اليمن: إجماع جنوبي نحو «مؤتمر الرياض»

تشديد على تحقيق إرادة الجنوبيين دون تفرد أو إقصاء

قوات «درع الوطن» انتشرت في حضرموت بعد طرد قوات «الانتقالي» من المعسكرات (رويترز)
قوات «درع الوطن» انتشرت في حضرموت بعد طرد قوات «الانتقالي» من المعسكرات (رويترز)
TT

اليمن: إجماع جنوبي نحو «مؤتمر الرياض»

قوات «درع الوطن» انتشرت في حضرموت بعد طرد قوات «الانتقالي» من المعسكرات (رويترز)
قوات «درع الوطن» انتشرت في حضرموت بعد طرد قوات «الانتقالي» من المعسكرات (رويترز)

أعلنت الأطياف الجنوبية في اليمن، سواء أكان على مستوى الشخصيات القيادية أو الكيانات والمؤسسات، الاستجابة للدعوة السعودية لعقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، وبطلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي، وذلك لرسم مسار «القضية الجنوبية» بشكل يلبي إرادة أبناء المحافظات في جنوب اليمن وشرقه دون إقصاء أو تفرد.

هذا الإجماع، شمل السلطات المحلية في حضرموت والمهرة وأبين ولحج وشبوة وسقطرى، إلى جانب قيادات سياسية جنوبية بارزة، وهيئات تشاورية، ومكونات فاعلة، وحتى المجلس الانتقالي الجنوبي، بالتزامن مع تأييد خليجي وعربي ودولي.

وينظر إلى الدعوة السعودية، وما رافقها من ترحيب رسمي وشعبي ودولي، على أنها خطوة محورية لإعادة تنظيم الحوار الجنوبي على قاعدة الشمول، وتجاوز منطق الإقصاء، ووضع القضية الجنوبية في إطار وطني وإقليمي يضمن عدالة الطرح واستدامة الحل.

وفي هذا السياق عبّر عضو مجلس القيادة الرئاسي الدكتور عبد الله العليمي عن تقديره العميق للموقف السعودي، داعياً جميع المكونات الجنوبية، وفي مقدمها المجلس الانتقالي، إلى الانخراط الإيجابي في حوار جامع يضع مصلحة الجنوب فوق كل الاعتبارات.

العليمي شدد على أن الحوار الجاد هو السبيل الوحيد لتقريب وجهات النظر، وبناء معالجات قائمة على الشراكة، واحترام الإرادة الشعبية، وتعزيز وحدة الصف الجنوبي، بما يخدم الأمن والاستقرار.

من جهته قدم رئيس مجلس الشورى اليمني أحمد بن دغر واحدة من أكثر القراءات وضوحاً لأهمية مؤتمر الرياض، إذ رأى أن الحوار الجنوبي سيعيد القضية الجنوبية إلى أهلها، وينزع فتيل الفتن التي استفحلت بين المحافظات الجنوبية، وأنتجت أسباباً متراكمة لعدم الاستقرار.

وأكد بن دغر أن المؤتمر يشكل مدخلاً واقعياً لمعالجة إشكاليات السلطة والثروة ومستقبل النظام السياسي، ضمن مرجعيات واضحة تشمل مخرجات الحوار الوطني اليمني، واتفاق الرياض، وإعلان نقل السلطة.

تأييد السلطات المحلية

إلى ذلك توالى ترحيب السلطات المحلية بالدعوة السعودية، حيث عدت محافظة لحج رعاية مؤتمر جنوبي جامع في الرياض تمثل «خطوة إيجابية تؤكد أن أبناء الجنوب يسيرون في الاتجاه الصحيح للحفاظ على عدالة قضيتهم».

وفي بيان رسمي، شدد محافظ لحج، أحمد تركي، على وقوف السلطة المحلية إلى جانب القيادة السياسية الشرعية، والتحالف الداعم للشرعية، والحفاظ على مؤسسات الدولة، بوصفها ركائز أساسية لتحقيق الأمن والاستقرار.

المجلس الانتقالي الجنوبي قام بالتصعيد العسكري نحو حضرموت والمهرة بشكل أحادي (أ.ب)

أما محافظة حضرموت، بثقلها التاريخي والسياسي، فكانت حاضرة بقوة في مشهد الترحيب منذ البداية، حيث أكد المحافظ سالم الخنبشي أن استجابة السعودية للدعوة تعكس عمق العلاقة الاستراتيجية مع اليمن، وحرصها على تجاوز الخلافات عبر الحوار السياسي البنّاء، مشدداً على أن حضرموت ستظل ركيزة أساسية للاستقرار، وعامل دعم لأي جهد يوحد الصف الجنوبي.

وفي المهرة، أعلن المحافظ محمد علي ياسر دعم المحافظة الكامل لمؤتمر الرياض، معتبراً أن الحوار الشامل هو الطريق الأمثل لإنهاء الصراع، وتحقيق سلام عادل ودائم، يحفظ وحدة الصف، ويعزز الأمن.

أما محافظة أبين، فقد أكدت عبر محافظها أبو بكر حسين سالم أن المؤتمر يمثل خطوة مهمة لمعالجة القضية الجنوبية، في إطار وطني يضمن الحقوق دون إقصاء أو استحواذ.

ويرى مراقبون أن هذا التوافق الجغرافي الواسع أعاد رسم المشهد الجنوبي، حيث بات من الصعب تجاهل أصوات المحافظات، أو اختزال الجنوب في كيان واحد، أو خطاب أحادي.

ترحيب مشروط

من جهته أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي ترحيبه بالدعوة السعودية، معتبراً إياها منسجمة مع نهجه القائم على الحوار.

غير أن هذا الترحيب جاء مقروناً بشروط سياسية، أبرزها التأكيد على «إرادة شعب الجنوب» واشتراط ضمانات دولية، وإطار زمني واضح، والاستفتاء الشعبي، بوصفها فيصلاً نهائياً.

وفي حين تعكس هذه الشروط محاولة الانتقالي الحفاظ على موقعه السياسي، فإن مجرد قبوله الجلوس إلى طاولة حوار جامع، بعد سنوات من التفرد، حسب مراقبين، يمثل اعترافاً بأن القضية الجنوبية أوسع من أي مكون منفرد، وأن الواقع الإقليمي والدولي لم يعد يسمح بمسارات أحادية.

شخص في عدن من أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال عن اليمن (أ.ف.ب)

وكانت الدعوة السعودية قد جاءت استجابة لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الذي تلقى مناشدات مكونات جنوبية وشخصيات سياسية رفضت خطوات الانتقالي السابقة، واعتبرتها تمس جوهر القضية، وتخدم أجندات خارجية، وهو ما يعزز من شرعية المؤتمر المرتقب ومخرجاته.

إلى ذلك كانت وزارة الخارجية اليمنية، وهيئة التشاور والمصالحة، أكدتا أن الدور السعودي يشكل صمام أمان للحوار الجنوبي، إذ إن الرياض، لا تطرح نفسها طرفاً، بل راعياً نزيهاً، يهيئ الأرضية لحوار جاد، ويضمن عدم انزلاقه إلى صراعات جديدة.

كما أعطى الترحيب الخليجي والعربي والإسلامي للمبادرة بعداً دولياً، مع التأكيد أن أي حل للقضية الجنوبية يجب أن يكون جزءاً من الحل السياسي الشامل في اليمن.


مقالات ذات صلة

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

العالم العربي قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

عادت محافظتا حضرموت والمهرة، شرق اليمن، إلى سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وذلك في أعقاب عملية «استلام المعسكرات» التي نفذتها قوات «درع الوطن».

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج الشاحنات الإغاثية السعودية تعبر منفذ الوديعة الحدودي (واس)

70 شاحنة إغاثية سعودية تعبر منفذ الوديعة الحدودي متوجهة إلى اليمن

سيّرت السعودية 70 شاحنة إغاثية إلى اليمن، تحمل على متنها سلالًا غذائية وتموراً وحقائب إيوائية وخياماً تزن أكثر من 1400 طن.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء خلال استقبال سابق لرئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (واس)

لندن وبرلين ترحبان باستضافة الرياض لمؤتمر شامل للقضية الجنوبية

رحبت كل من بريطانيا وألمانيا واليابان بدعوة الدكتور رشاد العليمي، المملكة العربية السعودية، لاستضافة مؤتمر شامل في الرياض لكافة المكونات الجنوبية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي منظر عام لـ«قصر سيئون» التاريخي في وادي حضرموت (إكس)

حضرموت تفتح صفحة الاستقرار لتطبيع الحياة وتعزيز سيادة القانون

تشهد محافظة حضرموت شرق اليمن تحركات رسمية متسارعة تستهدف إعادة تطبيع الأوضاع العامة، وترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز سيادة القانون، بعد اندحار قوات «الانتقالي».

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي تدير نقاط تفتيش في عدن (إ.ب.أ)

الرئاسة اليمنية تحذر «الانتقالي» من مغبة تقييد حركة التنقل في عدن

الرئاسة اليمنية تحذر من قيود فرضها «الانتقالي» على حركة المواطنين في عدن وتصفها بانتهاك للدستور واتفاق الرياض وتتوعد بإجراءات لحماية المدنيين وسيادة القانون

«الشرق الأوسط» (الرياض - عدن)

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
TT

عودة حضرموت والمهرة إلى حضن الشرعية اليمنية

قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)
قوات الشرعية تنتشر أمس في مدينة المكلا في إطار عملية "درع الوطن" (رويترز)

عادت محافظتا حضرموت والمهرة، شرق اليمن، إلى سيطرة الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وذلك في أعقاب عملية «استلام المعسكرات» التي نفذتها قوات «درع الوطن» بقيادة محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، وأسفرت عن انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي خلال وقت قياسي.

وهنّأ الرئيس اليمني رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، أبناء محافظتي حضرموت والمهرة، وقيادتي السلطتين المحليتين، وقوات «درع الوطن»، بنجاح عملية «استلام المعسكرات» في المحافظتين، وإنجازها بسرعة وكفاءة فاقت التوقعات، بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار وصون السلم الأهلي.

ولفت العليمي إلى أن «هذا النجاح يعكس التفاف المجتمعات المحلية حول الدولة ومؤسساتها، ويؤسس لمرحلة جديدة من التعايش، واستئناف الخدمات، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين».

وثمّن الرئيس اليمني عالياً جهود القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن لها دوراً حاسماً في تأمين عملية «استلام المعسكرات»، وخفض التصعيد، وحماية المدنيين، وإنجاح العملية وفقاً للقوانين والأعراف الدولية.

ميدانياً، انتشرت قوات «درع الوطن»، التي استقبلها المواطنون بترحاب واسع، بمساندة قوات النخبة الحضرمية في مدينة المكلا، حيث تولّت تأمين المؤسسات الحيوية، ومن بينها البنك المركزي، ومبنى السلطة المحلية، والقصر الجمهوري.

من جهته، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، أن عملية «استلام المعسكرات» أُنجزت بكفاءة عالية وفي وقت وجيز، وبخسائر محدودة جداً. وقال الخنبشي، في تصريحات صحافية فور وصوله إلى مدينة سيئون الاستراتيجية، إن «الأضرار كانت محدودة للغاية، وكنا نتمنى حل الموضوع سياسياً، لكننا اضطررنا لاستخدام القوة الجبرية لإخراجهم خلال وقت قياسي».


أحداث فنزويلا... هل يمكن أن تؤثر على «اتفاق غزة»؟

شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
TT

أحداث فنزويلا... هل يمكن أن تؤثر على «اتفاق غزة»؟

شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)
شاحنة وقود مصرية في طريقها إلى قطاع غزة وسط تسريبات إسرائيلية عن قرب افتتاح معبر رفح في الاتجاهين (الهلال الأحمر المصري)

طغت أحداث «فنزويلا» على معظم قضايا العالم عقب تحرك أميركي غير مسبوق باعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وترحيله من البلاد، وسط ترحيب إسرائيلي وتسريبات عبرية بأن هذه التطورات ستعطل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المتعثر منذ أسابيع.

وتباينت تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ بين من يرى أن هذه الأحداث ستعزز تحرك الرئيس الأميركي دونالد ترمب في غزة لتصحيح صورته بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، ومن يتوقع أن تكون سبباً في تأخير التقدم في ملف غزة مع احتمال تحرك إسرائيل عسكرياً في لبنان وإيران، مما يزيد من تعقيدات أي مسار سلام بالقطاع مع تضاؤل فرص نزع سلاح «حماس» على الفور.

وأفادت صحيفة «معاريف» عن مصادر في إسرائيل بأن البيت الأبيض قد يرجئ الإعلان عن تأسيس «مجلس السلام» في قطاع غزة، الذي كان مقرراً الأسبوع المقبل، نظراً لانشغال جدول الأعمال الأميركي بـ«الأزمة الحادة التي تعصف بفنزويلا»، مرجحة «احتمالية انعقاد اجتماع بخصوص المجلس في غضون أسبوعين، أو بالأحرى منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي».

وأضافت: «التطورات الحاصلة في فنزويلا استدعت تغييراً فورياً في أولويات الرئاسة الأميركية، ما قد يؤجل الإعلان عن تأسيس (مجلس السلام)».

فلسطيني يحمل حطباً وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

الموقف الأميركي تجاه فنزويلا قوبل بترحيب من إسرائيل، ووصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، الأحد، بأنه «تحرك حازم».

وقال نتنياهو في افتتاح اجتماع لمجلس الوزراء: «فيما يتعلق بفنزويلا، أودّ أن أعرب عن دعم الحكومة بأكملها للقرار والتحرك الحازم الذي قامت به الولايات المتحدة لاستعادة الحرية والعدالة في تلك المنطقة من العالم».

وكتب نتنياهو، السبت، على منصة «إكس»: «تهانينا، أيها الرئيس على قيادتكم الجريئة والتاريخية بالنيابة عن الحرية والعدالة. وأهنئكم على حزمكم القاطع والعمل الفذ لجنودكم البواسل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإسرائيلية بـ«مركز الأهرام للدراسات»، سعيد عكاشة، أن تطورات الأحداث في فنزويلا تحمل إشارات تتعلق بملف غزة، مفادها أن ترمب قادر على أن يفعل ما هو غير منطقي، وقد يوجّه رسائل لحركة «حماس» بمهلة محددة لنزع سلاحها، ويتخذ بعدها إجراءات حاسمة تهدد أو تعجل بتنفيذ الاتفاق، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي سيكون حريصاً على «تحسين صورته» بدعم السلام بشكل أكبر في القطاع، «وربما تربح غزة في هذه الحالة».

في المقابل، يتوقع المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن تكون أحداث فنزويلا ذات «تأثير محدود» على اتفاق غزة، مشيراً إلى أن أولويات واشنطن بملف فنزويلا قد تؤخر الذهاب للمرحلة الثانية، وتسمح لإسرائيل بمزيد من المماطلة، واستغلال انشغال ترمب وتشتت الأنظار عن استحقاقات اتفاق غزة في إطالة تنفيذ الاتفاق أو تأخيره.

نازحون بجوار بركة كبيرة من مياه الأمطار المتراكمة بالقرب من خيامهم في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وعلى أرض الواقع، لا يزال اتفاق غزة يراوح مكانه في انتظار الانتقال للمرحلة الثانية. وقال نتنياهو، الأحد، إن ترمب أبلغه خلال زيارته إلى واشنطن الأسبوع الماضي بأن نزع سلاح «حماس» هو «شرط أساسي وجوهري» لتنفيذ خطته للسلام في قطاع غزة، المكونة من 20 بنداً، لافتاً إلى أن مسألة إيران حاضرة أيضاً، وسط تسريبات إسرائيلية باحتمال شن ضربة جديدة للدولة المشتعلة باحتجاجات.

في المقابل، يتحرك الوسيط المصري نحو دخول المرحلة الثانية دون حديث عن شروط مسبقة. وتبادل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، خلال اتصال هاتفي، الأحد، الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وخاصة في قطاع غزة في ظل الأوضاع الإنسانية المأساوية التي يشهدها.

وشدد عبد العاطي على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار والمضي قدماً في استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ للسلام. وأكد أهمية البدء في ترتيبات انتقالية، إلى جانب ضرورة نفاذ المساعدات الإنسانية دون عوائق، وبدء مسار التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع الرفض التام لأي إجراءات أو ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية.

وبحث عبد العاطي أيضاً مع نظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، ملفات من بينها جهود الانتقال للمرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وهو أمر تناوله كذلك في محادثات هاتفية مع نظيرَيه الكويتي عبد الله اليحيا، والعماني بدر البوسعيدي، وفق بيانات منفصلة لـ«الخارجية» المصرية.

ورغم توقف حرب غزة منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي 2025، بإعلان دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ آنذاك، لا تزال الخروق الإسرائيلية متواصلة منذ ذلك الحين، وتجاوز عدد ضحاياها 420 شخصاً.

وخلال أول ثلاثة أيام من العام الجديد 2026، قتلت القوات الإسرائيلية ستة فلسطينيين من سكان قطاع غزة، وأصابت العشرات، جراء استهدافهم بالقرب من «الخط الأصفر» المشار إليه كخط انسحاب أوّلي ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي حين حذَّر عكاشة من أن أي تحرك إسرائيلي تجاه لبنان أو إيران سيؤخر المرحلة الثانية من اتفاق غزة، استبعد نزال خوض إسرائيل معركة مباشرة جديدة مع إيران حالياً، انتظاراً لما ستؤول إليه التحركات الشعبية هناك، مع دعمها أو انتهاج استراتيجية «قطف الرؤوس»؛ أي الاغتيالات والاعتقالات. غير أنه استدرك قائلاً: «أي تحرك إسرائيلي في ملف إيران سيكون هو الآخر متعمداً لتفجير اتفاق غزة وتصعيد عسكري، أو تأخير تنفيذه على الأقل».


«عشرات المخالفات» تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية بمصر

مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
TT

«عشرات المخالفات» تسدل الستار على أطول انتخابات برلمانية بمصر

مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)
مصريون أمام إحدى لجان التصويت بالوادي الجديد (تنسيقية شباب الأحزاب)

يسدل الستار، مساء الأحد، على انتخابات مجلس النواب المصري (الغرفة الرئيسية للبرلمان)، بعد مسار انتخابي وُصف بالأطول والأكثر جدلاً، عقب جولات إعادة متتالية بسبب «مخالفات انتخابية» رصدتها الهيئة الوطنية للانتخابات، فضلاً عن أحكام قضائية ببطلان العملية في عشرات الدوائر الانتخابية.

وعلى مدى يومي السبت والأحد جرى التصويت بجولة الإعادة في 27 دائرة سبق إلغاء نتائجها، وسط استمرار رصد تجاوزات حتى الساعات الأخيرة من التصويت، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية المصرية.

وخلال اليوم الثاني، الأحد، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على نحو 50 شخصاً بتهم تتعلق بمخالفات انتخابية، بعد ضبط 84 آخرين في اليوم الأول، ليصل إجمالي المقبوض عليهم في هذه الجولة إلى أكثر من 130 شخصاً في عدة محافظات، وفق بيانات متتالية لوزارة الداخلية.

وتمثلت الوقائع المضبوطة في محاولات دفع ناخبين للتصويت لصالح مرشحين بعينهم مقابل مبالغ مالية، حسب «الداخلية»، التي أشارت إلى العثور بحوزة المتهمين على «أموال نقدية وبطاقات دعائية خاصة بعدد من المرشحين» في عدة محافظات.

ناخبات في طابور أمام مركز اقتراع بمحافظة الإسكندرية الأحد (تنسيقية شباب الأحزاب)

وقبل ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، أكد مصدر أمني رفيع المستوى بالوزارة أن أي محاولة لتعكير صفو العملية الانتخابية «ستُواجه بكل حسم وفقاً للقانون»، مشدداً على أن دور الشرطة يقتصر على تأمين اللجان والمقار الانتخابية من الخارج «دون أي تدخل في مجريات التصويت أو الفرز»، وفق ما نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية.

ودعا المصدر المواطنين إلى الإبلاغ عن أي تجاوزات تقع خارج اللجان، مؤكداً أن البلاغات تُفحص فوراً، وتتخذ بشأنها الإجراءات القانونية اللازمة.

ولطالما كررت الهيئة الوطنية للانتخابات دعوتها للمواطنين للتصويت بكثافة في الانتخابات لقطع الطريق أمام من يحاول التأثير على إرادتهم.

الماراثون الانتخابي

كانت انتخابات مجلس النواب قد انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وفق جدول زمني معلن من الهيئة الوطنية للانتخابات. وشابت العملية تجاوزات تتعلق بالفرز واتهامات بشراء الأصوات، ما استدعى تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي، ما أدى إلى إلغاء الانتخابات وإعادتها في عشرات الدوائر، لتُجرى في نهاية المطاف على سبع مراحل.

مقر مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (البرلمان المصري)

ويعتقد الدكتور وليد عتلم، الباحث بالمركز الوطني للدراسات، أن طول أمد انتخابات مجلس النواب «لم يكن نتيجة بطء أو خلل، بل يأتي تأكيداً على إرادة المصريين وحقهم في اختيار ممثليهم بحرية، مع تصحيح التجاوزات الانتخابية لضمان نتائج نزيهة، خصوصاً بعد تدخل الرئيس المصري».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن إعادة سبع جولات تصويتية «تُحسب لصالح الدولة والهيئة الوطنية للانتخابات، حيث فضَّلت الدولة ضمان نزاهة العملية على تمرير نتائج مشوبة». وعدَّ أن إدارة انتخابات لأكثر من ثلاثة أشهر «اختبار للكفاءة اللوجيستية والجاهزية المؤسسية».

ومن بين المميزات الأخرى، وفق رؤية الباحث المصري، أن «طول الماراثون الانتخابي كسر الاحتكار السياسي، وسمح بظهور وجوه جديدة، مع ارتفاع نسبة المستقلين إلى نحو 16 في المائة من المقاعد».

في المقابل، لم يستبعد مختار غباشي، مدير مركز الفارابي للدراسات السياسية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يواجه مجلس النواب المقبل «تساؤلات حول شرعيته»، في ضوء العدد الكبير من الدوائر التي أُلغيت نتائجها بسبب المخالفات والشكاوى المتعلقة بتقسيم الدوائر.

مقترحات «لكبح المال السياسي»

في السياق ذاته، وجّه حزب «التجمع» المصري (يسار) نداءً عاجلاً إلى الرئيس السيسي، الأحد، مطالباً بتشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق بشأن ما شاب الانتخابات من مخالفات، مع التركيز على استخدام المال الانتخابي والتجاوزات في الإنفاق.

وجاء ذلك عقب اجتماع المكتب السياسي للحزب، الذي ناقش ما وصفه بـ«المخرجات المقلقة» للعملية الانتخابية، داعياً إلى ملاحقة حالات رشوة الناخبين، والتحقيق في مصادر الأموال التي جرى إنفاقها خارج الأطر القانونية، ومحاسبة كل من يثبت تورطه.

وقال أحمد مجدي، عضو أمانة الإعلام بحزب «التجمع» لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب يدرس عدداً من المقترحات «لكبح تأثير المال السياسي» في أي انتخابات مقبلة.

ومن هذه المقترحات، حسب القيادي الحزبي، التوسع في تطبيق التصويت الإلكتروني، وتشديد العقوبات على المرشحين المخالفين «بحيث تبدأ بشطبهم من جداول الترشح، ولا تنتهي إلا بمساءلتهم جنائياً عن مصادر أموالهم».

وأعلن المستشار حازم بدوي، رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، الأحد، إبطال التصويت في إحدى اللجان بمحافظة البحيرة بدلتا مصر أثناء إعلان نتائج جولة الإعادة في 19 دائرة انتخابية أخرى سبق إلغاؤها بسبب مخالفات موزعة على سبع محافظات. وعزا بدوي القرار إلى «ثبوت عيب جوهري أثَّر في مشروعية إجراءات الاقتراع والفرز»، موضحاً أن الهيئة أبلغت النيابة العامة بواقعة تداول بطاقات تصويت خارج مقر اللجنة.

غير أنه أكد، في الوقت ذاته، أن هذه المخالفة «لن تؤثر على سلامة العملية الانتخابية في عموم الدائرة»، في إشارة إلى حصر البطلان في اللجنة محل الواقعة.

ويُتوقع أن يعقد مجلس النواب بتشكيله الجديد أولى جلساته منتصف الشهر الحالي، وفق الإعلامي المصري مصطفى بكري، الذي أشار إلى أن «رئاسة المجلس في تلك المرحلة يُرجَّح أن تُسند إلى شخصية قضائية رفيعة المستوى، على أن يعاونها وكيلا المجلس، وربما يمثلان حزبين سياسيين كبيرين».