النيجر: «إيكواس» تؤجل تنفيذ تهديدها وأصوات وازنة تدعو إلى حل سياسي

الانقلابيون يعبئون المدنيين ومالي وبوركينا فاسو لجبهة مشتركة مع نيامي

سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
TT

النيجر: «إيكواس» تؤجل تنفيذ تهديدها وأصوات وازنة تدعو إلى حل سياسي

سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)
سيارات محروقة أمام المقر الرئيسي لـ«حزب الديمقراطية والاشتراكية» الذي يتزعمه الرئيس المخلوع في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

لم تعمد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) إلى تنفيذ التهديد العسكري الفوري الذي أشهرته بوجه الانقلابيين في النيجر في حال تمنعهم عن إطلاق سراح الرئيس المخلوع محمد بازوم المحتجز منذ 26 الشهر الماضي، أي منذ يوم الانقلاب العسكري في أحد أجنحة القصر الرئاسي في العاصمة نيامي، وهو ما كان متوقعاً.

ووعدت مصادر في «إيكواس» صباح الاثنين بإصدار بيان تحدد فيه الخطوات اللاحقة لإرغام الانقلابيين على التراجع، بينما أبدت أربع دول من غرب أفريقيا (نيجيريا، السنغال، بنين وساحل العاج) استعدادها لإرسال قوات للمشاركة في العملية العسكرية التي خطط لها رؤساء أركان جيوش 11 دولة (أعضاء في (إيكواس)) خلال اجتماعات دامت يومين في العاصمة النيجيرية.

وغاب عن تلك الاجتماعات الممثلون العسكريون للنيجر ومالي وبوركينا فاسو وغينيا التي تشكل، إلى حد ما، «جبهة الانقلابيين» بمواجهة جبهة «إيكواس».

حركة عادية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مسؤول في إحدى الدول الأربع، أن التجمع الأفريقي «يحتاج إلى وقت» من أجل التحضير للتدخل العسكري.

وتحيط بالنيجر 7 دول بينها ثلاث ترفض التدخل العسكري أو المشاركة فيه وهي الجزائر وليبيا وتشاد، واثنتان (مالي وبوركينا فاسو) اصطفتا إلى جانب النيجر. ومن بين الدول الأربع المستعدة للمشاركة في التدخل العسكري، ليس من بينها سوى اثنتين لهما حدود مع النيجر وهما نيجيريا وبنين، بينما السنغال وساحل العاج بعيدتان جغرافياً عن النيجر، وبالتالي يتعين نقل وحداتهما إما إلى نيجيريا أو إلى بنين. وفي أي حال، تبدو بنين متأرجحة بين الدعوة لحل سلمي، وبين السير بقرارات «إيكواس».

وبانتظار أن تكشف «إيكواس» عن خططها القادمة، بمناسبة الاجتماع المنتظر عقده يوم الخميس المقبل في أبوجا، وفق أحد المتحدثين باسمها، فإن مزيداً من الأصوات أخذت تدعو لتغليب الحل السياسي - الدبلوماسي على الخيار العسكري؛ لما للأخير من تبعات سلبية على استقرار منطقة الساحل وغرب أفريقيا كلها، ومن إضعاف لجهود محاربة التنظيمات المتطرفة والإرهابية، ناهيك عن الخسائر في الأرواح، خصوصاً في النيجر الذي يعد أحد أفقر بلدان العالم.

وفي هذا السياق، كان لافتاً تأكيد وزير خارجية إيطاليا أنطونيو تاياني، في حديث لصحيفة «لا ستامبا» نُشر صباح الاثنين أن «الطريقة الوحيدة للخروج من الأزمة هي الدبلوماسية». ودعا المسؤول الإيطالي إلى «تمديد المهلة الزمنية» التي أعطتها «إيكواس» للانقلابيين للتراجع عن انقلابهم، وقد انتهت ليل الأحد - الاثنين. وسبق له أن أكد في حديث لقناة «راي نيوز 24» الإخبارية في الرابع من الشهر الحالي أن «الدبلوماسية هي السبيل الوحيدة للحل»، وأنه «من الضروري استبعاد أي تدخل غربي عسكري؛ لأن ذلك سيعد عودة إلى عهد الاستعمار».

كذلك، فإن ألمانيا التي لديها، مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، وحدات عسكرية في النيجر، أعربت عن تحفظاتها إزاء أي عمل عسكري. وقالت الناطقة باسم خارجيتها إن الحل «يمر عبر فرض عقوبات (على الانقلابيين)، وهي مطروحة على الطاولة».

متظاهرون يرفعون أعلاماً روسية في نيامي الأحد (أ.ف.ب)

وسبق للجزائر أن أعربت عن معارضتها الشديدة وكذلك فعلت ليبيا. وأكد المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الليبي اللواء أحمد المسماري أن «ما يحدث في النيجر شأن داخلي»، مضيفاً أن الحرب هناك «لا تخدم المنطقة على الإطلاق. المنطقة متوترة وشعوبها تعاني من الكثير من الأمور، وبالتالي الحرب لا نعتقد أنها الخيار الأول، بل الخيار السياسي والمفاوضات هما الخيار الأول».

ومن بين الدول الكبرى، تعارض الصين العمل العسكري، وجاء في بيان لخارجيتها أن «النيجر ودول المنطقة تتحلى بالحكمة والقدرة لإيجاد حل سياسي للوضع الحالي». وتعد الصين الشريك التجاري والاقتصادي الأول للنيجر.

وأصبح اليوم واضحاً أن نيجيريا تعد الطرف الأكثر نزوعاً نحو الحل العسكري. بيد أن رئيسها بولا أحمد تينوبو أصيب أول من أمس بنكسة سياسية في مجلس الشيوخ الذي رفض طلبه إعطاء الضوء الأخضر للتدخل العسكري.

فضلاً على ذلك، فإن 7 ولايات نيجيرية محاذية للحدود مع النيجر ترفض بدورها الحرب لما لها من انعكاسات على علاقات المدنيين من على جانبي الحدود، حيث تربطهم علاقات إنسانية وثقافية وتجارية.

حركة عادية في نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

وحضّ سياسيون كبار، وفي مقدمتهم المعارضة، الرئيس تينوبو على إعادة النظر في التهديد بالتدخل عسكرياً. لكن الدستور النيجيري ينص على إمكانية تخطي معارضة مجلس الشيوخ في حال وجود «تهديد للأمن الوطني»؛ ما يترك الباب مفتوحاً لـ تينوبو.

بيد أن هذه التحفظات لا تعني أبداً التخلي عن العمل العسكري؛ لأن تراجع «إيكواس» عن تنفيذ تهديدها سيفقدها أية مصداقية للمستقبل. وليس من المستبعد أن دعاته ربما راهنوا على تراجع الانقلابيين؛ إلا أن هؤلاء رفضوا الخضوع للتهديد وبعكس ذلك، دأبوا على تأليب المدنيين لدعم الانقلاب ما برز من خلال التجمع الكبير في أحد ملاعب العاصمة، وعبر إنشاء لجان حراسة من المدنيين وإغلاق المجال الجوي حتى إشعار آخر من أجل «مواجهة التهديد بالتدخل الذي بدأت تتّضح معالمه انطلاقاً من استعدادات البلدان المجاورة».

واتهم الانقلابيون «دولتين في وسط أفريقيا» تتحضران لغزو البلاد.

وأدى الإجراء الأخير إلى إحداث بلبلة في تنظيم رحلات شركات الطيران الغربية إلى المنطقة.

ومن المؤشرات المقلقة طلب الصين من رعاياها مغادرة البلاد، وتشديد باريس على ضرورة تجنب الذهاب إلى النيجر، والتزام الحذر للذين ما زالوا في هذا البلد.

وقالت إيطاليا الأحد إنها خفضت عدد قواتها في النيجر لإفساح مكان في قاعدتها العسكرية للمدنيين الإيطاليين الذين قد يحتاجون إلى الحماية إذا تدهور الوضع الأمني.

وأفادت شركات طيران أوروبية، الاثنين، بحدوث اضطرابات وتعليق رحلات في أنحاء قارة أفريقيا، وذلك بعدما أغلق المجلس العسكري في النيجر المجال الجوي الأحد.

وفي إطار جبهة بمواجهة «إيكواس»، أعلن الجيش المالي الاثنين أن باماكو وواغادوغو بصدد إرسال وفد رسمي مشترك إلى نيامي «تضامناً» مع النيجر في ظل تلويح دول في غرب أفريقيا بتدخل عسكري لمواجهة الانقلاب على الرئيس محمد بازوم.

أكشاك على جانب أحد شوارع نيامي الاثنين (أ.ف.ب)

سيناريوهات التدخل العسكري

ونشرت وكالة «رويترز»، مستندة إلى آراء وتحليلات اختصاصيين، تقريراً مفصلاً حول سيناريوهات التدخل العسكري المحتمل لـ«إيكواس»، فرصدت ثلاثة منها. وجاء في مقدمتها قيام جيوش من المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بـ«غزو أرضي» للنيجر، ما يستدعي مرحلة طويلة من التحضير لتجميع القوى العسكرية. بيد أن خياراً كهذا سيكون محفوفاً بالمخاطر، منها قيام حرب طويلة، وضرب الاستقرار في منطقة الساحل كلها، وإحداث انقسامات خطيرة. وأشار التقرير إلى أن الجنرال عبد الرحمن تياني سبق له أن قاد قوة «إيكواس» لحفظ السلام في ساحل العاج، وبالتالي فإنه يعرف عمل المنظمة من الداخل، وبالتالي كيفية التعاطي معها.

أما الخيار الثاني فيتمثل في عملية كوماندوس ما يستدعي تحضير قوة أرضية صغيرة. وسيكون هدف العملية الإفراج عن الرئيس بازوم، والسيطرة على مواقع السلطة الرئيسية خصوصاً في العاصمة نيامي. وبإمكان القوة الحصول على دعم استخباري من القوات الفرنسية والأميركية المرابطة في النيجر.

وينصب الخيار الثالث على الاستفادة من الانقسامات التي برز بعضها داخل صفوف القوات النيجرية المسلحة التي ليس من المؤكد وقوفها صفاً واحداً وراء الانقلابيين، والدفع باتجاه انقلاب على الانقلابيين.

بيد أن هناك سيناريو غير عسكري وعنوانه الاستمرار في العقوبات المشددة التي فرضت على النيجر من قبل المجموعة الاقتصادية الأفريقية ومن جانب الدول الغربية، وهي الأقسى من الذي عرفته مالي وبوركينا فاسو اللتين عبرتا إلى حكم عسكري عبر الانقلابات.

وفي الوقت عينه، ثمة إمكانية، مقابل الامتناع عن التدخل العسكري، مطالبة الانقلابيين بالعودة إلى الحكم المدني عبر انتخابات جديدة. ويبدو أنهم قبلوا مناقشة طرح كهذا، إلا أنهم امتنعوا عن تقديم أجندة واضحة.

وسبق لـ«إيكواس» أن اعتمدت هذا المخرج مع باماكو وواغادوغو حتى اليوم، وما زال العسكر في السلطة، والعودة إلى الحكم المدني في الثلاجة.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)

التقى قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي، أسيمي غويتا، السفير الروسي، الثلاثاء، في أول ظهور رسمي له منذ الهجمات المنسقة التي نفّذها مسلحون قبل أيام، ​وذلك وفقاً لمنشور على حساب مكتب غويتا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهاجمت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي فرع لتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق، القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو يوم السبت، كما طردت قوات روسية تدعم القوات الحكومية من كيدال في الشمال.

وأثارت الهجمات صراعاً على الأراضي عبر ‌شمال مالي ‌الصحراوي الشاسع، ما زاد احتمالات ​تحقيق ‌مكاسب ⁠كبيرة ​للجماعات المسلحة التي ⁠أبدت استعداداً متزايداً لشنّ هجمات على البلدان المجاورة، وقد توجه أنظارها في نهاية المطاف إلى مناطق أبعد، حسبما يقول المحللون.

مقتل وزير الدفاع

قُتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في هجمات يوم السبت. ولم يظهر غويتا إلا بعد نشر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الثلاثاء.

ووفقاً للمنشور، ⁠ناقش غويتا والسفير الروسي إيغور غروميكو «الوضع الراهن ‌والشراكة القوية بين باماكو ‌وموسكو».

وأضاف المنشور أن غروميكو «أكد مجدداً التزام ​بلاده بدعم مالي في مكافحة ‌الإرهاب الدولي».

مشهد عام لباماكو (رويترز)

ووفقاً للمنشور الصادر عن مكتبه على منصة ‌«إكس»، زار غويتا مستشفى يتلقى فيه المصابون في هجمات السبت العلاج، وقدّم تعازيه لعائلة كامارا.

وأظهر حجم الهجوم، الذي استهدف مواقع متعددة في أنحاء هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا، قدرة غير مسبوقة ‌لجماعات ذات أهداف مختلفة على العمل معاً وضرب قلب الحكومة العسكرية.

وتباهى بينا ⁠ديارا، المتحدث باسم جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، في رسالة مصورة، بأعمال العنف التي وقعت يوم السبت. ووصفها بأنها انتقام من غارات الطائرات المسيرة وغيرها من الهجمات التي شنّتها قوات مالي.

وهدّد ديارا بفرض حصار على باماكو، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة. وقال في الرسالة: «اعتباراً من اليوم، باماكو مغلقة من جميع الجهات».

وقالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إن القوات المتمردة والانفصالية في مالي تعيد تنظيم صفوفها بعد أن ​ساعدت قوات موسكو في ​إحباط انقلاب يوم السبت، ما منع المتمردين من الاستيلاء على منشآت رئيسية، من بينها القصر الرئاسي.


مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أودى هجوم شنه متطرفون ومتمردون من الطوارق، السبت، على مدينة كاتي المالية التي تعدّ معقلاً للمجلس العسكري، بـ23 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، وفق ما أفاد مصدر طبي لم يشأ الكشف عن هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال هذا المصدر: «أدى الهجوم على مخيم كاتي إلى مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت حصيلة سابقة لهجمات السبت وما أعقبها من معارك، أشارت إلى إصابة 16 مدنياً وعسكرياً، وفق ما أعلن المجلس العسكري.


انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
TT

انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

دوَّت انفجارات قوية في محيط مطار باماكو الدولي، ليل الاثنين - الثلاثاء، لتكسر الهدوء الحذر الذي ساد المدينة ومحيطها طيلة يوم الاثنين، بعد هجمات إرهابية منسقة ومواجهات بين الجيش ومقاتلي «القاعدة» خلال يومي السبت والأحد.

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

وقال سكان محليون إن انفجارين قويين على الأقل وقعا في محيط المطار، قبل أن يعود الهدوء إلى المنطقة، دون أن تصدر أي معلومات حول طبيعة هذين الانفجارين، كما شوهدت فيما بعد مروحيات عسكرية تحلّق في المنطقة.

وقال مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في باماكو إنه قبيل الانفجارين شوهدت قافلة تضم سيارات «بيك آب» وشاحنات لنقل الجنود وهي تتجه بسرعة فائقة نحو المطار، كما حلَّقت طائرة عسكرية في سماء المنطقة لفترة وجيزة.

وكان حي سينو الذي يقعُ فيه المطار ومواقع عسكرية حساسة، مسرحاً لمواجهات عنيفة يوم السبت بين الجيش المالي ومقاتلي «جماعة النصرة»، الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، والمتحالفين مع متمردين من الطوارق في إطار «جبهة تحرير أزواد».

وقُتل في هذه المواجهات وزير الدفاع ساديو كامارا، في حين لا يزال الرئيس أسيمي غويتا ورئيس المخابرات مختفيين عن الأنظار، وسط شكوك وشائعات حول مصيرهما.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

الحكومة تتحدث

وللمرة الأولى منذ الهجمات الإرهابية التي ضربت مواقع حساسة في باماكو، ظهر رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا، وهو يزور عدداً من المصابين في المستشفى، قبل أن يعقد مؤتمراً صحافياً أكد خلاله عزم بلاده على «استئصال الإرهاب». وقال مايغا إن حكومته عازمة على الاستمرار في مواجهة الإرهاب، وأضاف أن «الخوف لا مكان له»، قبل أن يطلب من الشعب المالي الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في حربها ضد الإرهاب.

واتهم مايغا «جهات خارجية» دون تسميتها، بدعم الإرهابيين في الهجوم الكبير الذي استهدف العاصمة باماكو ومدناً عدّة في وقت متزامن، كما عدَّ أن هذه الهجمات كانت تهدف إلى زرع الرعب، وزعزعة التماسك الوطني، وإضعاف مؤسسات الفترة الانتقالية. ولكن مايغا أعلن أن «ردة فعل القوات المسلحة المالية تمكنت من تحييد مئات الإرهابيين»، مؤكداً أن الجماعات المسلحة «فشلت في تحقيق أهدافها».

رواية الجيش

وفي وقت سابق من الاثنين، أعلن الجيش المالي، أنه تمكن من تحييد أكثر من 200 إرهابي، خلال التصدي للهجمات، وقال في بيان إنه «حيَّد أكثر من 200 إرهابي وصادر كميات كبيرة من الأسلحة»، قبل أن يصف رده على الهجمات الإرهابية المتزامنة والقوية بأنه كان «مناسباً ومتناسباً».

وأوضح الجيش أنه شن عمليات عسكرية في معظم المناطق المستهدفة. وخاصة في العاصمة باماكو ومدن غاو وسيفاري وموبتي، دون أي إشارة إلى استهداف مدينة كيدال، في أقصى شمال البلاد، والتي وقعت تحت سيطرة المتمردين الطوارق.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

وقال الجيش إن مقاتلي الجماعات الإرهابية استخدموا الزي العسكري من أجل التسلل بين السكان المدنيين وتأمين الإمدادات بالقرب من المدن والقرى، وأضاف أن هدف هذه الجماعات هو «إضعاف البلاد من خلال ممارسة ضغط مستمر على المجتمعات المحلية ونقاط التموين».

وحذَّر الجيش من الانجرار وراء الشائعات، وطلب من السكان «التزام الهدوء وعدم الانجرار» وراء المعلومات المضللة، والاعتماد حصراً على البلاغات الرسمية الصادرة عن هيئة الأركان العامة، مؤكداً مُضيه في الحرب على الإرهاب.

حصار باماكو

تشهد العاصمة المالية اشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

إلى ذلك، أكدت مصادر محلية أن عناصر «القاعدة» كانوا يتحركون على متن مئات الدراجات النارية في محيط العاصمة باماكو، وقد أغلقوا عدداً من الطرق الوطنية المؤدية إلى المدينة التي يزيد تعداد سكانها على 3 ملايين نسمة. وتحدثت هذه المصادر عن إغلاق الطرق التي تربط باماكو بالحدود مع موريتانيا، والأخرى التي تربطها بدولة ساحل العاج (كوت ديفوار)، وسط مخاوف من إغلاق الطريق المؤدي إلى السنغال.

وتُعدّ مالي دولة حبيسة، حيث تعتمد بشكل مباشر ويومي على ما تستورده من الخارج عبر موانئ الدول المجاورة، وخاصة السنغال، وكوت ديفوار وموريتانيا.

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

قلق فرنسي

وأعربت فرنسا، الاثنين، عن «قلقها» في أعقاب الهجمات، حسب ما أفاد به مصدر دبلوماسي فرنسي. وقال المصدر إن فرنسا «تدين بأشد العبارات أعمال العنف المرتكبة ضد المدنيين»، وتعبر عن «تضامنها مع الشعب المالي». كما أشار المصدر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أن باريس «تولي اهتماماً كبيراً لأمن رعاياها الموجودين هناك»، وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر. ودون الإشارة صراحة إلى المجلس العسكري الحاكم في مالي، أعربت فرنسا عن تطلعها «لإرساء سلام واستقرار دائمين في مالي». ومنذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم في مالي، وصلت العلاقات مع فرنسا إلى القطيعة التامة.

النفوذ الروسي يتعرض لهزة

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

تجنب الكرملين، الثلاثاء، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي، بعد تردد معطيات عن مجموعات «الفيلق الروسي» التابعة لوزارة الدفاع لهجوم مُركَّز نفذه متمردون أجبرها على الانسحاب من مناطق شمال البلاد. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع حول التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

وفي أول تعليق من الكرملين على الأحداث الجارية، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن الكرملين يرغب في عودة «الاستقرار في أقرب وقت ممكن» إلى مالي. وأضاف المتحدث بيسكوف في إيجاز صحافي، الثلاثاء: «نرى أنه من المهم أن يستعيد البلد مساراً سلمياً ومستقراً في أسرع وقت ممكن».

وترتبط موسكو باتفاقيات عسكرية وأمنية مع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وبموجب ذلك استقبلت مالي المئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة، قبل حلها وإحلال مقاتلي «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية مكانها، العام الماضي.

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو أغسطس 2020 (أ.ب)

وأفادت تقارير بأن معارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي الذي كان سابقاً يضم مرتزقة من مجموعات «فاغنر» وتمت إعادة تنظيمه، بعد مقتل زعيمه يفغيني بريغوجين، قبل ثلاث سنوات، وبات تابعاً لوزارة الدفاع الروسية مباشرة.

ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمال شرقي) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات وتم استهداف طائرة عسكرية روسية.

يستقل متمردو الطوارق التابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرَّت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة للفيلق ووفاة من كان على متنها. وامتنع بيسكوف عن الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان «فيلق أفريقيا»، سيكون قادراً على السيطرة على الوضع الميداني.

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضَّلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. بينما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة تم بموجبه تجريد المجموعات من سلاحها وإجبارها على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير مركز الدراسات الأفريقية، فإن القتال واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي.

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

رغم ذلك، أفاد مصدرٌ مُقرّب من القوات الروسية في مالي لصحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقَد بعد. وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(فيلق أفريقيا) منع عزل شمال البلاد. يراقب الكثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما وأن المنطقة غنية بالموارد، وخصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

وكتب الخبير العسكري ايفان ليسيوك إن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ تُعدّ خسارة كيدال هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

وزاد إن «خسائر (فيلق أفريقيا) والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشير بوضوح إلى أن الفيلق يخسر مواقعه تدريجياً». مرجحاً أن ينعكس الوضع على النفوذ الروسي عموماً في القارة الأفريقية.