واشنطن تطالب بإطلاق بازوم «فوراً» وبإعادة الديمقراطية في النيجر

إجلاء «جزئي» و«مؤقت» للسفارة الأميركية والحاكم العسكري يحذر من التدخل

الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
TT

واشنطن تطالب بإطلاق بازوم «فوراً» وبإعادة الديمقراطية في النيجر

الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)
الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم مستقبلاً وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ب)

تعهد وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الخميس، دعم الرئيس النيجري المعزول، محمد بازوم، لإعادة حكومته المنتخبة إلى الحكم، في ظل أمر من الولايات المتحدة بإجلاء جزئي لطاقم سفارتها في نيامي، بعد أسبوع من سيطرة العسكريين على مقاليد السلطة. بينما دعا الحاكم العسكري الجديد السكان إلى الاستعداد للدفاع عن البلاد إذا تعرضت لأي تدخل عسكري خارجي.

وعلى إثر اتصال أجراه مع الرئيس بازوم، المحاصر في القصر الرئاسي، كتب بلينكن في حسابه على تطبيق «إكس»، (تويتر سابقاً): «تحادثت مع الرئيس النيجري بازوم (الأربعاء) لأكرر أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة استعادة حكومة النيجر المنتخبة ديمقراطياً»، مضيفاً أن «سلامته وسلامة عائلته لها أهمية قصوى».

وتزامنت المحادثة الهاتفية بين بلينكن وبازوم مع الذكرى السنوية الثالثة والستين لاستقلال النيجر.

وقال الرئيس جو بايدن، في هذه المناسبة، إن هذه البلاد «تواجه تحدياً خطيراً لديمقراطيتها»، مضيفاً في بيان أنه «في هذه اللحظة الحرجة، تقف الولايات المتحدة إلى جانب شعب النيجر لتكريم شراكتنا الممتدة لعقود من الزمن والمتأصلة في القيم الديمقراطية المشتركة ودعم الحكم الذي يقوده المدنيون». ودعا إلى «الإطلاق الفوري للرئيس بازوم وعائلته، والحفاظ على الديمقراطية التي تحققت بشق الأنفس في النيجر».

وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، بأن تعهد بلينكن «يتفق مع موقف المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) والاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين». وشدد على أن «الولايات المتحدة ملتزمة إيجاد حل سلمي يضمن بقاء النيجر شريكاً قوياً في الأمن والتنمية في المنطقة».

علم روسي كبير خلال مظاهرة في نيامي الخميس (أ.ف.ب)

«فاغنر»

وفي رده على أسئلة الصحافيين، قال ميلر: «رأينا محاولة المجلس العسكري للسيطرة على البلاد (...) بذلنا قصارى جهدنا لعكس هذا الوضع»، مضيفاً أن بلينكن «يعمل مع القادة في المنطقة» بغية «عكس محاولة الاستيلاء على البلاد». وأكد أن إدارة الرئيس جو بايدن «لم تر أي مؤشرات حتى الآن (...) إلى طلب مساعدة (فاغنر)»، مجموعة المرتزقة الروسية الناشطة في عدد من الدول الأفريقية، مستدركاً أنه «لن يتفاجأ برؤية (فاغنر) تحاول استغلال هذا الوضع». ونبّه إلى أن «أي محاولة من القادة العسكريين في النيجر لجلب قوات (فاغنر) إلى النيجر ستكون علامة أخرى على أنهم لا يضعون مصالح الشعب النيجيري في صميم» تحركهم.

وفيما تجنب تسمية ما حصل في النيجر بأنه «انقلاب»، أكد أنه لا يوجد أي مؤشر إلى تهديدات تستهدف الأميركيين في النيجر أو المنشآت الأميركية مثل السفارة. وأضاف: «عموماً، لا يزال الوضع في نيامي هادئاً، لكنه يتغيّر».

ولدى الولايات المتحدة نحو 1000 جندي منتشرين في البلاد، في إطار عمليات مكافحة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل.

* «مغادرة مؤقتة»

تزامن اتصال بلينكن الأخير ببازوم مع الدعوة التي وجّهتها وزارة الخارجية الأميركية بهدف «المغادرة المؤقتة» للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم من نيامي. وأعلنت وزارة الخارجية، في تحديث سفر حول النيجر، أنها أمرت «نتيجة لهذا التطوّر (...) بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين في السفارة» مع عائلاتهم.

زعيم الانقلابيين الجنرال عبد الرحمن تشياني في نيامي في 28 يوليو الماضي (رويترز)

وبصورة موازية، رفعت وزارة الخارجية الأميركية مستوى التحذير بالنسبة إلى النيجر من الدرجة الثالثة إلى الرابعة، ناصحة جميع مواطنيها بعدم السفر إلى هناك بسبب الوضع الأمني. وأوضحت أنها خفّضت النشاطات في السفارة، وأوقفت كل العمليات اليومية، مشددة على أنها لا يمكنها التدخل سوى في حال الطوارئ.

وبالفعل، استقل عدد من المواطنين الأميركيين، الأربعاء، رحلات إجلاء فرنسية وإيطالية من نيامي، لكن الولايات المتحدة لم تأمر بإجلاء شامل لمواطنيها.

وجاء في تحذير السفر أيضاً أن «الجماعات الإرهابية تواصل التخطيط لعمليات خطف وهجمات محتملة في النيجر»، وأن السفارة «لديها قدرة محدودة على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأميركيين في النيجر بسبب الخفض المؤقت في عدد موظفي السفارة».

ونصحت وزارة الخارجية رعاياها الباقين بـ«توخي الحذر الشديد في كل أنحاء البلاد»، و«الابتعاد عن الأنظار» و«وضع خطط إجلاء لا تعتمد على مساعدة الحكومة الأميركية».

* الحاكم العسكري

في غضون، وجّه قائد الحرس الرئاسي الجنرال عبد الرحمن تشياني الذي يتصدر العسكريين الذين استولوا على الحكم، خطاباً إلى مواطني الدولة، الواقعة في غرب أفريقيا، محذراً من التدخل الأجنبي ضد البلاد. وقال: «ندعو الشعب النيجري كلاً وموحداً إلى هزيمة كل أولئك الذين يريدون إلحاق معاناة لا توصف بسكاننا»، مندداً بـ«الذين يعملون بجد لزعزعة استقرار بلدنا».

مظاهرة في نيامي احتجاجاً على العقوبات التي فرضت على النيجر بعد الانقلاب، الخميس (إ.ب.أ)

كما وعد بتهيئة الظروف للانتقال السلمي إلى الانتخابات بعد إطاحة بازوم. وقال أيضاً إن النيجر «تواجه أوقاتاً صعبة في المستقبل»، وإن المواقف «العدائية والمتطرفة» لأولئك الذين يعارضون حكمه «لا تقدم أي قيمة مضافة». ووصف العقوبات التي فرضتها «إيكواس» بأنها «غير شرعية وغير عادلة وغير إنسانية وغير مسبوقة».

ويأتي خطابه هذا وسط تصاعد التوترات الإقليمية، إذ تهدد «إيكواس» باستخدام القوة العسكرية إذا لم يطلق بازوم من الإقامة الجبرية وإعادته بحلول 6 أغسطس (آب) الحالي.

وقد أدانت الدول الغربية الانقلاب بشدة، واعتبر كثير منها النيجر آخر شريك موثوق للغرب في جهود محاربة المتطرفين في منطقة الساحل بأفريقيا. وبالإضافة إلى الجنود الأميركيين، لدى فرنسا 1500 جندي في النيجر يقومون بعمليات مشتركة مع جيشها. وفي هذا الوقت، خرج مئات من أنصار المجلس العسكري في النيجر، الخميس، في مسيرة بالعاصمة نيامي للاحتجاج على عقوبات المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس).

وذكرت «رويترز» أن أحد المتظاهرين رفع لافتة عليها عبارة: «تحيا النيجر وروسيا ومالي وبوركينا. تسقط فرنسا و(إيكواس) والاتحاد الأوروبي». وقال متظاهر آخر، لم يذكر اسمه، لـ«رويترز»: «سنقوم بمظاهرة ضد جميع دول (إيكواس) وكل من يتخذون إجراءات غير إنسانية ولا تحظى بشعبية تجاه النيجر التي تسعى إلى تحرير نفسها من نير الاستعمار».

ومن المقرر أن يختتم كبار مسؤولي الدفاع في دول غرب أفريقيا مناقشاتهم في نيجيريا حول التدخل المحتمل في النيجر، ومع ذلك قالوا إن هذا سيكون الملاذ الأخير.

وعقد الاجتماع الذي استمر يومين بهدف وضع خطة لتدخل عسكري في نهاية المطاف لاستعادة النظام الدستوري، وفقاً لبيان صادر عن مجلس الأمن القومي لساحل العاج.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

أعلن «الكرملين»، اليوم الخميس، أن القوات الروسية ستبقى في مالي لمساعدة الحكومة التي يقودها ​الجيش في البلاد على محاربة جماعات مسلّحة، وذلك بعد هجوم مفاجئ شنّته جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق.

وأدلى دميتري بيسكوف، المتحدث باسم «الكرملين»، بهذا التصريح ‌بعد أن سأله ‌أحد الصحافيين عن ​رد ‌روسيا ⁠على ​بيان قِيل ⁠إنه صادر عن متمردين قالوا فيه إنهم يريدون مغادرة روسيا مالي؛ لأنهم يعتقدون أن المجلس العسكري الحاكم لن يبقى طويلاً دون الدعم الروسي.

وأضاف بيسكوف: «وجود روسيا هناك يرجع، في ⁠الواقع، إلى حاجة حددتها الحكومة ‌الحالية. وستواصل ‌روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وظواهر ​سلبية أخرى، بما ‌في ذلك في مالي، وستواصل ‌تقديم المساعدة للحكومة الحالية».

وقُتل ساديو كامارا، وزير دفاع مالي، الذي تلقّى تدريبه في روسيا، خلال تفجير انتحاري وقع في مطلع ‌الأسبوع، واضطر فيلق أفريقيا الروسي، وهو جماعة شبه عسكرية تسيطر ⁠عليها ⁠وزارة الدفاع، إلى الانسحاب من كيدال وهي بلدة مهمة ساعد مرتزقة روس في السيطرة عليها في 2023، واضطرت موسكو إلى استخدام طائرات هليكوبتر مسلّحة وقاذفات قنابل استراتيجية لصدّ المتمردين.

ويقول محللون سياسيون إن صورة روسيا على أنها ضامن للأمن في أفريقيا تضررت من هذه الوقائع، وإن مصالحها ​الاستراتيجية والاقتصادية في ​القارة أصبحت الآن مهددة بسبب هذه الاضطرابات.


روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

رفضت موسكو، الخميس، دعوة المتمردين الطوارق إياها إلى سحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.

وحمل الموقف، الذي أعلنه الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، تحدياً مباشراً لمطالب تحالفٍ معارض ضم الانفصاليين الطوارق ومجموعات متشددة شنت أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري في البلاد، وبدا أن روسيا تسعى إلى إعادة ترتيب صفوف قواتها وشن هجمات معاكسة بعدما نجح هجوم المتمردين خلال الأيام الماضية في إبعاد قوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من مناطق في شمال البلاد. وقال بيسكوف، الخميس، إن القوات الروسية «ستبقى في مالي» مؤكداً رفض موسكو دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي بالكرملين يوم 23 يونيو الماضي (رويترز)

وفي أول تعليق رسمي على تطورات الوضع في هذا البلد الأفريقي، أوضح بيسكوف أن «وجود روسيا في مالي يستند إلى طلب رسمي من الحكومة الحالية»، مضيفاً أن روسيا «ستواصل التعاون مع القيادة المالية لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة». وزاد: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي».

وكان لافتاً أن الرد الروسي على دعوة المتمردين جاء من المستوى العسكري أيضاً. ورغم أن وزارة الدفاع تجنبت توضيح الوضع الميداني لقواتها في مالي، فإن صحيفة «كراسنايا زفيزدا (النجمة الحمراء)»، الناطقة باسم الوزارة، نشرت مقالة لافتة؛ جاءت بصيغة بيان عسكري، أكدت «نجاح القوات الروسية في إحباط تحرك انقلابي في مالي وتكبيد المتمردين خسائر فادحة».

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ووفقاً للصحيفة، فقد «ألحقت وحدات من (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة بالمسلحين في الأفراد والمعدات». وأوضحت أنه «في 25 أبريل (نيسان) 2026 حاولت جماعات مسلحة غير شرعية من (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)، بقيادةٍ وتنسيق مشتركَين، تنفيذ انقلاب مسلح».

ووفقاً للمؤسسة العسكرية الروسية، فقد «قُدّر عدد أفراد الجماعات المسلحة بنحو 12 ألفاً. تلقوا تدريباً على يد مدربين مرتزقة أوكرانيين وأوروبيين، واستخدموا في الهجمات صواريخ من طرازي (ستينغر) و(ميسترال) المحمولة المضادة للطائرات، ذات الطراز الغربي».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وقالت الصحيفة إنه «خلال معارك ضارية ضد قوات معادية متفوقة عدداً وعدة، حققت وحدات (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة في الأفراد والمعدات؛ مما أجبر العدو فعلياً على التخلي عن خططه، وحال دون وقوع انقلاب، وحافظ على سلطة الحكومة الشرعية، ومنع وقوع خسائر بشرية فادحة بين المدنيين».

وأفادت بأن «مفرزة (الفيلق الأفريقي) المتمركزة في كيدال (شمالي شرق) قاتلت لأكثر من 24 ساعة وهي محاصرة تماماً، ضد قوة متفوقة عددياً من الجماعات المسلحة غير الشرعية، وصدت 4 هجمات واسعة النطاق على المعقل الرئيسي والمواقع الأمامية... حالياً، وبقرار من القيادة المالية، انسحب الجيش الوطني وقوات (الفيلق الأفريقي) من المعقل في كيدال».

وأكدت أن وحدات «(الفيلق الأفريقي) تواصل تنفيذ مهامها الموكلة إليها، وهي على أهبة الاستعداد لصد هجمات المسلحين، حيث تُجري عمليات استطلاع نشطة وتدمير لمعسكرات الجماعات المسلحة غير الشرعية والأهداف المحددة».

عكَس هذا البيان، الذي نشرته الصحيفة، أن القوات الروسية نجحت في إعادة ترتيب صفوفها والتقاط أنفاسها بعد انسحابها من مدينة كيدال، وأنها تستعد لشن هجمات معاكسة.

وكان الانسحاب من هذه المنطقة شكل هزة قوية لمكانة ونفوذ «الفيلق الأفريقي» الذي يضم مرتزقة كانوا سابقاً ينشطون في إطار «مجموعة فاغنر» العسكرية. وبعد مقتل زعيم المجموعة، يفغيني بريغوجين، قبل 3 سنوات، أعادت وزارة الدفاع تنظيم صفوف المجموعة، وأطلقت عليها تسمية «الفيلق الأفريقي» ووضعتها تحت إمرة الوزارة بشكل مباشر.

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وتجنب الكرملين في وقت سابق، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع بشأن التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

وكانت مواجهات قوية اندلعت السبت الماضي في مالي، بعدما شن تحالفٌ يضم مجموعات متشددة موالية لتنظيم «القاعدة»، ومتمردون من الطوارق، هجماتٍ مركزة في عدد من المدن؛ بينها العاصمة باماكو.

وأفادت تقارير بأن المعارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي. ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمالي شرق) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات واستُهدفت طائرة عسكرية روسية. وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية عن أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة لـ«الفيلق» ووفاة من كانوا على متنها.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين سابقاً بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. فيما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات عن أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة جُرّدت بموجبه المجموعات من سلاحها وأُجبرت على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير «مركز الدراسات الأفريقية»، فإن القتال، واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي. ورغم ذلك، فإن مصدراً مُقرّباً من القوات الروسية في مالي أفاد صحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقد بعد.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(الفيلق الأفريقي) منع عزل شمال البلاد. يراقب كثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما أن المنطقة غنية بالموارد، خصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

وكتب الخبير العسكري، إيفان ليسيوك، أن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ فإن خسارة كيدال تُعدّ هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وزاد أن «خسائر (الفيلق الأفريقي)، والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشيران بوضوح إلى أن (الفيلق) يخسر مواقعه تدريجياً»، مرجحاً أن ينعكس الوضع، إذا استمر على هذا المنحى، على النفوذ الروسي عموماً في أفريقيا. وتفسر هذا مسارعةُ الكرملين إلى إعلان رفض دعوات المتمردين والإصرار على مواصلة القتال لدعم الحكومة الحالية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وكان لافتاً الخميس أن موسكو، إلى جانب اتضاح الموقفَين السياسي والعسكري، أعلنت أنها أرسلت شحنات مساعدات غذائية عاجلة إلى مالي. ووفقاً لبيان روسي، فقد شُحِن 770 طناً من البازلاء ضمن برنامج مساعدات إنسانية دولي عاجل تُنسقه الأمم المتحدة.

وقالت موسكو إن شحنة المساعدات تأتي في إطار نشاط واسع لتزويد مالي وبلدان أفريقية أخرى بالحبوب والمواد الغذائية الأخرى لمواجهة صعوبات اقتصادية.


تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
TT

تطورات الأوضاع في مالي تثير قلق فرنسا… طلبت من مواطنيها مغادرة البلد الأفريقي المضطرب

أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)
أسيمي غويتا زعيم الحكومة العسكرية في مالي (يمين) مجتمعاً مع مسؤولين روس من بينهم السفير إيغور غروميكو بقصر كولوبا في باماكو - مالي. الصورة نشرت 28 أبريل الحالي (رويترز)

التاريخ يعيد نفسه في مالي. فقبل 14 عاماً، تمكن تنظيم «النصرة» الإرهابي المسلح التابع لـ«القاعدة» من السيطرة على شمال البلاد وكانت فصائله تتجه جنوباً لمحاصرة العاصمة باماكو، وهو ما يحصل اليوم، حيث التنظيم نفسه و«جبهة تحرير أزواد» المنبثقة عن أتنية «الطوارق» والساعية للانفصال عن السلطة المركزية، اقتربا من باماكو التي يسعيان لفرض الحصار عليها؛ تمهيداً لاقتحامها وتشديد الخناق على حكومة رئيس المجلس العسكري الجنرال أسيمي غويتا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري المالي في الكرملين 23 يونيو الماضي (رويترز)

الأربعاء، أكد محمد المولود رمضان، الناطق باسم «جبهة أزواد»، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس أن «النظام سيسقط عاجلاً أم آجلاً». ووفق قراءته، فإن النظام القائم منذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020 و2021 «لن يقوى على الصمود».

لكن ثمة فارقاً بين ما حصل سابقاً وما يحصل راهناً. فقبل 13 عاماً، طلب رئيس مالي، وقتها، من فرنسا التدخل لمنع المسلحين من السيطرة على باماكو، وجاءت استجابة الرئيس فرنسوا هولند سريعاً جداً؛ إذ عجَّل بإرسال قوة مسلحة سميت «سرفال» نجحت في وقف تقدم المهاجمين نحو العاصمة، ثم استعادت المدن الشمالية الواحدة تلو الأخرى. وفي عام 2014، تحولت «سرفال» إلى قوة «برخان» التي بقيت عاملة في مالي لمحاربة المسلحين والإرهابيين من كل نوع، وقد فاق عديدها خمسة آلاف رجل مدعومين بقوة جوية ومعدات قتالية ثقيلة.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

إلا أن التعبئة السياسية ضد الوجود الفرنسي التي أطلقها الانقلابيون أفضت، في نهاية المطاف إلى انسحاب القوة الفرنسية من مالي عام 2022، ولاحقاً من النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أي من كل ما يسمى «بلدان الساحل». واستبدل الانقلابيون قوة أخرى روسية بالقوة الفرنسية وصلت إلى باماكو تحت مسمى «فاغنر» وتغير اسمها لاحقاً، بعد مقتل قائدها أفغيني بريغوجين، في حادث سقوط طائرته في رحلتها من موسكو إلى سان بطرسبرغ، صيف عام 2023 إلى «أفريكا كوربس».

انسحاب روسي

ومع تسارع الأحداث، أعلن المتمردون الطوارق التوصل إلى «اتفاق» يقضي بانسحاب الجنود الروس التابعين لـ«فيلق أفريقيا» من كيدال. وشدد رمضان على أن «هدفنا هو انسحاب الروس بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها»، مضيفاً: «لقد انتصرنا في جميع المواجهات التي خضناها مع الروس». وأضاف: «ليس لدينا مشكلة خاصة مع روسيا، ولا مع أي دولة أخرى. مشكلتنا تكمن مع النظام الحاكم في باماكو». وقال إن المتمردين ينظرون سلباً إلى التدخل الروسي. وأضاف أن الروس «دعموا من ارتكبوا جرائم خطيرة ومجازر، دمّروا مدناً وقرى ودمروا مراكز صحية ومدارس ومصادر مياه».

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكدت وزارة الدفاع الروسية هذا الأسبوع أن مقاتلي «فيلق أفريقيا» المُرسلين لدعم المجلس العسكري في مالي، أُجبروا على الانسحاب من كيدال. وقال رمضان إن الروس طلبوا ممراً آمناً للانسحاب. وأضاف أن «الروس وجدوا أنفسهم في خطر. لم يكن هناك مخرج... محاصرين من جميع الجهات، طلبوا منا إيجاد حل». وتابع: «عندما أدركوا أنهم لا يستطيعون الصمود أمام قواتنا وقوتنا النارية، طلبوا الانسحاب». وأكد أن المتمردين يعتزمون الآن السيطرة على غاو وتمبكتو وميناكا عقب السيطرة على كيدال.

إحراج فرنسي

أما اليوم، فإن باريس تراقب عن بعد ما يجري في مستعمرتها السابقة التي كانت، خلال عقود، الأقرب إليها. فالحكومة الفرنسية ليست مستعدة لإنقاذ النظام الذي أخرجها من مالي رغم الخوف من تمدد التمرد إلى دول في غرب أفريقيا قريبة جداً من فرنسا، مثل السنغال وساحل العاج. ولعل ما يبرز الإحراج الفرنسي أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل أن تعلق على سيطرة مقاتلي «جبهة أزواد» والإرهابيين يوم 25 الحالي على مدينتي كيدال وغاو الاستراتيجيتين، وعلى مناطق واسعة شمال البلاد، وحتى الاقتراب من باماكو ومن مطارها. ولم يأت التعليق في بيان رسمي أو في تصريح وزاري، بل جاء على لسان دبلوماسي أفاد بأن باريس «قلقة» من التطورات الجارية في مالي، وأنها تدين بأشد العبارات «أعمال العنف المرتكبة بحق المدنيين»، وتعرب عن «تضامنها مع الشعب المالي».

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

وأخيراً، أعرب الدبلوماسي المذكور عن رغبة فرنسا في «إرساء سلام واستقرار دائمين في مالي» من غير الإشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى الحكومة أو المجلس العسكري. وفي السياق عينه، ذكر المصدر الدبلوماسي أن الحكومة «تولي اهتماماً أيضاً بأمن رعاياها» الموجودين في مالي وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحذر.

والأربعاء، دعت فرنسا رعاياها إلى مغادرة البلاد «في ​أقرب وقت ممكن» عقب التطورات الميدانية المقلقة حتى داخل باماكو. وبانتظار مغادرتهم مالي، دعتهم إلى البقاء ⁠في منازلهم والحد من تنقلاتهم واتباع تعليمات السلطات المحلية مع إبقاء أقاربهم على اطلاع على أحوالهم.

ويقيم في مالي، وفق الخارجية الفرنسية، 4198 شخصاً، حسب أرقام العام الماضي. ولا تزال السفارة الفرنسية في باماكو مفتوحة، والمرجح جداً أن تعمد باريس إلى تقليص أعداد العاملين فيها بسبب تردي الأوضاع الأمنية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

حقيقة الأمر أن باريس تستشعر العجز إزاء التطورات الجارية في باماكو؛ إذ إن وسائل التأثير المتوافرة لديها ضئيلة للغاية، لا، بل إنها تكاد تكون معدومة. ومنذ البداية نبَّهت فرنسا من أن ميليشيا «فاغنر» التي نشرت ما يزيد على 2000 عنصر لن تتمكن من الوقوف بوجه الحركات المسلحة والانفصالية، بل إن مهمتها الحقيقية هي حماية النظام وليس المواطنين. وثمة من يرى اليوم في باريس أن ما يحصل حالياً كان مرتقباً، وأن رحيل «أفريكا كوربس» لن يتأخر. ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها ليوم الثلاثاء عن دبلوماسي آخر قوله إن «الهجمات غير المسبوقة تعني فشل القوات المالية وحليفتها الميليشيا الروسية» في السيطرة على الوضع، وفي حال تواصل هجومهم من الشمال إلى الجنوب فهذا يعني «العودة إلى سيناريو عام 2013».

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

البحث عن وسائل جديدة

رغم طلاقهما، نجح الجانبان، المالي والفرنسي، بعد مرحلة التوتر الكبرى بينهما التي رافقت وتبعت خروج القوة الفرنسية، في التفاهم على الحد الأدنى من العلاقات «المعقولة». وبرز ذلك من خلال السماح لفريق من المخابرات الفرنسية بالبقاء في باماكو من ضمن أطر السفارة الفرنسية. وحصلت باماكو على الشيء نفسه في سفارتها بباريس. وتفيد مصادر واسعة الإطلاع في باريس بأن التعاون «المخابراتي» بين الطرفين كان «جيداً» لحاجة كل منهما إلى الآخر.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

بيد أن العلاقات تدهورت مجدداً العام الماضي بعد أن ألقت السلطات المالية القبض على عميل للمخابرات الخارجية الفرنسية، اسمه «يان ف» بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية لإسقاط الجنرال أسيمي غويتا والتآمر على أمن البلاد مع ضباط ماليين، الأمر الذي نفته باريس بقوة. وبطبيعة الحال، ألقي العميل المشار إليه في السجن ورفضت باماكو طلب باريس المتكرر بالسماح له بالعودة إلى فرنسا. وحاولت باريس الاستعانة بوسطاء للضغط على باماكو ومن بينهم المغرب. إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، وتحدثت مصادر عدّة عن تضارب في المواقف لجهة تحديد خط الواجب اتباعه في العلاقات مع مالي.

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

هكذا، تجد فرنسا نفسها اليوم في وضع غير مريح: فهي من جهة لا تستطيع غض النظر عن تطورات الوضع في مالي؛ نظراً لتأثيراته على بلدان الساحل الأخرى وعلى المصالح الفرنسية المباشرة إنْ الأمنية أو الاقتصادية. ذلك أن سيطرة المسلحين على هذا البلد الذي تحيط به سبعة بلدان (موريتانيا، والسنغال، وغينيا، وساحل العاج، وبوركينا فاسو والنيجر، وخصوصاً الجزائر) قد تتحول قنبلة متفجرة في حال سيطر عليه المسلحون الساعون لتوسيع تأثيرهم في منطقة الساحل وأبعد منها، أي في منطقة لباريس مصالح وشراكات كبرى فيها. ومن جهة ثانية، تبحث باريس عن «أدوات» تمكّنها من التأثير على مجرى الأحداث وهي تعي أن الأدوات السابقة التي استخدمتها مراراً من خلال التدخل المباشر لم تعد فاعلة، في حين أطراف أخرى إقليمية مثل الجزائر أو دولية مثل الولايات، المتحدة روسيا والصين حاضرة وجاهزة لملء الفراغ الذي خلفته فرنسا وراءها.