الاتحاد الأوروبي لـ«الشرق الأوسط»: لا تساهل مع الحوثيين... وهدفنا عودة اليمنيين للمفاوضات

سفيره لدى اليمن أكد دعم بروكسل لإصلاحات الحكومة وأهمية سرعة التنفيذ

باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن (تصوير: صالح الغنام)
باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن (تصوير: صالح الغنام)
TT

الاتحاد الأوروبي لـ«الشرق الأوسط»: لا تساهل مع الحوثيين... وهدفنا عودة اليمنيين للمفاوضات

باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن (تصوير: صالح الغنام)
باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن (تصوير: صالح الغنام)

في كل مرة تُطرح فيها الانتقادات بأن أوروبا «تتساهل» مع الحوثيين، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل فعلاً هناك تراخٍ في مواقف الاتحاد الأوروبي؟ سؤالٌ يردّ عليه باتريك سيمونيه، رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في اليمن، بنفي قاطع، مؤكداً أن موقف بروكسل «أبعد ما يكون عن ذلك».

وأكد سيمونيه في حوار مع «الشرق الأوسط» أن الهدف الأساس يبقى «إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات»، وعمّا إذا كانت هنالك نية لتصنيف الجماعة «إرهابية»؟، قال: «هناك نقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول الخيارات المتاحة، لكنني لا أعتقد بوجود أي تساهل... لم نتساهل أصلاً».

باتريك سيمونيه رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: صالح الغنام)

وحسب مراقبين يمنيين، فقد شهد الموقف الأوروبي ما وصفوه بـ«التحول الإيجابي»، بعد أن كان الاتحاد يظهِر قدراً من التساهل مع الحوثيين، وينظر إلى الأزمة اليمنية من زاوية إنسانية بحتة من دون إدراك كافٍ للبعد السياسي الذي قاد إلى الكارثة الإنسانية.

ويؤكد رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي أن الاتحاد ملتزم بدعم مسار السلام الذي تقوده الأمم المتحدة، ويتطلع إلى تقدّم ملموس في «خريطة الطريق» الأممية. ويضيف أن الاستراتيجية الأوروبية تقوم على مساندة الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي، وتمكينهما من تقديم خدمات أساسية تعزّز الثقة والمصداقية لدى المواطنين.

ووصف سيمونيه الدور السعودي في اليمن، لا سيما التنموي والإنساني، بأنه «إيجابي للغاية»، مضيفاً أن الرؤية بين الطرفين «متقاربة جداً» حيال التحديات في اليمن والبحر الأحمر، وأن المرحلة الراهنة تتطلب «مقاربة جماعية» وهو ما يعمل عليه الاتحاد.

العلاقة مع الحكومة اليمنية

أكد باتريك سيمونيه، سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، أن العلاقة مع اليمن «واضحة ومباشرة»، مشيراً إلى التزام الاتحاد بتحقيق السلام، ومواصلة دعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، وتعزيز جهود المبعوث الأممي. ويأمل سيمونيه في «تقدم ملموس» في خريطة الطريق المطروحة أممياً، بما يعيد «الانخراط السياسي الجاد» حول مسار السلام.

رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي خلال تسليم أوراق اعتماده للرئيس اليمني (سبأ)

وأشار إلى أن الاستراتيجية الأوروبية تقوم على عنصرين رئيسيين: دعم الحكومة اليمنية، ودعم مجلس القيادة الرئاسي، عبر تمكينهما من تعزيز فاعليتهما ومصداقيتهما أمام المواطنين، وتقديم الخدمات الأساسية لهم، عادَّاً ذلك «جزءاً جوهرياً» من مقاربة الاتحاد في اليمن.

الإصلاحات الاقتصادية

أشاد سيمونيه بالإصلاحات الاقتصادية التي تبنّاها مجلس القيادة الرئاسي، عادَّاً أنها خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار المالي وترسيخ الشفافية وإطلاق الإمكانات الاقتصادية للبلاد. لافتاً إلى أن الاتحاد حاضر لدعم تنفيذ هذه الإصلاحات، وفي مقدمتها تحويل الإيرادات المحلية إلى السلطة المركزية «حتى تتمكن الحكومة من أداء مهامها»، مع ضمان تقاسم عادل للصلاحيات والموارد مع المستويات المحلية.

وشدد السفير على أن الاتحاد الأوروبي يدعم إصلاح سعر صرف الجمارك، مشيراً إلى أن «كل خطوة تعيد الطبيعة الاقتصادية إلى اليمن ستكون مفيدة». مع ذلك يقرّ سيمونيه بحجم التعقيدات السياسية، لكنه يشدد على أن المرحلة الحالية «مواتية لوحدة القوى السياسية» للمضي في مسار الإصلاح الاقتصادي.

وحدة مجلس القيادة الرئاسي

تشكل وحدة مجلس القيادة الرئاسي أهمية بالغة وسط تباينات على الإصلاحات الاقتصادية. وحيال ذلك، دعا الدبلوماسي الأوروبي إلى عدم المبالغة في القلق بشأن ما وصفها بـ«الاختلافات السياسية» الحاصلة في الساحة اليمنية؛ مبيناً أن هذا أمر طبيعي في كل الدول.

وأضاف: «هناك تعددية وآراء مختلفة، وهذا جزء من الحياة السياسية، المهم الآن أن اللحظة تتطلب قدراً من الوحدة السياسية والعمل المشترك، والتركيز على المصالح الوطنية العليا، اليمن بلد متنوع، وهذا أمر مفهوم، لكن في هذا التوقيت، ومع الزخم الإيجابي للإصلاحات، يجب أن تتكاتف الجهود (...) الاقتصاد يجب أن يكون أولوية، وقد تحمّل مجلس القيادة مسؤوليته، ويبقى التحدي الآن في التنفيذ السريع للإصلاحات».

وحول سؤال يطرحه يمنيون حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي «متساهلاً» مع الحوثيين، وعمّا إذا كانت هنالك نية لتصنيف الجماعة «إرهابية»؟، يقرّ السفير باتريك سيمونيه بأن التساؤل «مشروع»، لكنه ينفي بصورة قاطعة وجود أي تهاون في موقف بروكسل. ويقول: «السؤال مشروع، يجري حالياً داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي نقاش حول مختلف الخيارات المطروحة، ما نريده في الأساس هو عودة الأطراف إلى طاولة التفاوض، لا يمكنني الخوض في جميع التفاصيل، لكنني لا أرى أي تساهل، لم يكن هناك تساهل».

السفير محمد آل جابر يستقبل سفراء الاتحاد الأوروبي في الرياض (حساب السفير السعودي على إكس)

وشدّد باتريك سيمونيه على وضوح الموقف الأوروبي في إدانة الهجمات التي استهدفت الملاحة البحرية، عادَّاً أنها «تمسّ المصالح الجماعية». وقال إن الهدف يبقى «إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات»، مشيراً إلى أن الاتحاد «يقوم بالكثير في اليمن»، مع الإعراب عن الأمل بأن «يبذل الشركاء الدوليون الجهد نفسه».

وأضاف السفير الأوروبي أن وجوده في الرياض يأتي ضمن «نقاشات ممتازة» مع الشركاء السعوديين، مؤكداً أن الرؤية بين الجانبين «متقاربة للغاية» حيال تطورات اليمن والبحر الأحمر، وأن المرحلة تتطلب «مقاربة جماعية» لمعالجة هذه القضايا.

وعن وجود تواصل أوروبي راهن مع الحوثيين، تجنّب السفير باتريك سيمونيه الخوض في التفاصيل، مكتفياً بالقول إن «كل الأطراف تدرك تماماً مواقفنا، فنحن نعلنها بوضوح». وأضاف أن لدى الاتحاد «أدوات متعددة» لدعم جهود السلام، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو غيرها، مؤكداً أن «كل الخيارات مطروحة على الطاولة».

تحول في الموقف الأوروبي

تحدث مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، عن «تحوّل إيجابي» في الموقف الأوروبي الذي كان - حسب وصفه - يظهر قدراً من التساهل مع الحوثيين، وينظر إلى الأزمة اليمنية من زاوية إنسانية بحتة من دون إدراك كافٍ للبعد السياسي الذي قاد إلى الكارثة الإنسانية.

باتريك سمونيه خلال زيارته لمحافظة حضرموت اليمنية أخيراً (الاتحاد الأوروبي)

ويقول نعمان لـ«الشرق الأوسط» إن بعض الدوائر الأوروبية اعتقدت أن الميليشيات الحوثية يمكن دفعها نحو مسار سياسي عبر تكثيف التواصل الدبلوماسي، مستشهداً بزيارة سفيرة الاتحاد الأوروبي إلى صنعاء في عام 2018 ولقاءاتها مع قيادات حوثية، إضافة إلى «تخفيف الضغط السياسي وعدم إدانة الانتهاكات بحق اليمنيين».

ويرى أن الموقف الأوروبي «بدأ يتغير» منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) (2023)، مع استهداف الحوثيين الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وما رافق ذلك من موجة اعتقالات تعسفية طالت موظفي الأمم المتحدة، وأحكام «غير قانونية وجائرة» بحقهم.

بدوره، يرى الكاتب اليمني صالح البيضاني أن دور الاتحاد الأوروبي شهد تحولاً لافتاً بعد بروز «حقائق دامغة» تكشف عن غياب أي نوايا حوثية للذهاب نحو السلام. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن التصعيد الحوثي الأخير، خصوصاً استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، أظهر بوضوح أن الميليشيات «ذراع عسكرية للنظام الإيراني»، وأن قرارها «مرتبط بالحرس الثوري».

وفقاً لمروان نعمان، وهو نائب المندوب اليمني السابق لدى الأمم المتحدة، فإن «المطلوب اليوم من الاتحاد الأوروبي هو «التعامل بجدية أكبر» عبر تصنيف الميليشيات الحوثية «منظمة إرهابية»، أسوة بدول غربية مثل الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا ونيوزيلندا، إلى جانب اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لمنع تهريب الأسلحة إلى الحوثيين.

بينما يعتقد صالح البيضاني أن التراكم من الوقائع الذي أسهم في «تعرية النوايا الحوثية وافتضاحها»، وقاد إلى قناعات دولية جديدة، «نأمل أن ينعكس على موقف الاتحاد الأوروبي ليصبح أكثر حزماً وصرامة في التعاطي مع الميليشيا».

دور سعودي إيجابي

يصف السفير باتريك سيمونيه السعودية بأنها «شريك بالغ الأهمية» للاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن العلاقة بين الجانبين «قوية»، وأن التنسيق قائم بصورة مستمرة حيال التحديات والفرص المرتبطة بالملف اليمني. ويشير إلى أن زيارته لحضرموت أتاحت له الاطلاع على مشاريع نفذها الجانب السعودي، قائلاً إن «هناك مساحات واسعة للعمل المشترك».

ويضيف سيمونيه أن الدور السعودي في اليمن، سواء في الإغاثة الإنسانية أو في جهود التنمية، «دور إيجابي للغاية»، مشدداً على رغبة الاتحاد الأوروبي في «تعزيز التعاون» مع الرياض في هذا المسار.

الدعم الإنساني والتنمية

ويشرح السفير باتريك سيمونيه بأن الدعم الإنساني الأوروبي يغطي «جميع مجالات الإنقاذ الأساسية»، لافتاً إلى أن الاتحاد أطلق جسراً جوياً خلال الصيف الماضي لنقل مساعدات إنسانية «في ظل مخاوف جدية من تفشي الكوليرا». مبيناً أن الهدف لا يقتصر على توفير التمويل، بل «ضمان وصول المساعدات إلى مختلف أنحاء اليمن»، وهي مساهمة يصفها بأنها «فريدة» في نوعها.

سيمونيه خلال زيارته الأخيرة لمدينة شبام التاريخية (بعثة الاتحاد الأوروبي)

ويذكر أن الاتحاد الأوروبي قدّم منذ عام 2015 ما قيمته مليار يورو من المساعدات الإنسانية والتنموية، موضحاً أن الدعم لا يقتصر على الجانب الإنساني، بل يشمل الأنشطة الاقتصادية الصغيرة؛ إذ دعم الاتحاد التمويل الصغير في حضرموت، إضافة إلى إعادة فتح أسواق تصدير الأسماك والبصل والتمور وغيرها.

كما يشير السفير إلى دعم مشاريع ثقافية، موضحاً أنه زار مشروع ترميم مباني شبام الذي جرى تنفيذه بالتعاون مع «يونيسكو» على مدى أربع سنوات، وتم خلاله «إنقاذ نحو ثلث المدينة تقريباً».

وعن أداء المبعوث الأممي، يؤكد السفير باتريك سيمونيه أن الاتحاد الأوروبي «يدعمه بالكامل»، مشيراً إلى أن مهمته «شديدة الصعوبة»، لكنه «يقوم بعمل ممتاز». ويقول إن رسالة المبعوث واضحة: «لا حل عسكرياً للنزاع، والحل يجب أن يكون سياسياً ومستداماً».

ويضيف أن الحديث قبل أسابيع عن «نافذة للسلام» ما زال قائماً، معرباً عن تفاؤل «حذر». ويشدّد على أنه «إذا أردنا السلام، فعلينا جميعاً العمل من أجله»، مؤكداً التزام الأمم المتحدة، والتزام الاتحاد الأوروبي بدعمها.


مقالات ذات صلة

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

العالم العربي دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

أعلنت «أسبيدس» تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

يثير انخراط الحوثيين لنصرة إيران نقاشاً واسعاً بين اليمنيين وتتفاوت ردود الفعل بين قلق من التبعات وتوقعات بتأثير هذه الخطوة على مستقبل الجماعة الانقلابية.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

أقر البنك المركزي اليمني إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز الاستقرار النقدي، بالتوازي مع تحركات حكومية ودولية لدعم التعافي الاقتصادي ومواجهة الضغوط الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.