة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

ويأتي الاجتماع الذي عُقد السبت بعد تعثر يشهده المسار، الذي شهد أواخر مارس (آذار) الماضي إعلان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريدة على «إكس»، أن الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية «التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، بعد اجتماعات في واشنطن، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وجاءت تلك الجهود نحو أسبوعين من مشاركة قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع بحث تنفيذ «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، وسبق أن تم توقيعه مطلع فبراير (شباط) الماضي بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين في الدوحة.

وأوضح المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك المباحثات التي أجرتها كينشاسا مع واشنطن تندرج ضمن سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، في ظل استمرار تصاعد العنف في شرق الكونغو الديمقراطية وتعدد الفاعلين المسلحين وتشابك المصالح الإقليمية.

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وتعكس هذه التحركات، حسب عيسى، «إدراكاً متزايداً بأن المقاربة العسكرية لم تعد كافية، وأن استئناف المسار التفاوضي بات ضرورة لتفادي مزيد من التدهور»، لافتاً إلى أن «نجاح هذه الجهود يظل مرهوناً بمدى التزام الأطراف المحلية، ولا سيما الجماعات المسلحة، بوقف إطلاق النار والانخراط الجاد في العملية السياسية».

ووفقاً لتقدير عيسى، «تستطيع الولايات المتحدة أن تضطلع بدور داعم عبر الضغط الدبلوماسي وتوفير ضمانات تتعلق بوقف إطلاق النار، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، ودعم آليات التحقق الميداني، غير أن فاعلية هذا الدور تبقى محدودة في غياب إرادة داخلية حقيقية».

ويأتي هذا المسار مع تصاعد أعمال العنف، وفي 2 أبريل (نيسان) الحالي، قُتل ما لا يقل عن 43 شخصاً على أيدي متمردي «القوات الديمقراطية المتحالفة» المرتبطين بتنظيم «داعش» في شمال شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حسبما أعلنت القوات المسلحة الكونغولية، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وفي ظل ذلك الوضع، وما يصاحبه من انشغال كل من أميركا وقطر بملفات أكثر إلحاحاً، وعلى رأسها تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، يعتقد المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن المحادثات تأكيد على أولوية الدفع نحو مسار تفاوضي فعلي في شرق الكونغو الديمقراطية، وعدم فقدان الزخم السياسي والدبلوماسي اللازم لبلورة اختراق حقيقي. وأضاف عيسى: «وهذا الانشغال لا يعني بالضرورة غياب المسار التفاوضي، وكما رأينا هناك مباحثات، لكنه يجعله أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى حلّها، حيث تقتصر الجهود على احتواء التصعيد بدل معالجته جذرياً».

مع ذلك، قد يظل الباب مفتوحاً أمام تحركات محدودة أو مبادرات إقليمية بديلة، خاصة إذا ما توفرت إرادة محلية حقيقية لدى الأطراف المتنازعة، وفق تقدير عيسى، محذراً من أن غياب دعم دولي قوي ومنسق، يقلل من فرص تحويل هذه التحركات إلى مسار تفاوضي جاد ومستدام. ويؤكد عيسى أن «أي تقدّم محتمل سيكون بطيئاً وهشاً، وقابلاً للانتكاس عند أول اختبار ميداني، إلا إذا تمت إعادة ترتيب الأولويات الدولية وتكثيف التنسيق الإقليمي، لضمان عدم انزلاق الوضع نحو مزيد من التصعيد، وتهيئة حدٍّ أدنى من الثقة يسمح بفتح نافذة تفاوضية أكثر استدامة».