قمة «روسيا - آسيا الوسطى» لترتيب علاقات الكرملين مع المحيط الإقليمي

لقاء بوتين وعلييف أنهى عاماً من التوتر بين موسكو وباكو

قمة «آسيا الوسطى» شارك فيها رؤساء روسيا الاتحادية وطاجكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان (رويترز)
قمة «آسيا الوسطى» شارك فيها رؤساء روسيا الاتحادية وطاجكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان (رويترز)
TT

قمة «روسيا - آسيا الوسطى» لترتيب علاقات الكرملين مع المحيط الإقليمي

قمة «آسيا الوسطى» شارك فيها رؤساء روسيا الاتحادية وطاجكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان (رويترز)
قمة «آسيا الوسطى» شارك فيها رؤساء روسيا الاتحادية وطاجكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان (رويترز)

انطلقت الخميس في العاصمة الطاجيكية دوشانبي أعمال قمة «روسيا - آسيا الوسطى». وسعى الكرملين إلى إعادة ترتيب العلاقات مع شركاء روسيا الإقليميين الأساسيين، وتجاوز ملفات خلافية متراكمة، وسط احتدام المنافسة بين روسيا وقوى خارجية على النفوذ في المنطقة الحيوية.

وفي الوقت ذاته، عكس أول لقاء عقد على هامش القمة، وجمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الأذري إلهام علييف بعد عام على أسوأ توتر ضرب العلاقة بين البلدين، محاولة لتقريب وجهات النظر وطي صفحة من الجفاء في علاقات موسكو وباكو.

وبعد مرور يومين فقط على قمة «العالم التركي» التي جمعت قادة تركيا مع قادة بلدان منطقة آسيا الوسطى، جاءت قمة «روسيا – آسيا الوسطى» لتكشف مستوى احتدام التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في هذه المنطقة، خصوصاً على خلفية اتساع التدخل الأميركي في المنطقة، وبناء تحالفات أمنية وعسكرية واقتصادية بين واشنطن وعدد من بلدان المنطقة، فضلاً عن اتساع نطاق الحضور الصيني من خلال الشراكات الاقتصادية التي باتت تحظى بأولوية مهمة لبلدان المنطقة.

واتضح هذا البعد في ترتيبات القمة الحالية، من خلال تركيز وسائل الإعلام المقربة من الكرملين، على الأهمية التي توليها موسكو للمحافظة على تطوير العلاقات التقليدية مع الشركاء الإقليميين، الذين تربطهم بموسكو علاقات تجارية واقتصادية وثيقة، فضلاً عن الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع شعوب المنطقة.

بوتين ورحمون (أ.ف.ب)

وإلى جانب بوتين ورئيس طاجكستان إمام علي رحمون الذي استضافت بلاده القمة، شارك في أعمالها رؤساء كازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان، وأوضح الكرملين أن أجندة النقاشات ركزت على تعزيز التعاون في التجارة والاقتصاد والمالية والصناعة واللوجيستيات والطاقة وغيرها من الملفات المطروحة أجندة الأطراف.

يلي القمة اجتماع إقليمي موسع آخر، لرؤساء بلدان رابطة الدول المستقلة، وانضم قادة أذربيجان وبيلاروسيا وأرمينيا إلى هذا اللقاء، الذي عكس تنظيمه بالتزامن مع قمة «روسيا – آسيا الوسطى»، حاجة الكرملين وبلدان المنطقة إلى إعادة ضبط الساعات وترتيب الأولويات.

وفي اجتماع تمهيدي سبق القمتين، أجرى بوتين جولة محادثات مع نظيره الطاجيكي إمام علي رحمون أكّدا خلالها على التطور الإيجابي والديناميكي في العلاقات الثنائية بين روسيا وطاجيكستان، مشيرين إلى التعاون الوثيق في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وأعرب الرئيس الطاجيكي عن ارتياحه لسير تطور العلاقات بين البلدين، مُشدّداً على أن روسيا «الشريك الأساسي والاقتصادي الرئيسي» لطاجيكستان.

وأضاف أن الجانبين يعملان بنشاط على توسيع التعاون الاقتصادي، حيث يشهد حجم التبادل التجاري نمواً مستمراً، كما يتعاونان بشكل فعّال في مجال الأمن.

الرئيس الروسي بوتين (إ.ب.أ)

من جانبه، أكد بوتين أن العلاقات بين البلدين «تتطور بشكل إيجابي على جميع المحاور»، وأن موسكو ودوشنبه «حليفان موثوقان».

ولفت إلى أن الجانبين ناقشا خلال اللقاء «القضايا الأكثر حساسية والمجالات الهامة للتعاون المشترك، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن، حيث يجري التنسيق المستمر بينهما».

ووقع الطرفان الخميس حزمة من الاتفاقات الرامية إلى تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

وكان اللافت أن بوتين اصطحب ضمن وفده إلى اللقاءات في دوشنباي وزراء الدفاع، والاقتصاد، والمالية، والصناعة، والتعليم، ومسؤولين في إدارة الرئاسة، ما عكس مستوى اهتمام الرئاسة الروسية باللقاءات الجارية وأولويات الأطراف في المناقشات المشتركة.

ووضعت ترتيبات القمة أهدافاً رئيسية للمشاركين بينها تعزيز التعاون في المجالات التجارية، الصناعية، الاستثمارية، اللوجيستية، والأمنية، وقضايا الهجرة والبيئة، واعتماد خطة عمل مشتركة. فيما تناقش قمة رؤساء دول رابطة الدول المستقلة الجمعة إنجازات الرابطة في 2025، وتحديد أولوياتها المستقبلية وتسليم رئاسة الرابطة لتركمانستان في 2026.

كما يناقش القادة توسيع التعاون عبر صيغة «رابطة الدول المستقلة+»، وينتظر أن يدعو بوتين زعماء الرابطة إلى اجتماع تقليدي سنوي غير رسمي في سان بطرسبورغ في ديسمبر (كانون الأول).

بوتين مع نظيره إلهام علييف (إ.ب.أ)

وتعول موسكو على حاجة بلدان منطقة آسيا الوسطى إلى تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية التقليدية مع موسكو برغم تزايد حضور الأطراف الخارجية في هذه المنطقة. وبالنسبة إلى طاجكستان مثلاً، تمثل روسيا الشريك التجاري الأول لهذا البلد، وبلغت حصتها 22.6 في المائة من تجارته الخارجية عام 2024 (مقابل نحو 22 في المائة للصين)، مع ارتفاع التبادل التجاري إلى 1.5 مليار دولار.

كما يعمل في روسيا 1.2 مليون طاجيكي وتشكّل تحويلاتهم 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لطاجيكستان، فيما تعمل أكثر من 300 شركة روسية في طاجيكستان التي تنشر فيها روسيا قاعدة عسكرية متكاملة، وتنفذ برنامجاً شاملاً لتطوير وتسليح الجيش الطاجيكي. وتشكل هذه المعطيات باستثناء البعد العسكري للتعاون، نسخة مكررة من أوجه الحاجة المتبادلة والتعاون بين روسيا وكل بلدان المنطقة.

ويشير الخبراء إلى أن آسيا الوسطى باتت ذات أولوية متزايدة في السياسة الخارجية الروسية، ليس فقط لحجم سوقها (80 مليون نسمة)، بل أيضاً لموقعها الاستراتيجي كونها جسراً نحو جنوب آسيا، ما يستدعي تنسيقاً مستمراً على أعلى المستويات لتعزيز الشراكة المتكاملة.

على هامش القمة، شكل اللقاء الأول منذ عام الذي جمع بوتين مع نظيره الأذري إلهام علييف، محاولة من الطرفين لكسر الجمود الذي ضرب العلاقة وفاقم التوتر بينهما.

أول لقاء عقد على هامش القمة جمع الرئيس بوتين مع نظيره الأذري إلهام علييف بعد عام على أسوأ توتر ضرب العلاقة بين البلدين (إ.ب.أ)

وكان آخر اجتماع بين بوتين وعلييف وجهاً لوجه في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تبعه اتصال هاتفي بين الرئيسين في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتركز حول الحادث الذي وقع للطائرة الأذربيجانية في المجال الجوي الروسي وتحطمها في كازاخستان، ما سبب توتراً في العلاقات بين موسكو وباكو.

وسرعان ما ازداد هذا التوتر في يوليو (تموز) الماضي بعد إعلان السلطات الروسية عن تفكيك ما وصفته بأنه «تكتل إجرامي من أصول أذرية» متهم بارتكاب جرائم قتل على أراضي روسيا. ورداً على ذلك، اعتقلت أذربيجان سبعة موظفين في مكتب وكالة «سبوتنيك أذربيجان» التابعة لوسائل الإعلام الروسية الرسمية، وحكمت عليهم بالسجن أربعة أشهر.

الطائرة الأذربيجانية التي تحطمت في كازاخستان 2024 (أ.ف.ب)

ويأتي لقاء دوشنباي بين بوتين وعلييف بعد سلسلة من الاتصالات المحدودة بين الجانبين، إذا تصافح الرئيسان في سبتمبر (أيلول) الماضي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في الصين، من دون أن يتبادلا أطراف الحديث.

وأشار الناطق الرئاسي الروسي دميتري بيسكوف إلى أن المحادثات الحالية تركز في المقام الأول على تطوير العلاقات الثنائية، مؤكداً أن عقد هذا اللقاء بحد ذاته يعكس رغبة الطرفين في مناقشة القضايا العالقة والملحة. وأضاف أن الجانب الروسي يتعامل مع هذه المباحثات بـ«نية إيجابية»، معترفاً في الوقت نفسه بأنه لا يتحدث باسم القيادة الأذربيجانية.

وكان بوتين قد صرح في أوائل سبتمبر بأن العلاقات الروسية - الأذربيجانية تمر ببعض التحديات، لكنه أعرب عن ثقته بأن الاهتمام المشترك بتعزيز التعاون سيُعيد الأمور إلى مسارها الصحيح. وقال بيسكوف رداً على سؤال لوكالة أنباء «تاس» الحكومية إن «الرئيس علييف هنأ الرئيس بوتين هاتفياً بعيد ميلاده، وناقش الطرفان قضايا أخرى»، معتبراً أن «المحادثة كانت مهمة جداً».


مقالات ذات صلة

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة لكييف حيث تظهر شاشة كبيرة تُظهر درجة حرارة بلغت -19 مئوية في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مفاوضون أوكرانيون في أميركا لبحث إنهاء الحرب مع روسيا

وصل مفاوضون أوكرانيون إلى الولايات المتحدة؛ لإجراء محادثات مع مبعوثين أميركيين؛ سعياً لإنهاء الحرب مع روسيا، المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) play-circle

زيلينسكي يأمل إبرام اتفاق الضمانات الأمنية مع أميركا الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه يأمل أن توقع بلاده اتفاقيات مع أميركا، الأسبوع المقبل، بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وانتقد بشدة بطء وصول الذخيرة من الشركاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا انقطاع التيار الكهربائي عن مبانٍ سكنية في كييف بعد الهجمات الروسية (رويترز) play-circle

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية لاحقاً

افتتاح مركز بريطاني للتعاون العسكري في أوكرانيا يؤجج الجدالات حول خطط نشر قوات غربية، وموسكو تتابع «الوضع الاستثنائي» حول غرينلاند، وتتجنب إدانة خطوات ترمب

رائد جبر (موسكو)

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
TT

ميانمار ترفض اتهامها بإبادة الروهينغا أمام «العدل الدولية»

مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)
مئات الآلاف من الروهينغا فروا من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار (رويترز)

رفضت ميانمار، الجمعة، اتهامها بارتكاب إبادة جماعية في حقّ أقليّة الروهينغا المسلمة في الدعوى المرفوعة عليها أمام محكمة العدل الدولية، قائلة إنه «لا أساس» لهذه المزاعم.

وتعقد أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة جلسات لمدّة 3 أسابيع في هذه القضيّة التي رفعتها غامبيا متّهمة ميانمار بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 عبر أعمال قمع مارستها في حقّ أفراد هذه الأقليّة المسلمة سنة 2017.

وشدّد كو كو هلاينغ، الوزير المنتدب من الرئاسة البورمية أمام المحكمة التي تتّخذ في لاهاي مقرّاً، على «وجوب البتّ في هذه المسألة بناءً على وقائع مثبتة وليست ادعاءات لا أساس لها». وأشار إلى أن «الخطابات العاطفية والعروض الملتبسة للوقائع لا تقوم مقام تحليل معمّق للوضع».

ولطالما اعتبرت سلطات ميانمار أن القمع الذي مارسته قوّاتها المسلّحة المعروفة بـ«تاتماداو» كان مبرّراً للقضاء على المتمرّدين الروهينغا بعد هجمات أودت بنحو 12 من عناصر الأمن.

وفرّ مئات الآلاف من أفراد أقليّة الروهينغا المسلمة هرباً من أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ومسلّحون بوذيون إلى دولة بنغلاديش المجاورة، حيث تحدثوا عن أعمال اغتصاب جماعي وقتل وحرائق متعمّدة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واليوم، يعيش نحو 1.17 مليون منهم في مخيّمات متهالكة في كوكس بازار في بنغلاديش.

«وصمة عار»

واعتبر كو كو هلاينغ في المحكمة أنه «ما كان يجدر بميانمار أن تقف مكتوفة اليدين وتدع الإرهابيين يتحرّكون بلا حسيب أو رقيب في شمال ولاية راكين». وأشار إلى أن «هذه الهجمات كانت مبرّراً لعمليات التطهير، وهو مفهوم عسكري يحيل على عمليات صدّ التمرّد أو مكافحة الإرهاب».

وبموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، يمكن لأيّ دولة أن تقاضي دولة أخرى أمام المحكمة في ضوء شبهات في انتهاك هذا الصكّ القانوني.

وفي 2019، رفعت غامبيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، هذه القضيّة أمام محكمة العدل الدولية التي تبتّ في منازعات بين الدول.

ورغم أن قرارات محكمة العدل الدولية ليست ملزمة قانوناً، فإن حكماً لصالح غامبيا من شأنه أن يزيد الضغوط السياسية على بورما.

وصرّح الوزير المنتدب من رئاسة ميانمار بأن «إدانة بارتكاب إبادة جماعية من شأنها أن تشكّل وصمة عار على بلدي وشعبي»، مشدّداً على «الأهمية القصوى لهذه الإجراءات بالنسبة إلى سمعة بلدي ومستقبله».

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قدّمت غامبيا شهادات مروّعة عن أعمال القمع التي شملت اغتصابات جماعية وعمليات قتل وتعذيب.

وقال وزير العدل الغامبي متكلّما عن أفراد الروهينغا: «تمّ استهدافهم للقضاء عليهم».

ويتابع خبراء القانون هذه التطوّرات من كثب؛ إذ إنها قد تؤشّر إلى النهج الذي يمكن للمحكمة أن تعتمده في قضيّة مماثلة رفعتها دولة جنوب أفريقيا على إسرائيل على خلفية حملتها العسكرية في غزة في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

لماذا تعدّ الصين توترات أميركا مع إيران وفنزويلا فرصة لتعزيز النفوذ؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان 29 يونيو 2019 (رويترز)

علقت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية على موقف الصين تجاه التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا وإيران، وقالت إن بكين، حسب المحللين، تسعى إلى ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار في ظل تلك التحركات، لكن التزامها تجاه حلفائها يتسم بالبراغماتية في جوهره.

ووفقاً للصحيفة، يرى المحللون أن الاضطرابات السياسية في فنزويلا وإيران، بما فيها الضربات العسكرية التي هددت بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونفذتها بالفعل، قد تتيح فرصاً لتعزيز مكانتها بديلاً موثوقاً ومستقراً للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في مطار غيمهاي الدولي على هامش «قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ» بكوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

وأدت العملية العسكرية الأميركية المفاجئة في فنزويلا إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات جنائية، منهيةً بذلك حكم زعيم دعمته بكين لسنوات بالقروض وصفقات النفط والدعم الدبلوماسي.

وفي إيران، أعقبت الاحتجاجات الجماهيرية حملة قمع دموية؛ ما أثار تساؤلات جديدة حول بقاء النظام، ودفع ترمب إلى وعد الشعب الإيراني بأن الولايات المتحدة ستتدخل لمساعدتهم. وبدأت البنتاغون في نقل الأفراد والمعدات من المنشآت الرئيسية بالمنطقة، لكن بدا أن ترمب تراجع عن اتخاذ أي إجراء عسكري، واستغلت بكين هذه الفرصة لتوضيح نهجها، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي، الخميس، أن الصين تعارض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية، كما تعارض تطبيق «قانون الغاب».

وأكد وانغ، في بيان صيني، استعداد الصين للعب «دور بنّاء» في حل الخلافات عبر الحوار، وذلك حسب ما صرح به لوزير الخارجية الإيراني.

وقالت الصحيفة إن إجراءات إدارة ترمب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين ففنزويلا وإيران تُعدّان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني شي جينبينغ - بالتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها ترمب أيضاً.

ولفتت إلى أن هذا الاضطراب قد تكون له تداعيات اقتصادية على بكين أيضاً: فالصين هي أكبر مستورد للنفط الفنزويلي؛ إذ تشتري معظم إمداداته، كما أنها تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر، وفقاً لشركات استشارية.

وحذّر ترمب هذا الأسبوع من أن أي دولة تستمر في التعامل التجاري مع إيران قد تواجه تعريفة جمركية بنسبة 25 في المائة على تجارتها مع الولايات المتحدة، وهو تحذير موجّه مباشرةً إلى الصين.

ومع ذلك، من المرجّح أن يتبع شي جينبينغ ما وصفه السياسي الأميركي الراحل هنري كيسنجر بأنه جوهر النهج الصيني في السياسة الخارجية: التركيز على المدى البعيد.

وكما يقول بيتس جيل، الباحث البارز في شؤون الأمن الآسيوي بالمكتب الوطني للبحوث الآسيوية في واشنطن، تستطيع الصين تحمّل تبعات هذا النهج البعيد تحديداً؛ لأنها تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في خلق الفرص اللازمة لذلك.

ويضيف: «بقدر ما ترى الدول في الولايات المتحدة مشكلةً أكثر منها حلاً للتحديات التي تواجهها، ستسعى الصين إلى تقديم بديل».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي نظيره الصيني شي جينبينغ في قمة قادة مجموعة العشرين بمدينة أوساكا اليابانية 29 يونيو 2019 (رويترز)

وعلى حدّ قول جيل، واشنطن تُسلّم الصين زمام الأمور في مجالات مثل تقديم المساعدات التنموية، وفتح أسواق التصدير، وتوفير الفرص التعليمية، على سبيل المثال.

وتوسّعت الصين بقوة في أميركا اللاتينية، بما في ذلك من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة، ففي فنزويلا، على سبيل المثال، تتراوح تقديرات إجمالي الاستثمارات الصينية، بما في ذلك القروض والاستثمارات في قطاع النفط، بين 60 و100 مليار دولار.

لا تزال الصين متعطشة للنفط

كما عزّزت الصين علاقاتها التجارية مع الشرق الأوسط، مستفيدةً من العقوبات الأميركية المفروضة على إيران لشراء النفط بأسعار مخفّضة.

ويقول درو طومسون، المسؤول السابق في البنتاغون والمتخصص في الشأن الصيني، إنه على الرغم من انخفاضها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، لا تزال الصين تعتمد على الشحنات الخارجية لتأمين نحو ثلثي إمداداتها من النفط الخام، لكن لدى بكين خيارات أخرى عدّة لسدّ النقص في السوق المفتوحة بسهولة.

وتابع: «أخيراً، حصلت الصين على تنوّع مصادر الإمداد الذي لطالما رغبت فيه. فإما فنزويلا، أو جنوب السودان، أو أي مكان آخر في الشرق الأوسط، أو حتى بابوا غينيا الجديدة، العالم يزخر بالنفط، والصين «بإمكانها شراؤه من أي مكان في السوق المفتوحة».

وفي الشرق الأوسط، لا يكمن ألم بكين في الجانب المالي بقدر ما يكمن في كونها ضربة لطموحاتها الدبلوماسية المتنامية، وقد أكدت تحركات بارزة عدة قامت بها بكين في السنوات الأخيرة رغبتها في لعب دور أكبر في المنطقة، ففي عام 2024، أعلنت بكين، التي تقاربت بشكل متزايد مع القادة الفلسطينيين منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عن اتفاق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«فتح»، لتعزيز الوحدة بين الخصمين اللدودين خلال حرب غزة.

وأشادت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بالاتفاق بعدّه دليلاً على الدور المتنامي للصين بوصفها وسيطاً مؤثراً في الشرق الأوسط، رغم تحذيرات الخبراء من أن انعدام الثقة العميق وضعف خطط التنفيذ يحولان دون تحقيق وحدة عملية.

وتابعت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين، صمد وقف إطلاق النار في غزة بشكل هش إلا أن الانقسامات السياسية الفلسطينية لا تزال راسخة، مع قلة المؤشرات على أن مبادرة بكين قد تُرجمت إلى حكم مستدام أو نفوذ على الأرض؛ ما يؤكد محدودية قدرة الصين على تحويل الاختراقات الدبلوماسية نتائج دائمة.

وذكرت الصحيفة أنه في الوقت الذي كانت فيه الاحتجاجات تعصف بطهران، وكان ترمب يهدد بالتدخل، أرسلت إيران سفناً حربية للمشاركة في مناورات «إرادة السلام 2026» العسكرية التي تقودها الصين قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي تُعدّ جزءاً من أول مناورة متعددة الأطراف لمنظمة «بريكس».

عَلما الصين وأميركا (رويترز)

وذكرت وسائل إعلام محلية أن جنوب أفريقيا طلبت من إيران الانسحاب في اللحظة الأخيرة لتجنب استعداء الولايات المتحدة، لكن الصور أظهرت السفن الإيرانية وهي تغادر للمشاركة في المناورات.

ورغم غياب الهند واقتصار مشاركة البرازيل على المراقبة، فإن المناورات - التي شاركت فيها القوات البحرية الصينية والروسية والجنوب أفريقية - أكدت رغبة بكين في توسيع عضوية ونطاق التكتلات السياسية والاقتصادية التي تقودها.

توسيع نفوذها

واستخدمت الصين منصات مثل مجموعة «بريكس»، ومبادرة الحزام والطريق، ومنظمة شنغهاي للتعاون لتعزيز نفوذها والدفع نحو ما وصفه شي جينبينغ في خطاب ألقاه عام 2023 بـ«الإنصاف والعدالة في الشؤون الدولية»، ومنح الدول النامية صوتاً أقوى.

وقد روَّجت بكين «بريكس» بوصفها أساساً لتحالف دول الجنوب العالمي القادر على دفع عجلة التخلي عن الدولار وبناء روابط تكنولوجية جديدة.

ولكن على الرغم من كل ما تتحدث عنه بكين من شراكات ودعم متبادل، فإن نهجها عملي للغاية، حسب المحللين، وهذا يعني أن التزامها بدعم حلفائها محدود للغاية، لا سيما في الأزمات الوجودية كالأزمة الفنزويلية أو عند مواجهة النظام في طهران.

ويقول أندريا غيسيللي، المحاضر في العلوم السياسية الدولية بجامعة إكستر، إن معظم الدول تدرك تماماً ما ستفعله الصين وما لن تفعله.

ويضيف غيسيللي: «باستثناء عدد محدود جداً من الدول التي تحتل موقعاً استراتيجياً في الدبلوماسية الصينية، مثل روسيا وكوريا الشمالية، فإن الصين مستعدة لتقديم الدعم الاقتصادي والدبلوماسي، وبيع الأسلحة، وتدريب قوات الأمن. ومع ذلك، عندما تشتد الأمور، ستتنحى بكين جانباً، ولن تلتزم أبداً ببقاء أي نظام».

ويتفق معه ثيو نينسيني، الباحث المتخصص في العلاقات الصينية - الإيرانية والمحاضر في معهد الدراسات السياسية في غرينوبل بقوله: «ليس من الواضح أيضاً أن موقف الصين المتحفظ حالياً تجاه الأزمات في فنزويلا وإيران يقوض مصداقيتها السياسية لدى شركائها الدبلوماسيين التقليديين، أو أنه يضر بشكل كبير بسمعتها بوصفها شريكاً مسؤولاً».

صورة تظهر العَلمين الأميركي والصيني (رويترز)

وقال جيل، من المكتب الوطني للبحوث الآسيوية، إنه من غير المرجح أن تتخذ بكين «أي خطوات استفزازية صريحة في هذه المرحلة»، وستكتفي بإصدار بيانات نمطية تعارض «التدخل الأجنبي» في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأضاف: «في الخفاء، ستعيد القيادة الصينية ومخططوها تقييم العلاقات في أميركا الجنوبية ومنطقة الخليج، وستقدم تطمينات غير رسمية هادئة بشأن الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي للدول التي قد تكون أهداف واشنطن التالية، مثل إيران وكوبا».

ويقول المحللون إن الصين ستواصل اتباع نهج طويل الأمد، مكتفية باستيعاب الصدمات من واشنطن، واثقة من أن الصبر يبقى أثمن أصول سياستها الخارجية.


حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
TT

حظر 4.7 مليون حساب على منصات التواصل الاجتماعي لقاصرين في أستراليا

قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)
قال وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل إن الهدف من إجراءات التقييد هو حماية الأطفال بصورة أفضل من مخاطر الإنترنت مع تطوير حلول عملية للمنصات (رويترز)

قالت هيئة تنظيم الإنترنت في أستراليا إن الشركات التي تدير منصات ​التواصل الاجتماعي حظرت مجتمعة نحو 5 ملايين حساب لمراهقين في البلاد بعد شهر واحد فقط من بدء سريان أول حظر من نوعه عالمياً على من هم دون سن 16 عاماً، ما يعكس ‌التأثير السريع والواسع ‌للإجراء.

وذكرت ⁠الهيئة ​المعنية ‌بالسلامة الإلكترونية على الإنترنت في أستراليا «إي سيفتي» أن المنصات أزالت حتى الآن نحو 4.7 مليون حساب لمراهقين تقل أعمارهم عن 16 عاماً امتثالاً لقانون دخل حيز ⁠التنفيذ في 10 ديسمبر (كانون الأول). ‌وأكدت بعض المنصات أنها ‍ستبدأ إزالة ‍الحسابات التي تنطبق عليها شروط ‍الحظر خلال الأسابيع التي تسبق الموعد النهائي.

«لوغو» لمنصات مملوكة لشركة «ميتا» وهي من اليمين «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام» (د.ب.أ)

وتمثل هذه الأرقام أول بيانات حكومية حول الامتثال. وتشير إلى أن المنصات تتخذ ​خطوات مهمة للالتزام بالقانون، الذي ربما يعرضها لغرامة تصل إلى 49.⁠5 مليون دولار أسترالي (33 مليون دولار) في حالة عدم الالتزام به، لكنه لا يحمل الأطفال أو آباءهم المسؤولية.

وفاق هذا العدد التقديرات التي أوردتها تقارير قبل صدور القانون استناداً إلى بيانات السكان. وقالت «ميتا» في وقت سابق إنها أزالت نحو 550 ألف حساب ‌لقاصرين من «إنستغرام» و«فيسبوك» و«ثريدز».