«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

محللون استبعدوا تضحية روسيا بمكاسبها الاستراتيجية

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

لم يقتصر تأثير «التمرد المسلح» الذي أقدمت عليه قوات «فاغنر» في روسيا يوم السبت، على الأراضي الروسية فحسب، فكثير من الدول، بل والقارات، كانت تترقب تداعيات الحدث الذي وُصف بـ«المفاجئ والصادم»، وكانت أفريقيا من بين أكثر المتابعين لتطورات الموقف، حيث تنشط قوات تابعة لـ«فاغنر» في دول عدة بها، سواء بشكل معلن أو سري.

أزمة «فاغنر» طرحت تساؤلات عدة حول مستقبل المجموعة الروسية في القارة السمراء، وإذا ما كانت تحولات القيادة بها ستلقي بظلالها على واقع المجموعة في أفريقيا، أم سيتواصل استخدامها بوصفها ذراعاً لتمديد نفوذ موسكو في القارة، وسط تنافس دولي محتدم (سياسي وعسكري).

ولم يستبعد محللون من دول أفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، استمرار «التوظيفين السياسي والاستراتيجي» للمجموعة الروسية في القارة بوصفها أداة يستعين بها الكرملين في مواجهة استقطاب دولي حاد، إلا أنهم أشاروا إلى احتمالية «قلق مشروع» لدى الدول التي توجد «فاغنر» على أراضيها خشية تكرار سيناريو «الانفلات غير المتوقع».

بديل جذاب

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية ومراكز استراتيجية دولية إلى تمركز قوات تابعة لمجموعة «فاغنر» الروسية في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء.

ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

وأشار تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة.

يقول اللواء دكتور معتصم عبد القادر الحسن، المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية في الخرطوم، «قدمت (فاغنر) خدمات عديدة في ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي في مجال تدريب الجماعات المعارضة، والتخطيط العملياتي»، كما «عملت في السودان مع قوات (الدعم السريع) قبل تمردها»، خصوصاً في مجالي التدريب، وحراسة مناجم الذهب.

ويعتمد مستقبل «فاغنر» في أفريقيا، كما صرح الحسن لـ«الشرق الأوسط» على «طريقة تعامل الحكومة الروسية معها بعد الأزمة الأخيرة»، مشيراً إلى اعتقاده بأن الرئيس الروسي «في احتياج لهذه المجموعة سواء في أوكرانيا أو في أفريقيا؛ لأنها تلعب أدواراً من الصعب على الجيش الروسي الرسمي القيام بها».

وبحسب تحليل المنظمة الأميركية، فإن الحكام الأفارقة «يرون فاغنر بديلاً جذاباً لمصادر أخرى من القوة العسكرية، مثل بعثات الأمم المتحدة، وقوات الاتحاد الأفريقي، وقوات دول من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، التي لا تهتم كثيراً بأفريقيا بخلاف دعم المعارك ضد الإرهابيين المتطرفين».

ولفت تقرير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن «نشر مقاتلي فاغنر في أفريقيا يجري بسرعة، كما أن امتلاكهم أسلحة متطورة يمكّنها من استخدام القوة بسرعة وبلا رحمة، بما يجعلها خياراً مفضلاً لدى عديد من الأنظمة في دول أفريقية تعاني اضطراباً أمنياً وسياسياً».

أدوار متعددة

ويشير تقرير نشره موقع مركز «الحوار الأفريقي» للدراسات السياسية (الأحد) بعنوان «مرتزقة مجموعة فاغنر في أفريقيا: لماذا لم تكن هناك معارضة فعالة لطردهم»، إلى انتشار عناصر المجموعة الروسية في أفريقيا الوسطى منذ عام 2018 للدفاع عن حكومة الرئيس فوستين أرشانغ تواديرا ضد هجمات المتمردين على العاصمة بانغي، وقد حصلت الشركات التابعة لـ«فاغنر» في المقابل على حقوق غير مقيدة في استغلال مناطق بالغابات، والسيطرة على منجم ذهب نداسيما الذي يحقق أرباحاً كبيرة.

ويشير تقرير المركز، الذي تأسس عام 2015 ولديه فروع في دول أفريقية عدة، إلى دور «فاغنر» في موزمبيق عام 2019 للمساعدة في محاربة تنظيم «داعش» في مقاطعة كابو ديلغادو الشمالية، رغم فشلها في احتواء التمرد وانسحابها من المنطقة بعد بضعة أشهر.

وفي السودان تقدم «فاغنر»، منذ عام 2017، خدمات تدريب وحراسة الموارد المعدنية، وفي الآونة الأخيرة ورد أن المجموعة كانت تزود ميليشيا قوات «الدعم السريع» السودانية بالصواريخ خلال حربها ضد الجيش السوداني، كما أشار إلى أدوار لـ«فاغنر» في ليبيا، حيث اتّهمت قوات «فاغنر» خلال عام 2019 بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون وزرع ألغام أرضية في مناطق مدنية.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في مايو (أيار) 2022، «فاغنر» بـ«استخدام الألغام الأرضية المحظورة والفخاخ المتفجرة في ليبيا عامي 2019 و2020»، ودعت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في «تلك الجرائم».

ويتوقع الحسن، أن «يحتفظ بوتين بتلك المجموعة، رغم أحداث السبت، مع إجراء تعديلات مستقبلية في قيادة الجيش ووزارة الدفاع، وتعديلات على دور (فاغنر) في أوكرانيا وأفريقيا»، مشيراً إلى أن المجموعة حققت وجوداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً في أفريقيا و«بتكلفة ليست صفرية وحسب، وإنما بمكاسب ثمينة». ويخلص إلى أن «دور (فاغنر) سيتضاعف في القارة، القارة المغلوبة على أمرها، على حساب تقليص دورها في أوكرانيا»، على حد قوله.

مخاوف مشروعة

وتشير المؤشرات الأولية لتعاطي السلطات الروسية مع أزمة «فاغنر»، إلى أن «هناك حرصاً على الحفاظ على الجسم الرئيسي لها»، كما يلفت الدكتور خالد عكاشة مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ثمة تفرقة بين أدوار المجموعة الروسية في أوروبا، وتحديداً في روسيا وأوكرانيا، والأدوار التي يمكن أن تؤديها خارجياً».

واستبعد عكاشة «الاستغناء عن (المكاسب) التي حققتها روسيا في المستقبل المنظور على الأقل»، لافتاً إلى أن أدوار فاغنر «عززت النفوذ الروسي في عديد من مناطق القارة، وفي مواجهة قوى كبرى، منها الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة وحتى الصين التي لا تتعارض صداقتها مع روسيا مع حقيقة التنافس بينهما في القارة الأفريقية، ومن الصعب التضحية بتلك المكاسب الكبيرة».

ولا تبدو الصورة حتى الآن واضحة في عديد من الدول الأفريقية التي تستعين بخدمات «فاغنر»، فقد رفض المتحدثان باسمَي حكومتي مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى التعليق على أزمة المجموعة الروسية مع سلطات موسكو، لكن في المقابل يرى مدير المركز المصري للفكر، أن هاتين الدولتين ستنتابهما «مخاوف مشروعة»، مشيراً إلى أن «أزمة السبت»، التي أشعلتها «فاغنر» على الأراضي الروسية ستبقى «هاجساً يؤرق الدول التي توجد تلك المجموعة على أراضيها».

ويوضح أن المكون العسكري والاقتصادي لـ«فاغنر» «بات محل شكوك بشأن إمكانية تكرار الانفلات المفاجئ، وهو ما سيجبر الدول المستعينة بخدمات المجموعة الروسية على إعادة حساباتها»، إلا أنه يذهب في الوقت ذاته إلى أن معظم الدول المستعينة بفاغنر «تعاني هشاشة سياسية وأمنية تجعلها لا تستغني عن خدمات المجموعة بسهولة».

سيناريوهات متنوعة

تلك المخاوف لا تبدو بعيدة عن عيون محللي الوضع في دول توجد بها «فاغنر»، ومنها مالي التي كانت من أوائل الدول التي استعانت بخدمات المجموعة الروسية، إذ يتوقع المحلل السياسي المالي باسيرو دومبيا أن تكون للأزمة الأخيرة بين فاغنر والكرملين «عواقب على الجبهة الأمنية في مالي».

ويشير دومبيا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عناصر «فاغنر»، التي لا تحظى باعتراف رسمي في مالي، قدمت خدمات للتدريب والتسليح خلال مكافحة عناصر الجماعات المسلحة التابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وأن هناك أدواراً مهمة تقوم بها العناصر الروسية المدربة جيداً على هذا النوع من القتال.

ويعتقد المحلل المالي أن موقف موسكو من «فاغنر» سيكون له التأثير الأكبر في موقف باماكو من المجموعة الروسية، فحكومة مالي «لا تستطيع التضحية بعلاقاتها مع روسيا، حتى ولو من أجل الحفاظ على فاغنر، لا سيما أن هناك تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً بالغ الأهمية من الصعب التضحية به».

ويبدي الدكتور خالد فهمي مستشار «مركز الدراسات الاستراتيجية»، التابع للقوات المسلحة المصرية، اتفاقاً حول تأثير التعاطي الروسي الرسمي مع «فاغنر»، مؤكداً أن إعادة دمج عناصر المجموعة في المجتمع العسكري الروسي سيكون لها تأثير لافت في حضورها على الساحة الأفريقية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى سيناريوهات عدة لمستقبل «فاغنر» في أفريقيا، منها سيناريو إعادة بناء «داعش» بعد هزيمته في العراق وسوريا، حيث يتم وضع قيادة جديدة بمسمى وأسلوب عمليات مختلف، حيث يمكن أن يشكل أفراد المجموعة ممن لن ينضموا للجيش الروسي نواة لقوات جديدة تستخدم في المواقع ذاتها، لكن بغطاء مغاير، قد توفره الدول المستخدمة لخدمات «فاغنر».

واستبعد فهمي تخلي عناصر «فاغنر» عن مصالحهم الاقتصادية الكبيرة التي تحققت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى إمكانية تأسيس مجموعة مستقلة في أفريقيا، لا تتبع للقيادة المركزية في روسيا، وقد يكون لقيادات الصف الثاني في المجموعة دور لافت، بعد إبعاد مؤسس وقائد المجموعة يفغيني بريغوجين إلى بيلاروسيا، وإذا فشلت تلك القيادات، فقد تذوب عناصر «فاغنر» في صفوف ميلشيات أخرى، وتقدم خدماتها بصورة فردية، مشيراً إلى أن حسم أيّ من تلك السيناريوهات لحضور «فاغنر» في أفريقيا يحتاج إلى وقت قد يمتد إلى أشهر عدة لحين وضوح قرار موسكو بشأن مستقبل المجموعة، وبالأخص خارج حدودها.


مقالات ذات صلة

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أفريقيا تنظيم «القاعدة» يعلن مقتل 4 جنود في هجوم ضد الجيش المالي والفيلق الروسي (تواصل اجتماعي)

«القاعدة»: مقتل 4 جنود في هجوم ضد جيش مالي والفيلق الروسي

أعلن تنظيم «القاعدة»، الثلاثاء، مقتل 4 جنود على الأقل، خلال هجوم استهدف رتلاً من الجيش المالي، كان برفقته جنود من «الفيلق الروسي».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا الجيش المالي أكد مضيّه قدماً في الحرب على الإرهاب (إعلام محلي)

مالي: مقتل 15 إرهابياً بقصف للجيش

أعلن الجيش المالي أنه شن ضربات جوية على معاقل تابعة لجماعات إرهابية، وقتل ما لا يقل عن 15 إرهابياً، في محافظة سيغو، وسط البلاد.

الشيخ محمد (نواكشوط )
أفريقيا صورة نشرتها وزارة الدفاع البيلاروسية يوم الخميس 20 يوليو 2023 لمقاتلين من «فاغنر» وسط مناورات بميدان إطلاق نار بالقرب من مدينة بريست الحدودية (أ.ب)

ما بعد بريغوجين: تراجع النفوذ الروسي في أفريقيا يفتح الباب أمام عودة الغرب

يقول مسؤول عسكري أميركي رفيع إن بعض هذه الحكومات باتت تبحث من جديد عن قنوات تعاون مع واشنطن، حسب تقرير «وول ستريت جورنال»

إيلي يوسف (واشنطن)

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)
شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)
TT

نيجيريا: ضربات جوية ضد معاقل «داعش» والقضاء على عشرات الإرهابيين

شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)
شاحنة للشرطة النيجيرية خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد الانفجارات الانتحارية الثلاثاء الماضي (رويترز)

أعلن الجيش النيجيري تنفيذ ضربات جوية ضد معاقل إرهابية في حوض بحيرة تشاد، أقصى شمال شرقي البلاد، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 61 إرهابياً، وذلك بعد أيام من هجمات انتحارية متزامنة في مدينة مايدوغوري أودت بحياة أكثر من 23 مدنياً.

وقال الجيش إن سلاح الجو النيجيري في إطار عملية «هادين كاي» لمحاربة الإرهاب نفذت ضربات أسفرت عن تدمير موقع تستخدمه جماعات إرهابية نقطةَ انطلاقٍ لتنفيذ هجمات في منطقة حوض بحيرة تشاد.

وحسب ما أعلن الجيش، فإن الموقع المستهدف يقعُ في منطقة أبيرما، حيث توجد أوكار للجماعات الإرهابية في المحور الجنوبي من منطقة بحيرة تشاد بولاية بورنو، وذلك عقب مهمة اعتراض جوي دقيقة نُفذت يوم الثلاثاء الماضي.

جندي أميركي يُدرّب جنوداً نيجيريين بمعسكر بجاجي في نيجيريا (أرشيفية - رويترز)

وقال المتحدث باسم سلاح الجو النيجيري، العميد الجوي إهيمين إيجودامي، في بيان، إن تقييم الأضرار القتالية أظهر أن الضربات قلّصت بشكل كبير قدرة الإرهابيين على استخدام الموقع نقطةَ انطلاق لشن الهجمات عبر حوض بحيرة تشاد، واصفاً المنطقة بأنها معقل مؤكد للعناصر الإرهابية.

وأوضح المتحدث أن العملية نُفذت بناءً على «معلومات استخباراتية موثوقة»، عبر منظومة الاستطلاع والمراقبة، أكدت وجود نشاطٍ مكثف لعناصر إرهابية داخل الموقع. وأضاف: «كشفت المراقبة الجوية اللاحقة عن تحركات للمتمردين حول منشآت مخفية عمداً تحت غطاء نباتي كثيف، وهي تكتيكات تُستخدم عادة لتفادي الرصد».

وتابع المتحدث باسم سلاح الجو النيجيري: «بعد تحديد الأهداف بشكل دقيق والتحقق الصارم وفق الإجراءات العملياتية المعتمدة، نفَّذ سلاح الجو ضربات دقيقة على المواقع المحددة (...)؛ ما أسفر عن تدمير منشآت عدة تابعة للإرهابيين وتعطيل أنشطتهم في المنطقة».

كما أكد المتحدث أن سلاح الجو نجح في تحييد عدد من الإرهابيين خلال إحباط محاولة تسلل في منطقة مالام فاتوري، فجر الأربعاء، في حين أفادت مصادر أمنية بأن الحصيلة الأولية تشير إلى مقتل 61 إرهابياً على الأقل.

شرطي نيجيري خارج مسجد الأدوم الجامع غداة انفجار هزّ المسجد قرب سوق غامبورو في مايدوغوري بولاية بورنو 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

وأكد رئيس أركان سلاح الجو، المارشال الجوي صنداي أنيكي، أن العمليات الجوية المستمرة في جبهات عدة تركز على «حماية المدنيين وتأمين المجتمعات المحلية، بالإضافة إلى حرمان الجماعات الإرهابية والإجرامية من حرية الحركة داخل البلاد».

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من سلسلة تفجيرات انتحارية استهدفت مدينة مايدوغوري، وأودت بحياة 23 مدنياً على الأقل، وإصابة أكثر من 100 آخرين، في هجوم يعدّ من بين الأسوأ في عاصمة ولاية بورنو، منذ سنوات عدة.

ووقعت الانفجارات الثلاثة، مساء الاثنين مباشرة، بعد الإفطار في المدينة ذات الأغلبية المسلمة، مستهدفة سوقاً رئيسية ومدخل أكبر مستشفى جامعي في نيجيريا ومنطقة محيطة بمكتب البريد. وحمّل الجيش جماعة «بوكو حرام - جناح داعش في غرب أفريقيا» مسؤولية الانفجارات في المدينة التي تُعدّ نحو 1.2 مليون نسمة، وحذّر من «تزايد خطر» وقوع هجمات انتحارية في أواخر شهر رمضان.

في غضون ذلك، أدان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود يوسف، التفجيرات الانتحارية التي وقعت في مدينة مايدوغوري، وأعرب في بيان، الأربعاء، عن تضامنه مع حكومة وشعب نيجيريا في هذه الظروف الصعبة، وفق نص البيان.

وجدد رئيس المفوضية رفض الاتحاد الأفريقي القاطع وإدانته الشديدة لجميع أشكال العنف التي ترتكبها العناصر الإرهابية والجماعات المتطرفة العنيفة ضد المدنيين وأفراد الأمن، وأكد أن مثل هذه الأعمال تشكّل انتهاكاً جسيماً لحقوق الإنسان وتقوّض السلم والأمن والاستقرار داخل المجتمعات.

وأشاد رئيس المفوضية بجهود حكومة نيجيريا وسلطات ولاية بورنو، مثمّناً ما وصفه بالجهود المستمرة والجماعية في مكافحة الإرهاب وتحسين الوضع الأمني في مايدوغوري ومحيطها خلال السنوات الأخيرة، مضيفاً أن «هذا الحادث المأساوي يبرز التهديد المستمر الذي يشكّله الإرهاب والحاجة إلى مزيد من اليقظة والصمود».

رجل أمن يتولى الحراسة خارج السوق في مدينة مايدوغوري بعد التفجيرات الثلاثاء الماضي (أ.ب)

ودعا المجتمع الدولي إلى تكثيف دعمه لنيجيريا ومنطقة حوض بحيرة تشاد عموماً، من خلال ما قال إنه «تعزيز المساعدات الإنسانية وبناء القدرات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والاستثمار المستدام في جهود الاستقرار والتنمية لمعالجة جذور التطرف العنيف».

وشدد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي على أن التصدي الفعّال للإرهاب وتحقيق سلام دائم يتطلبان اعتماد مقاربة شاملة تشمل المجتمع بأسره، وتعزيز التعاون، والحفاظ على الالتزام المستمر، وذلك بما يتماشى مع أطر الاتحاد الأفريقي ذات الصلة بالوقاية من النزاعات ومكافحة الإرهاب وبناء السلام، وفق تعبيره.

وظهرت جماعة «بوكو حرام» في مدينة مايدوغوري، حيث أطلقت في 2009 تحركها الذي تحوّل حملةً دموية لتأسيس خلافة في البلاد.

وتراجعت حدة العنف عن الذروة التي بلغها نحو عام 2015، لكن مقاتلين من «بوكو حرام» الموالية لتنظيم «القاعدة» وتنظيم «داعش في غرب أفريقيا» كثّفوا هجماتهم مؤخراً شمال شرقي نيجيريا. وأسفرت حملتهم عن مقتل أكثر من 40 ألف شخص وتشريد نحو مليونين.


15 قتيلا ًعلى الأقل في تشاد جراء هجوم بمسيرة انطلقت من السودان

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
TT

15 قتيلا ًعلى الأقل في تشاد جراء هجوم بمسيرة انطلقت من السودان

آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)
آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

قتل 15 شخصاً على الأقل مساء الأربعاء في بلدة تينيه الحدودية بتشاد في هجوم بمسيرة انطلقت من السودان، وفق مصادر محلية.

وقال مسؤول محلي: «نأسف لمقتل ما بين 15 و16 شخصا جراء هجوم بطائرة مسيرة سودانية خلال جنازة في تينيه بتشاد».

بدوره أكد مصدر عسكري، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، مقتل 16 شخصا في هجوم بطائرة مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع التي تخوض معارك ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023.

ونفت قوات الدعم السريع في بيان على «تليغرام» أي علاقة لها بالهجوم الذي حملت مسؤوليته للجيش السوداني، خصمها في الحرب الأهلية المستمرة منذ ثلاث سنوات.

وامتد النزاع إلى تشاد على الرغم من قرار الحكومة في نهاية فبراير بإغلاق حدودها مع السودان بعد "توغلات متكررة" من قبل الجماعات المسلحة المشاركة في الحرب.

وتسبب صاروخ أُطلق من السودان في نهاية شهر فبراير بأضرار في تينيه.

وتخضع دارفور، وهي منطقة شاسعة في غرب السودان على الحدود مع تشاد، بالكامل تقريبا لسيطرة قوات الدعم السريع.

وفي 21 فبراير، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على بلدة تينيه السودانية الحدودية، وهي توأم بلدة تينيه في تشاد، ولا يفصل بين البلدتين سوى مجرى مائي ضيق جاف في معظم الأوقات.

أسفرت الحرب في السودان عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم بحسب الأمم المتحدة.


بوتسوانا تنفي وجود قاعدة عسكرية أميركية على أراضيها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)
TT

بوتسوانا تنفي وجود قاعدة عسكرية أميركية على أراضيها

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

نفت حكومة بوتسوانا بشكل قاطع وجود قاعدة عسكرية أميركية على أراضيها، واصفةً ما تداولته وسائل إعلام وشخصيات سياسية بأنه «أخبار كاذبة»، في محاولة لإنهاء جدل محتدم منذ أكثر من شهر، بشأن وجود قاعدة عسكرية أميركية في موقع قاعدة «ثيبيفاتشوا» الجوية.

وجاء في بيان صادر عن وزارة شؤون الرئاسة والدفاع والأمن (الثلاثاء): «تؤكد الحكومة أن بوتسوانا لا تستضيف أي قاعدة عسكرية تابعة للولايات المتحدة»، وأوضح البيان أن «قاعدة (ثيبيفاتشوا) الجوية تُعدّ منشأة عسكرية سيادية، مملوكة وتُدار وتُشغّل بالكامل من قِبل حكومة بوتسوانا عبر قوات الدفاع الوطنية».

وأكد البيان أن القاعدة الجوية المذكورة «تخدم المصالح الوطنية من خلال تعزيز قدرات الاستجابة للطوارئ، ودعم عمليات حفظ السلام الإقليمية والجهود الإنسانية، والحفاظ على الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة».

وزير الدفاع بيت هيغسيث في مؤتمر صحافي في البنتاغون في 2 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ورغم إقرار حكومة بوتسوانا بأهمية النقاش العام في الأنظمة الديمقراطية، شددت على ضرورة أن تستند النقاشات المتعلقة بالأمن القومي إلى معلومات موثوقة، محذرة من أن نشر المعلومات المضللة قد يؤدي إلى خلق سوء فهم غير ضروري بين المواطنين والدول المجاورة.

وأكدت السلطات في بوتسوانا التزامها بالتعاون الإقليمي والحوار والاحترام المتبادل، مشددة على استمرارها في تبني الشفافية والمساءلة في القضايا ذات المصلحة العامة، وخلصت إلى تأكيد أن «المعلومات المغلوطة لا تخدم أي طرف، وتُضعف الثقة بين الدول».

وكانت شائعة وجود قاعدة عسكرية أميركية في بوتسوانا قد انتشرت على نطاق واسع داخل البلاد، كما تحدّث عنها سياسيون في جنوب أفريقيا المجاورة، وعدّوا أن وجود هذه القاعدة العسكرية يُشكل تهديداً لأمن المنطقة.

قاعدة «أنجليك» في تركيا (أ.ف.ب)

ويتجدد في دول أفريقيا جنوب الصحراء، خصوصاً في أفريقيا الاستوائية، نقاش متكرر حول الشراكات الأمنية مع القوى الأجنبية، وسط تصاعد وتيرة التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا في القارة الأفريقية.

وسبق أن نفت القيادة الأميركية لأفريقيا (أفريكوم) وجود قاعدة عسكرية دائمة أو قوات أميركية متمركزة في بوتسوانا، كما جدد النفي من طرف السفير الأميركي في بوتسوانا، هاوارد فان فرانكن، في مقابلة مع صحيفة محلية فبراير (شباط) الماضي.

وقال السفير الأميركي رداً على سؤال للصحيفة: «لا، لا توجد قاعدة. لقد تعبتُ من تكرار هذا الأمر. لا توجد قاعدة، ولا نريد قاعدة، لا توجد قاعدة في بوتسوانا ولا في جنوب أفريقيا. هذه مجرد شائعات كاذبة ينشرها مثيرو المشكلات، وأود وضع حد لها نهائياً».

وفي السياق ذاته، أكد السفير: «نحن فخورون جداً بشراكتنا مع قوات دفاع بوتسوانا، وهي شراكة تعود لسنوات طويلة. منذ التسعينيات، قدمت الولايات المتحدة 3 طائرات نقل من أكثر الطائرات تطوراً وفائدة، وهي طائرات (C-130B)، واستخدمتها بوتسوانا بفاعلية كبيرة في مهام إنسانية متنوعة، وأسهمت في تعزيز قدرات الجيش».

ترمب خلال خطاب حال الاتحاد في الكونغرس في 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وأضاف السفير أن «بوتسوانا حافظت على هذه الطائرات بشكل ممتاز، حتى إنها استخدمتها لفترة أطول مما كنا سنفعل نحن في سلاحنا الجوي. لكن في النهاية انتهى عمرها التشغيلي. لذلك طلبت بوتسوانا طائرة جديدة، وقدمنا لها نسخة محدثة وهي (C-130H)، تم تسليمها في يونيو (حزيران) 2024».

وأعلن السفير أن الولايات المتحدة تنوي تسليم طائرتين إضافيتين لبوتسوانا خلال العام المقبل، وأضاف: «نحن نعمل مع بوتسوانا في هذا الاتجاه، كما قدمنا الشهر الماضي معدات وقطع غيار بقيمة تقارب مليون دولار لدعم صيانة الطائرة الحالية».

وخلص إلى تأكيد أن «هذا نموذج لشراكة حقيقية تساعد بوتسوانا على تعزيز قدراتها بمعدات عالية الجودة»، ولكنه شدد على أنه لا وجود لقاعدة عسكرية أميركية في بوتسوانا.