«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

محللون استبعدوا تضحية روسيا بمكاسبها الاستراتيجية

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

«فاغنر» في أفريقيا: تخلٍ صعب... وقلق «مشروع» من الانفلات

علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)
علم روسي معلق على تمثال في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى في 22 مارس الماضي (أ.ف.ب)

لم يقتصر تأثير «التمرد المسلح» الذي أقدمت عليه قوات «فاغنر» في روسيا يوم السبت، على الأراضي الروسية فحسب، فكثير من الدول، بل والقارات، كانت تترقب تداعيات الحدث الذي وُصف بـ«المفاجئ والصادم»، وكانت أفريقيا من بين أكثر المتابعين لتطورات الموقف، حيث تنشط قوات تابعة لـ«فاغنر» في دول عدة بها، سواء بشكل معلن أو سري.

أزمة «فاغنر» طرحت تساؤلات عدة حول مستقبل المجموعة الروسية في القارة السمراء، وإذا ما كانت تحولات القيادة بها ستلقي بظلالها على واقع المجموعة في أفريقيا، أم سيتواصل استخدامها بوصفها ذراعاً لتمديد نفوذ موسكو في القارة، وسط تنافس دولي محتدم (سياسي وعسكري).

ولم يستبعد محللون من دول أفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، استمرار «التوظيفين السياسي والاستراتيجي» للمجموعة الروسية في القارة بوصفها أداة يستعين بها الكرملين في مواجهة استقطاب دولي حاد، إلا أنهم أشاروا إلى احتمالية «قلق مشروع» لدى الدول التي توجد «فاغنر» على أراضيها خشية تكرار سيناريو «الانفلات غير المتوقع».

بديل جذاب

وتشير تقارير لمؤسسات بحثية ومراكز استراتيجية دولية إلى تمركز قوات تابعة لمجموعة «فاغنر» الروسية في دول أفريقية عدة، منها مالي وأفريقيا الوسطى وليبيا والسودان، إضافة إلى تقديم خدمات أمنية بعدد من دول منطقة الساحل والصحراء.

ويصف تقرير نشرته شبكة المجتمع المدني «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للأوطان (GIATOC)»، خلال العام الحالي، حول «فاغنر» في أفريقيا، المجموعة بأنها «اللاعب الروسي الأكثر نفوذاً في أفريقيا اليوم».

وأشار تحليل نشره موقع «مجلس العلاقات الخارجية (The Council on Foreign Relations - CFR)» إلى أن «فاغنر» تمتلك علاقات قوية مع عديد من الحكومات الأفريقية على مدى العقد الماضي من خلال عمليات في 8 دول أفريقية على الأقل، وفقاً لوثائق أميركية مسربة.

يقول اللواء دكتور معتصم عبد القادر الحسن، المستشار بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية في الخرطوم، «قدمت (فاغنر) خدمات عديدة في ليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي في مجال تدريب الجماعات المعارضة، والتخطيط العملياتي»، كما «عملت في السودان مع قوات (الدعم السريع) قبل تمردها»، خصوصاً في مجالي التدريب، وحراسة مناجم الذهب.

ويعتمد مستقبل «فاغنر» في أفريقيا، كما صرح الحسن لـ«الشرق الأوسط» على «طريقة تعامل الحكومة الروسية معها بعد الأزمة الأخيرة»، مشيراً إلى اعتقاده بأن الرئيس الروسي «في احتياج لهذه المجموعة سواء في أوكرانيا أو في أفريقيا؛ لأنها تلعب أدواراً من الصعب على الجيش الروسي الرسمي القيام بها».

وبحسب تحليل المنظمة الأميركية، فإن الحكام الأفارقة «يرون فاغنر بديلاً جذاباً لمصادر أخرى من القوة العسكرية، مثل بعثات الأمم المتحدة، وقوات الاتحاد الأفريقي، وقوات دول من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، التي لا تهتم كثيراً بأفريقيا بخلاف دعم المعارك ضد الإرهابيين المتطرفين».

ولفت تقرير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن «نشر مقاتلي فاغنر في أفريقيا يجري بسرعة، كما أن امتلاكهم أسلحة متطورة يمكّنها من استخدام القوة بسرعة وبلا رحمة، بما يجعلها خياراً مفضلاً لدى عديد من الأنظمة في دول أفريقية تعاني اضطراباً أمنياً وسياسياً».

أدوار متعددة

ويشير تقرير نشره موقع مركز «الحوار الأفريقي» للدراسات السياسية (الأحد) بعنوان «مرتزقة مجموعة فاغنر في أفريقيا: لماذا لم تكن هناك معارضة فعالة لطردهم»، إلى انتشار عناصر المجموعة الروسية في أفريقيا الوسطى منذ عام 2018 للدفاع عن حكومة الرئيس فوستين أرشانغ تواديرا ضد هجمات المتمردين على العاصمة بانغي، وقد حصلت الشركات التابعة لـ«فاغنر» في المقابل على حقوق غير مقيدة في استغلال مناطق بالغابات، والسيطرة على منجم ذهب نداسيما الذي يحقق أرباحاً كبيرة.

ويشير تقرير المركز، الذي تأسس عام 2015 ولديه فروع في دول أفريقية عدة، إلى دور «فاغنر» في موزمبيق عام 2019 للمساعدة في محاربة تنظيم «داعش» في مقاطعة كابو ديلغادو الشمالية، رغم فشلها في احتواء التمرد وانسحابها من المنطقة بعد بضعة أشهر.

وفي السودان تقدم «فاغنر»، منذ عام 2017، خدمات تدريب وحراسة الموارد المعدنية، وفي الآونة الأخيرة ورد أن المجموعة كانت تزود ميليشيا قوات «الدعم السريع» السودانية بالصواريخ خلال حربها ضد الجيش السوداني، كما أشار إلى أدوار لـ«فاغنر» في ليبيا، حيث اتّهمت قوات «فاغنر» خلال عام 2019 بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون وزرع ألغام أرضية في مناطق مدنية.

واتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في مايو (أيار) 2022، «فاغنر» بـ«استخدام الألغام الأرضية المحظورة والفخاخ المتفجرة في ليبيا عامي 2019 و2020»، ودعت المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في «تلك الجرائم».

ويتوقع الحسن، أن «يحتفظ بوتين بتلك المجموعة، رغم أحداث السبت، مع إجراء تعديلات مستقبلية في قيادة الجيش ووزارة الدفاع، وتعديلات على دور (فاغنر) في أوكرانيا وأفريقيا»، مشيراً إلى أن المجموعة حققت وجوداً عسكرياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً في أفريقيا و«بتكلفة ليست صفرية وحسب، وإنما بمكاسب ثمينة». ويخلص إلى أن «دور (فاغنر) سيتضاعف في القارة، القارة المغلوبة على أمرها، على حساب تقليص دورها في أوكرانيا»، على حد قوله.

مخاوف مشروعة

وتشير المؤشرات الأولية لتعاطي السلطات الروسية مع أزمة «فاغنر»، إلى أن «هناك حرصاً على الحفاظ على الجسم الرئيسي لها»، كما يلفت الدكتور خالد عكاشة مدير «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، الذي أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ثمة تفرقة بين أدوار المجموعة الروسية في أوروبا، وتحديداً في روسيا وأوكرانيا، والأدوار التي يمكن أن تؤديها خارجياً».

واستبعد عكاشة «الاستغناء عن (المكاسب) التي حققتها روسيا في المستقبل المنظور على الأقل»، لافتاً إلى أن أدوار فاغنر «عززت النفوذ الروسي في عديد من مناطق القارة، وفي مواجهة قوى كبرى، منها الولايات المتحدة ودول أوروبية عديدة وحتى الصين التي لا تتعارض صداقتها مع روسيا مع حقيقة التنافس بينهما في القارة الأفريقية، ومن الصعب التضحية بتلك المكاسب الكبيرة».

ولا تبدو الصورة حتى الآن واضحة في عديد من الدول الأفريقية التي تستعين بخدمات «فاغنر»، فقد رفض المتحدثان باسمَي حكومتي مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى التعليق على أزمة المجموعة الروسية مع سلطات موسكو، لكن في المقابل يرى مدير المركز المصري للفكر، أن هاتين الدولتين ستنتابهما «مخاوف مشروعة»، مشيراً إلى أن «أزمة السبت»، التي أشعلتها «فاغنر» على الأراضي الروسية ستبقى «هاجساً يؤرق الدول التي توجد تلك المجموعة على أراضيها».

ويوضح أن المكون العسكري والاقتصادي لـ«فاغنر» «بات محل شكوك بشأن إمكانية تكرار الانفلات المفاجئ، وهو ما سيجبر الدول المستعينة بخدمات المجموعة الروسية على إعادة حساباتها»، إلا أنه يذهب في الوقت ذاته إلى أن معظم الدول المستعينة بفاغنر «تعاني هشاشة سياسية وأمنية تجعلها لا تستغني عن خدمات المجموعة بسهولة».

سيناريوهات متنوعة

تلك المخاوف لا تبدو بعيدة عن عيون محللي الوضع في دول توجد بها «فاغنر»، ومنها مالي التي كانت من أوائل الدول التي استعانت بخدمات المجموعة الروسية، إذ يتوقع المحلل السياسي المالي باسيرو دومبيا أن تكون للأزمة الأخيرة بين فاغنر والكرملين «عواقب على الجبهة الأمنية في مالي».

ويشير دومبيا لـ«الشرق الأوسط» إلى أن عناصر «فاغنر»، التي لا تحظى باعتراف رسمي في مالي، قدمت خدمات للتدريب والتسليح خلال مكافحة عناصر الجماعات المسلحة التابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وأن هناك أدواراً مهمة تقوم بها العناصر الروسية المدربة جيداً على هذا النوع من القتال.

ويعتقد المحلل المالي أن موقف موسكو من «فاغنر» سيكون له التأثير الأكبر في موقف باماكو من المجموعة الروسية، فحكومة مالي «لا تستطيع التضحية بعلاقاتها مع روسيا، حتى ولو من أجل الحفاظ على فاغنر، لا سيما أن هناك تعاوناً اقتصادياً وعسكرياً بالغ الأهمية من الصعب التضحية به».

ويبدي الدكتور خالد فهمي مستشار «مركز الدراسات الاستراتيجية»، التابع للقوات المسلحة المصرية، اتفاقاً حول تأثير التعاطي الروسي الرسمي مع «فاغنر»، مؤكداً أن إعادة دمج عناصر المجموعة في المجتمع العسكري الروسي سيكون لها تأثير لافت في حضورها على الساحة الأفريقية.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى سيناريوهات عدة لمستقبل «فاغنر» في أفريقيا، منها سيناريو إعادة بناء «داعش» بعد هزيمته في العراق وسوريا، حيث يتم وضع قيادة جديدة بمسمى وأسلوب عمليات مختلف، حيث يمكن أن يشكل أفراد المجموعة ممن لن ينضموا للجيش الروسي نواة لقوات جديدة تستخدم في المواقع ذاتها، لكن بغطاء مغاير، قد توفره الدول المستخدمة لخدمات «فاغنر».

واستبعد فهمي تخلي عناصر «فاغنر» عن مصالحهم الاقتصادية الكبيرة التي تحققت خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى إمكانية تأسيس مجموعة مستقلة في أفريقيا، لا تتبع للقيادة المركزية في روسيا، وقد يكون لقيادات الصف الثاني في المجموعة دور لافت، بعد إبعاد مؤسس وقائد المجموعة يفغيني بريغوجين إلى بيلاروسيا، وإذا فشلت تلك القيادات، فقد تذوب عناصر «فاغنر» في صفوف ميلشيات أخرى، وتقدم خدماتها بصورة فردية، مشيراً إلى أن حسم أيّ من تلك السيناريوهات لحضور «فاغنر» في أفريقيا يحتاج إلى وقت قد يمتد إلى أشهر عدة لحين وضوح قرار موسكو بشأن مستقبل المجموعة، وبالأخص خارج حدودها.


مقالات ذات صلة

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

أفريقيا عناصر من مجموعة «أفريكا كوربس» - «فاغنر» سابقاً - في مالي (أ.ب)

منظمة العفو تتهم الجيش المالي وعناصر «فاغنر» الروسية بارتكاب جرائم حرب

اتهمت منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، الجيش المالي وعناصر من مجموعة «فاغنر» الروسية شبه العسكرية بارتكاب جرائم حرب.

«الشرق الأوسط» (دكار)
شمال افريقيا مقاتلا «فاغنر» السابقان المفرج عنهما (وسائل إعلام ليبية)

«الوطني الليبي» يُشارك في تحرير مقاتلين سابقين بـ«فاغنر» في مالي

أفادت مصادر روسية وليبية متطابقة بأن نجل القائد العام للجيش الوطني الليبي ونائبه الفريق صدام حفتر اضطلع بدور في الإفراج عن اثنين من المقاتلين الروس السابقين

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا قال مراسل للتلفزيون الرسمي الروسي في تقرير بُثَّ الأحد: «ينشط ضباط وجنود من وحدة القوات المسلحة الروسية في 6 دول أفريقية» (رويترز)

التلفزيون الروسي: جيشنا ينشط في 6 دول أفريقية

ينشط الجيش الروسي في 6 دول أفريقية، وفق تقرير للتلفزيون الرسمي، في اعتراف قلما يحدث بمدى الوجود العسكري الرسمي لموسكو في هذه القارة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مالي: الجيش يلوح بالتقدم من كيدال نحو معاقل المتمردين

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال - في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الجيش المالي نيته التحرك نحو معاقل المتمردين الطوارق، في أقصى شمالي البلاد، وذلك بعد أسبوع من السيطرة على مدينة كيدال، بدعم من القوات الروسية، وهي أهم مدينة في شمال مالي والعاصمة التاريخية للمتمردين الطوارق.

جاء ذلك على لسان قائد أركان الجيوش العامة في مالي، الفريق جان إليزي داو، خلال زيارة لمدينة كيدال، انتهت، الاثنين، حيث قال إن الجيش «لن يتوقف عند كيدال»، واصفاً استعادة السيطرة عليها من يد المتمردين بأنها «مجرد مرحلة»، مؤكداً أن العمليات ستستمر في القطاعات الأخرى التي لا تزال فيها جماعات مسلحة.

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» خلال سيطرتهم على كيدال (أ.ف.ب)

وتفقد داو الوحدات العسكرية التي شاركت في استعادة السيطرة على مدينة كيدال، ضمن عملية «دوغوكولوكو» العسكرية، ناقلاً إليها تهنئات سلطات المرحلة الانتقالية، وشاكراً شركاء بلاده، ولا سيما «الفيلق الأفريقي» الروسي.

وبحسب مصادر عسكرية تحدثت لصحف محلية، فإن المرحلة التالية من العملية العسكرية قد تستهدف مدن تسليت وتينزواتين قرب الحدود الجزائرية، وهما منطقتان تعرضتا لضربات جوية، وأي تحرك بري نحوها يعني مواجهة حاسمة تعيد إلى الأذهان ما حدث عام 2024، حين تلقى الجيش المالي ومجموعة «فاغنر» الروسية خسارة فادحة بالقرب من تينزواتين.

وكان الجيش المالي، قد أعلن يوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي إطلاق عمليات جوية وبرية في تلهنداك شمال كيدال ومنطقة تسليت، وأسفرت عن السيطرة على مدينة كيدال، وذلك بعد انسحاب المتمردين منها دون قتال.

مدرسة متضررة في كيدال (أ.ف.ب)

وشرح الفريق داو أن التحضير للهجوم بدأ قبل إطلاقه بوقت طويل، مذكّراً بانسحاب الجيش من كيدال في 26 أبريل (نيسان) 2026، إثر هجوم عنيف شنه المتمردون آنذاك، وأكد قائد أركان الجيش أن الجيش منذ انسحابه من كيدال قبل 6 أشهر لم يتخلَّ عن فكرة العودة.

وقال إن القوات سعت أولاً إلى إضعاف الجماعات بضرب قدراتها اللوجستية وأسلحتها، ثم تقدمت نحو أنيفيس ثم كيدال، مشيراً إلى أن الجماعات «فضلت الانسحاب بدل المواجهة»، بينما لاحقت الوسائل الجوية بعض عناصرها. واتهم الجماعات التي احتلت المدينة بالعنف الجنسي والنهب والقتل، ونسب إليها وجود «مقاتلين أجانب» شاركوا في انتهاكات، ووصفها بجرائم حرب.

من جهته، ردّ المتحدث باسم «جبهة تحرير أزواد» محمد مولود رمضان على تصريحات قائد الجيش المالي بالقول: «إنَّ هذا المجرم يؤكد صراحة ما نقوله منذ البداية: لقد دُمّرت البنى التحتية دون تمييز، ويُستهدف المدنيون عمداً»، وذلك في إشارة إلى تصريحات قائد الجيش بأنهم عملوا على أن تكون «كيدال مدينة غير صالحة لأن يستقر فيها العدو».

وقال المتحدث باسم المتمردين إن قوات الجبهة «لم تقضِ يوماً ليلة واحدة في كيدال»، وإن الدفاع عن مدينة «لا يعني إبقاء القوات فيها بشكل دائم»، مشدداً على أن كيدال «أصبحت مدينة لا تُطاق بالنسبة لسكانها المدنيين».

وكانت الجبهة قد أعلنت في السادس من أكتوبر «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً»، وقالت إنه تم دون قتال بري، بسبب الضربات الجوية التي نفذها الجيش وقوات «الفيلق الأفريقي»، واتهمت قبل ذلك الجيش بقصف «أسر نازحة عند الحدود الجزائرية ومخيمات للرحل».

شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

كانت الجبهة وتنظيم «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابع لـ«القاعدة» قد سيطرا على كيدال في هجمات أبريل الماضي، وهي الهجمات التي قُتل فيها وزير الدفاع المالي السابق الجنرال ساديو كامرا، لتبقى مدينة كيدال بيد الجبهة نحو 5 أشهر.

ودخل الجيش و«الفيلق الأفريقي» كيدال في السابع من أكتوبر بعد عمليات جوية وبرية بدأت قبل 3 أيام، وذلك في محطة جديدة من الحرب ظلت مدينة كيدال هي محورها، حيث كانت دوماً تتأرجح ما بين المتمردين والسلطة، بينما يرغم سكانها كل مرة على الفرار.

وقالت بيفرلي أوتشينغ من «كونترول ريسكس» لـ«رويترز» إن استعادة كيدال رمزية وليست «حاسمة» في الحملة ضد الجماعات الإرهابية والانفصالية، رغم أنها ترفع معنويات الجيش، وتمنح «الفيلق الأفريقي» الروسي فرصة لاستعادة دوره بعد خسارته مواقع منذ أبريل الماضي. أما تينزواتين، المرشحة لتكون الهدف اللاحق، فكانت ساحة لمعركة في 2024 انتصرت فيها جبهة تحرير أزواد (المتمردين) وجماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (القاعدة) على الجيش المدعوم آنذاك من طرف «فاغنر» التي خسرت العشرات من مقاتليها.


مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
TT

مقتل العشرات في اشتباكات بين جماعات متنافسة بجنوب السودان

جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)
جنود من جمهورية جنوب السودان في أحد شوارع العاصمة جوبا (أ.ب)

أفاد مسؤولون، الاثنين، بأن اشتباكات وقعت، الأسبوع الماضي، بين جماعات مسلحة من مجتمعات متنافسة في وسط جنوب السودان أسفرت عن مقتل العشرات، وتسببت في اكتظاظ مستشفى بالجرحى.

وأضاف المسؤولون أن القتال اجتاح منطقة رومبيك في ولاية البحيرات، يوم الجمعة الماضي، بينما كان جنود الحكومة وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يحاولون الحفاظ على النظام.

وقالت وزارة الإعلام في جنوب السودان إن نحو 70 شخصاً قُتلوا، بينهم 4 جنود، لكن الحصيلة الدقيقة لم يتم التحقق منها بعد.

وقال تيران ماديت، وهو مسؤول في مستشفى رومبيك الحكومي، لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء عبر الهاتف، الاثنين: «لقد تدفق مصابون بطلقات نارية على المستشفى». وأضاف أن المستشفى استقبل أكثر من 50 جريحاً، معظمهم بإصابات في الصدر.


تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تشاد تستدعي سفير أفريقيا الوسطى بعد «توغل» عسكري في أراضيها

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

استدعت تشاد، الأحد، سفير جمهورية أفريقيا الوسطى لديها لتقديم احتجاج رسمي على ما وصفته بتوغل عسكري قام به جيش أفريقيا الوسطى (السبت) في بلدة أبناباك بمنطقة تيسي، قرب الحدود الثلاثية مع السودان.

وقالت الحكومة التشادية إن الحادثة أوقعت عدة جرحى بحالة خطيرة، بينهم عسكريون ومدنيون، من دون أن تعلن حصيلة بالأرقام. وأبلغ وزير خارجية تشاد أحمد كوغري السفير بأن الأفعال «خطيرة» ولا يمكن عدّها حوادث معزولة، مذكّراً بأن البلاد سجلت منذ 2021 عدة توغلات في المنطقة الحدودية، وأن تكرارها «غير مقبول» و«لن يمر دون عواقب».

وطلب الوزير من بانغي تقديم تفسيرات دقيقة وتوضيحات عاجلة، كما طلب من السفير نقل الاحتجاج الرسمي و«التحذير الشديد» إلى حكومته، مؤكداً تمسك بلاده بسيادتها ووحدة أراضيها وأمن مواطنيها.

وفي رواية أخرى، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري تشادي أن قوات روسية قصفت موقعاً لمتمردين من جمهورية أفريقيا الوسطى بعد دخولهم الأراضي التشادية، ما أوقع عدة جرحى. ولم يرد هذا الاتهام في بيان الحكومة.

رواية بانغي

على صعيد آخر، أعلن جيش أفريقيا الوسطى (السبت) أنه نفذ، بدعم من حلفائه الروس، «أعمالاً وقائية» ضد «مرتزقة أجانب» لم يحدد هويتهم. وقالت وزارة الدفاع إن ضربات جوية وعمليات برية استهدفت جماعات مسلحة في منطقة الحدود الثلاثية بمحافظة فاكاغا لإحباط هجوم وشيك على مواقع الجيش. وأكدت الوزارة أن جميع المهاجمين «حُيّدوا»، دون تقديم حصيلة بشرية ولا إشارة إلى دخول الأراضي التشادية. كما لم يصدر أي رد من حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى على الاحتجاج التشادي، حتى زوال يوم الاثنين.

وذهبت «سبوتنيك» الروسية، نقلاً عن «مجتمع الضباط للأمن الدولي»، إلى أن العملية نُفذت بالتعاون مع «متخصصين عسكريين روس»؛ إذ يوجد في جمهورية أفريقيا الوسطى عناصر من «الفيلق الأفريقي» الذي يتبع مباشرة لوزارة الدفاع الروسية، وحل محلَّ مجموعة «فاغنر» الخاصة.

وبحسب «سبوتنيك»، فإن العملية جرت في منطقة نابغاي–تيسي، واستهدفت نحو 200 مقاتل، وأسفرت عن أكثر من 60 قتيلاً وجريحاً، وأن الجماعات كانت تخطط لهجوم في النصف الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) بإشراف «غربيين»، وأن بانغي أبلغت أنجامينا بوجود مقاتلين على أراضيها.

سوابق وسياق

لا تبدو أنها كانت الحادثة الأولى في هذه الحدود؛ ففي مايو (أيار) 2021 اتهمت أنجامينا جيش أفريقيا الوسطى بمهاجمة مخفر سورو داخل أراضيها، وقتل جندي وخطف خمسة وإعدامهم، في حين اقترحت بانغي لجنة تحقيق مشتركة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 اتهمت بانغي دولة مجاورة بقصف قواتها وحلفائها الروس.

وتنشط في الشمال الشرقي لأفريقيا الوسطى جماعات مسلحة، وتتأثر المنطقة بحرب السودان، وشهدت بلدة أم دافوك في أفريقيا الوسطى هجوماً في 30 يونيو (حزيران) قال الجيش إنه أوقع نحو عشرين قتيلاً، في حين تحدثت مصادر محلية عن 28 قتيلاً.

وتُعتبر هذه المنطقة الحدودية ما بين جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، خاصة حول تيسي، وأم دافوك، وبيراو، من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في وسط أفريقيا، وتتميز بحدود مسامية، وبضعف السيطرة الحكومية، بالإضافة إلى نشاط مجموعات مسلحة متعددة، وتأثيرات مباشرة من الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023.