مباحثات يمنية في واشنطن لتعزيز الشراكة مع مؤسسات مالية دولية

الحكومة تسعى لتوسيع نطاق تمويل المشاريع الحيوية

اجتماعات يمنية مكثفة في واشنطن لاستقطاب مزيد من الدعم للتنمية الاقتصادية (سبأ)
اجتماعات يمنية مكثفة في واشنطن لاستقطاب مزيد من الدعم للتنمية الاقتصادية (سبأ)
TT

مباحثات يمنية في واشنطن لتعزيز الشراكة مع مؤسسات مالية دولية

اجتماعات يمنية مكثفة في واشنطن لاستقطاب مزيد من الدعم للتنمية الاقتصادية (سبأ)
اجتماعات يمنية مكثفة في واشنطن لاستقطاب مزيد من الدعم للتنمية الاقتصادية (سبأ)

ضمن التحركات اليمنية الهادفة إلى تعزيز الشراكة مع المؤسسات المالية الدولية ودفع مسار التعافي الاقتصادي، عقد وفد حكومي رفيع سلسلة اجتماعات في العاصمة الأميركية واشنطن مع مسؤولي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لبحث أوجه الدعم التنموي والفني وتوسيع نطاق التمويل للمشروعات الحيوية، في ظل تحديات اقتصادية خانقة ناجمة عن الحرب واستمرار الاعتداءات الحوثية على المنشآت والبنية التحتية.

وأكد وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني واعد باذيب، خلال لقائه نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عثمان ديون، حرص الحكومة على توطيد الشراكة الاستراتيجية مع البنك، وتوسيع نطاق برامجه التنموية في البلاد، مشيداً بدوره المحوري في منع انهيار المؤسسات الحيوية واستمرار الخدمات الأساسية.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني عن الوزير باذيب قوله إن محفظة البنك في اليمن، التي تتجاوز قيمتها ملياري دولار، تمثل «تدخلات تنموية بحتة» تشمل دعم البنية التحتية والإصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مشدداً على ضرورة مواءمة إطار الشراكة القطرية الجديد مع أولويات الحكومة، واستكشاف نماذج تشغيل مرنة تسمح بالتنفيذ الحكومي المباشر للمشروعات في المناطق المحررة.

وأشار الوزير إلى أن تقييم السياسة التشغيلية الذي يجريه البنك الدولي سيفتح الباب أمام إمكانية العمل المباشر مع الحكومة، لافتاً إلى أن استمرار الدعم التنموي في أثناء الصراع لا يقل أهمية عن العمل الإنساني، وحذر من أي تراجع في هذا المسار لأنه سيُضعف فرص التعافي الاقتصادي ويضاعف المعاناة الإنسانية.

يمنية تحمل طفلها الذي يعاني من سوء التغذية في الخوخة جنوبي الحديدة (رويترز)

وشدد باذيب على أن «خلق فرص العمل يمثل الأولوية الوطنية القصوى»، مطالباً البنك الدولي بتعزيز التنسيق مع مؤسسة التمويل الدولية ووكالة ضمان الاستثمار (ميغا) لدعم القطاع الخاص وتحسين بيئة الاستثمار وتوفير أدوات تمويلية مبتكرة وضمانات تخفض المخاطر أمام المستثمرين.

كما دعا إلى دعم إصلاح الشركات المملوكة للدولة وتحويلها إلى مؤسسات مستدامة مالياً، مع التركيز على القطاعات غير النفطية الموجهة للتصدير، وفي مقدمتها الزراعة ومصايد الأسماك، إلى جانب الاستثمار في الطاقة المتجددة والاتصالات والتصنيع ذي القيمة المضافة.

وأشار باذيب إلى أهمية مؤتمر الأمن الغذائي المقرر عقده في الرياض بوصفه محطة محورية لدعم هذا التوجه، مطالباً بتمديد مشروع مصايد الأسماك الحالي وتوسيع مشروع المياه ليشمل محافظات إضافية.

ونقلت وكالة «سبأ» الحكومية أن نائب رئيس البنك الدولي عثمان ديون، أكد التزام البنك بمواصلة دعم اليمن، مشيداً بالإصلاحات التي تنفذها الحكومة والتزامها بسداد القروض رغم الضغوط المالية، لافتاً إلى أن التقييم الجاري للسياسة التشغيلية يسير في اتجاه إيجابي، وأن استراتيجية البنك الجديدة للدول المتأثرة بالصراعات تهدف إلى تعزيز فاعلية التدخلات، وليس تقليص الموارد المخصصة لليمن.

تنسيق موسَّع

في لقاءات منفصلة، بحث محافظ البنك المركزي اليمني أحمد المعبقي، ونائب وزير المالية اليمني هاني وهاب، مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي جهاد أزعور، سبل دعم الإصلاحات الشاملة التي تنفذها الحكومة والبنك المركزي لمواجهة التحديات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار النقدي.

وتناول اللقاء، الذي حضره السفير اليمني لدى واشنطن عبد الوهاب الحجري وعدد من مسؤولي المالية والبنك المركزي، تطورات الوضع المالي والنقدي وتراجع حجم المساعدات الدولية المساندة، إضافةً إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي التي تهدد نحو 85 في المائة من السكان، بينهم 17 مليون يعانون من سوء التغذية الحاد.

يمني يُحضّر وجبات الطعام في مطبخ مؤقت داخل مخيم للنازحين في عدن (رويترز)

وأكد المسؤولون اليمنيون أن الإصلاحات التي نفذتها الحكومة خلال الفترة الماضية أثمرت نتائج ملموسة في الحد من التدهور الاقتصادي، واستقرار سعر الصرف النسبي، وتحسين الإيرادات المحلية، داعين إلى استمرار دعم الصندوق للجهود الحكومية بما يعزز قدرة المؤسسات الاقتصادية على الصمود وتحقيق مزيد من النجاح في برامج الإصلاح.

في السياق ذاته، عقد نائب وزير المالية هاني وهاب، اجتماعاً مع ممثلي إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي، لمناقشة أوجه الدعم الفني المطلوب لوزارة المالية ومصالحها التابعة، خصوصاً مصلحتي الجمارك والضرائب، من حيث تحديث الأنظمة وبناء القدرات المؤسسية وتطوير الهياكل التنظيمية، بما يسهم في تحسين الأداء المالي والإيرادات العامة.

وأكد وهاب أهمية استمرار التعاون الفني مع الصندوق لرفع كفاءة الأداء المالي والضريبي، وتحسين البنية التحتية للبيانات والأنظمة الإلكترونية، مشيراً إلى أن ذلك يشكل ركيزة أساسية لاستدامة الإصلاحات الحكومية في المرحلة المقبلة.

إطار شراكة جديد

كما التقى وزير التخطيط واعد باذيب، المديرَين القُطريَّين للبنك الدولي، ستيفان غيمبرت ودينا أبو غيداء، لمناقشة التحضيرات الجارية لإطار الشراكة القطرية الجديد بين البنك والحكومة اليمنية، والذي سيركز على خمسة محاور رئيسية حددها رئيس مجموعة البنك الدولي: البنية التحتية والطاقة، والأعمال الزراعية، والرعاية الصحية الأولية، والتصنيع ذي القيمة المضافة، والسياحة.

وأكد الوزير اليمني أهمية أن تركز المشروعات المقبلة على خلق فرص العمل في كل قطاع، ودعم برامج تحديث المؤسسات العامة ورقمنة الخدمات الحكومية، وتطوير أنظمة المتابعة والتقييم لضمان الشفافية والكفاءة.

الحكومة اليمنية تسعى لاستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية (سبأ)

ودعا باذيب إلى توسيع قائمة المؤسسات المحلية المدعومة لتشمل قطاعات المياه والطرق والزراعة والكهرباء ومصايد الأسماك، مشدداً على الحاجة إلى تدخل جاد في قطاع الكهرباء يجمع بين الإصلاح المؤسسي والاستثمار ومشاركة القطاع الخاص.

وفي القطاع الصحي، دعا وزير التخطيط اليمني إلى الانتقال من مرحلة الطوارئ إلى التنمية الصحية المستدامة، والتركيز على الأمراض غير السارية والصحة النفسية بوصفها «استثماراً اقتصادياً» يعزز قوة العمل الوطنية.

وحسب الإعلام الرسمي اليمني أشاد مسؤولو البنك الدولي بجودة الشراكة مع اليمن وتجانس فرق العمل، مؤكدين التزامهم بمواصلة الدعم في جميع القطاعات الحيوية، والسعي إلى إعداد إطار شراكة طموح يعكس أولويات الحكومة اليمنية واستراتيجية البنك في الدول الهشة، ويعزز فرص التعافي الاقتصادي وخلق الوظائف المستدامة.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

العالم العربي رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

الحكومة اليمنية تبدأ إصلاحاً مؤسسياً واسعاً لتحديث الجهاز الحكومي ورفع كفاءته رغم الحرب، والأزمة الاقتصادية، مستهدفة الهياكل والموارد والتشريعات والتحول الرقمي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

الحوثيون يوسّعون استقطاب طلاب مدارس عمران عبر استمارات عسكرية وقوائم للتعبئة، وسط تحذيرات من تحويل إلى بوابةً للتجنيد وتعريض الأطفال للاستغلال

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

تحولت برامج التحصين محوراً لاتهام طبيب يمني معتقل لدى الحوثيين منذ أكثر من عامين، بعدما رفض، وفق أسرته، الاعتراف بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» للتجسس...

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

الجيش اليمني يواجه موجة التصعيد الحوثي للأسبوع الرابع بأكثر من 400 عملية استهدفت مواقع وتعزيزات وقيادات، فيما دفعت هجمات الجماعة عشرات الأسر إلى النزوح...

«الشرق الأوسط» (عدن)
خاص اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

خاص المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟