كيف سيؤثر فوز مودي بولاية ثالثة للهند على العالم؟

مودي لدى وصوله إلى مقر حزبه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بنيودلهي في 4 يونيو (أ.ب)
مودي لدى وصوله إلى مقر حزبه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بنيودلهي في 4 يونيو (أ.ب)
TT

كيف سيؤثر فوز مودي بولاية ثالثة للهند على العالم؟

مودي لدى وصوله إلى مقر حزبه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بنيودلهي في 4 يونيو (أ.ب)
مودي لدى وصوله إلى مقر حزبه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بنيودلهي في 4 يونيو (أ.ب)

ضمن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ولايته الثالثة رسمياً، الجمعة، بعد انتخابات أتت نتائجها متقاربة أكثر مما كان متوقعاً ما اضطره إلى إبرام اتفاق لتشكيل ائتلاف حكومي.

وحكم حزب مودي الهندوسي القومي «بهاراتيا جاناتا» بمفرده مدى العقد الماضي، لكنه فشل هذه المرة في تكرار الفوز الساحق الذي سبق أن حققه مرّتين، لتأتي النتيجة مخالفة لتوقعات المحللين والاستطلاعات.

وينظر إلى ذلك على نطاق واسع على أنه انتكاسة صادمة للزعيم وحزبه، الذين يواجهون اتهامات بتغذية الإسلاموفوبيا والعنف الديني في الهند، وانتقادات بسبب تراجع الحريات المدنية والفشل في حل قضايا سبل العيش مثل ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، مودي لدى وصوله إلى مقر حزبه بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات بنيودلهي في 4 يونيو (حزيران) وفقاً لشبكة «سي إن إن» الأميركية.

يأتي ذلك رغم النجاح الذي حققه مودي خارجياً، وفقاً للخبراء. فقد تمكن رئيس الوزراء من رفع مكانة الهند على الساحة العالمية بشكل لم يسبق له مثيل من قبل أي زعيم آخر للدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم.

وقد وضع مودي الهند واقتصادها سريع النمو بوصفها لاعباً حاسماً في القضايا العالمية مثل تغير المناخ والتنمية، في حين عزز نيودلهي بوصفها شريكاً أمنياً رئيسياً للولايات المتحدة.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يحمل رسالة رئيسة الجمهورية التي تكلفه فيها تأليف حكومة (أ.ف.ب)

إلا أن الخبراء يقولون إن قضايا السياسة الخارجية لم تؤثر على قرار الانتخابات بالقدر الذي كان يعتقده الناس، مؤكدين أن مودي سيحتاج إلى تكريس الكثير من الوقت للشؤون الداخلية.

لاعب عالمي قوي

أحد جوانب طموحات الهند الدولية التي من غير المرجح أن تتغير خلال فترة ولاية مودي الجديدة هو علاقة نيودلهي بواشنطن، وهي العلاقة التي ساعدت في تلميع صورة رئيس الوزراء بوصفه لاعباً عالمياً قوياً.

لقد برزت الهند بوصفها شريكاً أمنياً رئيسياً للولايات المتحدة، وهي تعمل على توسيع التعاون معها في مجال التكنولوجيا المتقدمة والدفاع في مواجهة المخاوف المشتركة بشأن الصين المتزايدة القوة والعدوانية.

وفي رسالة تهنئة إلى مودي على فوزه في وقت سابق من هذا الأسبوع، أشاد الرئيس الأميركي جو بايدن بالصداقة بين الولايات المتحدة والهند ووصفها بأنها «تنمو، مع فتحنا مستقبلاً مشتركاً ذا إمكانات غير محدودة».

مودي وبايدن وزعماء «العشرين» على هامش أعمال القمة في سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

ومن المرجح أن تتعزز هذه العلاقة على المدى القريب، وفقاً للمحللين.

وقالت فروى عامر، مديرة مبادرات جنوب آسيا في معهد سياسات المجتمع الآسيوي في نيويورك، إن البلدين لديهما مخاوف مشتركة بشأن الاستقرار الإقليمي ويشرفان على التعاون الدفاعي المزدهر.

وأضافت: «يمكننا أن نتوقع وجود دولة هندية أكثر حزماً تتماشى بشكل وثيق مع المصالح الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتسعى بقوة لتعزيز التعاون التكنولوجي مع واشنطن».

وتحسنت العلاقات بين نيودلهي وواشنطن في السنوات الأخيرة حتى مع استمرار مودي بقوة في اتباع سياسة الهند المتمثلة في الاستقلال الاستراتيجي للدفع باتجاه نظام عالمي لا تهيمن عليه الولايات المتحدة أو التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وهو هدف آخر من المتوقع أن يظل دون تغيير بعد الانتخابات. على سبيل المثال، رفضت نيودلهي التخلي عن علاقاتها الوثيقة مع روسيا، على الرغم من الضغوط الأميركية على شركائها لحملهم على قطع العلاقات معها بعد حرب أوكرانيا.

مخاوف عالمية

هناك مخاوف عالمية بشأن التراجع الموثق على نطاق واسع للحريات المدنية في الهند تحت قيادة مودي، فضلاً عن الاتهامات بأن حزب «بهاراتيا جاناتا» يهدف إلى تهميش الأقلية المسلمة في البلاد التي يزيد عدد سكانها على 200 مليون شخص.

كما واجهت الهند اتهامات كبيرة بتخطي وتجاوز حدودها الإقليمية، وهو ما يثير تساؤلات حول مخاطر ثقة البلاد المتزايدة بنفسها على التزامها بالمعايير الدولية في عهد مودي.

وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، في سبتمبر (أيلول) الماضي، إن بلاده تحقق في «مزاعم موثوقة» تربط الهند بمقتل مواطن كندي وزعيم بارز للسيخ. ونفت نيودلهي هذا الأمر بشدة، واتهمت كندا بـ«إيواء إرهابيين وعدم التحرك ضد المتطرفين».

وبعد شهرين، زعم المدعون الأميركيون أيضاً أن عميلاً هندياً كان وراء مؤامرة فاشلة للقتل مقابل أجر استهدفت ناشطاً أميركياً من السيخ. ونفت نيودلهي أي تورط لها في تلك المؤامرة المزعومة وشكلت لجنة رفيعة المستوى للتحقيق في الاتهام.

هل تتغير الأمور بعد الانتخابات؟

يقول الخبراء إن أحد العوامل التي يجب مراقبتها بعد فوز مودي في الانتخابات هو ما إذا كانت الحكومة الجديدة ستعزز أو تخفف من حدة المواقف التي تؤثر على علاقات الهند مع جيرانها في جنوب آسيا.

وأشار الخبراء إلى أن القومية الهندوسية على مدى العقد الماضي لم تؤجج الانقسام والعنف داخل البلاد فحسب، بل هددت بإشعال الاحتكاكات في المنطقة، خصوصاً مع باكستان التي كثيراً ما كانت هدفاً للخطابات الساخنة لحزب «بهاراتيا جاناتا».

وجاءت نتائج الانتخابات، التي امتدت 6 أسابيع، متقاربة، ما اضطر مودي إلى التفاوض لتشكيل ائتلاف. ويتوقع محللون ووسائل الإعلام أن تكون ولاية مودي الجديدة أصعب لأن على رئيس الحكومة الآن أن يتفق مع شركائه قبل اتخاذ القرارات، وهو ما قد يثبط أجندته القومية الهندوسية.

وهذا الفوز الضعيف في الانتخابات قد يدفع مودي لمحاولة إقناع شعبه بأنه يواجه تهديدات خارجية كبيرة، خصوصاً من باكستان، لمحاولة استمالتهم تجاه سياسته.

كما يقول مراقبون إن مودي قد يتعرض لضغوط للرد بشكل حازم على أي تهديدات محتملة من الصين، جارة الهند المتفوقة عسكرياً التي بدا مودي أنه غير مستعد للمخاطرة بالدخول في مواجهة معها، على الرغم من الانتقادات التي تعرض لها بسبب ما قال معارضوه إنه «رد فعل ناعم» على الاشتباكات الدامية التي وقعت عام 2020 على طول الحدود المتنازع عليها بين الدولتين في منطقة الهيمالايا.

مودي مع الرئيس الصيني شي جينبينغ (أرشيف - أ.ب)

وستراقب الحكومات وصناع السياسات في جميع أنحاء العالم كيفية تطور هذه القضايا في الأشهر المقبلة، حيث إنها قد تؤثر في النهاية على سياسة واقتصاد العالم كله.

ويشير بعض المراقبين إلى أنه على الرغم من أن نتائج الانتخابات ربما لم تدعم مودي بالشكل الذي انتظره، فإنها ربما دعمت نفوذ الهند العالمي.

وقال تي في بول، الأستاذ في جامعة ماكجيل في كندا ومؤلف كتاب «المهمة غير المكتملة: بحث الهند عن مكانة القوة الكبرى من نهرو إلى مودي»: «إذا كان مودي قد فاز بأغلبية ساحقة، فإن هذا الأمر كان يمكن أن يؤدي إلى إضعاف أجندة الهند الدولية».

وأضاف أن «ظهور الانتخابات بهذه الصورة الديمقراطية» يعزز صورة الهند بين الدول الليبرالية.


مقالات ذات صلة

فرنسا: اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في الانتخابات المحلية

تحليل إخباري الاشتراكي إيمانويل غريغوار المرشح لمنصب عمدة باريس يلقي كلمة بعد صدور نتائج الجولة الأولى للانتخابات المحلية الأحد (أ.ف.ب)

فرنسا: اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في الانتخابات المحلية

اليمين المتطرف واليسار المتشدد يتحكمان في نتائج الجولة الثانية للانتخابات المحلية ومعارك كبرى مرتقبة في باريس ومرسيليا وليون و«الماكرونية السياسية» إلى زوال.

ميشال أبونجم (باريس)
آسيا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون يحيي الناس خلال زيارة لمنجم فحم يديره عمال شباب للإدلاء بصوته في انتخابات الجمعية الشعبية العليا بكوريا الشمالية (رويترز)

كوريا الشمالية: 99.9 % نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية

انتخب الكوريون الشماليون، أمس الأحد، أعضاء الجمعية التشريعية مع نسبة مشاركة قدّرتها الهيئات الانتخابية بـ99.9 %.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب مايك جونسون الجمهوري عن ولاية لويزيانا خلال مؤتمر صحافي مع نواب جمهوريين يتحدثون فيه عن الحرب ضد إيران... في مبنى الكابيتول في واشنطن 4 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يعمل لضمان الفوز بالانتخابات النصفية… وجمهوريو الكونغرس يركزون على الاقتصاد

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضمان الفوز بالانتخابات النصفية، فيما يركز جمهوريو الكونغرس على القضايا الاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً، خلافات سياسية بين الحكومة والمعارضة.

محمد محمود (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين خلال مؤتمر صحافي أمس (أ.ف.ب)

«إف بي آي» يوسع تحقيقاته بشأن نتائج انتخابات 2020 إلى ولاية جديدة

وسّع مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) نطاق تحقيقه في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020 التي يدّعي الرئيس دونالد ترمب زوراً فوزه بها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ما مصداقية رهان رئيسة وزراء اليابان على أميركا لمواجهة الصين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي على متن حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن»... 28 أكتوبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

برزت في الفترة الأخيرة رؤيتان متنافستان حول كيفية تعامل حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مع النظام العالمي المتغير. ففي الدورة الأخيرة للمنتدى الاقتصادي العالمي بمنتجع دافوس في يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، عن شرخ في السياسة العالمية، ودعا القوى المتوسطة إلى العمل معاً لإيجاد بدائل للاعتماد على الولايات المتحدة. ووصف كارني الصين بأنها ثقل موازن فعال للنفوذ الأميركي.

في المقابل، تصر رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، على أن الصين، وليست الولايات المتحدة، هي التهديد الأكثر خطورة الذي تواجهه الدول. وقد منحها الفوز الساحق في الانتخابات المبكرة التي جرت في فبراير (شباط) الماضي تفويضاً لرسم استراتيجية لليابان، وربما لحلفاء آخرين للولايات المتحدة، تقوم على تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة رغم عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات واشنطن.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في كلمة أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو... 9 مارس الحالي (أ.ف.ب)

وحظي خطاب كارني بتصفيق حار وإشادة من المعلقين والقادة في جميع أنحاء أوروبا، وحتى في أستراليا، وحقق مكاسب كبيرة داخل كندا. قد تكون رؤية رئيس الوزراء جذابة لحلفاء الولايات المتحدة الذين سئموا غطرسة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لكنها لا تشكل استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق أو مستدامة بالنسبة للقوى المتوسطة الأخرى في العالم، بحسب تحليل مايكل جيه. غرين، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات الأميركية في جامعة سيدني، المنشور في مجلة «فورين أفيرز».

فدول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، المهددة بنفوذ بكين، تدرك جيداً أنه لا بديل حقيقياً عن القوة الأميركية. ومن المرجح وصول الدول الأوروبية إلى استنتاج مماثل رغم الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن.

يقول غرين إنه إذا أرادت الدول المتوسطة أن يكون لها مكان على مائدة صنع القرار الدولي، بدلاً من أن تكون «وليمة» للقوى الكبرى كما يريد كارني، ففرص نجاح نهج تاكايتشي أكبر، في عالم لا تزال فيه الاضطرابات التي تسببها بكين أكثر زعزعة للاستقرار الدولي من الاضطرابات التي يسببها ترمب.

في الوقت نفسه فإن نتيجة الانتخابات العامة الأخيرة في اليابان ترجح بقاء تاكايتشي، عازفة الطبول في فرقة موسيقى الهيفي ميتال وراكبة الدراجات النارية، في منصب رئيسة الوزراء لفترة طويلة، على خلاف التصورات الشائعة قبل شهور. لذا فإن رؤيتها للسياسة الخارجية ترسي المسار الأكثر واقعية للدول المسؤولة في مواجهة نظام عالمي مهتز.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان... 29 يونيو 2019 (رويترز)

استراتيجية تاكايتشي

وتنطلق استراتيجية تاكايتشي من رؤية رئيس الوزراء الياباني الراحل، شينزو آبي، التي تبلورت خلال السنوات الفاصلة بين فترتيه كرئيس للحكومة، حين أدى التوغل الصيني في الجزر والمياه التي تسيطر عليها اليابان في بحر الصين الشرقي إلى إذلال اليابان. لاحقاً، بعد عودته إلى منصبه، أجرت حكومة آبي سلسلة من المناورات الحربية استعداداً لإطلاق أول استراتيجية أمنية وطنية معلنة للبلاد. وكشفت هذه المناورات أن اليابان، بمفردها، ستعجز عن التصدي للجيش الصيني في أي مواجهة عسكرية كبرى ببحر الصين الشرقي. والأسوأ من ذلك، خلص فريق آبي إلى أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة متزايدة في التصدي لطموحات الصين الإقليمية من دون مزيد من الدعم من اليابان وحلفائها الآخرين.

حتى ذلك الحين، كانت استراتيجية اليابان تقوم على ترك الشؤون الجيوسياسية للولايات المتحدة، لكي تتمكن طوكيو من التركيز على النمو الاقتصادي وتحسين العلاقات الدبلوماسية مع الشركاء حول العالم. واعتبرت جميع الحكومات اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية أن بند التعايش السلمي في الدستور الياباني، الذي يتنازل عن حق البلاد في شن الحرب لحل النزاعات الدولية، مبرر مثالي للبقاء بعيدة عن حروب الولايات المتحدة وصراعاتها المسلحة، منذ الحرب الكورية في مطلع خمسينيات القرن العشرين وحتى حربها الحالية مع إيران.

لكن آبي اعتبر هذا البند عبئاً على بلاده في مواجهة صعود الصين العسكري والاقتصادي، حيث لم يعد بإمكان القادة اليابانيين التنصل من المسؤولية، بينما تقود الولايات المتحدة زمام الأمور؛ فالأرخبيل الياباني، في نهاية المطاف، سيصبح في مقدمة مسارح أي صراع مستقبلي. وبدلاً من تجنب التورط في الحروب الأميركية، باتت اليابان بحاجة إلى دعم جهود الردع التي تقودها واشنطن في آسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال لقاء على متن حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» لدى وجودها على ساحل اليابان في أكتوبر الماضي (أ.ب)

ولم يتوقع الكثيرون أن تكون تاكايتشي هي حاملة لواء هذه الرؤية الجيوسياسية، رغم أنها كانت حليفة مخلصة لآبي، لأنها لم تكن من بين السياسيين الذين رشحهم في البداية للقيادة المستقبلية.

عندما تولت منصب رئيسة الوزراء في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بعد استقالة شيجيرو إيشيبا، الأكثر اعتدالاً، واجهت تاكايتشي صعوبات مبكرة، بعد تصريحها في مجلس النواب الياباني في نوفمبر (تشرين الثاني) عن أن أي هجوم صيني على تايوان أو فرض حصار عليها سيشكل تهديداً لبقاء اليابان. وأثار هذا التصريح غضب بكين، التي فرضت مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية شديدة على اليابان. وكما كان متوقعاً، انشق حزب «كوميتو»، الشريك السلمي لـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي»، وانضم إلى المعارضة على أمل إزاحة تاكايتشي من السلطة وتشكيل ائتلاف حكومي جديد مع أحزاب أخرى من اليسار السياسي. صمدت تاكايتشي في موقفها، وأعجب الشعب بعزيمتها. وعندما دعت إلى انتخابات مبكرة في فبراير كافأ الناخبون اليابانيون حزب تاكايتشي، «الحزب الليبرالي الديمقراطي»، بأغلبية ساحقة في البرلمان.

ومن المنتظر إعلان تاكايتشي استراتيجيتها الخاصة للأمن القومي في وقت لاحق من هذا العام. ومن المرجح وصول الإنفاق الدفاعي لليابان إلى هدف عام 2027 البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي 58 مليار دولار، قبل الموعد المحدد. ستستخدم اليابان ضوابط التصدير وزيادة الاستثمار في سلاسل إمداد المعادن الحيوية والبحث والتطوير لتعزيز تفوقها التكنولوجي على الصين. كما ستواصل تعزيز التعاون الدفاعي وتوقيع اتفاقيات إنتاج عسكري مع شركاء رئيسيين، إذ تعمل اليابان بالفعل على تطوير طائرات مقاتلة جديدة مع بريطانيا وإيطاليا، وتصدير سفن حربية يابانية إلى أستراليا.

وتهدف تاكايتشي إلى استعادة توازن القوى الإيجابي في المنطقة، من خلال علاقة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة. وهي تعمل مع واشنطن على إنشاء مقر قيادة مشترك جديد في اليابان، وتسريع التخطيط الثنائي لمواجهة أي غزو صيني محتمل لتايوان، وزيادة الاستثمارات اليابانية في المعادن الحيوية وتطوير الطاقة في الولايات المتحدة. كما تعمل اليابان على توسيع إنتاج الصواريخ المشترك، وصيانة السفن والطائرات البحرية الأميركية في اليابان، والتعاون مع الولايات المتحدة في مجال تعزيز مرونة سلاسل التوريد.

ومن المرجح أن تحذو تاكايتشي حذو آبي في المحافل الدولية، مثل قمة مجموعة السبع، وتدفع نحو التضامن بين الديمقراطيات الرائدة، بدلاً من «تقليل المخاطر» بالسعي إلى مزيد من النأي عن الولايات المتحدة كما اقترح كارني في خطابه بدافوس.

لكن، بالرغم من الدعم الكبير لليابان من جانب الرأي العام وأعضاء الكونغرس في الولايات المتحدة، فإن تجارب التاريخ تقول إن الرؤساء الأميركيين يمكن أن تكون لهم مواقف مخيبة للآمال بالنسبة لطوكيو.

في الوقت نفسه يمكن أن تسهم حالة عدم اليقين في وضع استراتيجية جادة.

وتمتلك تاكايتشي حالياً الاستراتيجية الأكثر جدية، وهي استراتيجية تقوم على تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة بدلاً من التكهن بعالم ما بعد الهيمنة الأميركية. فالشراكة مع واشنطن لا تعني الرضوخ لاحتياجاتها، بل استخدام النفوذ بفعالية لضمان أن يخدم التحالف مصالح اليابان.

عندما تولت تاكايتشي وزارة الأمن الاقتصادي من عام 2022 إلى عام 2024، كانت استراتيجية اليابان تتمحور حول اكتساب مكانة لا غنى عنها بفضل تقنياتها واستثماراتها وقدراتها العسكرية. وبصفتها رئيسة للوزراء اليوم، تدرك تاكايتشي أهمية اليابان في جهود الولايات المتحدة لردع التوغل العسكري الصيني والحصول على المعادن الحيوية، كما يدرك ذلك مستشارون كبار للرئيس ترمب.

معنى ذلك أن استراتيجية ترتكز على التعاون مع الولايات المتحدة ستتيح لليابان فرصاً أكبر للاستفادة من قوة الولايات المتحدة لمواجهة التحديات التي تواجهها في غرب المحيط الهادئ، حتى في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الوضع في واشنطن.


باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

TT

باكستان ترفض زعم أفغانستان مقتل 400 في مستشفى بكابل جراء ضربتها

موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)
موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

قال متحدث باسم حكومة حركة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء، إن ما لا يقل عن 400 شخص لقوا حتفهم، وأصيب 250 آخرون في ضربة جوية شنتها باكستان على مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات في كابل، في تصعيد حاد للصراع بين البلدين الجارين. ورفضت باكستان هذا الاتهام، ووصفته بأنه كاذب، ومضلل، وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية، وبنية تحتية تدعم الإرهابيين» مساء أمس.

وقال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارر: «تشير الانفجارات الثانوية التي شوهدت بعد الغارات بوضوح إلى وجود مستودعات ذخيرة كبيرة».

وجاءت الغارة الجوية بعد ساعات من إعلان الصين أنها لا تزال مستعدة لمواصلة الجهود الرامية إلى تخفيف التوتر بين البلدين الواقعين جنوب آسيا، وحثت كلا الطرفين على تجنب توسيع نطاق الحرب، والعودة إلى طاولة المفاوضات.

عناصر أمن من «طالبان» يتفقدون موقع غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (أ.ف.ب)

والصراع الذي اندلع الشهر الماضي هو الأسوأ على الإطلاق بين الجارتين اللتين تشتركان في حدود بطول 2600 كيلومتر. وكان الصراع قد خمد وسط محاولات من دول صديقة، منها الصين، للتوسط، وإنهاء القتال قبل أن يشتعل مجدداً، وهذه المرة قبل أيام قليلة من عيد الفطر.

ويأتي هذا التصعيد وسط حالة من عدم الاستقرار الأوسع نطاقاً في المنطقة، إذ أغرقت الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران ورد طهران الشرق الأوسط في أزمة.

وفي الموقع، بدا مبنى مكون من طابق واحد وقد تفحم بالكامل وظهرت عليه آثار النيران. وفي مناطق أخرى، تحولت مبانٍ عدة إلى أكوام من الخشب والمعدن، بينما لم يبقَ سوى عدد قليل من الأسرة المرتبة سليمة بعض الشيء، وكانت البطانيات والمتعلقات الشخصية وأغطية الأسرة متناثرة.

وقال شهود إنهم سمعوا انفجار ثلاث قنابل في الوقت الذي كان فيه الناس في المستشفى يؤدون صلاة العشاء، وأصابت اثنتان منها غرفاً، ومناطق للمرضى.

وقال أحمد (50 عاماً)، الذي قال إنه كان يتلقى العلاج في المستشفى ولم يذكر سوى اسمه الأول: «اشتعلت النيران في المكان بأكمله. كان الأمر أشبه بيوم القيامة... احترق أصدقائي ولم نتمكن من إنقاذهم جميعاً».

جرحى جراء غارات جوية باكستانية استهدفت مركز الخدمات التأهيلية الثانوية في كابل (رويترز)

وأظهرت لقطات من وسائل الإعلام المحلية التقطت خلال الليل ألسنة اللهب وهي تلتهم مبنى من طابق واحد، بينما كان الدخان الكثيف يتصاعد من قسم آخر من المجمع نفسه، وكان العمال ينقلون الجثث على نقالات.

وقال سائق سيارة الإسعاف الحاج فهيم لـ«رويترز»: «عندما وصلت (الليلة الماضية) رأيت أن كل شيء يحترق، والناس يحترقون... وفي الصباح الباكر اتصلوا بي مرة أخرى وطلبوا مني العودة، لأن هناك جثثاً لا تزال تحت الأنقاض».

وقال حمد الله فيترات، نائب المتحدث باسم «طالبان»، إن الغارة الجوية وقعت الساعة 16:30 بتوقيت غرينتش أمس، واستهدفت مستشفى أوميد الحكومي، الذي قال إنه مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات بسعة ألفي سرير.

وأضاف: «تم تدمير أجزاء كبيرة من المستشفى، وهناك مخاوف من وقوع إصابات جسيمة... وللأسف، بلغ عدد القتلى حتى الآن 400 شخص، وإصابة ما يصل إلى 250 آخرين».

ولم تتمكن «رويترز» بعد من التحقق من عدد الضحايا. وزعم كلا الطرفين طوال فترة النزاع أنهما ألحقا أضراراً جسيمة بالطرف الآخر، لكن لم يكن من الممكن إجراء تحقيق مستقل.

ووصف المتحدث باسم رئيس الوزراء الباكستاني الإشارة الأفغانية إلى استهداف متعاطي المخدرات بأنها «أكاذيب مستمرة»، وقال إن «عمليات مكافحة الإرهاب» الباكستانية ستستمر طالما استلزم الأمر للقضاء على «الإرهابيين وبنيتهم التحتية».


أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان: مقتل 400 وإصابة 250 في غارة باكستانية على مستشفى

رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء وقوات الأمن يعملون على إخماد الحريق الذي اندلع بالمستشفى في كابول بعد الغارة (أ.ف.ب)

قال ​نائب المتحدث باسم حكومة «طالبان» في أفغانستان، اليوم الثلاثاء ‌إن ‌ما ​لا ‌يقل ⁠عن ​400 شخص لقوا ⁠حتفهم وأصيب 250 آخرون في غارة ⁠جوية شنتها ‌باكستان ‌على ​مستشفى لإعادة ‌تأهيل ‌مدمني المخدرات في العاصمة كابول.

ورفضت باكستان ‌هذا الاتهام ووصفته بأنه ⁠كاذب ومضلل، ⁠وقالت إنها «استهدفت بدقة منشآت عسكرية وبنية تحتية تدعم الإرهابيين»، ​مساء ​أمس الاثنين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

يأتي ذلك في ظل النزاع بين باكستان وأفغانستان، إذ شنّت إسلام آباد عدة ضربات على كابول خلال الأسابيع الأخيرة.

وسُمعت عدة انفجارات مصدرها منطقتا شهرنو ووزير أكبر خان في وسط العاصمة الأفغانية. وشاهد صحافي من «وكالة الصحافة الفرنسية» أماً مذعورة تغادر أحد المباني، وهي تنادي ابنها للعودة إلى المنزل بعد الانفجار العنيف.

واتهمت الحكومة الأفغانية باكستان بقصف كابل مستهدفة «مركزاً لعلاج الإدمان»، ما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين. وقال المتحدث باسم الحكومة الأفغانية ذبيح الله مجاهد عبر منصة «إكس»: «انتهك النظام الباكستاني مجدداً المجال الجوي الأفغاني، مستهدفاً مركزاً لعلاج الإدمان في كابل، ما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، معظمهم من مدمني المخدرات الذين يخضعون للعلاج».

وتخوض الدولتان نزاعاً منذ أشهر، سببه اتهام إسلام آباد جارتها بإيواء مقاتلين من حركة «طالبان باكستان» التي أعلنت مسؤوليتها عن هجمات دامية على الأراضي الباكستانية، وهو ما تنفيه السلطات الأفغانية.

وبعد تصعيد في أكتوبر (تشرين الأول) أسفر عن مقتل العشرات، هدأت حدة الاشتباكات لكنها لم تتوقف تماماً. إلا أنها تجددت بقوة في 26 فبراير (شباط) عقب غارات جوية باكستانية، وأعلنت إسلام آباد «حرباً مفتوحة» في 27 فبراير.