في مواجهة التهديد الحوثي... اليمن ينتقل من الاحتواء إلى التصدّي

تحرك شامل ضمن مسارات سياسية واقتصادية وأمنية

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية على ساحل مدينة الخوخة جنوب الحديدة (أ.ف.ب)
عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية على ساحل مدينة الخوخة جنوب الحديدة (أ.ف.ب)
TT

في مواجهة التهديد الحوثي... اليمن ينتقل من الاحتواء إلى التصدّي

عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية على ساحل مدينة الخوخة جنوب الحديدة (أ.ف.ب)
عربة عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية على ساحل مدينة الخوخة جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

انتقلت الشرعية اليمنية خلال الأيام الأخيرة من موقع احتواء التصعيد الحوثي إلى موقع التصدي واستعادة زمام المبادرة، عبر تحرك متزامن شمل الرئاسة والحكومة والمؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية، في مواجهة تهديدات الجماعة بفرض حظر على الملاحة المرتبطة بالسعودية، وما رافقها من تصعيد ينظر إليه بوصفه امتداداً للمشروع الإيراني في المنطقة.

وبينما ركز الحوثيون خطابهم على التهديد بشن هجمات إرهابية وأعمال قرصنة في البحر الأحمر، سعت القيادة اليمنية إلى نقل المعركة إلى مساحة مختلفة، عنوانها استعادة مؤسسات الدولة، وإحياء الاقتصاد، وحشد التأييد الإقليمي والدولي؛ كون أن إنهاء الانقلاب هو المدخل الوحيد لإنهاء التهديدات التي تطول اليمن والملاحة الدولية في آن واحد.

ويعكس تتابع المواقف الرسمية منذ خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، مروراً باجتماعات مجلس الدفاع الوطني والحكومة، ووصولاً إلى مواقف مجلس الشورى والوزارات المعنية، وجود محاولة لبناء رواية سياسية متكاملة تربط بين التصعيد الحوثي وبين ضرورة تمكين الدولة من استعادة مواردها ومؤسساتها، بدلاً من الاكتفاء بالرد على تهديدات الجماعة العسكرية.

العليمي خلال استقباله السفير الهندي لدى اليمن (سبأ)

وجاءت أحدث لقاءات العليمي مع المسؤولين والدبلوماسيين الأجانب، مع سفير الهند لدى اليمن، حيث ربط خلال اللقاء بين تحركات الحوثيين وبين أمن البحر الأحمر والدول الآسيوية المرتبطة بهذا الممر البحري الحيوي، مؤكداً أن محاولات الجماعة جر اليمن إلى صراع أوسع لا تهدد الداخل اليمني وحده، وإنما تمتد آثارها إلى أمن التجارة العالمية وإمدادات الغذاء والطاقة.

كما شدَّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على ضرورة أن ينظر المجتمع الدولي إلى الحوثيين بصفتهم جزءاً من شبكة تهديدات إقليمية عابرة للحدود، في ظل ما قال إنه تنسيق متزايد مع جماعات مسلحة وتنظيمات إرهابية، بما يستوجب تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه المخاطر.

وتكشف هذه الرسائل الرئاسية اليمنية عن محاولة لتوسيع إطار التعامل مع الأزمة، بحيث لا تبقى محصورة في النزاع الداخلي، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية، وهو الملف الذي يحظى باهتمام متزايد لدى القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً مع استمرار التوتر في البحر الأحمر.

وفي الداخل، عملت القيادة السياسية اليمنية على توسيع دائرة الاصطفاف الوطني؛ إذ أعلن مجلس الشورى تأييده الكامل لما ورد في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عادَّاً أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب يمثلان المدخل الحقيقي لتحقيق السلام، ومؤكداً أن الحوثيين لم يقدموا سوى الدمار والانقسام، وأن استمرار رفضهم المبادرات السياسية يؤكد تمسكهم بخيار الحرب.

كما أدان المجلس تهديدات الجماعة الحوثية للسعودية وللملاحة الدولية، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه ما وصفه بتهديدات الحوثيين للأمن الإقليمي والدولي، ومطالباً بتكثيف الدعم لمؤسسات الدولة اليمنية.

الاقتصاد في قلب المواجهة

على الرغم من الطابع الأمني للتصعيد، فإن الحكومة اليمنية دفعت بالملف الاقتصادي إلى واجهة الرد، في خطوة تعكس إدراكها أن الحرب خلال السنوات الأخيرة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة على الموارد والسيادة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، عقد رئيس الحكومة شائع الزنداني اجتماعاً للجنة العليا لتسويق النفط لمتابعة تنفيذ توجيهات رئيس مجلس القيادة باستئناف تصدير النفط، ومناقشة الإجراءات الفنية والإدارية اللازمة لإعادة تشغيل هذا القطاع، بعد توقفه منذ استهداف الحوثيين موانئ التصدير في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

رئيس الحكومة اليمنية خلال اجتماعه مع لجنة تسويق النفط (سبأ)

وأكدت الحكومة أن استئناف التصدير يمثل استحقاقاً سيادياً وحقاً لليمنيين في الاستفادة من ثرواتهم، مشددة على أن عائدات النفط ستوجه إلى صرف الرواتب وتحسين الخدمات ودعم الاستقرار الاقتصادي، في رسالة تستهدف إظهار الفارق بين مشروع الدولة الذي يربط الموارد بخدمة المواطنين، وبين ما تصفه باستخدام الحوثيين الاقتصاد أداةً للابتزاز السياسي.

كما ناقشت اللجنة حجم الخسائر التي تكبَّدتها الدولة نتيجة توقف الصادرات النفطية، وما ترتب على ذلك من تراجع قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها، عادَّةً أن إعادة تشغيل هذا القطاع تمثل أولوية وطنية لتعزيز التعافي الاقتصادي واستعادة الموارد العامة.

ويعطي الانتقال من الإعلان السياسي إلى البدء في الإجراءات التنفيذية انطباعاً بأن الحكومة تحاول تحويل خطابها خطواتٍ عملية، بما يعزز صدقيتها أمام الداخل والشركاء الإقليميين والدوليين.

رفع الجاهزية الشاملة

على المستوى الأمني والعسكري، جاءت الرسائل الرسمية متسقة مع الخطاب السياسي؛ إذ أعلن وزير الداخلية إبراهيم حيدان أن مختلف الوحدات الأمنية في أعلى درجات الجاهزية لتنفيذ مهامها، وتعزيز الأمن في المحافظات المحررة، ومواجهة الخلايا التابعة للحوثيين وكل ما يهدّد الاستقرار.

وأكد الوزير أن الأجهزة الأمنية ستواصل تنفيذ خططها لحماية المجتمع، مشيداً بدعوة رئيس مجلس القيادة إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة والقوات المسلحة، ومشدداً على أن الأمن مسؤولية وطنية مشتركة.

ويمثل هذا الموقف امتداداً لما أعلنه مجلس الدفاع الوطني ووزارة الدفاع في وقت سابق بشأن رفع مستوى الجاهزية العسكرية، بما يعكس توجهاً نحو إظهار أن مؤسسات الدولة تتحرك بصورة منسقة لمواجهة أي سيناريوهات محتملة، سواء على الجبهات العسكرية أو في المدن والمناطق المحررة.

وزير النقل اليمني محسن العمري خلال جوله تفقدية على المؤسسات في عدن (سبأ)

وفي الوقت نفسه، حرصت الحكومة على توجيه رسالة طمأنة بشأن استمرار عمل مؤسسات النقل والموانئ؛ إذ أجرى وزير النقل محسن العمري جولات ميدانية شملت الخطوط الجوية اليمنية، ومطار عدن، والهيئة العامة للطيران المدني، ومحطة الحاويات في ميناء عدن.

وركزت الزيارات على ضمان استمرار الخدمات، وتحسين الأداء التشغيلي، وتعزيز جاهزية الموانئ والمطار، مع التأكيد على أن حركة الملاحة التجارية وسلاسل الإمداد تسير بصورة مستقرة، رغم التهديدات الحوثية المتكررة للملاحة البحرية.


مقالات ذات صلة

تحذير من تفاقم جوع أطفال اليمن جراء التصعيد الحوثي – الإيراني

العالم العربي أطفال اليمن يدفعون ثمن التصعيد الحوثي والإيراني (إعلام محلي)

تحذير من تفاقم جوع أطفال اليمن جراء التصعيد الحوثي – الإيراني

حذَّرت منظمة دولية من انزلاق ملايين أطفال اليمن إلى مستويات أشد من الجوع، مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، بسبب تصعيد الحوثيين وإيران وتهديد الملاحة الدولية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي جنود يمنيون خلال تجمع لهم في مدينة الخوخة الساحلية جنوب الحديدة (أ.ف.ب)

اليمن يشهر أوراقه لمواجهة الابتزاز الحوثي

حشدت الشرعية اليمنية أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية للرد على تهديدات الحوثيين للملاحة، مؤكدة أن استعادة الدولة واستئناف تصدير النفط هما الرد العملي

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: لن نسمح باستمرار نهج الحوثيين في الابتزاز والتهديد

أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن الدولة لن تقبل مجدداً بفرض الحوثيين قرار الحرب والسلم مجدداً التمسك بسلام يعيد مؤسسات الدولة وينهي الانقلاب

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حوثيون في صنعاء يجلسون حول العلم الإيراني (رويترز)

معهد دولي: الحوثيون يرسخون اندماجهم ضمن الأجندة الإيرانية

خلصت دراسة لمعهد إيطالي إلى أن الحوثيين دخلوا مرحلة اندماج سياسي وعسكري أعمق مع إيران؛ ما يجعل قراراتهم أشد ارتباطاً بأجندة طهران ويهدد الهدنة وأمن البحر الأحمر

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي لوحة إعلان حوثية تظهر أسلحة صاروخية (إ.ب.أ)

الحوثيون يوسّعون الجبايات لتمويل ترسانتهم العسكرية

تفرض الجماعة الحوثية حملات تبرعات جديدة على سكان صنعاء والتجار لتمويل أنشطتها العسكرية، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بمناطق سيطرتها

«الشرق الأوسط» (صنعاء)