مواجهات ضارية على خطوط التماس... وتضارب في المعطيات حول تقدم أوكراني

الرئيس الأوكراني: تقدم «إيجابي» لكنه «عسير» في الهجوم المضاد

محطة زابوريجيا التي تسيطر عليها القوات الروسية (أ.ف.ب)
محطة زابوريجيا التي تسيطر عليها القوات الروسية (أ.ف.ب)
TT

مواجهات ضارية على خطوط التماس... وتضارب في المعطيات حول تقدم أوكراني

محطة زابوريجيا التي تسيطر عليها القوات الروسية (أ.ف.ب)
محطة زابوريجيا التي تسيطر عليها القوات الروسية (أ.ف.ب)

تضاربت المعطيات الروسية والأوكرانية حول مسار الهجوم الأوكراني المضاد، وسط مواجهات ضارية متواصلة منذ أيام على طول خطوط التماس. وفي حين أكدت كييف تمكن قواتها من التقدم على عدد من المحاور وسط معطيات عن استعداد القوات الروسية للتراجع في أكثر من محور، أعلنت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن قواتها نجحت في صد الهجمات الأوكرانية على كل خطوط القتال، بينما قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة مع قناة «إن بي سي» الإخبارية الأميركية إن النجاح في الهجوم الأوكراني المضاد سيعني هزيمة روسيا في الحرب.

وفي معرض رده على سؤال عن مدى التقدم في الهجوم المضاد، قال زيلينسكي: «الأمور لا تبدو سيئة. يمكنني أن أقول إنها إيجابية بوجه عام، لكنها عسيرة... تواجه قواتنا المتمركزة على الجبهة الآن مقاومة شديدة للغاية». وأضاف: «إنكم تدركون السبب. يمكنني القول إن خسارة هذه الحملة الحربية أمام أوكرانيا، تعني في الواقع بالنسبة لروسيا خسارة الحرب».

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة مع قناة تلفزيونية إن النجاح في الهجوم الأوكراني المضاد سيعني هزيمة روسيا في الحرب (إ.ب.أ)

وأفاد بيان أصدرته وزارة الدفاع الروسية بأن «القوات الأوكرانية واصلت تكبد خسائر فادحة خلال محاولاتها الفاشلة لتنفيذ عمليات هجومية على محوري جنوب دونيتسك ودونيتسك».

وتقول أوكرانيا إن قواتها استعادت ما لا يقل عن 7 قرى و100 كيلومتر مربع في المراحل الأولى من الهجوم المضاد، وتأمل في أن يكتسب زخماً أكبر مع زيادة عدد القوات.

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في تحديثها اليومي عن تطورات القتال، إنها ألحقت خسائر كبيرة بالعدو خلال ما وصفته بعمليات الهجوم المضاد الأوكرانية الفاشلة في اتجاهي دونيتسك الجنوبية ودونيتسك. وأضافت أنها استخدمت القوات البرية والضربات الجوية ونيران المدفعية لصد القوات الأوكرانية، وأنه خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية قتلت مئات من الجنود ودمرت 5 دبابات في مواقع مختلفة. وأردفت أن الكثير من المركبات المدرعة وآليات عسكرية أوكرانية دُمرت أيضاً.

مدرعة عسكرية روسية قريبة من محطة زابوريجيا للطاقة النووية (أ.ف.ب)

ووفقاً للإيجاز العسكري الروسي اليومي، فإن وحدات من مجموعة القوات «الشرق» قد صدت 5 هجمات أوكرانية في منطقة فريميفسكي على محور جنوب دونيتسك، حيث قُتل أكثر من 200 جندي أوكراني وتم تدمير 5 دبابات وعدد من المعدات العسكرية الأخرى. وعلى محور دونيتسك، «نجحت مجموعة القوات (الجنوب) في صد 5 هجمات للعدو، الذي خسر نحو 215 جندياً في تلك المعارك، كما تم تدمير مستودع ذخيرة للواء 109 الدفاع الإقليمي».

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية تخصيص مكافآت مالية للجنود الروس لتدمير الآليات والتقنيات الغربية في ساحات القتال. وتحدثت الوزارة عن «برنامج مكافآت واسع النطاق حصل بموجبه أكثر من 10 آلاف جندي روسي على مكافآت فردية» منذ بداية الحرب قبل نحو 16 شهراً. وذكرت الوزارة أنه وفقاً للتقارير الواردة من القادة الميدانيين الروس «يجري في الوقت الراهن صرف مخصصات لجنود القوات المسلحة الذين دمروا في أثناء العمليات العسكرية دبابات (ليوبارد) وعربات مصفحة أخرى مصنوعة في الولايات المتحدة ودول أخرى بـ(حلف شمال الأطلسي)».

كما أعلن الجيش الروسي، الجمعة، أنّ القتال مستمر للسيطرة على قريتي ريفنوبل وأوروجايني على الجبهة الجنوبية في أوكرانيا، ملمحاً لأول مرة إلى تنازله عن أراضٍ. وقالت وزارة الدفاع الروسية الجمعة: «في منطقة فريميفكا المكشوفة يدور القتال الأكثر نشاطاً في منطقتي قريتي ريفنوبل وأوروجايني»، معلنة أنها صدت 5 هجمات هناك خلال الـ24 ساعة الماضية بمساعدة سلاح الجو والمدفعية. وكون القتال يدور في هذه المناطق يعني أن الخطوط الروسية تراجعت بضعة كيلومترات في اتجاه الجنوب والشرق في محيط المنطقة المكشوفة في فريميفكا على حدود زابوريجيا ودونيتسك اللتين تحتلهما روسيا جزئياً. وأعلن الجيش الأوكراني مرة أخرى التقدم، الخميس، على الرغم من «المقاومة القوية» للقوات الروسية.

وتقع منطقة فريميفكا على مسافة أكثر من 10 كيلومترات شمال الخطوط الروسية المحصنة الرئيسية، التي تضم خصوصاً خنادق وأفخاخاً للدبابات. ومن شأن تحقيق أوكرانيا نجاحاً عسكرياً كبيراً في هذه المنطقة أن يقطع الجسر البري الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم التي ضمتها، ما سيشكل انتكاسة كبيرة لموسكو. ويرى محلّلون عسكريون أن أوكرانيا لم تستخدم بعد الجزء الأكبر من قواتها في هجومها المضاد، وما زالت تختبر الجبهة لتحديد نقاط الضعف.

جندي أوكراني من كتيبة 43 داخل مدفع «هاوتزر - 155 مم» بالقرب من باخموت (أ.ف.ب)

احترق مخزن مصنع نسيج في منطقة كورسك غربي روسيا قرب الحدود مع أوكرانيا، عقب هجوم بطائرة مسيرة، حسبما ذكرت خدمات الطوارئ المحلية، اليوم (الجمعة). وذكرت تقارير إعلامية أن النيران اندلعت في المكاتب الإدارية بالمصنع، إثر هجوم، وأن الحريق انتشر من هناك إلى المخزن.

وفي لندن، أفادت وزارة الدفاع البريطانية بأن الجنرال ميجور سيرغي غورياتشيف لقي حتفه «بشكل شبه مؤكد» في غارة على موقع قيادة جنوبي أوكرانيا يوم الاثنين الماضي أو نحو ذلك الأسبوع الجاري. وأفادت الوزارة بأن غورياتشيف هو أول جنرال روسي يلقى حتفه منذ بداية العام. وذكر التقرير أن غورياتشيف كان رئيس أركان جيش الأسلحة الخامس والثلاثين، الذي كانت وحدات منه موجودة خلال مذبحة المدنيين في بوتشا بشمال غرب كييف في بداية الحرب.

على صعيد آخر، انتقدت «الخارجية» الروسية، خطط واشنطن لتسليم قذائف دبابات باليورانيوم المنضب إلى كييف، وقال مصدر دبلوماسي روسي إن هذه الخطوة «لن تؤثر على مسار العملية العسكرية الخاصة التي ستستمر، وستحقق أهدافها».

وأشار المصدر إلى أن «الجانب الروسي علّق مرات كثيرة على موضوع شحنات اليورانيوم المنضب إلى أوكرانيا، ولفت أنظار الدول الغربية إلى هذه المشكلة على مختلف المستويات والمنصات الدولية».

وأضاف: «استخدام هذا النوع من الذخيرة من قبل نظام كييف لن يؤدي إلا إلى زيادة معاناة السكان المدنيين، بما في ذلك تلوث المنطقة بمواد خطرة على الصحة. يعرف الجميع العواقب السلبية لاستخدام هذه الذخيرة بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، حيث لا يزال الكثير من العسكريين الأميركيين، الذين عانوا من استخدام مثل هذه الذخيرة، يقاضون سلطات بلادهم في المحاكم».

كانت صحيفة «وول ستريت جورنال» قد كشفت عن أن واشنطن تعتزم تزويد كييف بقذائف الدبابات التي تحتوي على اليورانيوم المنضب. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين: «يتوقع أن تقوم إدارة الرئيس بتزويد أوكرانيا بقذائف الدبابات التي تحتوي على اليورانيوم المستنفد لتجهيز دبابات (أبرامز) التي ستقدمها واشنطن إلى كييف».

وفي وقت سابق، أعلن المتحدث باسم البنتاغون غارون غارن أن «نحو 200 عسكري أوكراني بدأوا تدريبات مشتركة على الدبابات الأميركية». يذكر أن نائبة وزير الدفاع البريطاني أنابيل غولدي كانت قد أعلنت، في وقت سابق، أن لندن سوف ترسل ذخيرة خارقة للدروع تحتوي على يورانيوم منضب إلى كييف.

تعتزم ألمانيا تزويد أوكرانيا بـ64 صاروخاً موجهاً إضافياً لأنظمة الدفاع الجوي «باتريوت». وأعلن وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، اليوم (الجمعة)، على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، أن القرار مهم من أجل ضمان دعم مستدام للقوات المسلحة الأوكرانية في المرحلة الحالية. ومن المخطط تسليم الصواريخ على الفور.

وفي سياق متصل، قال فريق من خبراء القانون يساعد الادعاء الأوكراني في تحقيقه في أسباب انهيار سد كاخوفكا، في نتائجه الأولية التي نشرت اليوم (الجمعة)، إن من «المرجح بشدة» أن يكون سبب انهيار السد الواقع في جنوب أوكرانيا هو مواد ناسفة زرعها الروس. وجاء في خلاصة النتائج الأولية لفريق شركة المحاماة، اطلعت عليها «رويترز»: «تشير الأدلة وتحليل المعلومات المتاحة إلى أن هناك احتمالية كبيرة بأن يكون التدمير ناتجاً عن متفجرات وضعت سلفاً في نقاط حساسة من بناء السد».

وقال يوسف سيد خان، المحامي الكبير في «غلوبال رايتس كوملاينس» الذي شارك في المهمة الميدانية في خيرسون، إن نتيجة نسف السد بمتفجرات وضعها سلفاً الجانب الروسي هو «جزم راجح بنسبة 80 في المائة وأكثر». وأضاف، في مقابلة، أن النتائج لا تستند «فقط إلى أجهزة استشعار الزلازل وأحد المزودين الرائدين للمعلومات مفتوحة المصدر، لكنها استندت أيضاً إلى أنماط الهجوم والهجمات الأخرى التي وثقناها».


مقالات ذات صلة

مقتل شابَين في هجوم مسيّرة أوكرانية على بيلغورود الروسية

أوروبا أرشيفية لمسيرة أوكرانية تم اعتراضها في بيلغورود الروسية (أ.ف.ب)

مقتل شابَين في هجوم مسيّرة أوكرانية على بيلغورود الروسية

أسفر هجوم بمسيّرة أوكرانية عن مقتل شابَين كانا يستقلان دراجة نارية في منطقة بيلغورود الروسية الواقعة على الحدود مع أوكرانيا، وفق ما أعلن حاكمها فياتشيسلاف…

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يطالب بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة

طالب الرئيس الأوكراني بمزيد من «التفاصيل» بشأن مكالمة بوتين وترمب وعرض الهدنة، وأشاد الرئيس الأميركي بنظيره الروسي، ويعتقد أن «أوكرانيا قد هُزمت عسكرياً».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة نُشرت في 26 أبريل 2026 تُظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي بكييف (أ.ف.ب)

زيلينسكي: حرب إيران تركت أوكرانيا معلّقة في انتظار مفاوضات السلام

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الخميس، إن بلاده تعيش حالة من الجمود في انتظار استئناف محادثات السلام بين واشنطن وطهران

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في لفيف (الرئاسة الأوكرانية - د.ب.أ)

أوكرانيا تطلب توضيحاً من أميركا بشأن مقترح روسيا لوقف إطلاق النار

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن كييف ستطلب توضيحات من فريق الرئيس الأميركي ​دونالد ترمب بشأن تفاصيل مقترح روسيا لوقف إطلاق نار قصير الأمد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا اشتعال النيران في سيارة بمنطقة بيلغورود الروسية بعد غارة أوكرانية (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

سفيرة أميركية ثانية لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

بروكسل تدرس تشديد شروط قرض 100 مليار دولار لكييف وسفيرة أميركا لدى أوكرانيا تستقيل لخلافات مع ترمب

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجزائر تتحسب لتداعيات الاضطرابات في مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

الجزائر تتحسب لتداعيات الاضطرابات في مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

تتحسب الجزائر لتداعيات اضطرابات الوضع المتفجر في جارتها الجنوبية مالي.

وبينما أكد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، دعم بلاده وحدة مالي؛ أرضاً وشعباً ومؤسسات، ورفضها القاطع لكل أشكال الإرهاب ومظاهره، قال الخبير الجزائري المتابع للتطورات، بشير جعيدر، إن الجزائر تواجه 3 تهديدات رئيسية مرتبطة بالوضع في مالي؛ الأول هو «العدوى الأمنية»؛ ذلك أن أي زعزعة للاستقرار في شمال مالي، قد ترفع من خطر تحول المنطقة إلى «ملاذات مسلحة متنقلة»، قادرة على التمدد نحو الجزائر، وثانياً «التدفقات البشرية والإجرامية»، واحتمال تسلل المهربين، وتجار البشر، إضافة إلى «التنافس الجيوسياسي»، حيث «أصبح الساحل ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية».

إلى ذلك، رفضت موسكو، أمس، دعوة المتمردين الطوارق إياها لسحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.


«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

«الكرملين»: القوات الروسية ستبقى في مالي «لمكافحة التطرف»

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

أعلن «الكرملين»، اليوم الخميس، أن القوات الروسية ستبقى في مالي لمساعدة الحكومة التي يقودها ​الجيش في البلاد على محاربة جماعات مسلّحة، وذلك بعد هجوم مفاجئ شنّته جماعة على صلة بتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق.

وأدلى دميتري بيسكوف، المتحدث باسم «الكرملين»، بهذا التصريح ‌بعد أن سأله ‌أحد الصحافيين عن ​رد ‌روسيا ⁠على ​بيان قِيل ⁠إنه صادر عن متمردين قالوا فيه إنهم يريدون مغادرة روسيا مالي؛ لأنهم يعتقدون أن المجلس العسكري الحاكم لن يبقى طويلاً دون الدعم الروسي.

وأضاف بيسكوف: «وجود روسيا هناك يرجع، في ⁠الواقع، إلى حاجة حددتها الحكومة ‌الحالية. وستواصل ‌روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وظواهر ​سلبية أخرى، بما ‌في ذلك في مالي، وستواصل ‌تقديم المساعدة للحكومة الحالية».

وقُتل ساديو كامارا، وزير دفاع مالي، الذي تلقّى تدريبه في روسيا، خلال تفجير انتحاري وقع في مطلع ‌الأسبوع، واضطر فيلق أفريقيا الروسي، وهو جماعة شبه عسكرية تسيطر ⁠عليها ⁠وزارة الدفاع، إلى الانسحاب من كيدال وهي بلدة مهمة ساعد مرتزقة روس في السيطرة عليها في 2023، واضطرت موسكو إلى استخدام طائرات هليكوبتر مسلّحة وقاذفات قنابل استراتيجية لصدّ المتمردين.

ويقول محللون سياسيون إن صورة روسيا على أنها ضامن للأمن في أفريقيا تضررت من هذه الوقائع، وإن مصالحها ​الاستراتيجية والاقتصادية في ​القارة أصبحت الآن مهددة بسبب هذه الاضطرابات.


روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

روسيا ترفض مطالب المتمردين سحب قواتها من مالي

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

رفضت موسكو، الخميس، دعوة المتمردين الطوارق إياها إلى سحب قواتها من مالي. وأعلن الكرملين أن روسيا «ستواصل دعم الحكومة الحالية ومحاربة الإرهاب والتطرف» في هذا البلد.

وحمل الموقف، الذي أعلنه الناطق باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، تحدياً مباشراً لمطالب تحالفٍ معارض ضم الانفصاليين الطوارق ومجموعات متشددة شنت أكبر هجمات منذ 15 عاماً ضد حكم المجلس العسكري في البلاد، وبدا أن روسيا تسعى إلى إعادة ترتيب صفوف قواتها وشن هجمات معاكسة بعدما نجح هجوم المتمردين خلال الأيام الماضية في إبعاد قوات «الفيلق الأفريقي» الروسية من مناطق في شمال البلاد. وقال بيسكوف، الخميس، إن القوات الروسية «ستبقى في مالي» مؤكداً رفض موسكو دعوة من المتمردين الطوارق لسحبها.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مستقبلاً الجنرال أسيمي غويتا رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي بالكرملين يوم 23 يونيو الماضي (رويترز)

وفي أول تعليق رسمي على تطورات الوضع في هذا البلد الأفريقي، أوضح بيسكوف أن «وجود روسيا في مالي يستند إلى طلب رسمي من الحكومة الحالية»، مضيفاً أن روسيا «ستواصل التعاون مع القيادة المالية لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة». وزاد: «ستواصل روسيا مكافحة التطرف والإرهاب وغيرهما من المظاهر السلبية، بما في ذلك في مالي».

وكان لافتاً أن الرد الروسي على دعوة المتمردين جاء من المستوى العسكري أيضاً. ورغم أن وزارة الدفاع تجنبت توضيح الوضع الميداني لقواتها في مالي، فإن صحيفة «كراسنايا زفيزدا (النجمة الحمراء)»، الناطقة باسم الوزارة، نشرت مقالة لافتة؛ جاءت بصيغة بيان عسكري، أكدت «نجاح القوات الروسية في إحباط تحرك انقلابي في مالي وتكبيد المتمردين خسائر فادحة».

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ووفقاً للصحيفة، فقد «ألحقت وحدات من (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة بالمسلحين في الأفراد والمعدات». وأوضحت أنه «في 25 أبريل (نيسان) 2026 حاولت جماعات مسلحة غير شرعية من (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) و(جبهة تحرير أزواد)، بقيادةٍ وتنسيق مشتركَين، تنفيذ انقلاب مسلح».

ووفقاً للمؤسسة العسكرية الروسية، فقد «قُدّر عدد أفراد الجماعات المسلحة بنحو 12 ألفاً. تلقوا تدريباً على يد مدربين مرتزقة أوكرانيين وأوروبيين، واستخدموا في الهجمات صواريخ من طرازي (ستينغر) و(ميسترال) المحمولة المضادة للطائرات، ذات الطراز الغربي».

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وقالت الصحيفة إنه «خلال معارك ضارية ضد قوات معادية متفوقة عدداً وعدة، حققت وحدات (الفيلق الأفريقي)، التابع للقوات المسلحة الروسية، خسائر فادحة في الأفراد والمعدات؛ مما أجبر العدو فعلياً على التخلي عن خططه، وحال دون وقوع انقلاب، وحافظ على سلطة الحكومة الشرعية، ومنع وقوع خسائر بشرية فادحة بين المدنيين».

وأفادت بأن «مفرزة (الفيلق الأفريقي) المتمركزة في كيدال (شمالي شرق) قاتلت لأكثر من 24 ساعة وهي محاصرة تماماً، ضد قوة متفوقة عددياً من الجماعات المسلحة غير الشرعية، وصدت 4 هجمات واسعة النطاق على المعقل الرئيسي والمواقع الأمامية... حالياً، وبقرار من القيادة المالية، انسحب الجيش الوطني وقوات (الفيلق الأفريقي) من المعقل في كيدال».

وأكدت أن وحدات «(الفيلق الأفريقي) تواصل تنفيذ مهامها الموكلة إليها، وهي على أهبة الاستعداد لصد هجمات المسلحين، حيث تُجري عمليات استطلاع نشطة وتدمير لمعسكرات الجماعات المسلحة غير الشرعية والأهداف المحددة».

عكَس هذا البيان، الذي نشرته الصحيفة، أن القوات الروسية نجحت في إعادة ترتيب صفوفها والتقاط أنفاسها بعد انسحابها من مدينة كيدال، وأنها تستعد لشن هجمات معاكسة.

وكان الانسحاب من هذه المنطقة شكل هزة قوية لمكانة ونفوذ «الفيلق الأفريقي» الذي يضم مرتزقة كانوا سابقاً ينشطون في إطار «مجموعة فاغنر» العسكرية. وبعد مقتل زعيم المجموعة، يفغيني بريغوجين، قبل 3 سنوات، أعادت وزارة الدفاع تنظيم صفوف المجموعة، وأطلقت عليها تسمية «الفيلق الأفريقي» ووضعتها تحت إمرة الوزارة بشكل مباشر.

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وتجنب الكرملين في وقت سابق، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع بشأن التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

وكانت مواجهات قوية اندلعت السبت الماضي في مالي، بعدما شن تحالفٌ يضم مجموعات متشددة موالية لتنظيم «القاعدة»، ومتمردون من الطوارق، هجماتٍ مركزة في عدد من المدن؛ بينها العاصمة باماكو.

وأفادت تقارير بأن المعارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي. ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمالي شرق) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات واستُهدفت طائرة عسكرية روسية. وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية عن أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة لـ«الفيلق» ووفاة من كانوا على متنها.

رئيس المجلس العسكري متحدثاً للماليين عقب التقدم الذي أحرزه على الأرض منذ السبت الماضي (رويترز)

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين سابقاً بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. فيما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات عن أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة جُرّدت بموجبه المجموعات من سلاحها وأُجبرت على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير «مركز الدراسات الأفريقية»، فإن القتال، واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا، يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي. ورغم ذلك، فإن مصدراً مُقرّباً من القوات الروسية في مالي أفاد صحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقد بعد.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(الفيلق الأفريقي) منع عزل شمال البلاد. يراقب كثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما أن المنطقة غنية بالموارد، خصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

وكتب الخبير العسكري، إيفان ليسيوك، أن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ فإن خسارة كيدال تُعدّ هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وزاد أن «خسائر (الفيلق الأفريقي)، والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشيران بوضوح إلى أن (الفيلق) يخسر مواقعه تدريجياً»، مرجحاً أن ينعكس الوضع، إذا استمر على هذا المنحى، على النفوذ الروسي عموماً في أفريقيا. وتفسر هذا مسارعةُ الكرملين إلى إعلان رفض دعوات المتمردين والإصرار على مواصلة القتال لدعم الحكومة الحالية.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم مروحية بشمال مالي خلال أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

وكان لافتاً الخميس أن موسكو، إلى جانب اتضاح الموقفَين السياسي والعسكري، أعلنت أنها أرسلت شحنات مساعدات غذائية عاجلة إلى مالي. ووفقاً لبيان روسي، فقد شُحِن 770 طناً من البازلاء ضمن برنامج مساعدات إنسانية دولي عاجل تُنسقه الأمم المتحدة.

وقالت موسكو إن شحنة المساعدات تأتي في إطار نشاط واسع لتزويد مالي وبلدان أفريقية أخرى بالحبوب والمواد الغذائية الأخرى لمواجهة صعوبات اقتصادية.