دفاتر العام الثاني لـ«الطوفان»: ما الذي تغير في العالم العربي؟

إطلاق المرحلة الثالثة من «النضال الفلسطيني»

قادة وممثلو الدول المشاركة في القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة في 15 سبتمبر 2025 (رويترز)
قادة وممثلو الدول المشاركة في القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة في 15 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

دفاتر العام الثاني لـ«الطوفان»: ما الذي تغير في العالم العربي؟

قادة وممثلو الدول المشاركة في القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة في 15 سبتمبر 2025 (رويترز)
قادة وممثلو الدول المشاركة في القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة في 15 سبتمبر 2025 (رويترز)

فرح كثيرون في العالم العربي بعملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من دون أن يتفقوا بالضرورة مع استهداف المدنيين، ولا أن يكونوا من أنصار حركة «حماس»، إنما اعتبروها لحظة «ثأر» ورد إهانة للغطرسة الإسرائيلية حين قام تنظيم مسلح بمباغتة واحد من أقوى جيوش العالم، وانتهك حدوده، ونال من كبريائه، وغروه.

ومع العام الثاني باتت الحسابات أكثر تعقيداً وأصبح النظر لعملية 7 أكتوبر غير مرتبط بمشاعر الثأر الأولى، أو ضرب الغطرسة والجبروت الإسرائيليين، إنما بدأ البحث في السؤال الفعلي: إلى أي حد أفادت القضية الفلسطينية، وهل أعادت تفاعل العالم العربي والعالم معها بعدما كاد ينساها أم لا؟

الحقبة الثالثة في الكفاح الفلسطيني

ويمكن القول إن عملية 7 أكتوبر أطلقت الحقبة الثالثة من الزخم السياسي والشعبي المتعلق بالقضية الفلسطينية؛ فالحقبة الأولى بدأت عقب تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في مايو (أيار) 1964، ودخولها لسنوات طويلة في مسار العمليات الفدائية، والمقاومة المسلحة التي جعلت أميركا وإسرائيل تصنفانها منظمة إرهابية. انتهت تلك الحقبة عقب انسحاب مقاتلي منظمة التحرير من بيروت في 1982، ونهاية حقبة العمليات المسلحة التي تنطلق من البلاد العربية، وتراجع العلميات الفدائية.

طفل فلسطيني يرشق ناقلة جند إسرائيلية بالحجارة في مخيم الدهيشة بالقرب من بيت لحم في 5 يوليو 2002 (أرشيفية - رويترز)

وبدأت المنظمة في العمل أكثر من الداخل، وإلى الداخل الفلسطيني، وكانت الحقبة الثانية مع انتفاضة الحجارة في 1987 التي شكلت تحولاً حقيقياً في مسار الكفاح الفلسطيني بتأسيس جدارة لقيمة الكفاح المدني والشعبي الذي بفضله فتح الباب أمام اتفاق أوسلو للتسوية السلمية بين المنظمة وإسرائيل، وعادت قياداتها إلى الضفة وغزة، وتأسست السلطة الفلسطينية، ومناطق الحكم الذاتي، بغرض تأسيس دولة فلسطينية مستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية، لكن لم تحترمها إسرائيل، وأجهضت حلم الدولة بالاستيطان في الضفة الغربية، وبحصار قطاع غزة.

وقد خفت الحديث عن القضية الفلسطينية عقب فشل مسار أوسلو، وتراجع الاهتمام العربي بها إلا عبر البيانات الروتينية للقمم العربية التي أكدت على سبيل إبراء الذمة الجملة المكررة «ضرورة استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني». وظلت إسرائيل في المقابل مستمرة في الاستيطان، واستهداف عناصر المقاومة المسلحة والسلمية على السواء، وبقي العالم منغمساً في مشكلاته الاقتصادية والسياسية، وصراعات نخبه، وهموم شعوبه اليومية.

طفل فلسطيني يلهو بطائرة ورقية في مخيم النصيرات عند شاطئ غزة (أ.ف.ب)

ثمن باهظ

جاءت الحقبة الثالثة التي تأسست عقب عملية 7 أكتوبر العنيفة، والتي لم يتفق على كل جوانبها كثير من مؤيديها حين رفضوا قتل أو أسر أي مدني، ودفع بعدها أهل غزة ثمناً باهظاً جراء العدوان الإسرائيلي الذي مهما قيل إن تل أبيب كانت تقتل وتأسر الفلسطينيين قبل 7 أكتوبر إلا أنه لا يمكن مقارنة ما كان يجري قبلها وبين ما جرى بعدها. فمهما قيل عن الجرائم البشعة التي ارتكبتها دولة الاحتلال منذ عام 1948 وحتى اللحظة، فإنها لم تكن تحت أي ظرف ستقتل 65 ألف فلسطيني معظمهم من المدنيين الأبرياء، وستدمر قطاع غزة بشكل شبه كامل ما لم تكن هناك عملية 7 أكتوبر بكل تأثيرها على المجتمع الإسرائيلي.

ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن هذه العملية أسست للحقبة الثالثة من تاريخ القضية الفلسطينية، وأعادت مرة أخرى الزخم الشعبي للقضية، وأصبح العالم العربي شعبياً ورسمياً يضع القضية الفلسطينية على رأس تحركاته الدولية؛ فالأداء العربي الذي كان دائماً محل نقد بسبب عدم الاهتمام الكافي، جعلها محور مساعيه الدبلوماسية، بل وعقد لها مؤتمرات ومبادرات خاصة، وأعاد الدفع باتجاه حل الدولتين، والاعتراف بالدولة الفلسطينية كما بادرت السعودية، وفرنسا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير خارجية المملكة العربية السعودية يترأسان قمة الاعتراف بفلسطين وحل الدولتين في الجمعية العامة في نيويورك (إ.ب.أ)

مفارقة 7 أكتوبر

العالم العربي الذي اختلف على عملية 7 أكتوبر، واختلف أكثر مع «حماس»، عاد وتحرك بشكل مختلف تماماً. وتلك مفارقة 7 أكتوبر، فمن أيدوها أو عارضوها عربياً أصبحوا الآن مضطرين أن يتعاملوا مع نتائجها، وتداعياتها، ومنها اعتراف 11 دولة أوروبية ومعهم كندا وأستراليا وعشرات الدول الأخرى بالدولة الفلسطينية، وهو مكسب لا يستطيع أحد أن يتجاهله.

إن دلالة الحقبة الثالثة من «الفعل الفلسطيني» أنه جرت عولمته على خلاف الحقبتين السابقتين، فقد كان بالأساس حركة تنظيمات فلسطينية دعمتها دول عربية، واختلفت معها أخرى، وحاولت ثالثة أن تجعلها تابعة لها، أما مع الحقبة الثالثة فقد تعولمت القضية الفلسطينية، وترافقت التحركات العربية بتواصل مع العالم الخارجي، والمجتمع الدولي.

الدرس الأخير

لعل أهم ما اتضح بعد عامين من عملية 7 أكتوبر أن إدانتها لن تشطب تأثيرها، والإشادة بها لن تلغي مآسيها، وأن الدرس الحقيقي أن هناك واقعاً جديداً خلقته 7 أكتوبر «المختلف عليها»، ويجب التعامل معه، واعتباره فرصة تاريخية يمكن أن يكون ثمن سقوط 65 ألف نفس بشرية هو إنهاء الاحتلال، والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو مسار وعر وشاق قد يحتاج لحقبة جديدة رابعة من نضال مدني وسلمي، وكوادر فلسطينية تختلف عن كوادر «حماس»، وقادرة على فهم العالم، والتواصل معه، والتأثير فيه.


مقالات ذات صلة

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الطعام من أحد المطاعم الخيرية في دير البلح وسط قطاع غزة أمس (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي يوقف المساعدات لنصف مليون شخص في غزة

أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، اليوم (الاثنين)، أنه سيوقف تقديم المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف شخص في قطاع غزة بسبب نقص التمويل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الخارجية المصري خلال استقبال وفد حركة «فتح» بالقاهرة في أبريل 2025 (الخارجية المصرية)

«فتح»: مشاورات القاهرة تمهد لحوار وطني شامل لإنهاء الانقسام الفلسطيني

قالت حركة «فتح» الفلسطينية إن مشاورات القاهرة تمهد لإطلاق حوار وطني شامل من خلال التوصل إلى تفاهمات مع حركة «حماس» وبقية الفصائل، في إطار جهود تقودها مصر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون يشاركون في مراسم تشييع جماعية في حي الدرج بمدينة غزة (أ.ف.ب)

تشييع 75 جثماناً انتُشلوا في غزة... و8 آلاف لا يزالون تحت الأنقاض

شيَّع فلسطينيون اليوم (الأحد) رفات 75 جثماناً انتشلوا من تحت أنقاض مبانٍ في حي الدرج بمدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الولايات المتحدة​ جنود إسرائيليون يتجهون إلى قرية قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية المحتلة والتي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين الإسرائيليين (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن تطالب إسرائيل بـ«ردع» عنف المستوطنين في الضفة الغربية

قال ‌وزير الخارجية ‌الأميركي، ​ماركو ‌روبيو، إن ⁠مشاهد ‌عنف المستوطنين ‌في ​الضفة ‌الغربية «مزعجة»، بما ‌في ‌ذلك لقطات لواقعة تعرِّض ⁠مصورة صحفية للاعتداء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يهدد حياة 147 ألف امرأة في تعز

تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)
تفقد 3 نساء يمنيات حياتهن يومياً بسبب مضاعفات الحمل (إعلام محلي)

يهدد الحصار الذي تفرضه الميليشيات الحوثية على مدينة تعز اليمنية حياة أكثر من 147 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب، في ظل تراجع الخدمات الصحية، وتعذُّر الوصول إلى الرعاية المنقذة للحياة، وسط تصاعد الأعمال العدائية وتدفق موجات جديدة من النازحين من الساحل الغربي.

وحذَّر صندوق الأمم المتحدة للسكان من أن أكثر من 147 ألفاً و600 امرأة وفتاة في سن الإنجاب يواجهن صعوبات في الحصول على الخدمات الصحية الضرورية، مع استمرار القيود المفروضة على الوصول إلى المدينة، وتفاقم الضغوط على المرافق الطبية بفعل العنف والنزوح ونقص الإمدادات.

وتكشف الأرقام الأممية عن تدهور حاد في خدمات الأمومة وحديثي الولادة؛ إذ لا يعمل سوى 5 مستشفيات بشكل جزئي من أصل 27 مستشفى مخصصاً لهذه الخدمات في حالات الطوارئ داخل المدينة. ويؤدي نقص الوقود والمستلزمات الطبية والكوادر المؤهلة للمساعدة في الولادة إلى ارتفاع تكاليف العلاج والنقل، ويقلص فرص حصول النساء على الرعاية الضرورية في الوقت المناسب.

الحوثيون شرَّدوا أكثر من 150 ألفاً من سكان ريف تعز (إعلام محلي)

وتواجه النساء الحوامل مخاطر متزايدة في ظل هذا التراجع. ويقدِّر الصندوق الأممي أن أكثر من 13 ألفاً ومائة امرأة حامل يواجهن صعوبة في الوصول إلى خدمات صحة الأم، بينهن نحو 1500 امرأة يُتوقع أن يضعن مواليدهن خلال الأسبوعين المقبلين. وتحتاج 500 امرأة على الأقل إلى رعاية توليدية طارئة وخدمات لحديثي الولادة، ما يعرضهن لمضاعفات قد تهدد حياتهن في حال تعذُّر التدخل الطبي العاجل.

قيود وانعدام الحماية

لا تقتصر تداعيات الحصار الحوثي على الخدمات الصحية؛ بل تمتد إلى الحماية الإنسانية. ووفق البيانات الأممية، توقف نحو 75 في المائة من خدمات الحماية من العنف الموجهة للنساء والفتيات في محافظة تعز، بما يشمل المساحات الآمنة والملاجئ. كما تواجه النازحات ذوات الإعاقة نقصاً في الأجهزة المساعدة والمستلزمات الخاصة باحتياجاتهن اليومية.

وأشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيود المفروضة على الوصول تحول دون إيصال «حقائب الكرامة» إلى المدينة، ما يحرم النساء والفتيات النازحات من مستلزمات الصحة الشخصية، ويزيد تعرضهن لمخاطر الاستغلال والعنف وزواج الأطفال القسري.

الحوثيون يواصلون استهداف الأحياء السكنية في تعز (إعلام محلي)

وقال فرانشيسكو غالتيري، ممثل الصندوق في اليمن، إن تعذُّر الوصول إلى الخدمات المنقذة للحياة يزيد المخاطر التي تواجه صحة النساء والفتيات وسلامتهن وفرص بقائهن على قيد الحياة، مؤكداً استعداد الشركاء الإنسانيين للاستجابة، ولكنهم يحتاجون إلى وصول آمن ومستدام ومن دون عوائق، للوصول إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر.

يأتي ذلك في وقت يسجل فيه اليمن أحد أعلى معدلات وفيات الأمهات في المنطقة العربية، مع وفاة 3 نساء يومياً بسبب مضاعفات الحمل التي يمكن الوقاية منها، بينما تفتقر 6.2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، وفق البيانات الواردة عن الصندوق الأممي.


المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
TT

المساجد... منصات حوثية لتمويل الحرب واستقطاب المقاتلين

الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)
الحوثيون يستغلون منابر المساجد لخدمة مشروعهم الانقلابي (الشرق الأوسط)

حوّلت الميليشيات الحوثية المساجد في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها إلى أدوات للتعبئة العسكرية وجمع الأموال، مستغلةً المنابر لحشد المقاتلين واستنزاف جيوب المصلين تحت لافتة ما تسميه «المجهود الحربي»، في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية وتتراجع قدرة السكان على توفير احتياجاتهم الأساسية.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الميليشيات الحوثية كثّفت، خلال الأيام الأخيرة، حملات جمع التبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها في ثماني مديريات بصنعاء، عبر نصب صناديق مالية وحث المصلين على تقديم الأموال لتمويل أنشطتها العسكرية، بما في ذلك ما تسميهما «القوة الصاروخية» و«الطيران المسيّر».

وأضافت المصادر أن معمَّمي الميليشيات الحوثية استغلوا المساجد للدعوة إلى التبرع العاجل، بالتوازي مع حملات تحريض معنوي تستهدف دفع المواطنين إلى الاستجابة، وربط الامتناع عن تقديم الأموال بالتقاعس عن نصرة الجماعة، في مسعى لتوظيف الضغط الديني والتخوين السياسي لانتزاع مزيد من الموارد.

مسجد في صنعاء حوله الحوثيون إلى مكان للتعبئة (إعلام حوثي)

ولا تقتصر التحركات الحوثية على جمع الأموال، إذ امتدت إلى استقطاب مقاتلين جدد من داخل المساجد، من خلال دعوات إلى ما تسميه «النفير العام»، وتسجيل أسماء الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال، خصوصاً في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي.

وتكشف هذه الحملات عن مساعٍ حوثية للجمع بين تأمين التمويل واستقطاب المقاتلين، في وقت تواجه فيه الجماعة خسائر بشرية وعسكرية على عدد من الجبهات، بينما يتحمل السكان أعباء اقتصادية متزايدة.

ضغوط من المنابر

حسب مصلّين، تضمّنت الدعوات الحوثية اتهامات لمن يمتنعون عن التبرع بالتقاعس واللامبالاة، وربطت عدم التجاوب مع الدعوات بالوقوف إلى جانب الحكومة الشرعية، في محاولة لدفع المصلين إلى تقديم الأموال تحت ضغط ديني وسياسي.

وأثارت هذه الممارسات استياءً بين سكان رأوا فيها استغلالاً لحرمة دور العبادة وتحويلها إلى نقاط لجمع الأموال وتمويل الحرب، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من تدهور القدرة الشرائية وتراجع مصادر الدخل، وتكافح أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها اليومية.

عنصر أمني حوثي في تفتيش يسبق تجمعاً مسلحاً في صنعاء (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن الحملات شملت مديريات الوحدة، ومعين، والسبعين، والتحرير، وآزال، وصنعاء القديمة، والثورة، والصافية، حيث وُضعت صناديق للتبرعات داخل المساجد وعلى أبوابها، مع حث المصلين على تمويل الأنشطة العسكرية للجماعة.

وتزامنت هذه التحركات مع تصعيد دعوات التجنيد، إذ دفعت الجماعة بعناصر تابعة لها إلى بوابات عدد من المساجد عقب صلاة الجمعة، حاملين سجلات وطاولات وكراسي، بهدف تسجيل بيانات الراغبين في الالتحاق بدورات عسكرية وتعبوية.

عزوف عن التجنيد

يقول رامي، وهو أحد سكان صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن عناصر حوثية ترتدي بزات عسكرية وصلت في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي إلى بوابات أحد المساجد في منطقة التحرير وسط العاصمة، مصطحبةً سجلات التسجيل، بالتزامن مع مناشدات أطلقها خطباء تابعون للجماعة لحث المصلين على الاستجابة.

تصعيد الحوثيين يفاقم النزوح ويهدّد الأمن الغذائي بتعز (رويترز)

وأضاف أن معظم المصلين رفضوا التجاوب مع الدعوات، وغادر كثيرون منهم عقب الصلاة من دون الالتفات إلى العناصر التي كانت تنتظرهم عند البوابات، في مؤشر على تنامي العزوف عن حملات التحشيد، وفق روايته.

وأفادت المصادر بأن معمّمي الجماعة ربطوا المشاركة في الدورات العسكرية بما وصفوها بالواجبات الدينية والوطنية، في مسعى لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في المقاتلين، بالتزامن مع المواجهات المستمرة في عدد من خطوط القتال.

وتضع هذه التحركات المساجد في قلب مساعي الجماعة لتعبئة الموارد البشرية والمالية، بعدما باتت المنابر وسيلة لحشد الدعم لأنشطتها العسكرية، بدلاً من الاقتصار على دورها الديني والاجتماعي.


الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
TT

الحوثيون يستنفرون المئات من عناصرهم لتعويض خسائرهم في تعز

رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)
رغم الحصار الحوثي على تعز فإن جبهاتها مستمرة في استنزاف قدرات الجماعة (إعلام عسكري)

دفعت الميليشيات الحوثية بتعزيزات عسكرية جديدة من صنعاء وذمار وإب باتجاه محافظة تعز، في مسعى لتعويض خسائرها البشرية وتعزيز مواقعها القتالية، وسط تعثر جهود استقطاب مقاتلين جدد من السكان والقبائل في مناطق سيطرتها.

وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن التعزيزات التي تحركت خلال الساعات الماضية ضمت عشرات العربات العسكرية التي تُقلّ مئات المسلحين، متجهة إلى جبهات القتال في تعز، خصوصاً الجبهة الغربية للمدينة التي تشهد مواجهات متواصلة.

وأوضحت المصادر أن غالبية المجنّدين الذين شملتهم التعزيزات ينتمون إلى فئة المهمّشين من ذوي البشرة السمراء، إلى جانب عناصر وضباط أمنيين سُحبوا من مراكز الشرطة والسجون وأُلحقوا بالتشكيلات المتجهة إلى الجبهات، في مؤشر على الضغوط التي تواجهها الجماعة لتوفير مقاتلين جدد وسد النقص في صفوفها.

ويأتي إرسال هذه التعزيزات في ظل تراجع قدرة الجماعة على استقطاب مزيد من المقاتلين من المواطنين وأبناء القبائل، مع تصاعد الرفض الشعبي والقبلي لحملات الحشد والتعبئة؛ مما يدفعها إلى نقل عناصر من محافظات عدة خاضعة لسيطرتها لتعزيز خطوط المواجهة.

عربة حوثية على متنها مجندون جدد ضمن التعزيزات الحوثية الأخيرة إلى تعز (فيسبوك)

ورصد سكان في مناطق حزيز بصنعاء، ومعبر بمحافظة ذمار، ومفرق حبيش ومنطقة القاعدة بمحافظة إب، أرتالاً عسكرية حوثية تعبر الطريق الرئيسية الرابطة بين المحافظات الثلاث وتعز، مساء السبت والأحد الماضيين.

وقال السكان إن العربات كانت تمر على دفعات متتابعة تفصل بينها بضع دقائق، وعلى متنها المسلحون الحوثيون، في تحركات بدت جزءاً من عملية نقل منظمة لتعزيز الوجود العسكري للجماعة في المحافظة.

وذكرت المصادر أن المجنّدين نُقلوا بعد تلقي تدريبات قتالية مكثفة أشرف عليها قادة ميدانيون، مشيرة إلى أن التحركات سبقتها عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية متنوعة إلى عدد من جبهات القتال في تعز.

ضغوط التجنيد

تتزامن التعزيزات الحوثية مع استمرار المواجهات في محيط مدينة تعز، وسط خسائر بشرية وعسكرية تتكبدها الجماعة الحوثية، وفقاً للمصادر، في وقت تسعى فيه إلى تدعيم مواقعها بمزيد من الأفراد والعتاد.

عمال النظافة في اليمن مستهدفون حوثياً بالتجنيد والحشد (فيسبوك)

ويعكس اللجوء إلى استقدام مجنّدين من محافظات مختلفة، بالتزامن مع تعثر استقطاب أبناء القبائل والسكان، صعوبة رفد الجبهات بالمقاتلين، ويزيد من اعتماد الجماعة على حملات التعبئة ونقل العناصر إلى خطوط المواجهة.

كما يسلّط هذا التحرك الضوء على التكلفة التي يفرضها الحوثيون على السكان في مناطق سيطرتهم، مع الدفع بمزيد من المجنّدين إلى جبهات القتال بدلاً من الاستجابة لمعالجة الانهيار المعيشي والخدمي.