روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

شكوك حول مستقبل الشراكة بعد ضربات «القاعدة» والمتمردين

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
TT

روسيا في مالي... انهيار أم انتكاسة؟

دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)
دخان الاشتباكات فوق العاصمة المالية باماكو (آ ف ب/غيتي)

تحت جنحِ الظلام وقبيل صلاة فجر السبت 25 أبريل (نيسان) الماضي، تسللَ مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» على متون دراجات نارية، مرتدين الزي العسكري للجيش المالي، تتقدمهم سيارة مفخخة بعشرات الأطنان من المتفجرات يقودها انتحاري. كان الهدف هو قاعدة كاتي العسكرية، القاعدة الأكثر تحصيناً وأهمية استراتيجية في جمهورية مالي، حيث يقيم قادة مجلس عسكري يحكمُ البلد الأفريقي المنهك بالحروب. هناك انفجرت السيارة المفخّخة لتدمر بيت وزير الدفاع ساديو كامارا، الذي قتل هو وزوجته وأولاده على الفور، ثم اندلعت اشتباكات عنيفة أثارت الرعب في أوساط السكان، وكان من أوائل الضحايا عشرات المصلّين في مسجد قريب من بيت وزير الدفاع. ومع شروق الشمس تبين أن مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» يسيطرون على القاعدة العسكرية التي لا تبعد سوى 15 كيلومتراً عن العاصمة المالية باماكو، ويتحرّكون فيها بكل حرية، قبل أن ينسحبوا من دون معرفة ماذا حملوا معهم، وهم الذين سيطروا لساعات على واحد من أكثر المواقع حساسية في الدولة، ومركز اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية.

لم يقتصر الهجوم على العاصمة باماكو، ذلك أنه بالتزامن كان المتمردون يتحركون في الشمال لاستعادة المدن واحدة تلو أخرى، ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى سقطت في قبضة «جبهة تحرير أزواد» مدينة كيدال، بأقصى شمال شرقي مالي، غير بعيد من الحدود مع الجزائر، وعلى بعد 1500 كيلومتر من العاصمة باماكو. ولقد تفاوضت روسيا مع المتمردين لكي يسمحوا بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال.

ثم تبعتها مدن غاو وتمبكتو وميناكا وسيغنو وموبتي... وبدا أن كل شيء ينهار وبسرعة.

على حافة الانهيار

مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، تعد واحدة من أفقر دول العالم، وتعاني منذ 2012 من تمرد مسلح تتصدره جماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحركات مسلحة انفصالية تناضل منذ عقود لاستقلال إقليم أزواد في شمال البلاد.

وحقاً، كادت مالي تنهار عام 2012 حين سيطر مسلحو «القاعدة» والحركات الانفصالية على شمال البلاد، ولكن السلطات آنذاك لجأت إلى فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، التي تدخلت عسكرياً مطلع 2013، ونجحت في استعادة السيطرة على الشمال. وتحوّل مركز الحرب العالمية على الإرهاب إلى مالي ليتوسع لاحقاً نحو منطقة الساحل عموماً، وأصبحت فرنسا هي من يقود هذه الحرب، بدعم من الأوروبيين والولايات المتحدة، وقوة أممية لحفظ السلام.

ولكن بعد مرور 10 سنوات، أنفق فيها الفرنسيون أكثر من 10 مليارات يورو على مواجهة الإرهاب في مالي والساحل، وقع انقلاب عسكري في مالي عام 2020 قاده ضباط شباب، اتهموا فرنسا بالفشل في مواجهة الإرهاب، بل اتخاذه ذريعة لاحتلال مالي وتكريس نموذج استعماري جديد.

وتبنى حكام مالي الجدد خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة، فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس وطردوا القوات الفرنسية. ومن ثم، توجهوا نحو التحالف مع روسيا، وجلبوا مئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة لمواجهة المتمردين الطوارق ومقاتلي «القاعدة». ومنذ العام الماضي حُلّت مجموعة «فاغنر» وعوّضتها موسكو بقوات من «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية.نجاح مؤقت

التحالف المالي - الروسي نجح في تحقيق مكاسب على الأرض، وأصبح الجيش المالي أكثر تسليحاً، وكبّد التنظيمات المسلحة خسائر كبيرة بفضل حصوله على أسلحة متطورة. إلا أن العامل الحاسم كان تكوين منظمة سلاح الجو ودعمها بمسيّرات تركية، وفي ذروة صعود الجيش المالي استعاد عام 2023 السيطرة على مدينة كيدال، معقل المتمردين الطوارق.

ولكن مع مرور الوقت، بدأت الحركات المتمردة والتنظيمات المرتبطة بـ«القاعدة» تتأقلم مع الوضع الجديد، فاستعادت قوتها تدريجياً، وتوسّعت في مناطق وسط وجنوب مالي. ونهاية العام الماضي فرضت حصاراً على العاصمة باماكو، وشنّت هجوماً قوياً على مطار باماكو الدولي، وكانت كل المؤشرات تشير إلى قدرة التنظيم الإرهابي على دخول العاصمة والسيطرة على الحكم.

لوصف ما يحدث في مالي منذ السبت الماضي، اعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية» والأستاذ بجامعة نواكشوط، أن ما حدث هو «تحصيل حاصل»، وهو «النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات». وأردف مبارك، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «الوضع في مالي مقلق جداً، وهو نتيجة تراكمات تدريجية لواقع دولة فقدت أدواتها الرمزية قبل أن تنهار مؤسساتها وتتصدع بنيتها».

المأزق الروسي

من جهة ثانية، منذ هجمات السبت الماضي، وما سبقها من فقدان الجيش المالي للمبادرة الميدانية، وتركز نفوذه في العاصمة ومحيطها، وردت تقارير عن «انهيار» النموذج الروسي في مالي، إذ نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فيه فشل المقاربة الأمنية والعسكرية لـ«الفيلق الأفريقي» في مالي.

ورأى المعهد المتخصص في تحليل التهديدات العالمية أن الوضع الحالي «يعكس انهيار بنية مكافحة الإرهاب الدولية، التي استمرت عقداً من الزمن، وفشل القوات المدعومة من روسيا في أن تكون بديلاً فعالاً». وتابع أن الشراكة بين باماكو وموسكو «كانت تقوم على ترتيب نفعي: تحصلُ مالي على حماية النظام ودعم مكافحة التمرد، بينما أمنت روسيا الوصول إلى الموارد الاستراتيجية ونفوذ جيوسياسي عبر منطقة الساحل».

وخلص المعهد، من ثم، إلى تأكيد أنه «رغم ذلك، كانت الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً مما توقعه الفاعلون الخارجيون... وأن خصوم الدولة ليسوا تمرداً واحداً، بل منظومة متداخلة من الجماعات المسلحة، وقد نسقت هذه الجماعات عملياتها بشكل متزايد، وجمعت بين الآيديولوجية الجهادية والمظالم المحلية والطموحات الانفصالية».

خروج كامارا

واليوم، بينما تزداد قوة «القاعدة»، وترتفع معنويات المتمردين الطوارق، يعيش المجلس العسكري حالة من الإحباط، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس، و«مهندس» الشراكة العسكرية والأمنية مع روسيا.

ووفق محمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، خروج كامارا من المعادلة «ضربة موجعة جداً، أصابت عمق المؤسسة العسكرية»، بل إن غياب كامارا «قد يشكّل تهديداً لتماسك المجلس العسكري، خاصة أن اغتياله يعدّ اختراقاً أمنياً في قلب منظومة الحكم».

وتابع ولد الداه، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن لمقتل كامارا تداعيات مباشرة تتمثل في «تشديد القبضة الأمنية وإغلاق الباب أمام أي انفتاح سياسي محتمل... وأن مرحلة ما بعد كامارا ستفرض إعادة ترتيب مراكز القوة داخل المجلس العسكري الحاكم». ثم أضاف: «أعتقد أنه بعد اغتيال وزير الدفاع، ستزيد الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس في مجال الدعم العسكري فقط، وإنما أيضاً كضامن لأمن وسلامة النخبة العسكرية الحاكمة، وهذا بكل تأكيد سيزيد من عمق التبعية لروسيا».

ولكن حسين لنصاري، وهو كاتب متخصص في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل الأفريقي، له رأي آخر، إذ شدّد لـ«الشرق الأوسط» على أن «كامارا كان المهندس الرئيس للتحالف مع روسيا، وبالتالي فإن اغتياله يخلخل الاستقرار الداخلي للمجلس العسكري، ويهدد مستقبل العلاقة ما بين باماكو وموسكو».

تبنى حكام مالي خطاباً معادياً لفرنسا، رافعين شعار السيادة

فألغوا من طرف واحد الاتفاقيات العسكرية مع باريس

انهيار أم انتكاسة!

بناء عليه، كثيرة هي الأسئلة التي تُطرح الآن حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في مالي بعد هجمات السبت، وانسحاب «الفيلق الأفريقي» الروسي، حتى ذهب بعض المحللين إلى تأكيد «انهيار» استراتيجية موسكو في مالي.

ولد الداه يرى أن «وصف ما حدث بالانهيار فيه مبالغة، إذ يمكن القول إنها انتكاسة كبرى، وليست انهياراً كاملاً. صحيح أن الانتكاسة خطيرة، وتكشف أن روسيا غير قادرة على توفير الأمن الموعود. وأن الهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة والمؤسسات، وقد تردّ روسيا بتعزيز وجودها أو تغيير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمسّ هيبتها في القارة».

أما لنصاري فيؤكد أن الوجود العسكري الروسي في مالي «يمرّ بتحول كبير منذ انسحاب (فاغنر) صيف 2025 وتعويضها بالفيلق الأفريقي». ويضيف: «تشير الدلائل إلى أن مستقبل هذا الوجود يواجه هزّات عنيفة لأسباب عديدة. من بينها انسحاب القوات الروسية من كيدال بعدما كانت قد استعادتها عام 2023. بالتالي، أعتقد أن موسكو هي الخاسر الأكبر، بعدما أثبتت الأحداث الأخيرة هشاشة نموذج الحماية الروسي وخلل في قدراته الاستخبارية في مالي، بل في الساحل عموماً».

من جهته، يقول أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي، إن كل الكلام الدائر عن انسحاب روسي من مالي «مجرد شائعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الشائعات والأخبار المنتشرة حول توتر العلاقة بين مالي وروسيا، وعن إمكانية انسحاب فيلق أفريقيا من مالي، أخبار مغرضة مصدرها الإعلام الغربي، الهدف منها الإضرار بالعلاقات بين مالي وروسيا».

وأردف: «جوهر العلاقة بين مالي وروسيا التعاون في مجال التدريب والاستخبارات وصفقات السلاح». وأشار إلى أن «الجنود والضباط الروس الذين يقاتلون مع الجيش المالي في الميدان، ليسوا في مقدمة العمليات لأن دورهم يقتصر على التوجيه والتدريب وتقديم الاستشارات».

أي مستقبل؟

روسيا رفضت بلا تردد طلب المتمردين سحب قواتها من مالي، وأكدت أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. وهذا موقف يعتقد محمد الأمين ولد الداه أنه نابع من قناعة موسكو بأن «مالي هي نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا». وأضاف أنه رغم ذلك ستراجع موسكو استراتيجيتها «حيث ستنتقل من نمط الانتشار الكثيف في المنطقة، إلى نمط أكثر انتقائية، يقوم على دعم استخباراتي وتدريب عملياتي نوعي... ولا أتوقع أن تتراجع روسيا عن وجودها في مالي، لأن أي تراجع مهما كان تكتيكياً، سيؤثر على بقية الشركاء في الساحل، وهو ما قد يقود إلى نسف المشروع الروسي في أفريقيا».

مع هذا، رأى ولد الداه أن على موسكو استيعاب الدرس «فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة، ومع غياب أي نوع من الحلول السياسية والاجتماعية تبقى المكاسب العسكرية هشّة». وحول مستقبل مالي في المرحلة المقبلة، قال إنه يتوقعُ 3 سيناريوهات، في مقدمتها «استمرار الرهان على الحل العسكري وحده، بدعم من روسيا ودول الساحل، وهذا يعني حرب استنزاف طويلة الأمد، ستقود في النهاية إلى تآكل تدريجي لسلطة الدولة، وهو مسار خطير جداً».

أما السيناريو الثاني فهو «مقاربة مزدوجة؛ أمنية وتنموية، وتنظيم حوار مع الفاعلين المحليين، وطبعاً هذه مقاربة عقلانية تحتاج شجاعة سياسية وتقديم تنازلات، كما تتطلب حكومة شرعية، وأعتقد أن المجلس العسكري الحاكم يفتقد إلى ذلك».

أما السيناريو الثالث فهو «انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها، وهو ما قد يضعنا أمام خيار تفكك الدولة، حيث لا يبقى تحت سلطة المجلس العسكري سوى العاصمة وضواحيها».

في غضون ذلك، يطرحُ عبد الصمد مبارك احتمال حدوث سيناريو رابع يتمثل في «تصدع النظام من الداخلي وحدوث انقلاب عسكري يفتح الطريق أمام مرحلة انتقالية جديدة ومدروسة تعيد الأمل»، وهنا حذّر مبارك من «انزلاق مالي نحو المجهول، حين يصبح البديل الوحيد المتاح هو سيطرة الجماعات المسلحة على الدولة».أما لنصاري فـ«يرجح بقاء المجلس العسكري في الحكم، بدعم من روسيا، مع شنّ هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية من سيطرة الحركات الأزوادية مثل كيدال، وسيكون نجاح هذا الهجوم هو العامل الحاسم لاستمرار المجلس العسكري في الحكم». ويضيف أنه إذا فشل المجلس العسكري في استعادة السيطرة على الشمال «سيزداد الضغط الداخلي ويتصاعد التوتر داخل المجلس العسكري، ما قد يؤدي إلى تغيير سياسي وتراجع في النفوذ الروسي».

 

 

ساديو كامارا (آ ب)

 

 

حلف التناقض... وتغيّر «القاعدة»

هجمات السبت الماضي في مالي، وإن قادت إلى طرح أسئلة كثيرة حول مستقبل المجلس العسكري والوجود العسكري الروسي، فهي أيضاً حملت معها معطيات لافتة، من أهمها: التحالف بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» الموالية لتنظيم «القاعدة»، و«جبهة تحرير أزواد» الساعية لانفصال الشمال. ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحالف فيها المتمردون مع «القاعدة» بشمال مالي، فهي المرة الأولى التي يكون فيها التحالف بينهما بهذه القوة. لإدراك هذه القوة، يجب فهم التركيبة الداخلية لكل طرف؛ إذ إن «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» أسّست عام 2017 حين تحالفت أربعة تشكيلات مسلحة هي: «حركة أنصار الدين» و«جبهة تحرير ماسينا وجماعة «المرابطون»، وإمارة الصحراء «القاعدة». ومن جهتها، أُسّست «جبهة تحرير أزواد» عام 2024، لتوحيد جميع الحركات المتمردة في شمال مالي، بعد سقوط كيدال، عاصمة المتمردين ومركز نفوذهم، في يد الجيش المالي عام 2023، بدعم من مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة. وهنا يقول محمد الأمين ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي، إن التحالف ما بين المتمردين والقاعدة «ليس تجاوزاً فكرياً بقدر ما هو تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان والمعارك الدائرة... فثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تقارب الطرفين؛ أبرزها اثنان: 1 - العدو المشترك المتمثل في السلطات العسكرية في باماكو، والفيلق الأفريقي - الروسي وتحالف دول الساحل. هذا العدو يمثل تهديداً وجودياً للطرفين. وبالتالي (كان لا بد أن نؤجل خلافاتنا ما دام خطر الاستئصال مشتركاً). 2 - سقوط (اتفاق الجزائر للسلام) أزال آخر مظلة كانت تمنع المتمردين الأزواديين من العودة للعمل المسلح. وبالتالي، عندما ينهار السلام تتقارب البنادق». ولد الداه يؤكد أن أهم عامل ساهم في تحالف «القاعدة» والمتمردين، هو «التحول الكبير خلال السنوات الأخيرة في سلوك تلك الجماعات؛ إذ إن (القاعدة) في مالي لم تعد تعمل بوصفها تنظيماً عقائدياً صِرفاً، بل يمكن الآن تصنيفها فاعلاً متمرداً ذكياً، يبني تحالفات محلية مع القوى الموجودة في المنطقة، ويستثمر المظالم الاجتماعية في المجتمعات المحلية». ويتابع: «الواضح هو أنه جرى تأجيل المشروع العقائدي كي لا يعرقل التمدد الميداني، وهذا التحالف التكتيكي الذي حدث بين الجماعتين أعتقد أنه قابل للتحول إلى نمط متكرر، وكلما طال أمد الحرب واشتد الضغط زادت الحاجة إلى التنسيق المشترك بين الطرفين، حتى يصبح هذا التحالف استراتيجياً قد يؤدي إلى تقاسم لبعض المناطق». في السياق ذاته، يقول حسين لنصاري، إن «تحالف (جبهة تحرير أزواد) مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) يمثل مبدأ: عدو عدوك صديقك»، مشيراً إلى أن «(جبهة تحرير أزواد) تسعى إلى تحرير منطقة شمال مالي، وتأسيس دولة أزواد، بينما (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) هدفها السيطرة على جنوب مالي، وتغيير الحكم في باماكو، بالتنسيق مع شخصيات معارضة وربما ضباط داخل النظام الحاكم».



هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
TT

هل قرّر ترمب تكرار تجربته الفنزويلية في كوبا؟

وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)
وسط المعاناة الاقتصادية... اكوام قمامة في أحد شوارع هافانا (رويترز)

صباح الأربعاء الفائت كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يدلي بتصريح مسهب في العاصمة واشنطن حول الخيارات المطروحة على مكتب الرئيس دونالد ترمب لمعالجة الوضع في كوبا، مشدّداً على أن «سيّد» البيت الأبيض يفضّل الحل السياسي «إلا أنه لن يتردد في اللجوء إلى القوة لإنهاء معاناة الشعب الكوبي». وفي الوقت نفسه تقريباً كان الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل يخاطب مواطنيه في العاصمة الكوبية هافانا معلّقاً على القرار الذي كان صدر عن وزارة العدل الأميركية بتوجيه تهمة القتل العمد إلى سلفه راؤول كاسترو في حادثة إسقاط طائرتين صغيرتين عام 1996 ومقتل أربعة من ركابها كانوا ينتمون إلى إحدى المنظمات غير الحكومية.

الرجلان، الوزير روبيو والرئيس دياز كانيل توقّفا طويلاً عند يوم مفصلي في تاريخ كوبا هو 20 مايو (أيار) من عام 1902.

الوزير روبيو، الذي هو ابن أسرة لاجئة من كوبا، توقّف ليذكّر بأنه في ذلك اليوم رفرفت الراية الكوبية فوق الدولة المستقلة لأول مرة، وبقيت صورتها محفورة في الذاكرة تشهد إلى الأبد على ولادة الجمهورية المستقلة. أما الرئيس دياز كانيل فقد ذكّر بأن ذلك التاريخ «إن شهد على شيء، فهو يشهد على أنه زرع في نفوس الكوبيين مشاعر مناهضة الإمبريالية والصمود في وجه غطرستها».

روبيو عاد إلى ذلك التاريخ بوصفه «لحظة ملحمية»، بينما طلب الرئيس الكوبي من مواطنيه ألا ينسوا التدخل الأميركي المديد في بلاده. وهذه هي حكاية العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا: عراك حول التاريخ واستخلاص العِبَر من محطاته.

تفاقم أزمة الكهرباء... والحصار المزمن

اللافت أنه في الوقت الذي كانت فيه وكالات الأنباء تتناقل ما ورد في تصريحات روبيو ودياز كانيل، كانت مؤسسة الكهرباء الكوبية تعلن أن قدرتها الإنتاجية هي دون نصف الاحتياج الوطني. أي أن الدولة - الجزيرة مقبلة على يوم آخر من انقطاعات التيّار الكهربائي، وأن أمواج الطلاب لن تتدفّق كعادتها على أدراج جامعة هافانا المهيبة، وأن فندق الـ«ناسيونال» Nacional الأسطوري لن يسلم هو أيضاً من العتمة، وأن الأحياء السياحية في العاصمة ستنقطع عنها المياه لساعات طويلة بعدما كادت تفرغ من الزوار الأجانب.

الواقع أنه لم يكن من باب الصدف اختيار الحكومة الأميركية هذا التاريخ، بالذات، لإصدار وزارة العدل قرار الاتهام الفيدرالي بحق الرئيس السابق راؤول كاسترو حول «مسؤوليته» عن إعطاء الأمر بإسقاط الطائرتين يوم 24 فبراير (شباط) 1996.

كاسترو، الشقيق الأصغر لفيديل كاسترو، مؤسس الاشتراكية الكوبية، وخلفه في الحكم، لم يصدر عنه حتى الآن أي تعليق على قرار الاتهام. وللعلم، هو الآن على أبواب الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والتسعين. كذلك لا تعليق منه على الوعود التي أطلقها روبيو بقوله إن الولايات المتحدة «تريد مساعدة الكوبيين، ليس على التخفيف من حدة الأزمة المعيشية فحسب، بل أيضاً على بناء مستقبل أفضل».

ما يستحق الإشارة أن الأزمة المعيشية الممتدة في كوبا بلغت ذروة غير مسبوقة عندما ضربت الإدارة الأميركية حصاراً نفطياً على الدولة - الجزيرة في أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي. وأعقبتها بسلسلة من التهديدات اليومية تقريباً، إلى جانب فرض العقوبات على أجهزة المخابرات، والضغط على المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وإعلان قيود مالية، إلى أن كانت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) الأميركية إلى هافانا. وهي التي بيّنت بوضوح أن كوبا لم تعد تشكّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وأيضاً أن الولايات المتحدة التي يقود وزارة خارجيتها اليوم كوبي مولود في ولاية فلوريدا، تريد أن تضع آخر رموز النظام الكاستري تحت مقصلة الإعدام السياسي... وهو على مشارف نهاية حياته!

«خبرة» روبيو الكوبية

وحقاً، لا أحد مثل روبيو يعرف «مسالك» النظام الكوبي داخل الإدارة الأميركية الحالية. ولا شك في أنه، إلى جانب البُعد الشخصي الذي تحمله الجزيرة بالنسبة إليه، يريد أن تكون «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض، هي «إنهاء الثورة الكوبية» الذي عجزت عنه كل الإدارات الأميركية منذ مطالع ستينات القرن الماضي.

بل، يبدو الوزير الأميركي اليميني الشاب مصمّماً الآن على تحميل شقيق فيديل ديون الثورة المستحقّة للشتات الكوبي، عندما يقول: «السبب في أن الجزيرة اليوم تعيش بلا كهرباء أو وقود أو غذاء، هو أن الذين أحكموا قبضتهم عليها طوال عقود قد نهبوا خيراتها عن طريق مؤسسة (غييسا) Gaesa». وللعلم، «غاييسا» هي المجموعة الحكومة المالية الحكومية التي تسيطر على 70 في المائة من اقتصاد كوبا.

لكن خارج التصريحات المتعاقبة على لسان الرئيس ترمب حول كوبا، والتهديدات المتكررة بوضع اليد عليها «في طريق عودة حاملة الطائرات إبراهام لنكولن من إيران»، أو تنصيب ماركو روبيو رئيساً عليها، ليس واضحاً بعد ما هو الهدف الذي وضعته الإدارة الأميركية من وراء تصعيد الحصار على كوبا، أو حتى من إسقاط النظام بواسطة التدخل العسكري المباشر.

الترجيحات والتوقعات لـ«سيناريو» المستقبل

متعدّدة هي الترجيحات والتوقعات في أوساط الخبراء والباحثين في الشأن الكوبي، خاصة أن التجربة الفنزويلية التي يميل كثيرون إلى التشبّه بها في الحالة الكوبية، ما زالت غامضة من حيث أهدافها والصيغة التي ستستقر عليها في نهاية المطاف.

ثمّة من يرى أن اختيار تاريخ إعلان استقلال الجمهورية الكوبية لتوجيه التهمة إلى راؤول كاسترو، يحمل دلالة «التأسيس لدولة جديدة» تدور كلياً في فلك واشنطن، وهذا بعدما استنهضت إدارة ترمب «شرعة مونرو» لإحكام السيطرة على «حديقتها الخلفية» - التي هي القارة الأميركية - وإبعادها عن التأثيرات الخارجية.

ويذهب آخرون إلى القول إن إدارة ترمب، في ضوء طبيعة العلاقات التي تنسجها مع القيادات اليمينية المتطرفة في المنطقة والعالم، قد تكون عاقدة النية على إرجاع الدولة - الجزيرة إلى عهد الديكتاتور فولخنسيو باتيستا، عندما كانت كوبا شبه محمية أميركية.

الكوبيون، من ناحيتهم، في حالة من القلق الشديد والتوتر لجهلهم المقصود من كلام الرئيس الأميركي عندما يتكلّم عن «تحرير كوبا» أو عن «فجر جديد للجزيرة». وهم يعيشون منذ خمسة أشهر تحت أشدّ الضغوط التي تعرّضوا لها على أيدي الإدارات الأميركية الاثنتي عشرة التي تعاقبت على البيت الأبيض منذ انتصار الثورة الكوبية.

ضغوط غير مسبوقة

آندي غوميز، المدير السابق لمعهد الدراسات الكوبية في جامعة ميامي الأميركية، الذي تتواصل معه «الشرق الأوسط» منذ أشهر حول الأزمة الكوبية، يقول إن «الضغوط التي تمارسها إدارة ترمب على الجزيرة، منذ مطلع هذه السنة، لا سابق لها في تاريخ الإدارات الأميركية من حيث قسوتها وتجاوزها بعض المحظورات والخطوط الحمر الإنسانية في السياسة الخارجية الأميركية».

ويضيف غوميز، الذي كان «مهندس العلاقات بين واشنطن وهافانا على عهد باراك أوباما: «لقد وضعت إدارة ترمب حبل المشنقة حول عنق الحكومة الكوبية، لكنها وضعته أيضاً حول أعناق أبناء الشعب الكوبي الذي لم يسبق أن عانى كما اليوم من السياسات الأميركية».

ويرى غوميز أن مؤسسة «غاييسا»، التي تصوّب إدارة ترمب سهامها عليها الآن، هي الأداة الرئيسة التي استخدمها راؤول كاسترو لإحكام سيطرته على النظام، لكنها ليست هي أداة النظام للسيطرة على كوبا، موضحاً: «كانت كوبا في البداية تحت قبضة فيديل (كاسترو)، ومن بعده تحت قبضة راؤول، والقول إن الدولة الكوبية مُلحقة بسلطة اقتصادية ضخمة خطأ فادح. هذه المؤسسة لا يزيد عمرها على عشرين سنة، وهي كانت دائماً وسيلة راؤول لبسط هيمنته على النظام، وعلى النخبة العسكرية التي لها الكلمة الفصل في كل شأن كوبي».

بديل روبيو المقترح

في المقابل، قال وزير الخارجية الأميركي روبيو في الكلمة التي خاطب بها الكوبيين، الأربعاء الماضي: «إن الرئيس ترمب يعرض عليكم إقامة علاقات جديدة مع الولايات المتحدة. علاقات مباشرة لا عبر الحكومة. ونحن جاهزون لفتح صفحة جديدة بين الشعبين والبلدين، لكن العائق الوحيد اليوم في الطريق نحو مستقبل أفضل هم الذين يسيطرون على كوبا».

هذا الكلام يدلّ على أن الصيغة التي يطرحها روبيو تقوم على علاقة تلتفّ على الدولة الكوبية عن طريق تعزيز القطاع الخاص والجهات المستقلة في كوبا. وعلى أن إدارة ترمب لا تريد توجيه الاستثمارات التجارية والسياحية الأميركية الموعودة في الدولة - الجزيرة عبر المؤسسات المرتبطة بالقوات المسلحة الكوبية، بل عن طريق المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال المستقلين عن النظام، ما يهدف في نهاية المطاف إلى تغيير جذري في معادلة السلطة.

أمام هذا التوجّه، الذي ما زال يفتقر إلى الكثير من التفاصيل، يكمن اللغز الأكبر بالنسبة للكوبيين، ولمن يتابعون الشأن الكوبي، في هذه المواجهة التي انفتحت أبوابها في أعقاب العملية العسكرية في فنزويلا؛ أي العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ودفعت بكوبا إلى صدارة قائمة المرشحين لهجوم أميركي جديد. بالتالي، كيف ستكون طبيعة العلاقة مع رئيس أميركي سارع في ولايته الأولى إلى هدم كل ما بنته إدارة باراك أوباما لترميم العلاقات بين واشنطن وهافانا؟ هذا لغز يزداد غموضاً مع كل تصريح يصدر عن ترمب وكبار معاونيه بشأن كوبا.

«قانون هيلمز - برتون»

يذكّر بعض الخبراء الأميركيين أن القانون الذي يحكم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا، والمعروف باسم «قانون هيلمز - برتون»، يشترط عملياً لرفع الحصار الاقتصادي عن الجزيرة تغيير النظام. وهذا يعني أن ترمب، حتى وإن رغب، لا يستطيع رفع الحصار ما لم يتغيّر النظام في كوبا، ومن ثم، فأقصى ما يمكن أن تذهب إليه الإدارة الحالية لا يتجاوز بكثير ما ذهبت إليه إدارة أوباما.

بمعنى آخر، ما يقوله هؤلاء إن الكرة في ملعب النظام الكوبي. والسؤال هو: ما الخطوات التي بمقدور النظام الكوبي الإقدام عليها لتسهيل مهمة ترمب وروبيو... وإجهاض احتمال التدخل العسكري المباشر؟

الرسائل التي يطلقها النظام الكوبي، على الأقل في تصريحاته العلنية، تتأرجح بين التشدّد تارة والاستعداد للتعاون تارة أخرى، ثم عودة إلى التشدد، تبعاً لوتيرة التهديدات التي تصدر عن واشنطن. والرد الأخير من الرئيس دياز كانيل على تصريحات روبيو جاء فيه قوله: «ارفعوا الحصار وتعالوا لنتكلّم». لكنه كان توعّد منذ أيام، بعد تهديد ترمب الأخير، بأن التدخل العسكري المباشر «سيؤدي إلى حمّام دم».

استطراداً، بعض الأوساط المقرّبة من روبيو في صفوف «الشتات الكوبي» الناشط سياسياً والنافذ اقتصادياً في الولايات المتحدة، تقول إنه إذا واصلت الإدارة الأميركية تصعيد الضغوط على كوبا من غير الحصول على تنازلات من النظام، فسيصبح التدخل العسكري أمراً محتوماً، وبخاصة أن المنحى الراهن يسير في اتجاه مرحلة طويلة من المعاناة وتدهور الأوضاع الإنسانية من دون تغيير حقيقي بالنسبة للمواطنين.

بناء عليه... كيف تتوقع واشنطن أن يحصل هذا التغيير؟ أعبر اتفاق اقتصادي؟ أو المزيد من التدابير القسرية؟ أم تقديم مساعدات مشروطة بتنازلات؟ أم الذهاب إلى الخيار العسكري؟

الحال أنه أياً كانت الإجابة... لا بد من سؤال آخر: هل سيؤدي التغيير المفروض بضغط أميركي فعلاً إلى تغيير حقيقي في أوضاع المواطنين الكوبيين ... أم أنه لن يكون سوى الاستعاضة عن السلطة الحالية بأخرى مرهونة للمصالح الاقتصادية والجيوسياسية الأميركية؟ يريد روبيو أن يكون «إنهاء الثورة الكوبية» بمثابة «بطاقة التعريف» لطموحاته في خلافة دونالد ترمب في البيت الأبيض


نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
TT

نيكولاي ملادينوف... خبير أممي متمرّس يقود مهمة إنقاذ «اتفاق غزة»

حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»
حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لكنه لم يَسْلَم من انتقادات منها اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز للرؤية الإسرائيلية»

من أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الوساطات المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، برز اسم السياسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف في ملفات النزاع الإقليمي ممثلاً أعلى لـ«مجلس السلام» في قطاع غزة، لا سيما وسط اتهامات متبادلة وتباين واضح في المواقف بينه وبين حركة «حماس»، طفت على السطح أخيراً إثر اعتبار «مجلس السلام»، الذي أسّسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الحركة «العقبة الرئيسة» أمام تنفيذ المرحلة الثانية من الهدنة في القطاع، حسب تقرير قدِّم أخيراً إلى مجلس الأمن الدولي.

يجمع نيكولاي ملادينوف بين الخلفية الأمنية والدبلوماسية والأكاديمية. ولقد استطاع خلال مسيرته المهنية التي بدأت منذ تسعينات القرن الماضي، الانتقال بسلاسة من السياسة الأوروبية المحلية إلى ملفات الدبلوماسية الدولية، في بغداد والقدس وغزة، متبنياً خطاباً يقوم على الحوار والتهدئة في ملفات عدة. وهذا مع أنه لم يَسْلَم مع الانتقادات والاتهامات بالانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية، لا سيما مع خلفيته اليمينية ودعمه التطبيع و«الاتفاقات الإبراهيمية».

نزع سلاح «حماس»

ملادينوف، الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام»، الذي يشرف على وقف إطلاق في قطاع غزة، رَهَن في تصريحات صحافية أخيراً، استمرار الهدنة بنزع سلاح حركة «حماس». وقال إن «مرور أشهر دون إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق لا يخدم مصالح إسرائيل ولا الفلسطينيين». وبعدما حمّل ملادينوف «حماس» المسؤولية عن تعرّض اتفاق وقف إطلاق النار للشلل لرفضها تسليم سلاحها، قال: «نحن لا نطلب من (حماس) أن تختفي كحركة سياسية... لكن ما هو غير قابل للتفاوض أن تبقى فصائل مسلحة أو ميليشيات تمتلك هياكل قيادة عسكرية خاصة بها، وترسانات أو شبكات أنفاق خاصة بها، بالتوازي مع سلطة فلسطينية انتقالية».

هذا الأمر رفضته «حماس»، داعيةً السياسي والدبلوماسي البلغاري إلى إلزام إسرائيل بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.

بدايات «المجلس»

أُنشئ «مجلس السلام» لغزة في إطار خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة، التي أُقرَّت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لكنها لم تتجاوز بعد مرحلتها الأولى. إذ ترفض «حماس» تسليم السلاح، بينما تواصل إسرائيل احتلالها القطاع وشن غارات جوية على سكانه، الأمر الذي يعقّد مهمة ملادينوف في متابعة تنفيذ الاتفاق.

في رأي ملادينوف، فإن خطة ترمب للسلام في غزة «نجحت في تحقيق ما عجزت عنه جهود سابقة». وقال في ندوة نظمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «الخطة لا تعالج الاحتياجات الإنسانية الملحّة فحسب، بل تُرسي توافقاً حول إقامة حوكمة جديدة في غزة ضمن إطار انخراطٍ إقليمي أشمل».

لكنه منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه في «مجلس السلام»، كان يرى أن «تجاهل (حماس) لمطالب نزع السلام يؤكد أن الوقت ينفد أمام المجتمع الدولي لبناء منظومة حوكمة شرعية تُعزّز صمود وقف إطلاق النار... وأن المسار الأجدى لمنع انبعاث (حماس) هو إصدار قرارٍ من مجلس الأمن بإنشاء قوة متعددة الجنسيات لمواجهة أي تمرد في غزة»، حسب تصريحاته في ندوة «المعهد».

... من صوفيا إلى البرلمان الأوروبي

وُلد نيكولاي ملادينوف في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 5 مايو (أيار) 1972، في فترة كانت فيها بلغاريا ضمن المعسكر الشرقي. ونشأ في بيئة سياسية وأمنية، حيث كان والده يعمل في قطاع الأمن الدبلوماسي إبان الحقبة الشيوعية، كما انخرط عمه في السلك الدبلوماسي. ولكن مع سقوط الاتحاد السوفياتي، تحول سياسياً نحو اليمين الليبرالي وشارك في عملية التحوّل الديمقراطي لبلاده.

دراسياً، أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الإنجليزية بصوفيا عام 1990، وتخرّج في جامعة الاقتصاد الوطني والعالمي (في صوفيا) عام 1995 متخصّصاً في العلاقات الدولية. ثم حصل على درجة الماجستير في دراسات الحرب من كلية «كينغز كوليدج» بلندن، مما انعكس لاحقاً على مقارباته للملفات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

ومهنياً، بدأ ملادينوف مسيرته المهنية فور تخرجه في الجامعة، حيث عمل مديراً للبرامج في إحدى مؤسسات المجتمع المدني بصوفيا. وعام 1999 أسس «المعهد الأوروبي» في صوفيا لتعزيز اندماج بلغاريا في الاتحاد الأوروبي، كما عمل مع البنك الدولي ومؤسسات بحثية وسياسية أوروبية.

برلماني يميني

وفي مطلع الألفية دخل الحياة السياسية من بوابة البرلمان، عضواً في برلمان بلاده، ثم في البرلمان الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2009 عن حزب «مواطنون من أجل تنمية بلغاريا أوروبياً» اليميني المحافظ.

وخلال تلك الفترة عمل ملادينوف على ملفات العراق وإسرائيل وأفغانستان والعلاقات الأوربية مع الشرق الأوسط. ومن البرلمان انتقل إلى السلطة التنفيذية في بلغاريا، ليتولى وزارة الدفاع عام 2009، وهو في السابعة والثلاثين من عمره، ثم حقيبة الخارجية في الفترة ما بين عامي 2010 و2013. وتبنى خطاباً مؤيداً للتكامل الأوروبي، ودفع إلى تعزيز حضور بلغاريا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي «ناتو».

مهام أممية

بعدها كان التحول الأكبر في مسيرته المهنية عام 2013، مع تعيينه ممثلاً خاصاً للأمم المتحدة في العراق ورئيسا لبعثة (UNAMI)، في فترة صعود تنظيم «داعش» الحرجة. وحقاً، لعب ملادينوف دوراً في تشكيل حكومة وحدة وطنية وفي اتفاقات النفط بين بغداد وأربيل. وبعد أقل من سنتين، تولى مسؤولية الملف الأعقد والأكثر حساسية في المنطقة مع تعيينه منسقاً خاصاً لعملية السلام في الشرق الأوسط بين عامي 2015 و2020. وارتبط اسمه خلال هذه الفترة بمحاولات «بناء الثقة» والوساطة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية من جهة أخرى، مع مساعٍ مستمرة لتثبيت التهدئة في قطاع غزة.

كان ملادينوف يرى أن القدس هي «حجر الزاوية لجميع الصراعات في المنطقة»، وفق ما نقلته عنه مواطنته وسفيرة بلغاريا في إسرائيل روميانا باتشفاروفا، عقب زيارتها له في القدس إبّان فترة عمله ممثلاً للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط. يومذاك دافع الرجل عن «حل الدولتين»، بوصفه السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم، ودعا إلى رفع القيود عن قطاع غزة، وإعماره وتحسين الأوضاع الإنسانية، كما انتقد التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، لأنه «يقوّض فرص السلام».

من ناحية ثانية، وحسب مراقبين، تميّز في الأروقة الدبلوماسية بـ«أسلوب هادئ يعتمد الاتصالات والوساطات غير المعلنة»، وحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف. ووصفه بعض هؤلاء بأنه «لاعب منصف يدرك حساسية جميع الأطراف وشخص جاد ملمٌّ بكل الملفات». لكن تلك الفترة لم تسلم من انتقادات، لا سيما اتهامه من جانب أطراف فلسطينية بـ«الانحياز إلى الرؤية الإسرائيلية» في إدارة الصراع وإهمال السلطة الفلسطينية، والتركيز على حركة «حماس». وفي المقابل اتهمه إسرائيليون بـ«التساهل» مع الحركة.

نشط في الكواليس

في الواقع أدى ملادينوف ما يتطلبه المنصب من مهام، وكان نشطاً في كواليس الوساطات بعيداً عن أعين الإعلام، وفي حوار مع صحيفة «نيويورك تايمز» بعد مغادرته منصبه الأممي، قال إنه صدم عند وصوله إلى القدس من قلة أهمية المنصب. من ناحية أخرى، لملادينوف مقالات عدة يشرح فيها رؤيته للسلام في المنطقة، بصفته زميلاً متميزاً زائراً في «معهد واشنطن» (المتهم بأنه قريب سياسياً من تل أبيب). وسبق له أن أشار في مقال نشره عام 2024 إلى «إمكانية أن تلعب دول الخليج دوراً أكثر أهمية في مبادرات السلام والأمن نظراً لنفوذها الاقتصادي والسياسي الكبير».

دعم الاتفاقات الإبراهيمية

لكن اسم ملادينوف ارتبط أيضاً بالتسريبات المالية الشهيرة المعروفة بـ«وثائق باندورا» عام 2021، حيث تبيّن أنه أسس «شركة أوفشور» في جزر سيشل عام 2013 عبر وسيط سويسري. ودافع عن نفسه حينذاك بالقول إن الشركة أُسِّست قبل انضمامه رسميّاً إلى الأمم المتحدة، وإنها لم تقم بأي أنشطة مالية أو تجارية فعليّة.

ومن أروقة السياسة وقيادة عملية السلام انتقل إلى أروقة الأكاديمية السياسية، حيث عُيِّن مديراً لـ«أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية» في دولة الإمارات عام 2021، ليبرز كصوت داعم لـ«الاتفاقات الإبراهيمية» و«نموذج السلام الإقليمي».

وفي مطلع عام 2026 برز اسمه مجدداً في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي مع تعيينه ممثلاً سامياً لـ«مجلس السلام» لغزة، الذي أسسه الرئيس ترمب.

أخيراً، يوصف ملادينوف بأنه «شخص عملي للغاية، يركز على تحقيق النتائج أكثر من الإجراءات البيروقراطية، ويؤمن بالحوار والتوافق». لكنّ هذه الصفات لا تكفل له، حسب متابعين، النجاح في مهمته الحالية المعقدة، لا سيما مع ما تشهده الأوضاع على الأرض من تعقيد، اعترف به ملادينوف نفسه. إذ قال في تصريحات صحافية أخيراً: «لدينا وقف لإطلاق النار، لكنه ليس مثالياً، وهو أبعد من أن يكون مثالياً». وأردف: «هناك انتهاكات يومية، وبعضها خطير جداً... وإعادة إعمار غزة ستستغرق جيلاً كاملاً».


«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)
TT

«مجلس السلام» لغزة... فجوة التمويل تعرقل إعادة الإعمار

كوشنر (آ ب)
كوشنر (آ ب)

في يناير (كانون الثاني) الماضي وقَّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الميثاق التأسيسي لـ«مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، متعهداً بالتنسيق مع الأمم المتحدة، والتعامل مع تحدّيات عالمية أخرى غير الهدنة في قطاع غزة. وبعد نحو شهر من توقيع الميثاق عقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بحضور ممثلين عن 47 دولة. وجاءت غزة على قمة أولويات المجلس.

ترمب أعلن أن بلاده ستقدم 10 مليارات دولار لـ«مجلس السلام» لغزة، وأشار إلى تعهدات أخرى بلغت 7 مليارات دولار من أعضاء المجلس، مع توقعات بزيادة المساهمات. لكن بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تشكيل المجلس لا تزال هناك فجوة بين التعهدات المالية والأموال المطلوب صرفها بموجب «خطة ترمب لإعمار غزة» التي تقدر تكلفتها بنحو 70 مليار دولار.

تقرير من «مجلس السلام» إلى مجلس الأمن الدولي نشرته وكالة «رويترز» أخيراً، ذكر أن «الفجوة بين الالتزامات والصرف يجب سدّها على وجه السرعة... وأن الأموال التي تعهّدت بها الدول ولم تصرفها بعد، تمثل الفارق بين إطار عمل موجود على الورق، وآخر يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع لشعب غزة». ومن ثم دعا التقرير الدول والمنظمات غير الأعضاء في المجلس إلى تقديم مساهمات لإعادة الإعمار.

ينص ميثاق «مجلس السلام» على أن عضوية الدول تقتصر على ثلاث سنوات ما لم يدفع كل منها مليار دولار لتمويل أنشطة المجلس والحصول على عضوية دائمة، وحتى الآن لم تعلن أي دولة دفع رسوم العضوية، بحسب «رويترز». هذا، وجاء تشكيل «المجلس» برئاسة ترمب في إطار «خارطة طريق» تضم 20 نقطة أعلنها الرئيس الأميركي «لتحقيق السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والازدهار الدائم في المنطقة». وبعدها، أقر مجلس الأمن الدولي تلك الخطة.

فيدان (تاس)

وفقاً لموقع البيت الأبيض فإن «مجلس السلام» سيلعب «دوراً محورياً» في تحقيق جميع بنود الخطة العشرين، «من خلال توفير الإشراف الاستراتيجي، وتعبئة الموارد الدولية، وضمان المساءلة خلال انتقال غزة من الصراع إلى السلام والتنمية». ولتحقيق رؤية «مجلس السلام» أعلن ترمب، في يناير الماضي تشكيل «مجلس تنفيذي» تأسيسي، يضم من وصفوا بـ«قادة ذوي خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية». واختير فيه كل من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومبعوث ترمب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، وتوني بلير، ومارك روان، وأجاي بانغا، وروبرت غابرييل.

ومهمة «المجلس التنفيذي» الإشراف على بناء القدرات الإدارية، والعلاقات الإقليمية، وإعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات، والتمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال. وقد عين ترمب كلاً من أرييه لايتستون وجوش غرينباوم مستشارين لـ«مجلس السلام»، مكلفين بقيادة الاستراتيجية والعمليات اليومية، وترجمة تفويض المجلس وأولوياته الدبلوماسية إلى تنفيذ منضبط.

وأيضاً عيّن الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف عضواً في «المجلس التنفيذي» و«ممثلاً أعلى» (مفوضاً سامياً) في غزة «يعمل كحلقة وصل ميدانية بين مجلس السلام والمجلس الوطني لإدارة غزة». ومعه، عُين اللواء جاسبر جيفرز قائداً لقوة الاستقرار الدولية في غزة، لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وإيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار بشكل آمن، وفق موقع البيت الأبيض.

وأخيراً، دعماً لمكتب الممثل الأعلى و«المجلس الوطني لحكومة غزة»، شُكل «مجلس تنفيذي لغزة»، يضم كلاً من: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهاكان فيدان، وعلي الذوادي، والفريق حسن رشاد، وتوني بلير، ومارك روان، وريم الهاشمي، ونيكولاي ملادينوف، وياكير غاباي، وسيغريد كاغ.