اتهامات للحوثيين بتحويل أكبر شركة اتصالات إلى غنيمة لكبار القادة

فساد إداري وصراع نفوذ وتمويل للتعبئة العسكرية

المقر الرئيسي لشركة «يمن موبايل» الخاضعة للحوثيين في صنعاء (إكس)
المقر الرئيسي لشركة «يمن موبايل» الخاضعة للحوثيين في صنعاء (إكس)
TT

اتهامات للحوثيين بتحويل أكبر شركة اتصالات إلى غنيمة لكبار القادة

المقر الرئيسي لشركة «يمن موبايل» الخاضعة للحوثيين في صنعاء (إكس)
المقر الرئيسي لشركة «يمن موبايل» الخاضعة للحوثيين في صنعاء (إكس)

تمرُّ شركة «يمن موبايل»، أكبر شركة اتصالات خاضعة للحوثيين، بمرحلة غير مسبوقة من التدهور الإداري والمالي والفني، وسط صراع نفوذ محتدم بين أجنحة الجماعة التي حوّلت الشركة إلى غنيمة مالية وسياسية تخدم مصالحها، على حساب الموظفين والمساهمين والمشتركين. وفق ما أفادت به مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء.

وإذ تطرق أحدث تقرير لفريق الخبراء الأمميين إلى هيمنة الحوثيين على قطاع الاتصالات وتحويله إلى أداة للقمع والسيطرة والإثراء، فإن المصادر تؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن ما يتم داخل الشركة «ليس مجرد سوء إدارة»، بل عملية تدمير ممنهجة تهدف إلى إقصاء الكفاءات، وتفريغ المؤسسة من خبراتها الوطنية، وإحلال عناصر حوثية تفتقر إلى المؤهلات، لكنها تتمتع بالولاء المطلق للجماعة.

وأوضحت المصادر أنه منذ تعيين الجماعة القيادي عبد الخالق الحسام رئيساً لمجلس إدارة الشركة، بدأت مرحلة جديدة من الانحدار. فالحسام - بحسب المصادر - لا يمتلك أي مؤهل إداري أو فني، وكان قد أُقيل في عام 2019 من منصب نائب مدير فرع؛ بسبب تورطه في قضايا فساد، قبل أن يُعاد إلى الواجهة ليتحكم في شركة يبلغ دخلها اليومي أكثر من مليار ريال يمني (الدولار نحو 535 ريالاً في مناطق سيطرة الحوثيين).

قادة الجماعة الحوثية استغلوا شركات الاتصالات للإثراء وتمويل المجهود الحربي (إعلام حوثي)

وتشير المصادر إلى أن الحسام، بدلاً من إنقاذ الشركة (يمن موبايل)، بدأ منذ توليه المنصب بسحب صلاحيات المديرين التنفيذيين، وحرمانهم من الحوافز والمكافآت؛ لدفعهم إلى الاستقالة، تمهيداً لتعيين عناصر حوثية من خارج الشركة، لا تحمل سوى الولاء للجماعة.

ولم يتوقف الانحدار عند حدود الإدارة، بل شمل - وفق المصادر- تعطيل العقود والشراكات السابقة مع شركات ومقاولين من خارج منظومة الحوثي؛ بهدف إسقاط الثقة بالشركة، وتهيئة الطريق أمام متعهدين تابعين للجماعة.

هذه القرارات - وفقاً لمصادر اقتصادية - أدت إلى انهيار مشروعات استراتيجية وتعطيل التزامات قائمة، وتراجع حاد في سمعة الشركة التي باتت بوابة لقادة الجماعة من أجل الإثراء.

فساد صارخ

في الوقت الذي تتراجع فيه الإيرادات وتنهار الخدمات التي تقدمها الشركة، تقول المصادر إن القيادي الحوثي الحسام يصرف مئات ملايين الريالات اليمنية من أموال الشركة لصالح قيادة الجماعة، تحت ذرائع مشروعات وهمية ونفقات شخصية باهظة تشمل شراء سيارات فارهة، وتأثيث فلل وشقق خاصة.

وطبقاً لتعبير أحد الموظفين: «لم تعد الشركة تُدار بوصفها مؤسسةً وطنيةً، بل صندوقاً مالياً تحت تصرف القيادات الحوثية، في ظل غياب تام للرقابة والمساءلة».

وتشير تقارير داخلية إلى أن «يمن موبايل» فقدت نحو 15 في المائة من إيراداتها خلال 4 أشهر فقط من تولي الحسام المنصب، وهو تراجع غير مسبوق منذ تأسيس الشركة. كما ازدادت شكاوى المشتركين من سوء الخدمة، وانقطاع الشبكة حتى في العاصمة المختطفة، صنعاء.

طفل يمني في مقبرة بصنعاء أنشأها الحوثيون لقتلاهم (إ.ب.أ)

وعلى الرغم من التحذيرات التي أطلقها خبراء الاتصالات بشأن خطورة ما يحدث، فإن قيادة الجماعة تجاهلتها تماماً، لأن الهدف - وفقاً للمراقبين - يتمثل في إعادة تشكيل الشركة بما يخدم مشروعها الانقلابي مالياً وسياسياً.

وامتدت تداعيات الفساد - وفق المصادر - إلى كل الأطراف ذات العلاقة بالشركة، حيث حُرم الموظفون من حقوقهم، وتضرر المشتركون من تراجع الخدمة، وواجه التجار والمقاولون عراقيل متعمَّدة لتنفيذ العقود الموقَّعة معهم، وهو ما انعكس على قيمة أسهم الشركة وثقة المساهمين فيها.

وتضيف المصادر أن خطة الجماعة الحوثية مستمرة منذ سنوات في إحكام السيطرة على مفاصل الشركة عبر تعيين موالين لها في المواقع الحساسة، وتحويلها إلى ذراع مالية تموّل أنشطتها، بما في ذلك أعمال التعبئة العسكرية والطائفية.

نهب مستمر

تقول المصادر في صنعاء إن الشركة قبل رئيس مجلس إدارتها الجديد الحسام، كانت تخضع لإدارة عصام الحملي، وهو الآخر من القيادات الحوثية. وفي عهده تم صرف نحو 16 مليار ريال يمني (نحو 30 مليون دولار) تحت غطاء «تأهيل مباني الشبكات وأبراج الاتصالات»، رغم أن غالبية تلك المباني ليست مملوكة للشركة، بل مؤجَّرة.

مليارات الريالات اليمنية تنفقها الجماعة الحوثية على أعمال الحشد والتعبئة والتطييف (أ.ف.ب)

وكان موظفو «يمن موبايل» يأملون أن تكون مرحلة الحسام مختلفة، لكنهم فوجئوا - بحسب قولهم - باستمرار نهج الفساد ذاته، مع إضافة سياسة إقصاء وتهميش ممنهجة طالت حتى أصحاب الخبرات الطويلة في الاتصالات.

وأمام هذا الانهيار المتسارع، يرى موظفو «يمن موبايل» أن شركتهم أصبحت رهينةً لأطماع الجماعة الحوثية، وأن إنقاذها لم يعد مطلباً إدارياً فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية ما تبقَّى من مؤسسات الدولة، ووقف العبث الذي يهدد قطاع الاتصالات، ويمس حياة ملايين اليمنيين.

دعم أممي للاتهامات

يأتي ذلك في ظل ما أكده تقرير الخبراء الأمميين الأخير بشأن اليمن، من أن الحوثيين «يسيطرون بالكامل على قطاع الاتصالات في مناطق نفوذهم، ويحولون عائداته إلى تمويل عملياتهم العسكرية والسياسية». وأشار التقرير إلى أن الجماعة تمتلك منظومة متقدمة من أدوات المراقبة والتنصت، تُمكّنها من اعتراض المكالمات والبيانات ومراقبة الناشطين والإعلاميين.

مقر شركة «تيليمن» المزوّد الرئيسي لخدمة الاتصالات الخاضعة للحوثيين في صنعاء (إكس)

كما كشف التقرير عن أن إيرادات الاتصالات - بما فيها من شركات مثل «يمن موبايل» و«تيليمن» - تُحوَّل إلى ما تُعرف بـ«الهيئة العامة للزكاة» التابعة للجماعة، خارج أي رقابة مصرفية أو حكومية، لتصبح أحد أهم مصادر التمويل المستقلة للحوثيين. وأكد أن الجماعة تمنع أي تدقيق مالي أو إداري على موارد القطاع، وتستخدم تلك الموارد لتمويل «أنشطة التجنيد والتعبئة العسكرية».

وربط تقرير الخبراء الأمميين بين هذا الاستحواذ الحوثي وتفشي الفساد في مفاصل الاتصالات، مشيراً إلى أن القطاع بات يُدار من قبل شبكة مالية مغلقة ترتبط بمكتب زعيم الجماعة مباشرة. وأوضح أن هذه السيطرة مكَّنت الحوثيين من استخدام البنية التحتية للاتصالات أداةً للهيمنة والقمع، من خلال مراقبة الاتصالات، وحجب المواقع الإلكترونية، وإقصاء الكفاءات الوطنية.


مقالات ذات صلة

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

العالم العربي تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تتزايد حالات اختفاء القاصرين والشبان بصنعاء وسط اتهامات للحوثيين باستدراجهم إلى معسكرات التجنيد، في حين تواجه أسر المفقودين غياب الاستجابة الأمنية وغموض مصيرهم

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)

نقص في الغذاء والدواء والوقود... تعز تكابد مشقة الحصار الحوثي

حذرت «هيومن رايتس ووتش» من تفاقم الأزمة الإنسانية في تعز مع تشديد الحوثيين الحصار وإغلاق الطرق، ونقص الغذاء والمياه والوقود والأدوية واقتراب انهيار النظام الصحي

محمد ناصر (عدن)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: تدمير 3 «باليستيات» باتجاه الرياض والشرقية و«كروز» نحو الغربية

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير 3 صواريخ باليستية وكروز واحد أطلقتها الميليشيا الحوثية باتجاه السعودية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والدكتورة أفراح الزوبة (الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان والزوبة يناقشان مستجدات اليمن

ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع نظيرته اليمنية الدكتورة أفراح الزوبة، مستجدات الأوضاع في اليمن، والاعتداءات الحوثية المستمرة على المدنيين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الجماعة الحوثية تواصل استهداف سيارات الإسعاف في تعز (أ.ف.ب)

تهديدات حوثية تطول المدنيين وشبهات بسمية أسلحتهم

شهدت الساحة اليمنية خلال الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً واسعاً شمل عدة محافظات ومناطق، بالتزامن مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الخامس والعشرين.

«الشرق الأوسط» (عدن)

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
TT

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

تصاعدت حالات اختفاء القاصرين والشبان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة، وسط اتهامات للحوثيين باستدراجهم إلى معسكرات التجنيد وإخضاعهم لتدريبات قتالية، قبل نقلهم إلى جبهات القتال دون علم أسرهم أو موافقتها، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأهالي من استغلال هذه الحوادث لابتزازهم، في ظل غياب المساءلة وعدم الكشف عن مصير المفقودين.

وقالت مصادر حقوقية محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن حالات الاختفاء الغامضة باتت تؤرق السكان وأولياء الأمور، مع فقدان أطفال وشبان من المدارس والشوارع والأحياء السكنية، دون معرفة مصير بعضهم أو الحصول على معلومات عن أماكن وجودهم. وأضافت أن أسر المفقودين تضطر إلى البحث عن أبنائها بمفردها، وإطلاق مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ما تصفه بتجاهل الأجهزة الأمنية الخاضعة للحوثيين بلاغاتها.

وكشفت المصادر في صنعاء عن اختفاء نحو 13 طفلاً وشاباً من مناطق متفرقة في صنعاء منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحة أن أعمار أغلب المفقودين تتراوح بين 15 و23 عاماً، وأن بعضهم عُثر عليهم لاحقاً في جبهات ومعسكرات حوثية، بعد استدراجهم وإخضاعهم لدورات قتالية دون علم أسرهم أو موافقتها.

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وأشارت المصادر إلى أن صنعاء ومدناً أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين سجلت منذ مطلع العام الحالي مئات البلاغات عن اختفاء أطفال وشبان، في حين لا تزال أسر تبحث عن أبنائها دون التوصل إلى معلومات بشأن مصيرهم. واتهم أجهزة أمن الجماعة بعدم التجاوب مع بلاغات الأهالي ومناشداتهم؛ ما يفاقم معاناة العائلات ويترك المفقودين عرضة للاستغلال والتجنيد.

وسُجلت أحدث الحالات خلال اليومين الماضيين، مع اختفاء المراهق أمجد نعمان السروحي (16 عاماً) من حارة الآنسي بمديرية معين وسط صنعاء، والشاب مختار عبد الله حسن الرفاعي (22 عاماً)، الذي فُقد بالقرب من سوق حزيز بضواحي صنعاء، وفقاً للمصادر الحقوقية.

استدراج إلى المعسكرات

تعكس شهادات أسر المفقودين مخاوف متزايدة من أن تكون حالات الاختفاء مدخلاً لاستدراج الأطفال والشبان إلى معسكرات الحوثيين، في ظل اتهامات لمشرفين تابعين للجماعة وسماسرة باستقطاب صغار السن واستغلال ظروفهم الاجتماعية والمعيشية لدفعهم نحو الالتحاق بالجبهات.

وفي إحدى هذه الحالات، روى أحد أقارب قاصر اختفى قبل شهرين من أحد أحياء صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الأسرة أمضت خمسة أيام في البحث عنه بين الأحياء والمستشفيات، قبل أن تصل إليها معلومات من مشرف حوثي تفيد بوجوده في أحد المعسكرات شمال المدينة.

وقال قريب القاصر إن المشرف أبلغ الأسرة بأن عناصر حوثية استدرجت الصغير وأخضعته لتدريبات قتالية دون علم ذويه. وأوضح أن أيام البحث اتسمت بالخوف والقلق؛ خشية تعرض القاصر للأذى، قبل أن تكتشف الأسرة وجوده داخل معسكر حوثي، بعيداً عنها ودون موافقتها على إخضاعه للتدريبات العسكرية.

تلامذة في صف مدرسي يهتفون بـ«الصرخة الخمينية» (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول «مُجيب»، وهو من سكان صنعاء وأب لأربعة أبناء، إن تزايد حالات اختفاء الأطفال والشبان جعل الأسر تعيش في خوف دائم على أبنائها، حتى أثناء ذهابهم إلى المدارس أو خروجهم لقضاء احتياجات بسيطة.

وأضاف: «أصبحنا نعيش في خوف دائم على أبنائنا، ولم نعد نشعر بالاطمئنان حتى عندما يخرج أحدهم لقضاء حاجة بسيطة. نخشى أن يستدرجه أحد العناصر والمشرفين الحوثيين أو يستغل حاجته وظروفه المعيشية، ثم نجد أنفسنا أمام أمر واقع لا نستطيع تغييره».

وأكد أن الأسر تريد ضمان سلامة أبنائها وتمكينهم من مواصلة تعليمهم وحياتهم بصورة طبيعية، بعيداً عن الاستقطاب والزج بهم في جبهات القتال.


نقص في الغذاء والدواء والوقود... تعز تكابد مشقة الحصار الحوثي

المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
TT

نقص في الغذاء والدواء والوقود... تعز تكابد مشقة الحصار الحوثي

المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)
المدنيون في تعز المحاصرة عرضة لقذائف الحوثيين وقناصتهم (رويترز)

في ظل الحصار وعدوان الحوثيين، لم يعد الحصول على كيس من الدقيق أو أسطوانة غاز للطهي في مدينة تعز اليمنية مهمة يومية عادية، بل تحول إلى رحلة شاقة في ظل نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على نقل السلع الأساسية.

وبينما تبحث الأسر عن احتياجاتها الضرورية، يواجه المرضى مخاطر متزايدة مع نقص الأدوية والوقود والأكسجين الطبي، في أزمة إنسانية تهدد حياة مئات الآلاف من المدنيين.

وحذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من تدهور حاد في الأوضاع الإنسانية بمدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، منذ أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، عقب تشديد قوات جماعة الحوثيين الحصار وإغلاق الطرق الرئيسية المتبقية، ما أدى إلى تفاقم نقص الغذاء والمياه والوقود والأدوية وغاز الطهي، فضلاً عن عرقلة وصول المنظمات الإنسانية.

وتخضع المدينة للحصار الحوثي منذ عام 2015، مع إغلاق طرق رئيسية تربطها ببقية المناطق اليمنية، من بينها الطريق الرابط بينها وبين عدن، الذي يمثل ممراً مهماً لنقل الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.

الحوثيون أغلقوا الطرق المؤدية إلى مدينة تعز ما أعاق وصول السلع والإمدادات الأساسية (إعلام محلي)

وتعكس شهادات السكان التي نقلتها المنظمة حجم التدهور الذي طرأ على الحياة اليومية. فقد أفاد أحد السكان بأن الخضراوات أصبحت شحيحة للغاية مع بداية تصاعد القتال، وأن أسعارها تضاعفت، فيما قال آخر إنه أمضى ثلاثة أيام يبحث عن القمح والدقيق دون أن يتمكن من العثور عليهما.

ولا تقتصر الأزمة على نقص السلع في الأسواق، بل تمتد إلى صعوبة إدخالها من خارج المدينة، في ظل ارتفاع تكاليف النقل ونقص الوقود. ونقلت المنظمة عن أحد قادة منظمات المجتمع المدني المحلية قوله إن المشكلة لا تتعلق بتوافر الغذاء وحده، وإنما بالوقود اللازم لنقله أيضاً، مشيراً إلى تضاعف تكاليف سائقي الشاحنات.

وفي مؤشر على اتساع الضغوط المعيشية، أفاد سكان بارتفاع سعر غاز الطهي بنحو 400 في المائة، بالتزامن مع تراجع توافر الأسطوانات في الأسواق، ما يضيف عبئاً جديداً على الأسر التي تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية.

الوقود والأكسجين

وامتدت تداعيات نقص الوقود إلى إمدادات المياه، مع تزايد المخاوف من توقف المضخات التي تعتمد على الديزل. وأدى نقصه إلى تهديد قدرة محطات الضخ على مواصلة العمل، فيما تضاعفت تكلفة المياه المنقولة بالشاحنات ثلاث مرات منذ التصعيد الأخير، وانخفض إنتاج المياه إلى النصف، وسط تحذيرات من نفاد البدائل المتاحة.

وتشير «هيومن رايتس ووتش» إلى أن القيود المفروضة على وصول المياه ليست جديدة، إذ سبق أن وثقت ما وصفته بانتهاكات لحق السكان في الحصول عليها خلال سنوات الحصار. كما أفادت منظمة تتابع أوضاع المدينة بأن مشغلي صهاريج المياه أبلغوا عن تعرضهم للتوقيف عند نقاط تفتيش حوثية أثناء محاولتهم إدخال المياه إلى تعز.

يمنية حامل تتلقى العلاج في مشفى بتعز بعد أن اخترقت رصاصة حوثية بطنها (رويترز)

وفي المستشفيات والعيادات، تتخذ الأزمة وجهاً أكثر خطورة، إذ يجد مرضى السرطان والكلى وارتفاع ضغط الدم وغيرهم من المصابين بأمراض مزمنة صعوبة في الوصول إلى العلاج، خصوصاً الذين يعيشون خارج مركز المدينة.

وأفاد أطباء وعاملون في القطاع الصحي بأن إغلاق الطرق ونقص الوقود وارتفاع تكاليف النقل أعاقت وصول المرضى إلى المرافق الطبية، حتى في بعض المناطق التي لم تُغلق طرقها بصورة مباشرة. وقال أحد الأطباء إن المرضى يواجهون صعوبات في الوصول إلى المستشفيات بسبب تعذر الحصول على الوقود أو ارتفاع أسعاره، ما يجعل رحلة العلاج أكثر كلفة وتعقيداً.

وفي الوقت نفسه، تتناقص مخزونات الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية. وأوضحت طبيبة في تعز أنها استقبلت عدداً من المصابين بجروح ناجمة عن النزاع، بينهم نساء وأطفال، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية نقصاً في مواد التخدير اللازمة لإجراء العمليات الجراحية.

قذائف الحوثيين تتساقط على أحياء سكنية في مدينة تعز (إعلام محلي)

ويهدد نقص الأكسجين الطبي بدوره خدمات حيوية تشمل العمليات الطارئة والعناية المركزة وغسيل الكلى ورعاية حديثي الولادة، حسب إفادات نقلتها المنظمة عن عاملين في القطاع الصحي.

كما أدى انقطاع الوقود إلى تعطيل بعض المنشآت الطبية التي تعتمد على مولدات الديزل لتشغيل أجهزتها. وقال أحد الأطباء إن المنشأة التي يعمل فيها اضطرت إلى التوقف عن تقديم خدماتها لمدة ثلاثة أيام بعد نفاد الديزل، مضيفاً أن المرضى كانوا يصلون ثم يغادرون خائبين لعدم توافر الرعاية اللازمة.

التجويع سلاحاً للحرب

ترى المنظمة الدولية أن عزل المدينة عن بقية اليمن يمثل عاملاً رئيسياً في تفاقم الأزمة، نظراً إلى تأثيره المتزامن على الغذاء والمياه والوقود والأدوية، فضلاً عن صعوبة وصول المساعدات الإنسانية، وسط مخاوف قانونية من أن يؤدي حرمان المدنيين من الاحتياجات الضرورية إلى استخدام التجويع وسيلة في النزاع المسلح.

وذكّرت «هيومن رايتس ووتش» بأن القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام تجويع المدنيين أسلوباً من أساليب الحرب، بما يشمل حرمانهم عمداً من الغذاء والمياه والأدوية والضروريات اللازمة للبقاء، أو عرقلة وصول الإمدادات الإغاثية.

التصعيد الحوثي تسبب في نزوح نحو 150 ألف يمني في محافظة تعز وحدها (إعلام محلي)

وتؤكد القواعد الإنسانية ضرورة تسهيل وصول المساعدات إلى المدنيين وعدم تأخيرها تعسفاً، إلى جانب ضمان حرية حركة العاملين في المجال الإنساني، مع مراعاة القيود المؤقتة التي تقتضيها الضرورات العسكرية.

ودعت المنظمة الحوثيين إلى فتح الطرق الحيوية فوراً أمام نقل السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية، كما طالبت جميع الأطراف المتحاربة بتسهيل وصول الإغاثة وضمان تنقل المدنيين بأمان.

وشددت على ضرورة السماح بدخول الغذاء والوقود والمياه والأدوية والمساعدات الإنسانية إلى تعز دون تأخير، محذرة من أن استمرار القيود قد يفاقم معاناة المدنيين ويعرّض مزيداً من الأرواح للخطر.


ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.