العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

بعد تلويح واشنطن بفرضها على أطراف الصراع في السودان

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
TT

العقوبات الأميركية... هل لا تزال صالحة للتطبيق في أفريقيا؟

مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)
مظاهرات في واشنطن تطالب البيت الأبيض بالتدخل لوقف القتال في السودان (أ ف ب)

أعاد تلويح الولايات المتحدة الأميركية بإمكانية فرض عقوبات على مَن وصفتهم بأنهم «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي»، طَرْح تساؤلات بشأن جدوى العقوبات الأميركية التي باتت تمثل أداة قد تستخدمها واشنطن تجاه بعض دول العالم، ومن بينها دول أفريقية لأسباب متنوعة.

ورأى مراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن نهج العقوبات الأميركية «فقد معناه» في ظل تحولات جوهرية تعيشها القارة الأفريقية والعالم بشكل عام. وأشاروا إلى تجارب لدول أفريقية استطاعت التعايش مع العقوبات الأميركية، من دون أن تغير من سياساتها في الاتجاه الذي تريده واشنطن.

وأصدر الرئيس الأميركي جو بايدن، أول من أمس (الخميس)، أمراً تنفيذياً يسمح بفرض عقوبات على «بعض الأشخاص الذين يزعزعون استقرار السودان ويقوضون هدف التحول الديمقراطي».

وكتب بايدن في رسالة إلى رئيس مجلس النواب وزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، أنه يرى أن الوضع في السودان «يشكل تهديداً غير اعتيادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة».

وشهدت العقود الماضية فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول أفريقية عدة، لأسباب متنوعة، وتوجد 8 دول أفريقية في قائمة العقوبات التي تطبقها وزارة المالية الأميركية، هي: بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومالي، وليبيا، وزيمبابوي، والصومال، وجنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى. ويتعلق الأمر في الغالب بعقوبات ضد أشخاص أو شركات ومنظمات بسبب خروقات حقوق الإنسان، أو ضمن عقوبات تفرضها الولايات المتحدة بحق أنشطة لمنظمات «إرهابية» أو ناشطين في مجال الجريمة المنظمة.

ويمكن للسلطات الأميركية فرض عقوبات على أشخاص، وبغض النظر عن الدولة التي يقيمون فيها، أو ينتمون إليها حتى بسبب «الفساد»، وذلك بموجب قانون «ماغنيتسكي»، الذي صادق عليه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، في ديسمبر (كانون الأول) 2012.

وفي 2016، اعتمد «الكونغرس» النسخة الدولية من هذا القانون، الذي يمنح الرئيس الأميركي صلاحية فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم، من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة، وقد تمتد العقوبات لأمور أخرى.

وفرضت الولايات المتحدة على نحو 120 شخصية أفريقية عقوبات طيلة السنوات الماضية، كان من أشهرهم رئيس زيمبابوي السابق، روبرت موغابي، الذي واجه في 2017 «انقلاباً»، وتوفي في 2019. وأدرجت زيمبابوي في قائمة العقوبات الأميركية منذ بداية الألفية الثانية، بسبب العنف السياسي وتهديد الديمقراطية. كما فرضت الولايات المتحدة عام 2011 عقوبات على رئيس كوت ديفوار لوران غباغبو، وزوجته وأنصاره، بعد إلغاء الانتخابات في بعض مدن البلاد، واستمرت العقوبات رغم اختيار غباغبو لفترة رئاسية ثانية.

ولا يقتصر فرض الولايات المتحدة لعقوبات على دول وشخصيات أفريقية على تطورات الأحداث داخل القارة، بل يمكن أن ترتبط العقوبات بتطورات خارجها، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي، فرض عقوبات على 52 فرداً وكياناً بـ9 دول، قالت إنها على صلة بـ«حزب الله» اللبناني.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، قالت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، إنها ناقشت موضوع العقوبات ضد روسيا الاتحادية، مع جميع الدول التي زارتها خلال جولتها الأفريقية، وحثتها على الالتزام بهذه العقوبات.

وذكرت الوزيرة حينها أنها «هددت الجميع برد سريع وحاسم من واشنطن على انتهاك هذه العقوبات». وتثير تلك العقوبات خلافات واضحة بين السلطات الأميركية ونظيرتها في الدول الأفريقية؛ فبعدما أدرجت الولايات المتحدة في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 على لائحة العقوبات 4 أعضاء من خلية تابعة لتنظيم «داعش» في جنوب أفريقيا، لقيامهم بـ«توفير الدعم المالي للتنظيم الإرهابي»، أدرجت 8 شركات يمتلكها الأفراد التابعون للخلية على لائحة العقوبات.

وردت جنوب أفريقيا في يناير (كانون الثاني) الماضي، على لسان وزيرة خارجيتها، ناليدي باندور، بالقول إن بلادها أكدت للولايات المتحدة الأميركية على ضرورة «التراجع عن سياسة العقوبات أحادية الجانب»، مشيرة إلى أنها «تؤثر على الدول التي لا تدخل في الصراعات».

ورأى إبراهيم إدريس، خبير الشؤون الأفريقية المقيم في الولايات المتحدة، أن التهديد الأميركي بفرض عقوبات على طرفي الصراع في السودان «أمر محتمل»، بالنظر إلى الخطاب الأميركي الذي استخدمته الولايات المتحدة في «مجلس الأمن»، والذي لوَّحت خلاله بالعصا في مواجهة الصراع في السودان.

وأوضح إدريس لـ«الشرق الأوسط» أن الولايات المتحدة استخدمت الأسلوب ذاته خلال النزاع بين «جبهة تحرير تيغراي»، والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، قبل 3 أعوام؛ إذ ضغطت بالعقوبات على حكومتي إثيوبيا وإريتريا التي شاركت قواتها في النزاع إلى جانب حكومة أديس أبابا، وكانت «العقوبات أداة أميركية أساسية لدفع القوى المتنازعة إلى وقف إطلاق النار وقبول التفاوض، وهو ما تحقق لاحقاً في (اتفاق بريتوريا)».

واعتبر خبير الشؤون الأفريقية أن «منهج العقوبات بات غير مجدٍ»، مستشهداً في هذا الصدد بالتجربة الإريترية التي واجهت عقوبات أميركية لمدة عقدين، ومع ذلك لم تثنها العقوبات عن مواقفها، بل سعت إريتريا إلى تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا، وكذلك بالتجربة السودانية نفسها خلال سنوات حكم البشير، مشيراً إلى أن قيادات «مجلس السيادة السوداني» الحالي عاشوا تلك الفترة، ويمكنهم أيضاً التعامل معها مستقبلاً، عبر تطوير علاقات مع أطراف دولية وإقليمية أخرى تساعد السودان على تفادي أي تأثير محتمل للعقوبات.

من جانبه، أشار إسحاق عبد الرحمن، الباحث السياسي التشادي، إلى أن العقوبات الأميركية «فقدت أي معنى كان لها قبل سنوات»، لافتاً إلى أن كثيراً من تلك العقوبات «كان يُولَد ميتاً قبل تطبيقه».

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط» أن أساليب الالتفاف حول العقوبات الأميركية في دول القارة وفي غيرها معروفة لكثير من الأطراف، بل وربما تشارك فيه الالتفاف حول تلك العقوبات مؤسسات وشركات أميركية، ضارباً مثالاً بما عُرف بقضية «إيران كونترا» في ثمانينات القرن الماضي. وتابع أن العديد من الدول الأفريقية استطاعت أن تطور على مدى السنوات الماضية علاقات ممتدة ومتعمقة مع قوى دولية صاعدة، مثل روسيا والصين، مضيفاً أن إصرار واشنطن على اتباع نهج العقوبات القديم «لم يعد صالحاً، في ظل المتغيرات التي تشهدها القارة؛ فمن تعاقبه واشنطن سيجد إلى جانبه حلفاء أقوياء من خارج الدائرة الغربية».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

زيلينسكي: تخفيف العقوبات على نفط روسيا يساعدها في تمويل حربها على أوكرانيا

دان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تخفيف العقوبات على النفط الروسي بعدما مدَّدت الولايات المتحدة إعفاء يهدف لتخفيف حدة ارتفاع الأسعار جرَّاء حرب الشرق الأو

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا اللقاء الثنائي بين البرازيل وإسبانيا على هامش المؤتمر (إ.ب.أ) p-circle

سانشيز يجمع الحشد التقدمي العالمي في برشلونة لمواجهة المد اليميني المتطرف

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بدأ خطوةً متقدمةً نهاية هذا الأسبوع بدعوته إلى عقد الدورة الرابعة لقمة «الدفاع عن الديمقراطية».

شوقي الريس (برشلونة)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا أشخاص يسيرون بالقرب من الكرملين بالساحة الحمراء في يوم ممطر وسط موسكو 9 أبريل 2026 (رويترز)

الكرملين: روسيا تعلّمت الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها

قال الكرملين، الخميس، إن روسيا تعلّمت كيفية الحد من تأثير العقوبات المفروضة عليها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد ناقلة نفط روسية أناتولي في خليج ماتانزاس بكوبا - 31 مارس 2026  (رويترز)

روسيا تتعهد بتقديم المزيد من إمدادات النفط إلى كوبا

قال وزير الخارجية الروسي إن روسيا ستواصل مساعدة كوبا المتعطشة للوقود بإمدادات نفطية، وذلك بعد أسبوعين من إرسال ناقلة تحمل نحو 700 ألف برميل نفط لكوبا.

«الشرق الأوسط» (بكين)

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تفاهمات إنسانية في سويسرا تواجه تحديات التنفيذ

كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)
كونغوليون يحملون أمتعتهم أثناء فرارهم من قراهم في أعقاب اشتباكات بين متمردي «حركة 23 مارس» والجيش الكونغولي قرب غوما (رويترز)

انتهت اجتماعات سويسرا إلى تعهدات بشأن جوانب إنسانية وأمنية في شرق الكونغو، مع تصاعد أعمال العنف منذ بداية العام ومخاوف من انهيار اتفاقات سلام عقدت على مدار 2025.

تلك التعهدات التي أعلنت عنها الخارجية الأميركية، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تخفف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.

«تقدم إنساني»

وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو ويشمل حركة 23 مارس) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن بروتوكول ‌يتعلق بوصول قوافل المساعدات الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى.

وأفادت في ‌بيان مشترك مساء السبت، ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتحالف المتمردين، بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة الماضية، «اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال الإنساني والقافلات الإنسانية».

وبحسب بيان مشترك صادر عن قطر، والولايات المتحدة، وجمهورية توغو (بصفتها وسيط الاتحاد الأفريقي)، وسويسرا، إلى جانب حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية و«حركة 23 مارس»، فإن المحادثات شهدت تقدماً وُصف بـ«الملموس» في مسار تنفيذ «اتفاق الدوحة» الإطاري بشأن السلام في شرق الكونغو.

وجاء البيان المشترك، في ختام اجتماعات انعقدت في مدينة مونترو السويسرية خلال الفترة من 13 إلى 17 أبريل (نيسان) الحالي، مؤكداً أن الطرفين «اتفقا على الأهمية الحاسمة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى السكان المدنيين في شرق البلاد، والالتزام باحترام القواعد المنظمة للنزاعات المسلحة وحماية المدنيين دون استثناء».

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إمكانية أن تنجح «التفاهمات الإنسانية التي أُعلن عنها في سويسرا من حيث المبدأ في تخفيف معاناة المدنيين في شرق الكونغو، لكنها غالباً ما تظل محدودة الأثر إذا لم تُدعَّم بآليات تنفيذ صارمة وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف».

ويعدد عيسى أبرز التحديات قائلاً إنها تكمن في تعدد الجماعات المسلحة وتشتت مراكز القرار على الأرض، ما يجعل الالتزام بالاتفاقات غير مضمون، بخلاف ضعف آليات الرقابة الدولية وصعوبة فرض العقوبات على المخالفين ما يحدّ أيضاً من فاعلية هذه التفاهمات.

يضاف إلى ذلك، غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة، واستمرار تدخلات المصالح الإقليمية التي تعقّد المشهد وتغذي الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر، بحسب عيسي، مضيفاً: «لذلك تبقى هذه التفاهمات خطوة إنسانية مهمة، لكنها غير كافية وحدها ما لم تُدمج ضمن تسوية سياسية وأمنية أشمل تضمن استقراراً طويل الأمد في الكونغو الديمقراطية».

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي والكونغو الديمقراطية وقّعوا في واشنطن نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما، بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافة إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي.

وبخلاف سيطرة حركة «23 مارس» المتمردة على أكثر من موقع استراتيجي بالبلاد منذ 2025، برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى عيسى، أن ضمان عدم تكرار انتكاسة الاتفاقات التي شهدها عام 2025 خصوصاً في مناطق النزاع، «لا يقوم على توقيع الاتفاق نفسه، بقدر ما يقوم على ما يُرافقه من ترتيبات تنفيذية ملزمة».

وأكد أن التجربة تُظهر «أن الاتفاقات الإنسانية أو السياسية غالباً ما تتعرض للانهيار عندما تُترك دون رقابة ميدانية مستقلة، وآلية تحقق سريعة وشفافة، لذلك فإن وجود بعثات مراقبة فعالة قادرة على التوثيق الفوري لأي خرق يُعد عنصراً أساسياً، وربط الالتزامات بعقوبات أو إجراءات ضغط واضحة على الأطراف المخالفة، يمنع تحول الاتفاق إلى مجرد إعلان سياسي غير مُلزم».

ومن العوامل الحاسمة أيضاً بحسب عيسى، لضمان استمرار التعهدات، «إشراك الفاعلين الحقيقيين على الأرض، لا الاقتصار على التمثيل السياسي فقط، باعتبار أن غياب السيطرة المركزية لدى بعض الجماعات يجعل أي اتفاق هشاً من البداية».

ورغم ذلك، يرى عيسى أن الأطراف المتصارعة في شرق الكونغو «لا تبدو مهيّأة لسلام مستدام في المدى القريب، برغم ما يظهر أحياناً من تهدئة أو تفاهمات مؤقتة».


نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
TT

نيجيريا: مقتل قائد عسكري يشعل الجدل بشأن خطر الإرهاب

جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعشاً خلال جنازة الجنرال أوسيني برايما في مايدوغوري بشمال نيجيريا يوم 15 أبريل 2026 بعد مقتله مع ضباط آخرين في عملية إرهابية (أ.ف.ب)

أثار تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية في مناطق واسعة بشمال شرقي نيجيريا موجة غضب وقلق شعبية واسعة، خصوصاً بعد مقتل قائد في الجيش وعدد من الجنود خلال الأيام الأخيرة بهجمات إرهابية استهدفت مواقع عسكرية. وقالت صحيفة «ديلي بوست» النيجيرية إن حالة من القلق تسود نيجيريا إثر تصاعد وتيرة انعدام الأمن في البلاد، خصوصاً حين أصبح عناصر الجيش النيجيري «أهدافاً مباشرة» للجماعات الإرهابية التي باتت تهاجم المواقع العسكرية دون تردد، وفق تعبير الصحيفة.

وتواجه نيجيريا، البلد الأفريقي الأكبر من ناحية تعداد السكان (أكثر من ربع مليار نسمة) والاقتصاد الأقوى في غرب أفريقيا، منذ أكثر من 17 عاماً تمرداً مسلحاً تقوده جماعة «بوكو حرام» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، ومنذ 10 سنوات دخل على الخط تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» الأكبر دموية وخطورة.

استهداف الجيش

وتشير مصادر عسكرية عدة إلى أن الهجمات ضد الجيش تصاعدت بشكل لافت، بعد أقل من أسبوع من هجوم إرهابي استهدف قاعدة عسكرية في ولاية بورنو، أقصى شمال شرقي البلاد، وأسفر عن مقتل العميد أوسيني برايما، قائد «اللواء29 - قوة المهام». وأضافت المصادر أن مزيداً من الضباط العسكريين «وقعوا في قبضة الإرهابيين»، دون إعطاء تفاصيل أكثر.

وسبق أن أكد الجيش، يوم الاثنين الماضي، مقتل قائد ميداني آخر إثر هجوم دامٍ شنه إرهابيون على موقعه في مونغونو بولاية بورنو، وأوضح الجيش في بيان أن 6 جنود قُتلوا أيضاً خلال الهجوم.

وأثارت عمليات قتل عناصر الأمن موجة من الغضب والاستياء، حيث دعا كثير من النيجيريين الحكومة إلى رفع مستوى المواجهة ضد الإرهابيين. كما تزامن ذلك مع برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية تحذر فيها من السفر إلى مناطق واسعة من نيجيريا، وتسمحُ بمغادرة طوعية للموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم من السفارة في أبوجا؛ بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة في البلاد.

مواجهة الإرهاب

وقلّلت الحكومة الفيدرالية من أهمية التحذير الأميركي، وعدّته إجراءً احترازياً روتينياً يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، وليس انعكاساً للوضع الأمني العام في البلاد، مشيرة إلى أن الجيش يكثف هجماته ضد معاقل الإرهاب ويحقق نتائج إيجابية. وتشير بيانات رسمية إلى أنه في نهاية الأسبوع الماضي، نفذت القوات الجوية النيجيرية غارة في ولاية بورنو استهدفت مواقع إرهابية، لكن إحدى الغارات أسفرت عن مقتل أكثر من 100 مدني خلال استهداف سوق محسوبة على «بوكو حرام» و«داعش». وأثارت الغارة جدلاً واسعاً في البلاد، إلا إن الجيش لم يعترف بسقوط ضحايا مدنيين أو يؤكد صراحة استهداف سوق. في المقابل، دافعت الرئاسة عن العملية، عادّةً أن الموقع أصبح «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن استخدمه الإرهابيون مركزاً لوجيستياً وتجارياً.

الدعم الخارجي

ويحتدم النقاش في نيجيريا بشأن السياسات الحكومية لمواجهة الإرهاب، حيث ارتفعت أصوات تدعو إلى الاستعانة بالخارج في هذه الحرب. وقال المحامي جيمس أغباجي في تصريح أثار الجدل: «في البداية، كان الإرهابيون يواجهون الشرطة فقط، لكنهم تدريجياً أصبحوا أكبر جرأة حتى باتوا يهاجمون الجيش نفسه». وأضاف المحامي: «لم يعودوا ينتظرون أن يهاجمهم الجيش، بل أصبحوا يبادرون بمهاجمة القواعد العسكرية؛ مما أدى إلى خسائر كبيرة في صفوف الضباط. لقد حان الوقت للتوقف عن الخطابات السياسية ولمراجعة جادة: ماذا حدث؟ ما الذي يجري داخل جيشنا؟ كيف تجرأت جماعة إرهابية ضعيفة على مهاجمة قواعدنا مراراً؟ وكيف نعيد هيبة الجيش؟». وتابع المحامي قائلاً: «أعتقد أن الوقت حان لطلب مساعدة عسكرية أجنبية، وإلا فقد يتمكن هؤلاء الإرهابيون من السيطرة على البلاد».

اختراق استخباراتي

من جهة أخرى، ذهب نيجيريون إلى تحميل مسؤولية التصعيد الإرهابي للحكومة التي تبنت سياسة العفو والدمج تجاه «الإرهابيين التائبين»، حيث وصف الخبير الأمني، غيلبرت أولوغبينغا، مقتل القائد العسكري بأنه «ذروة الإهانة»، ودليل على «اختراق خطير للمؤسسة العسكرية». وأوضح أولوغبينغا، في منشور على منصة «إكس»: «عندما مُنح من يطلَق عليهم (المسلحون التائبون) العفو وأدمجوا في القوات المسلحة، حذرنا من ذلك، لكن لم يُستمع إلينا. اليوم نرى النتيجة: هناك مخبرون داخل الجيش يسربون معلومات حساسة إلى الإرهابيين، بعضهم من هؤلاء (التائبين)، وآخرون متعاطفون مع قضيتهم». وأضاف: «المشكلة ليست أن الإرهابيين أقوى من الجيش، بل إن هذه حرب غير متكافئة تعتمد على المعلومات الاستخباراتية. إذا لم يُكشف عن هؤلاء الخونة ولم يجر التعامل معهم، فإن الحرب ستطول، وقد يتمكن الإرهابيون من فرض سيطرتهم. لذلك أؤيد دعوات طلب دعم عسكري أجنبي لإنهاء هذه الأزمة».


واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
TT

واشنطن تعلن اتفاق حكومة الكونغو الديمقراطية والمتمردين على عدم مهاجمة المدنيين 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي (أرشيفية - رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، إن ممثلين لحكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين (تحالف نهر الكونغو) أحرزوا ‌تقدماً ‌بشأن ​بروتوكول ‌يتعلق ⁠بوصول ​قوافل المساعدات ⁠الإنسانية والحماية القضائية ومراقبة وقف إطلاق النار وإطلاق سراح ⁠الأسرى.

وأفادت الخارجية الأميركية ‌في ‌بيان ​مشترك ‌مع حكومة ‌جمهورية الكونغو الديمقراطية وتحالف المتمردين بأنه خلال اجتماع ‌عقد في سويسرا خلال الأيام القليلة ⁠الماضية، ⁠اتفق الطرفان في الكونغو الديمقراطية على عدم مهاجمة المدنيين وعلى تسهيل تنقل العاملين في المجال ​الإنساني ​والقافلات الإنسانية.