الفنانون في القبضة الحوثية... وعود موسمية وفقر دائم

احتواء قسري وتحويل الإبداع أداةَ تعبئة

عدد من الفنانين في صنعاء يشاركون في فعالية حوثية تحت مزاعم مناصرة غزة (إعلام حوثي)
عدد من الفنانين في صنعاء يشاركون في فعالية حوثية تحت مزاعم مناصرة غزة (إعلام حوثي)
TT

الفنانون في القبضة الحوثية... وعود موسمية وفقر دائم

عدد من الفنانين في صنعاء يشاركون في فعالية حوثية تحت مزاعم مناصرة غزة (إعلام حوثي)
عدد من الفنانين في صنعاء يشاركون في فعالية حوثية تحت مزاعم مناصرة غزة (إعلام حوثي)

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، لجأت الجماعة الحوثية إلى سياسة احتواء جديدة للعشرات من الفنانين والعاملين في حقول الفن المختلفة داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، بعد أن تصاعدت شكاواهم خلال الفترة الماضية من الإهمال والإفقار وصعوبة مواجهة المتطلبات المعيشية، في ظل الاستقطاب السياسي والأمني الذي تمارسه الجماعة في هذا القطاع.

وتقول مصادر مطلعة في العاصمة المختطفة صنعاء لـ«الشرق الأوسط» إن عدداً من العاملين في حقول الدراما تلقوا وعوداً جديدة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وذلك خلال لقاءات عقدها معهم قادة حوثيون من المشرفين على قطاع الثقافة والفنون، وآخرون أمنيون، خلال الأسابيع الماضية، بعد أن أبدى كثير منهم تذمرهم من عدم تقدير أنشطتهم.

ووفق المصادر، فإن الفنانين الموالين للجماعة يشكون من تهميشهم وعدم الالتفات إلى احتياجاتهم المعيشية ومطالبهم المادية بعد انتهاء موسم الدراما الرمضانية، فهم يلجأون بعد انتهائهم من أداء أدوارهم في المسلسلات والبرامج الرمضانية إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، مثل الإعلانات للشركات والمحال التجارية والمطاعم عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتُخْضِع الجماعة الحوثية الفن، خصوصاً الغناء والتمثيل، لعملية إعادة تشكيل ممنهجة؛ لاستخدامه أداةَ تعبئة.

معاناة اليمنيين المعيشية تغيب تماماً عن الأعمال الدرامية الحوثية (رويترز)

وتتهم الأوساط الفنية والثقافية الجماعة بـ«استغلال الفن، وتحويله من وسيلة لكسب الدخل للفنانين والعاملين فيه، إلى ورقة ضغط ومعاقبة».

ويقول باحث في الإعلام والسياسة إن «الجماعة باتت منذ سنوات تتعامل مع الفنانين كما لو أنهم مجرد أتباع لتأدية مهام تعبوية، ومؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي، وسلبتهم مهامهم بوصفهم فاعلين مستقلين في أحد أهم ميادين الثقافة».

وأضاف في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة «اتبعت سياسة الاحتواء، حيث يُسمح لمن أراد من الفنانين بالعمل، مقابل المشاركة في فعاليات طائفية وتعبوية، وفي أعمال فنية تروّج لروايتها للصراع في البلاد، بينما يواجه من يرفضون الخضوع تضييقاً وإقصاءً، ولا يجرؤ سوى قلة على الاعتراض والنقد، وهؤلاء قد يجدون أنفسهم عرضة لانتهاكات مختلفة».

مواجهات مع النافذين

ومنذ أيام انتقد الفنان اليمني علي الكوكباني الجماعة بأنها تحول اليمنيين إلى «شحاذين» مقابل إثراء طبقة محددة من الموالين لها.

واتهم الكوكباني، في تسجيل مصور بثه على مواقع التواصل الاجتماعي، الجماعة باحتكار المناصب العليا والوظائف الحساسة وقصرها على «سلالة واحدة ومكون واحد»، يتقاضى المنتمون إليهما رواتب كاملة ومكافآت كبيرة، مقابل معاناة باقي الموظفين دون رواتب منذ 11 عاماً.

وأشار إلى «الجبايات من قطاعات الزكاة والجمارك والضرائب وتأجير الشوارع»، متهكماً على «استخدام الحرب الإسرائيلية في غزة لتبرير الأزمات، في حين تضطر الأسر العفيفة إلى التسول في الشوارع بحثاً عن لقمة العيش، وتنهار الخدمات الأساسية من تعليم وصحة».

وشهدت الأشهر الماضية عدداً من الوقائع التي كشفت عن معاناة الفنانين والعاملين في حقول الفن، كان أبرزها وفاة الفنان الغنائي علي عنبة خلال رحلة علاج في العاصمة المصرية القاهرة؛ بعد ضغوط نفسية ومعيشية تسبب فيها استيلاء نافذين حوثيين على ممتلكاته في صنعاء ومماطلة القضاء في إنصافه سنوات عدة.

مشهد من مسلسل درامي حوثي يدور حول رواية الجماعة لأحداث البحر الأحمر (إعلام حوثي)

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الماضية قصة حرمان الممثلة فتحية إبراهيم من ميراثها الشرعي في منزل والدها؛ بسبب الفساد في أجهزة القضاء التابعة للجماعة الحوثية، مما أدى إلى تدهور صحتها.

ورفضت إبراهيم تلقي أي مساعدات مالية من أي جهة أو طرف، داعية إلى إنصافها وتمكينها من حقها القانوني.

ولفتت معاناة عنبة وإبراهيم الأنظار إلى ما يواجهه اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية من ظلم وحرمان من الحقوق في مواجهة نافذي الجماعة والموالين لها وفساد أجهزة الأمن والقضاء.

إخضاع وضغوط معيشية

ووجه أحد الفنانين المعروفين بموالاتهم الصريحة للجماعة الحوثية استغاثة إلى زعيمها؛ عبد الملك الحوثي، مذكراً إياه بالوعود التي أطلقها بتحسين أوضاعهم، ومهاجماً القيادات التي قال إنها تدفع «الممثلين لبيع أنفسهم بسبب جوعهم وجوع أطفالهم».

الشخصيات الموالية للجماعة تظهر في المسلسلات الحوثية بشكل مثالي وتحظى باحترام الجميع (فيسبوك)

وتجنباً لتهم التخوين التي توقع أن تُلصق به بسبب تلك المناشدة، أعلن الممثل سلطان الجعدبي، ولاءه التام للجماعة، مطلقاً اتهاماته للمناهضين للجماعة وزعيمها بالعمالة والارتزاق، ولليمنيين في مناطق الشرعية ووصفهم بالمرتزقة، وأكّد عدم تنصله من مواقفه المعلنة التي يجسدها دائماً في أدواره بالمسلسلات والأعمال الدرامية.

ويشارك الجعدبي سنوياً في مسلسلات تروج لرواية الحوثيين للحرب، وهي الأدوار التي أعلن أنه وزملاءه لا يحصلون مقابلها سوى على أجور زهيدة خلال موسم التصوير فقط.

ويدفع الفنانون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية ثمناً مزدوجاً من مهنيتهم وإنسانيتهم، حيث لا يتقاضون أجوراً منتظمة وكافية لاحتياجاتهم المعيشية، ويزاولون مهنتهم دون حماية قانونية أو أطر نقابية تجمعهم وتوفر الرعاية والرقابة على أنشطتهم، وفي مقابل ذلك تضطر الغالبية منهم إلى المشاركة في أعمال وفعاليات تخدم أجندة طائفية ومذهبية.

أجهزة الاستخبارات الحوثية تشرف على إنتاج مسلسلات بوليسية (فيسبوك)

وتنظر الجماعة إلى الفنانين على أنهم مورد ثقافي ينبغي لها إخضاعه لمشروعها، ولم يعد بإمكان أي جهة أو فرد تنفيذ نشاط فني إلا بموافقة؛ وإن كانت أحياناً غير معلنة، إلا إنها مشروطة بالتزام خطاب يخضع من يخرج عنه لعقوبات مختلفة.

وتموّل الجماعة الحوثية سنوياً عدداً من المسلسلات والبرامج التلفزيونية التي تبث خلال شهر رمضان، ضمن مخططاتها لتجيير مجمل الإنتاج الفني والثقافي لمصلحة مشروعها.

ويقع أي إنتاج فني أو إعلامي؛ يُعدّ أو يُبثّ من داخل مناطق سيطرة الجماعة، تحت رقابة مشددة، سواء أكان إنتاجه لمصلحة وسائل الإعلام الموالية لها، أم لجهات أخرى.


مقالات ذات صلة

من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

خاص ظهر أبو علي الحضرمي فجأة على المشهد الحضرمي من دون سيرة معلنة أو خلفية واضحة محاطاً بهالة كثيفة من السرية (متداولة) play-circle

من هو أبو علي الحضرمي... رجل الظل الذي أدار المشهد في حضرموت ثم اختفى!

في حضرموت، لا يُتداول اسم «أبو علي الحضرمي» إلا مقروناً بالغموض والرهبة، يصفه البعض بـ«قاسم سليماني حضرموت»، بينما يفضِّل هو أن يُعرَف باسم «أبو محمد».

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
خاص واحد من السجون غير الشرعية التي كانت تديرها القوات الإماراتية في حضرموت (الشرق الأوسط) play-circle

خاص «اللجنة الوطنية»: نحقق في وجود مقابر مرتبطة بانتهاكات حضرموت

قالت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات إنها تلقت 3 بلاغات عن مقابر يُشتبه بارتباطها بالانتهاكات في حضرموت، ويجري حالياً التحقق منها.

عبد الهادي حبتور (المكلا اليمن)
العالم العربي الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية play-circle 27:37

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

وصفَ عبد الناصر الوالي، الوزير اليمني السابق والسياسي الجنوبي المخضرم، لحظة لقاء القيادات الجنوبية اليمنية في الرياض للتشاور والحوار من أجل قضيتهم بأنها «حاسمة»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

خاص اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

كشفت كلمات كُتبت على جدران حاويات حديدية في سجن الضبة الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

عبد الهادي حبتور (المكلا - اليمن)
خاص سجن الريان عبارة عن مجموعة من الكونتينرات الموضوعة على مدرج المطار غير معزولة (الشرق الأوسط)

خاص اتهامات للقوات الإماراتية بانتهاكات ضد معتقلين في اليمن

في إحدى أكثر شهادات السجون قسوة التي خرجت من حضرموت، تروي قصة علي حسن باقطيان فصلاً معتماً من تاريخ الاعتقالات السرية التي شهدها مطار الريان في المكلا.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))

حراك رئاسي يمني لإنجاح الحوار الجنوبي المرتقب

قوات يمنية في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت (أ.ف.ب)
قوات يمنية في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت (أ.ف.ب)
TT

حراك رئاسي يمني لإنجاح الحوار الجنوبي المرتقب

قوات يمنية في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت (أ.ف.ب)
قوات يمنية في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت (أ.ف.ب)

ضِمن حراك سياسي ودبلوماسي يعكس توجهات مجلس القيادة الرئاسي اليمني نحو تعزيز الشراكات الدولية، وترسيخ الأمن والاستقرار في المحافظات المحرَّرة، شددت تصريحات عضوي المجلس محمود الصبيحي وعبد الرحمن المحرّمي على أولوية العمل المؤسسي، والحوار الوطني الشامل بوصفه المدخل الواقعي لمعالجة القضايا الجوهرية؛ وفي مقدمتها القضية الجنوبية، ضِمن مسار الحل السياسي الشامل للأزمة اليمنية.

وخلال لقاءٍ جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي بسفير الولايات المتحدة لدى اليمن ستيفن فاجن، برز التأكيد المشترك لأهمية تطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، والبناء على الشراكة القائمة في دعم جهود الحكومة اليمنية لاستعادة الاستقرار، وتعزيز حضور مؤسسات الدولة، وتحسين مستوى الخدمات بالمناطق المحرَّرة.

ووفق الإعلام الرسمي، أكد الصبيحي، خلال اللقاء، أهمية الدور الأميركي الداعم لمجلس القيادة والحكومة والشعب اليمني، خصوصاً في مواجهة التحديات الأمنية التي تفرضها الجماعة الحوثية المدعومة من النظام الإيراني.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (يسار) مع السفير الأميركي (سبأ)

وأشاد الصبيحي، خلال لقائه بالسفير الأميركي، بمجالات التعاون المشترك مع واشنطن، ولا سيما في مكافحة الإرهاب، وتعزيز أمن الحدود والمنافذ البرية والبحرية، وحظر تهريب الأسلحة الإيرانية، وتجفيف مصادر تمويل الأنشطة الإرهابية التي تهدد أمن اليمن والمنطقة.

وشدد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، المعيَّن حديثاً في عضوية المجلس، على أن استعادة التعافي وترسيخ الأمن لا يمكن أن يتحققا دون تماسك وطني حقيقي، ومعالجة عادلة للقضايا السياسية، وفي مقدمتها القضية الجنوبية.

وأشار الصبيحي إلى أهمية المؤتمر الجنوبي-الجنوبي، الذي دعا إلى انعقاده رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بوصفه مدخلاً أساسياً لتعزيز الشراكة، وتوحيد الرؤى، وبناء مقاربة مسؤولة تعالج جذور الإشكاليات بروح وطنية جامعة.

وطبقاً للمصادر الرسمية، ثمَّن الصبيحي الدور المحوري للسعودية، واستجابتها لرعاية هذا المؤتمر، انطلاقاً من دعمها المستمر للشعب اليمني، وإيمانها بأن الحلول المستدامة تبدأ من الحوار، وتنتهي بتسوية سياسية عادلة ضمن إطار الحل الشامل.

نهج الشراكة

على الصعيد الداخلي، واصل عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي لقاءاته مع السلطات المحلية، حيث التقى محافظ الضالع علي مقبل صالح؛ لمناقشة مستجدات الأوضاع الأمنية والخِدمية، وسبل تعزيز التنسيق المشترك لمواجهة التحديات الراهنة. اللقاء ركز على تحسين كفاءة الأداءين الإداري والمؤسسي، وإدارة الموارد بشكل فعّال، بما يلبي تطلعات المواطنين ويعزز الاستقرار المجتمعي.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أهمية اعتماد نهج واقعي قائم على الشراكة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، مشدداً على أن المرحلة تتطلب قرارات مسؤولة، وتغليب المصلحة العامة، والعمل بروح تكاملية لمواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية.

عضو مجلس القيادة اليمني عبد الرحمن المحّرمي (يمين) مع محافظ المهرة محمد علي ياسر (سبأ)

وفي لقاء آخر، التقى المحرّمي محافظ المهرة محمد علي ياسر، واطلع على سير العمل في المكاتب التنفيذية، وجهود تطبيع الأوضاع وتحسين الخدمات الأساسية، وأشاد باليقظة العالية للأجهزة الأمنية والعسكرية في مكافحة التهريب والجريمة المنظمة، مشدداً على أهمية رفع مستوى التنسيق الأمني، نظراً للمكانة الاستراتيجية لمحافظة المهرة كبوابة شرقية للبلاد.

كما تناول اللقاء التحضيرات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي في الرياض برعاية السعودية، حيث أكد المحرّمي أن هذا المسار يمثل فرصة تاريخية لتوحيد الصف، وصياغة رؤية مشتركة تضمن حلولاً عادلة للقضية الجنوبية، وتسهم في استقرار اليمن والمنطقة.


«التحالف» يثبّت الأمن ويعزز التنمية في المحافظات اليمنية المحررة

وحدات من قوات «درع الوطن» تتمركز في الشريط الحدودي بمحافظة المهرة (إعلام حكومي)
وحدات من قوات «درع الوطن» تتمركز في الشريط الحدودي بمحافظة المهرة (إعلام حكومي)
TT

«التحالف» يثبّت الأمن ويعزز التنمية في المحافظات اليمنية المحررة

وحدات من قوات «درع الوطن» تتمركز في الشريط الحدودي بمحافظة المهرة (إعلام حكومي)
وحدات من قوات «درع الوطن» تتمركز في الشريط الحدودي بمحافظة المهرة (إعلام حكومي)

في إطار مقاربة شاملة تجمع بين تثبيت الأمن وتحسين الخدمات الأساسية، تواصل قيادة قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن بقيادة السعودية تنفيذ تحركات متوازية تهدف إلى تعزيز حماية الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب دعم القطاعات الخدمية والإنسانية في المحافظات المحررة، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن.

وتعكس هذه التحركات رؤية متكاملة للتعامل مع التحديات المركّبة التي تواجه البلاد، من خلال الجمع بين الإجراءات الأمنية الصارمة، والدعم الإنساني والتنموي الموجّه للفئات الأكثر احتياجاً، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

ففي المسار الأمني، تسلّمت وحدات من قوات «درع الوطن»، موقع الخرخير الحدودي في محافظة المهرة شرق اليمن، والذي يضم المعسكر والضاحية والمراكز التابعة لهما في الصحراء المتاخمة للحدود مع المملكة العربية السعودية.

تشديد حماية الشريط الحدودي لمنع تهريب الأسلحة إلى الحوثيين (إعلام حكومي)

وجاءت عملية الاستلام تنفيذاً لتوجيهات القيادة العليا، وبديلاً عن وحدات من قوات الطوارئ – الفرقة الثالثة، في خطوة تهدف إلى تعزيز حماية المواقع الحيوية وتأمين الشريط الحدودي.

ووفقاً لمصادر رسمية، جرت عملية التسليم والاستلام بحضور أركان حرب اللواء الخامس بقوات «درع الوطن» في محافظة المهرة، سالم بن ميطان، الذي وصل إلى المواقع المحددة ضمن مهمة انتشار القوات في النقاط والمواقع الحدودية؛ لرفع مستوى الجاهزية الأمنية وضمان حماية الحدود من أي اختراقات محتملة.

خطة شاملة

وأكد بن ميطان، خلال عملية الاستلام، أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة أمنية شاملة تهدف إلى تأمين الشريط الحدودي، وتعزيز الاستقرار، ومنع أي أنشطة تهدد أمن المحافظة أو سلامة الحدود، بما في ذلك عمليات تهريب الأسلحة والمواد المحظورة.

وأشار إلى أن قوات «درع الوطن» ستعمل بتنسيق عالٍ مع مختلف الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، وبما يعكس الانضباط العسكري والالتزام بالمهام الوطنية الموكلة إليها.

وأضاف المسؤول العسكري أن استلام هذه المواقع يمثل محطة مهمة في ترسيخ السيطرة الأمنية على المناطق الحدودية، ودعم جهود الدولة في مكافحة التهريب وتجفيف مصادر الإمداد للجماعات المسلحة، وعلى رأسها الميليشيات الحوثية، بما يسهم في حماية المصالح الوطنية وتعزيز الأمن الإقليمي.

كهرباء حضرموت

وبالتوازي مع الجهود الأمنية، شهد المسار الخدمي انطلاق عملية إمداد محطات الكهرباء في محافظة حضرموت بمنحة الوقود المقدّمة عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وذلك في مقر شركة «بترومسيلة».

وتهدف هذه الخطوة إلى دعم قطاع الكهرباء وتعزيز استقرار الخدمة في المحافظة الشرقية، التي تعاني تحديات مزمنة في هذا القطاع الحيوي.

وخلال الفعالية، أكد وكيل محافظة حضرموت، حسن الجيلاني، أن هذه المنحة ستسهم في دعم استدامة قطاع الكهرباء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مشيراً إلى أن اتفاقية تمويل المشتقات النفطية ستتيح تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في عدد من المحافظات المحررة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار التيار الكهربائي وتنشيط الحركة التجارية وتحسين الأوضاع المعيشية.

تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء ضمن منحة الوقود السعودية لليمن (إعلام حكومي)

وحسب البيانات الرسمية، تبلغ كميات المشتقات النفطية ضمن هذه المنحة نحو 339 مليون لتر من مادتي الديزل والمازوت، بقيمة إجمالية تُقدّر بنحو 81.2 مليون دولار، في واحدة من أكبر مبادرات دعم الطاقة المقدّمة لليمن خلال السنوات الأخيرة. وأشاد الجيلاني بالدور الذي تضطلع به شركة «بترومسيلة» في تنفيذ هذه الخطوة، مثمناً في الوقت نفسه الدعم السعودي المستمر لليمن في مختلف الظروف.

تنسيق في عدن

وفي مدينة عدن، عُقد لقاء تنسيقي جمع اللواء الركن فلاح الشهراني، مستشار قائد القوات المشتركة في اليمن، مع محافظ المحافظة عبد الرحمن شيخ، وبحضور أحمد مدخلي، مدير البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وعدد من مديري المكاتب والجهات ذات العلاقة. وكرّس اللقاء لمناقشة سبل دعم الفئات الأشد احتياجاً في المجتمع، وفي مقدمتها المكفوفون وكبار السن والأطفال، إلى جانب تعزيز التدخلات الإنسانية والتنموية المقدّمة لهذه الفئات.

الشهراني خلال لقائه عائلات ضحايا الهجوم الإرهابي في مدخل عدن (إعلام حكومي)

وتناول الاجتماع دور البرنامج السعودي في دعم القطاعات الخدمية وإعادة تأهيل وترميم عدد من المرافق الحيوية، وفي مقدمتها مستشفى الأمراض العقلية، ومراكز الأطراف الصناعية والمكفوفين، ودار الأحداث، بالإضافة إلى دار الأيتام، بما يشمل توفير وسائل النقل، والاحتياجات التعليمية، والخدمات الصحية والعلاجية المجانية، ضمن إطار عمل مؤسسي منظم بعيداً عن الجهود الفردية.

وأكد محافظ عدن وجود فريق عمل مختص لمتابعة تنفيذ مخرجات اللقاء، بما في ذلك رفع سقف الميزانيات المخصصة لهذه المراكز وزيادة عدد المستفيدين، مشيداً بالدور الإنساني والتنموي الذي تضطلع به السعودية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومؤكداً أهمية استمرار التنسيق وعقد اجتماعات لاحقة لضمان ترجمة هذه التعهدات إلى واقع ملموس على الأرض.


صور خامنئي في صنعاء تظهر عمق الولاء الحوثي لإيران

حوثيون يرفعون صور علي خامنئي وسط صنعاء (إكس)
حوثيون يرفعون صور علي خامنئي وسط صنعاء (إكس)
TT

صور خامنئي في صنعاء تظهر عمق الولاء الحوثي لإيران

حوثيون يرفعون صور علي خامنئي وسط صنعاء (إكس)
حوثيون يرفعون صور علي خامنئي وسط صنعاء (إكس)

أثار إقدام الجماعة الحوثية على رفع صور المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من القيادات الإيرانية في شوارع وميادين العاصمة المختطفة، صنعاء ومدن أخرى موجة استياء وانتقادات واسعة، تجاوزت الأوساط المناوئة للجماعة لتشمل شخصيات وناشطين محسوبين عليها.

وجاءت هذه الخطوة في سياق فعاليات نظمتها الجماعة تزامناً مع ذكرى مقتل رئيس مجلس حكمها الانقلابي السابق صالح الصماد، مما أعاد إلى الواجهة الجدل حول طبيعة العلاقة بين الحوثيين وطهران، وحجم تأثيرها على القرار السياسي والعسكري في مناطق سيطرتهم.

ورأى مراقبون أن هذا المشهد يعكس بوضوح مستوى الارتباط الخارجي للجماعة بالأجندة الإيرانية، ويقوض خطابها المتكرر حول «القرار الوطني المستقل»، في وقت يعاني فيه ملايين اليمنيين من أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة.

كما رأى ناشطون أن رفع صور شخصيات غير يمنية في أهم ميادين المدينة يمثل استفزازاً لمشاعر المواطنين، ورسالة سياسية تتجاوز البعد الرمزي إلى تكريس التبعية.

تقديس قيادات إيرانية

في هذا السياق، شنَّ محمد المقالح، القيادي السابق فيما تُسمى «اللجنة الثورية» للحوثيين، هجوماً لافتاً على الجماعة، منتقداً ما وصفه بحالة «التقديس» لبعض القيادات الإيرانية.

وقال المقالح، في تعليق على منصة «إكس»، إن من يجري الاحتفاء بهم ورفع صورهم هم أنفسهم من أطلقوا توصيفات مسيئة بحق الحوثيين، معتبراً أن ذلك يشكل إساءة مباشرة لليمن واليمنيين قبل أي طرف آخر.

وأشار القيادي السابق في الجماعة والمقرب من زعيمها إلى أن رفع صورة خامنئي في ميدان السبعين بصنعاء، بالتوازي مع تصريحات وتهديدات مرتبطة بالصراع الإقليمي، يكشف حجم الارتهان السياسي للخارج، ويؤكد أن الجماعة باتت جزءاً من صراعات لا تخدم المصالح الوطنية اليمنية. واعتبر أن هذا السلوك يضعف أي ادعاءات تتحدث عن مشروع وطني أو سيادة قرار.

من جانبه، انتقد الناشط الموالي للجماعة زيد الكبسي تصريحات لقيادي حوثي تحدث فيها عن جاهزية قوات الجماعة للوقوف إلى جانب إيران. وكتب الكبسي على منصة «فيسبوك» أن الجماعة تثبت يوماً بعد آخر، حسب وصفه، أنها سلطة طائفية تحمل هموم إيران وحلفائها الإقليميين أكثر من اهتمامها بمعاناة الشعب اليمني الذي يخضع لسيطرتها. وأضاف أن مثل هذه المواقف تُعمّق الفجوة بين الجماعة والمجتمع، حتى داخل البيئات التي طالما اعتُبرت حاضنة لها.

حساسية مُتنامية

يرى محللون أن موجة الانتقادات الأخيرة تعكس حساسية متنامية داخل الأوساط الموالية للجماعة تجاه الرمزية السياسية للوجود الإيراني، خصوصاً في ظل تفاقم الأزمات المعيشية وانهيار الخدمات الأساسية. فبالنسبة لكثير من اليمنيين، تبدو هذه الرموز بعيدة عن أولوياتهم اليومية، وتكرس شعوراً بأن معاناتهم تُهمَّش لصالح أجندات إقليمية.

ويشير مراقبون إلى أن الخطاب الإعلامي والسياسي للجماعة بات أكثر انخراطاً في القضايا الإقليمية، وأقرب إلى تبني المواقف الإيرانية، على حساب القضايا المحلية الملحة. وهو ما يعزز، برأيهم، الانطباع بأن القرار الحوثي مرتبط بحسابات خارجية تشكلت منذ السنوات الأولى للحرب.

حوثيون يرفعون صور زعيمهم وصورتَي سليماني ونصر الله في صنعاء (إ.ب.أ)

وأكد ناشط سياسي يمني، فضل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، أن العلاقة بين الحوثيين وإيران ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً خلال سنوات الصراع، سواء من خلال الدعم السياسي والإعلامي، أو الدعم العسكري. وأضاف أن استمرار إبراز الرموز الإيرانية في الفضاء العام يعمِّق هذا الانطباع، ويضع الجماعة في مواجهة انتقادات متزايدة، حتى من داخل صفوفها.

وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه صور القيادات الإيرانية حاضرة على الجداريات واللوحات في عدد من أحياء صنعاء ومدن يمنية أخرى، في مشهد يرى فيه كثيرون دلالة سياسية تتجاوز حدود التضامن، لتؤكد مساراً من الارتباط الخارجي الذي بات محل جدل واسع.