بينما يصف المسؤولون في مصر والولايات المتحدة العلاقات بين البلدين بـ«الاستراتيجية» و«الراسخة»، تكشف الأزمات الإقليمية المعقدة تبايناً في بعض المواقف السياسية.
ووفق خبراء، فإن الطرفين استطاعا الحفاظ على توازن العلاقات، واستمرار التحالف الاستراتيجي بينهما، رغم الاضطرابات الإقليمية واختلاف الرؤى بشأن ملفات مثل غزة والصومال والقرن الأفريقي.
وفي ظل سياسة «الاتزان الاستراتيجي» التي تتبناها مصر، تبدو العلاقات مع الولايات المتحدة أقرب إلى شراكة قائمة على الضرورة الاستراتيجية وإدارة التباينات، وليس على تطابق المواقف. فالقاهرة تعتبر «دولة ذات أهمية بالغة لمصالح الأمن القومي الأميركي، استناداً إلى موقعها الجغرافي، وثقلها السكاني، ومكانتها الدبلوماسية»، بحسب تقرير لـ«وحدة أبحاث الكونغرس» الأميركي في فبراير (شباط) الماضي.
شراكة راسخة
«الشراكة الراسخة بين البلدين» أكد عليها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان تهنئة صدر أخيراً بمناسبة العيد الوطني لمصر (ذكرى ثورة 23 يوليو/ تموز)، مؤكداً «اعتزاز بلاده بالشراكة الممتدة التي تجمع البلدين»، مشيراً إلى أن «واشنطن تُقدّر الدور المهم الذي تضطلع به مصر في تعزيز السلام والأمن والازدهار في منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية».
من جانبه، جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره الأميركي، التأكيد على «أهمية مواصلة البناء على ما تحقق في إطار الشراكة الاستراتيجية الممتدة بين البلدين»، بحسب إفادة رسمية للخارجية المصرية الخميس الماضي عقب لقاء جمع الوزيرين، وتناول بحث ملفات إقليمية عدة من بينها غزة، والقرن الأفريقي، والأمن المائي وإيران.

ولا يعتبر «عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، وصف روبيو للعلاقات بين البلدين بأنها «راسخة وممتدة، وصفاً بروتوكولياً».
وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوصف يعكس حقيقة تراكمية تمتد لأكثر من أربعة عقود، استطاعت خلالها القاهرة وواشنطن بناء نموذج للعلاقة يقوم على الفصل بين المصالح الاستراتيجية والخلافات السياسية»، موضحاً، أنه «منذ توقيع اتفاقية السلام، أصبحت العلاقة قائمة على شبكة واسعة من المصالح الأمنية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية، وهو ما جعلها أكثر قدرة على استيعاب التباينات دون أن تتحول إلى أزمات تهدد جوهر الشراكة».
ينبع رسوخ واستقرار التحالف بين البلدين من «اعتراف كل من القاهرة وواشنطن بأهمية الشراكة الاستراتيجية لتحقيق مصالح البلدين، والمنطقة معاً»، وفق النائب السابق لمساعد وزير الدفاع الأميركي السابق، مايكل باتريك مولروي.
وقال مولروي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «واشنطن تدرك أهمية دور مصر المحوري في عدد من ملفات المنطقة لا سيما غزة»، مشيراً إلى أن «العلاقات بين الدول لا تبنى على تطابق المواقف بل على القدرة على إدارة التباينات والموازنة بينها وبين المصالح المشتركة الأخرى».
تباينات في الصومال
الحديث عن التحالف الاستراتيجي الممتد بين البلدين ليس جديداً على الخطاب الرسمي، فدائماً ما كرره المسؤولون من الجانبين. ورغم ذلك تظهر بين الحين والآخر تباينات في المواقف أو إشارات توتر أو خلافات، في قضايا معقدة من بينها ملف الصومال... فبينما تدعم مصر وحدة الصومال وتشارك في بعثة حفظ السلام الأفريقية، تعتزم واشنطن منع الأمم المتحدة من دعم بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي هناك اعتباراً من بداية العام المقبل.
وعلى الصعيد الاقتصادي، فرضت الولايات المتحدة، أخيراً، رسوماً جمركية بنسبة تتراوح بين 10 و12.5 في المائة على الواردات من نحو 60 دولة من بينها مصر.
«تنطلق القاهرة في ملف الصومال والقرن الأفريقي، من اعتبارات أمن البحر الأحمر والأمن القومي المصري، ومن دعم وحدة الدولة الصومالية ومؤسساتها الشرعية، بينما تنظر واشنطن إلى المنطقة من زاوية أوسع تتعلق بمكافحة الإرهاب ومنافسة القوى الدولية الأخرى»، بحسب حجازي الذي يؤكد أنه «رغم اختلاف الرؤى، فإن الطرفين يدركان أهمية التنسيق لمنع تحول القرن الأفريقي إلى بؤرة تهدد أمن الملاحة الدولية».
وهنا يقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، إن «القاهرة تعتمد على اتباع منهج المواءمة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، بحيث لا تصل الموضوعات والقضايا الخلافية بين البلدين، إلى درجة الاحتقان أو تصعيد الخلافات».
وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حالات الاختلاف عادة ما تعقبها حالة من الهدوء التام وترك عامل الوقت لتهدئة الموقف، وذلك أخذاً في الاعتبار المصالح المصرية الحيوية والاستراتيجية مع واشنطن في مختلف المجالات».
وعدّ حسن، ملف غزة مثالاً لهذا التباين، حيث «لم تنفذ مراحل خطة السلام الأميركية حتى الآن، ولم يعقد مؤتمر إعادة الإعمار»، مشيراً إلى أن «واشنطن لا تتبنى الرؤية المصرية في هذا الملف وتتجاهل حل الدولتين».

ومنذ عام 1946، قدمت الولايات المتحدة لمصر أكثر من 90 مليار دولار من المساعدات الثنائية، إضافة إلى زيادة المساعدات العسكرية والاقتصادية عقب توقيع معاهدة السلام عام 1979، بحسب تقرير «وحدة أبحاث الكونغرس» الأميركي الذي أشار إلى أن «الإدارات الأميركية المتعاقبة بررت استمرار تقديم المساعدات لمصر باعتباره استثماراً في استقرار المنطقة».
مبادئ ثابتة
ويشير حجازي، إلى «أن القاهرة تدير علاقتها مع واشنطن وفق عدد من المبادئ الثابتة، وهي الفصل بين الخلاف وإدارة العلاقة، والتعامل مع كل قضية في إطارها المستقل، بحيث لا يؤدي التباين في المواقف بشأن الحرب في غزة أو بعض التطورات في القرن الأفريقي أو الصومال، إلى تعطيل التعاون العسكري أو الأمني أو الاقتصادي بين البلدين».
كما «تعتمد مصر على الحوار الاستراتيجي والمؤسسات، مما يوفر آليات دائمة لاحتواء الخلافات وإعادة بناء التفاهمات»، بحسب حجازي الذي يلفت إلى مبدأ ثالث وهو «التمسك باستقلالية القرار المصري، والتأكيد على أن الشراكة مع واشنطن لا تعني التطابق الكامل في الرؤى، وإنما احترام كل طرف لأولوياته ومصالحه الوطنية».
أما البند الرابع، وفق حجازي، فيتعلق بتعظيم المصالح المشتركة. وقال إن «استمرار وصف العلاقات بالمتانة نابع من تعامل الطرفين بمنطق إدارة الخلاف وليس تصعيده، فكلما ظهرت تباينات سياسية، يجري احتواؤها عبر الحوار المباشر، بينما تستمر مجالات التعاون الأخرى في العمل بصورة طبيعية».
بدوره، أكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن«مصر استطاعت أن تضع نفسها في موضع يمكنها من الاختلاف مع قوى كبرى من دون أن تفقد بوصلة التحالف الاستراتيجي».
وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن العلاقة بين القاهرة وواشنطن هي «تحالف استراتيجي لا تؤثر فيه التباينات السياسية ولا علاقات مصر مع دول أخرى وقوى دولية منافسة للولايات المتحدة». وأضاف أن «مصر تقدم نفسها كدولة متزنة ومعتدلة ولديها علاقات بكل الأطراف».
